الواجهة » الإسلام » النبي وأهل البيت » اهل البيت عليهم السلام » الإمام السجاد عليه السلام » وسلاحه البكاء (رواية)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   خريطة الموقع
   قاموس مصطلحات الموقع
   بطاقات إسلامية
   شاهد سجل الزوار
   وقّع في سجل الزوار
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   سؤال وجواب
   مدينة للصغار
   أشواق ملوّنة
   ألبوم الذكريات
   001
   بحث في الموقع


في محراب القدس
كما تشير البوصلة إلى قطب الشمال، كان هناك شيءٌ مايتجه من بعيد يشير إلى بقعة على شطآن الفرات.. إلى منائر تنبعث من أعماق المياه.. شيء يشبه الروح تُفصح عنه الحوادث كما تفصح الأرض عن سرّ البذار.
مضى التاريخ يشعل الحوادث هنا وهناك. الخيول تهزّ الأرض وتثير الغبار.. تُغير علىالمدن، في العراقَين وفي الحجاز.
فقد الإنسان العربي طمأنينته.. ورحل زمن السلام، وهاجرت الروح بعيداً.
وعندما تغيب الروح، تنطفئ الجذوة المشتعلة الّتي تضيء للإنسان طريقه في الحياة.
بدت الكعبة ذلك العام كسفينة وسط أمواج بشرية متدافعة.
تمتم « زين العابدين » بحزن:
ـ ما أكثر الضجيج، وأقلّ الحجيج!!
وقف سعيد بن المسيب وسط حشود القرّاء يتنظرون رجلاً يدعوه الناس بألقاب؛ فاذا قيل « ذو الثَّفَنات » أو « سيّد العابدين » أو « زين العابدين » أو « السجّاد » أو « الزكيّ » أو « الأمين » فإن الأذهان تنصرف الى شابّ في الثلاثين من عمره.. عليه سيماء النبوّات وقد رسم الحزن لوحة في عينيه تموج فيها غيوم مخزونة بالمطر.
ـ ها هو قادم.
هتف أحد القرّاء وقد أشار إلى جهة تفضي منها قوافل الحجيج.
ورنت الأبصار إلى نبع الطمأنينة في دنيا كلُّ ما فيها يدور بعنف.
تهفو له القلوب الحائرة وهي تبحث عن طريق السماء بعد ما تشابهت عليهم السبل.
انطلق الركب باتجاه الشمال الى حيث هاجر محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم من قبل؛ سفن الصحراء تطوي المسافات الزاخرة بالرمال.
مالت الشمس نحو المغيب، وألقت السفن مراسيها ليلتقط المسافرون أنفاسهم.
ثمّة شجيرات تحيط بغدير ماء، ومضارب لخيام بعيدة، ونسوة يحملن جرار الماء ويتّجهن صوب الخيام.
غابت الشمس وراء كثبات الرمال؛ وبدت ذرى التلال متّقدة بضوء يفور حمرة.
شمّر « زين العابدين » عن مرفقيه وراحت مياه الوضوء تنثال على وجه مضيء فتتساقط حبّاتها مُحْدِثةً نغماً هادئاً.
اتجه حفيد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكلّيته إلى البيت المعمور وكبّر للصلاة. بدا كتمثال منحوت بخشوع ما خلا نسمات كانت تحرّك ثيابه البيضاء برفق.
خيّم صمت مهيب.. لكأن روح الإنسان وهي تتصل بسبب إلى السماء تهيمن على كلّ ما حولها ومَن حولها من شجر وحجر وآدميّين.
هوى الكائن الأبيض ساجداً للحقيقة الوحيدة؛ كحمامة تبشّر بالسلام.
انبعثت كلمات أخّاذة.. لكأنّها نهر يتدفق من جنّات الفردوس، تنساب هادئة معبّرة تمسح على القلوب فتهبها السكينة، وعلى الرمال فتغمرها خشوعاً وجلالاً.
النبع المتدفق يسحر الكائنات بتسبيح الإنسان:
سبحانك اللّهمّ وحنانَيك
سبحانك اللّهمّ وتعاليت
سبحانك اللّهمّ والعزُّ إزارُك
سبحانك اللّهمّ والعظمة رداؤك
سبحانك اللّهمّ والكبرياء سلطانك
سبحانك من عظيم ما أعظمك!
سبحانك سُبِّحتَ في الأعلى.. تسمع وترى ما تحت الثرى
سبحانك أنت شاهد كلّ نجوى
سبحانك موضع كلّ شكوى
سبحانك حاضر كلّ ملأ
سبحانك عظيمَ الرجاء
سبحانك ترى ما في قعر الماء
سبحانك تسمع أنفاس الحيتان في قعور البحار
سبحانك تعلم وزن السماوات
سبحانك تعلم وزن الأرضين
سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر
سبحانك تعلم وزن الظُّلمة والنور
سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء
سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرّة
سبحانك قُدّوس قدوس قدوس
سبحانك عجَباً مَن عرفك كيف لا يخافك!
سبحانك اللّهمّ وبحمدك
سبحان الله العليّ العظيم.
أمرٌ عجيب! ماذا حدث ؟ ما هذا الدويّ الذى تردده الكائنات، لكأنّ صوت الإنسان قد فجّر في مكنوناتها الأسرار كما تنفجر من الصخر ينابيع الحياة في لحظة تماسٍّ مع الغيب.
الأشواك وذرّات الرمال والشجيرات المتناثرة هنا وهناك.. تردّد بصوت يشبه دويّ النحل في نخاريبها: سبحان الله.. سبحان الله.
مرّت لحظات مشحونة سمع فيها أبناء آدم ـ وقد عادوا من الحجّ الأكبر ـ تسبيحَ الكائنات.
فغرت الأفواه دهشة وانعقدت الألسن في اللحظة التي يلج فيها ابن آدم عالم الملكوت.
رفع الّذي عنده علم الكتاب رأسه من الأرض والتفت إلى ابن المسيب:
ـ أفزِعتَ يا سعيد ؟!
أجاب سعيد وقد ثاب إلى رُشده:
ـ نعم يابن رسول الله..
ـ هذا التسبيح الأعظم..
سكت هنيهة ثمّ أردف:
ـ حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله، لا تبقي الذنوب مع هذا التسبيح، وأنّ الله جلّ جلاله لمّا خلق جبريل ألهمه هذا التسبيح وهو اسم الله الأكبر.
عادت الأشياء إلى طبيعتها، وآب الإنسان إلى عالمه حيث الأشجار صامتة وذرّات الرمال غافية منذ آلاف السنين، وبقي الإنسان يتذكّر لحظة قدسية ولج فيها الملكوت ثم عاد إلى طبيعته مرّة أُخرى.

الرؤية المستقبلية
الأرض العربية تهتزّ تحت حوافر آلاف الخيول وهي تَغير على المدن فتشتعل المعارك، ويتصاعد دخان الحرائق ليحرق العيون.. كلَّ العيون.
شبّت النار في « عين الوردة » وقد قُتل صحابةٌ كانوا حول الرسول، وامتد الحريق الى « الموصل » هناك على شطآن « الخابور » قبل أن يرفد « دجلة » ملحمة يسقط فيها رأس « الأرقط »، وتشب النار في بطائح الفرات في ثورة للزنوج ثمّ تندلع في « الحَيرةَ » لتحرق الكوفة، ويقاتل المختار وحيداً في أزقّتها وتتقدم زوجته بشجاعة إلى لحظة الإعدام؛ لتكون المرأة الأخرى التي تُقتل صبراً في تاريخ الإسلام.
الكوفة تستسلم لعبد الملك، والحجاج بن يوسف يشدّد الحصار على مكّة ويقصف الكعبة بالمنجنيقات.
الكعبة تحترق مرّة أُخرى وقد سجّر الشيطان نيرانه والجيوش الغازية تقتحم مكّة فيرتفع ابن الزبير على أعواد الصليب.
حتّى إذا دخل الخريف وقد مرّت سبعة قرون على ميلاد المسيح عليه السّلام.. كان عبدالملك قد بسط سطوته على الأرض الإسلامية من خراسان إلى « قرطاجة ».
خيّم سلام المقابر فوق الأرض، بعد أن أُخمدت الأنفاس في « دير الجماجم » ليبدأ عهد جديد.. عهد الإرهاب، وقد تسلّط وحش كاسر يُدعى « الحجّاج» على مشارق الوطن المقهور.
واستيقظت في الذاكرة أحاديث قديمة.. كلمات نقلها الرواة حول رجل يأتي في آخر الزّمان يحيل سنوات الرماد إلى أعوام خصب، وقد وُلد الربيع واستيقظت مواسم البذار؛ والبيادر تموج بحَب الحصيد.
نظر ابن جُبَير إلى سيماء النبوّات تطوف فوق جبين حفيد النبيّ، تفجّر نبعُ حبٍّ في القلب حتّى فاضت كلمات:
ـ إنّي لأحبّك في الله حبّاً عظيماً.
أطرق ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله ثمّ رفع رأسه إلى السماء وهتف بخشوع:
ـ اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أُحبَّ فيك وأنت لي مبغض..
والتفت الى سعيد وقال:
ـ وإنّي لأحبّك للّذي تُحبّني فيه.
خيّم صمت حزين، وقد اشتعلت مشاهد قانية في ذاكرة الرجل الكوفي:
ـ حدّثْني يا سيدي عن المهديّ.
أدرك ما يجول في خاطر رجل مقهور ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهو يروم العودة إلى الكوفة.. إلى حمامات الدم المراق بلا ذنب.
قال سليل النبوّات:
ـ في المهديّ يا سعيد سُنّة من سبعة أنبياء: من أبينا آدم ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأيوب، وسنّة من محمّد.. فمِن آدم ونوح طول العمر، ومن إبراهيم خفاء الميلاد واعتزال الناس، ومن موسى الخوف والغَيبة، ومن عيسى اختلاف الناس فيه، ومن أيوب الفرَج بعد البلاء، ومن محمّد الخروج بالسيف..
أطرق ابن جبير يتأمّل في ملامح القادم الأخضر.. الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فلقد ضجّت ظلماً وجوراً.
غادر سعيد أرض الحجاز متوغلاً في الصحراء العراقية.
ودّع عوالم السلام في مكّة والمدينة ودخل الأرض الحزينة الّتي ما تزال تبحث عن أبنائها ولمّا تفقد الأمل بعد.

صفعات على وجه الطغيان
جلس الحجاج في قصره المنيف إلى يمينه « تياذوق » وإلى شماله « تاودون » تبرق عيونهما حقداً على الأشياء الّتي تنبض بالحياة.. على القلوب التي تخفق بالحبّ، حتّى أنّ المرء ليعجب كيف أصبحا طبيبين.
رائحة الدم تزكم الأُنوف.. صمت مهيب يغمر المكان، وقد بدا القصر مسحوراً.. العيون جامدة كأحداق زجاجية، والقلوب مقدودة من صخورصمّاء قاسية.
كان «الحجاج» ينتظر غريماً طالما جدّ في البحث عنه.. وها هم يرسلونه مخفوراً من مكّة.
ارتفعت جلبة في باب القصر، عرف الحجاج أنّهم قد جاءوا به. لبس جلد الأفعى وصوّب نظرات حارقة إلى الباب.
ودخل رجل لايخشى أحداً إلاّ الله..
كان هادئ القسمات مطمئناً.. لا تعلو وجهَه تلك الصفرة التي تغشى مَن وقع في قبضة الجلاّدين.
تمتم الحجاج ساخراً وهو يصعّد النظر في غريمه:
ـ أنت شقيّ بن كُسَير؟
أجاب بغير اكتراث:
ـ أُمّي أعرف باسمي.
ـ لقد سمعتُ أنّك لم تضحك قط.
ـ لم أرَ شيئاً يضحكني.. وكيف يضحك مخلوق من طين!
ـ ولكنّي أضحك.
ـ كذلك خلقَنا الله أطوارا.
ـ هل رأيت شيئاً من اللهو ؟
ـ ...
صفّق الحجاج بيديه .. فوقف المطربون صفّاً، وارتفعت أصوات الأبواق، وصدح الناي، وعلا الضرب على الأعواد.
وبكى سعيد.. انهمرت دموعه كغمامة حزينة.
تمتم « الجلاّد » حانقاً:
ـ ما لك تبكي ؟
ـ لقد تذكرت أمراً عظيماً، لقد ذكّرني البوق بيوم النفخ في الصُّور.. وهذا العود نَبَتَ بحقّ وقُطع للباطل والفساد.
ـ أنا قاتلك لامحالة.
ـ الموت مصيرنا جميعاً.
ـ أنا أَحبُّ إلى الله منك.
ـ الله وحدَه علاّم الغيوب.
ـ أنا مع خليفة المسلمين وأميرالمؤمنين.
ـ ...
أشار الّذي بقبضتَيه السوط والسيف فجاء جلاوزة يحملون الذهب والفضة.. ورمى الجلاوزة سحرهم الذي يخطف بالأبصار.. التفت الحجاج إلى الرجل المكبّل بالأغلال:
ـ ما رأيك في هذا ؟
ـ هذا حسن إن قمتَ بشَرْطه.
ـ ما هو شرطه ؟
ـ أن تشتري به الأمن يوم الفزع الأكبر.
ـ الويل لك!
ـ الويل لمن زُحزح عن الجنّة فهوى في قعر الجحيم!
صرخ الحجاج بعصبيّة:
ـ اضربوا عنقه.
قال المحكوم عليه بالموت:
ـ حتّى أُصلّيَ ركعتين.
اقترب « تاودون » من الأسير.
وضع أُذنه على بقعة صغيرة في أعلى اليسار من القفص الصدري.
أرهف السمع.. كان يتوقع أنّ القلب المحكوم بالموت سيتحول إلى طبل يدقّ بعنف.. يُطلق صيحات الاستغاثة والرعب. القلب المؤمن يخفق بهدوء.
ـ أمرٌ عجيب!
تمتم الطبيب، وراح يتفرّس في وجه الرجل العجيب.. كلّ شيء يبدو هادئاً لكأن هذا الرجل ليس محكوماً بالفَناء.. إنّه ينظر إلى الموت باستخفاف .. لربما يحسبه قنطرة يَعبر خلالها إلى عالم مفعم بالسلام والسعادة.
وتوجّه الرجل الّذي أوشك على الرحيل إلى عالم لانهائي. الصلاة تنساب من بين شفتَيه كنهر هادئ:
ـ وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرض.
صرخ الحجاج:
ـ إحرفوه إلى قبلة النصارى.
النهر الهادئ يتدفق سلاماً:
ـ أينما تُولّوا فثَمّ وجهُ الله..
وانطلقت دعوة المظلوم تشقّ طريقها نحو السماء:
ـ اللّهمّ لا تترك له ظُلْمي، واطلبْه بدمي، واجعلني آخر قتيل يقتله من اُمّة محمّد..
وارتفع سيف الجلاد ليهويَ ويهوي معه رأسٌ ما انحنى لغيرالله.. وسمع الحاضرون صوتاً مهيباً:
ـ الله أكبر.. الله أكـ بـ ر..
كان الحجاج ينظر متلذذاً إلى الدماء وهي تتدفق من الأوداج.
الدماء تتدفق.. تتدفق.
فَغَر الحجاج فاه! إنّه لم يرَكهذا الدم الّذي يشخب كالميزاب. التفت إلى «تياذوق» متسائلاً يطلب جواباً لهذا الدم الذي يتدفق بلاانقطاع!
قال طبيب الجلاّدين:
ـ إن كلّ الّذين قتلتَهم كانوا خائفين .. تجمّد الدم في عروقهم قبل أن يموتوا .. ماتوا قبل أن يُقتَلوا.. أمّا هذا؟!
ـ تكلّم!
ـ لم يمت حتّى بعد القتل..
صرخ الحجاج كمن أصابه مسّ من الجنون:
ـ مالي ولِسعيدِ بنِ جُبير!

الملجأ الواقعي
وقف « عبدالملك » في شرفة « قصر الخضراء » ينظر إلى المساحات الخضراء الممتدة.. وينابيع المياه المتدفقة؛ وهي تندفع خلال الأشجار.
شعر بضيق في صدره، كان يقلّب رسالة من الحجاج حاكم المشرق الّذي ثبّت له أركان الحكم بقوّة الحديد والنار. فيها كلمات تكاد تكون إنذاراً:
ـ إذا أردت أن يَسلم لك مُلكك فاقتل عليَّ بن الحسين..
ـ أمرٌ عجيب!!
تمتم عبدالملك وهو يغادر الشرفة وأردف:
ـ إنّه يبدو بعيداً عن شؤون الدنيا، منصرفاً عن الحياة، منزوياً في بيته يدعو.. و.. يبكي، ليس غير.. وهاهو الحجاج يقول بأن الخطر يكمن في هذا الرجل!
لا.. لا..
هتف الحاكم .. بصوت مبحوح وأردف:
ـ لن ألغ في هذا الدم. لقد رأيت بأُمّ عينيِّ ماذا فعلت دماء الحسين من قبل.. كيف أحرقت آل أبي سفيان ولم تُبقِ لهم باقية. ولكن سأُحصي عليه حركاته وسكناته. سأخنقه بالجواسيس، أمّا القتل فلا..
دخل الحاجب يحمل بيده رسالة من وراء الحدود.
فضّ الحاكم الختم باهتمام، فهي من القيصر « جوستنيان » إمبراطور الروم.
وحضر المترجم قبل استدعائه.
كاد الحاكم أن ينهار على الأرض وهو يصغي لكلماتٍ فيها تهديد ووعيد.. وغطرسة:
ـ أكلت لحمَ العبير الّذي هرب عليه أبوك من المدينة.. لأغزونّك بجنود مئة ألف ومئة ألف ومئة ألف.
هتف الحاكم مذعوراً وهو يتصوّر تدفق آلاف الجنود عبر الحدود لتأتي على كلّ ما حقّقه من انتصارات، ويصبح مُلكه في خبر كان..
ليس.. الحرب هي مصدر الخطر.. هناك سلاح آخر أكثر فتكاً. لسوف يقطع عن دولة الإسلام النقد. وهذا يعني خراب البلاد.
تمتم وهو يتهالك على سرير كبير محلّى بالذهب:
ـ أحسَبُني أشأمَ مولود وُلد في الإسلام.
نشر المساء ظلاله وبدا قصر الخضراء في غمرة الظلمة الخفيفة بومةً جاثمة تترقب شيئاً ما.
كان ضوء القناديل يتدفق من نوافذ القصر فبدت مساقط الضوء كدنانير ذهبية.. أو هكذا كان خطَرَ في بال « الخليفة » وهو يتأمّل ديناراً رومياً فيه كلمات عن الأب والابن وروح القدس..
حضر علية القوم وأخذو أماكنهم وهم ينظرون من طرف خفيّ إلى حاكم البلاد من شرق خراسان إلى أطراف « قرطاجة ».
طوّح الحاكم المهموم بالدينار في الفضاء، فسقط على البلاط المرمري مُحْدِثاً رنيناً ساحراً.
هتف بغيظ:
ـ سوف يقطعون عنّا النقد.
فغرت بعض الأفواه.. واتسعت بعض العيون دهشة وهم يصغون إلى أنباء قادمة من وراء الحدود .. القيصر يطلب المزيد.. لم تعد تُقنعه مئات الخيول العربية التي تدفعها الخلافة الإسلامية منذ عهد معاوية وإلى اليوم.. لم يعد يرضيه مئات العِيسويين الّذين يرغبون بالنزوح إلى القسطنطينية.. ولا آلاف الدنانير في كلّ جمعة. ها هو يريد التنازل عن مزيد من الأراضي التي حرّرتها خيول الفتح.
هتف الحاكم بصوت يشبه الاستغاثة:
ـ ماذا أفعل ؟
كان الصمت هو الردَّ الّذي تلقّاه..
تمتم « روح بن زنباع » من أقصى المجلس.. ترددت كلماته رغم خفوتها وترددها:
ـ إنّك لَتعلم الرأي والخلاص من هذا المأزق.
هتف عبدالملك كمن يتشبّث بعمودٍ من سفينة محطمة وسط المياه:
ـ ويحك من تعني ؟!
قال الشيخ الذي عركته السنون:
ـ الباقي من أهل بيت النبيّ.
صوت اختلج في أعماق عبدالملك لم يسمعه أحد:
ـ يا لي من أحمق! لماذا لم يخطر على بالي ذلك ؟!

انكفاء الغرور
خفّ عبدالملك لاستقبال شاب لم يبلغ العشرين بعد، يحمل معه خطة الخلاص..
كان الاستقبال حافلاً.. وقف علية القوم يتطلّعون إلى وارث الأنبياء.
كان الحاكم على أحرّ من الجمر لسماع ما يحمله محمّد (الباقر) عليه السّلام عن أبيه. نظر إلى ضيفه بإجلال وفي عينيه سؤال كبير.
ابتسم محمّد وقال:
ـ الرأي أن تبعث له برسالة تستمهله فيها مدّةً من الزمن..
ـ ثمّ ؟!
ـ ثمّ اجمعْ ما استطعت من الذهب والفضة.
ـ وبعد ؟
ـ وابدأ بصكّ الدرهم والدينار.. وليكن فيها شعار الإسلام.. « قل هو الله أحد، ومحمّد رسول الله ».
ـ وبعد!
ـ فاذا فرغت من ذلك امنع تداولَ النقد الرومي، واعرض النقد الإسلامي بدلاً عنه.. وسُنَّ لذلك العقوبات لمن يخالف ذلك.
كان « روح » يصغي بإعجاب لما يسمع، فتمتم في نفسه:
ـ الله أعلمُ حيث يجعل رسالتَه.
انطلقت في الصباح الباكر خيول بلق، تنهب المسافات إلى المدن والحواضر، تحمل رسائل متشابهة بالغةَ السرّية.
شهدت أسواق الذهب والفضة حركة غير عادية.. وكانت الحُليّ الذهبيّة تختفي شيئاً فشيئاً.. والنسوة يبعن أقراطهنّ وقلائدهنّ مقابل مبالغ مغرية.
ونشأت معامل لصك الدنانير الذهبية.. وبدأ العمل بانتاج النقد الجديد، وظهر لأوّل مرّة في التاريخ الدينارُ الإسلامي يتألّق يحمل نداء التوحيد وشعار الرسالة المحمّدية.
ودّع محمّد عليه السّلام مدينة دمشق بعد أن اطمأنّ إلى زوال الخطر.. كان يحمل معه نماذج من النقد الجديد، وفيها نقوش تشير إلى مرور أربع وسبعين سنة على بدء التاريخ الهجري وقيام الدولة الإسلامية.
وقف عبدالملك يشيّع ضيفه بنظرات متأمّلة فيها حذر وقلق بدأت تساوره من أبناء علي عليه السّلام.. فهؤلاء يمثّلون القمّة في كلّ شيء.. حتّى الشباب منهم. إنّه لن ينسى جلوسه مع « محمّد » جلسة التلميذ في حضرة أُستاذه.. لم تشفع له أُبّهة المُلك أمام هيبة ابن عليّ عليه السّلام..
سيبقى عليّ وأبناؤه هاجسّ الملوك على مرّ الأيام.
غاب الضيف عن الأنظار، وانكفأ الحاكم نحو أروقة قصره المنيف وهو يفكّر في رسالة الحجاج الّتي بعثها إليه قبل شهور.
كما يطرد المرء ذبابة حطّت على أنفه.. طرد عبدالملك فكرة قتل « ابن الحسين » وتمتم في نفسه:
ـ لا.. لا.. كفاني ما سفكتُ من الدماء..
نظر إلى أكياس طافحة بالدنانير الإسلامية فشعر بالثقة تملأ نفسه..
استدعى كاتبه ليسطّر له ردّاً قويّاً يليق بدولة الإسلام إلى جوستنيان الثاني .. ردّاً يحطّم غروره إلى الأبد؛ وأرفق مع رسالته نقوداً إسلامية.

الله أعلم حيث يجعل رسالته
مرّت أعوام وأعوام والتاريخ ما انفكّ يشعل الحوادث.
خيول الإسلام تدقّ أبواب « مرعش » من أرض الروم، وتتوغل في السِّند في بلاد ما وراءالنهر، والمعارك مع الكاهنة ما زالت ضارية.
وقد ثار « الأزارقة » في « كازَرون » ثم في « الجزيرة »، وثار « ابن الجارود » على الحجاج، وثار الزنج في البصرة بزعامة « شيرزاد ».
الروم يَغيرون على « قرطاجة » من أرض المغرب.
والبادية العربية تردّد قصة عشق بدوية: « توبة » يهيم بحبّ « ليلى الأخيلية » وقد رفض أبوها تزويجها، وهدّد « الخليفة العاشق » إذا شبّب بها.
قال لها عبدالملك:
ـ ما رأى منك « توبةُ » حتّى عشقك ؟
فأجابت على الفور:
ـ ما رأى الناسُ منك حين جعلوك « خليفة »؟!
وأراد أن يعرّض بها فسأل:
ـ هل كان بينك وبينه ريبة ؟
ـ لا والله. ولكنّه قال لي كلمة ظننت أنّه خضع فيها لبعض الأمر فقلت له:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بها فليس إليها ما حييـتَ سبيـلُ
لنا صاحب لاينبغي أن نخونَه وأنت لأخرى صاحبٌ وخليلُ

ولما ماتت ليلى في «ساوة» حلّقت في سماء البوادي قصة عاشقَين.. وتناقل الناس حكاية حبّ جديدة بين « بُثينَة » و « جميل » من بني عَذْرة، وقد مات الحبيب في مصر بعيداً عن حبيبته.
خيول الإسلام تندفع باتجاه أرمينيا، وفي جبهة ماوراء النهر يستمر الفتح حتى « خوارزم » فـ « شومان » وإلى مدينة « ترمذ ».
والطاعون يجتاح مصر.. ثم الشامَ والعراق، ويموت عبدالملك فيتربّع على العرش ابنه «الوليد»، وتتصاعد وتيرة « الفتح » لتتّخذ لها صبغة الاحتلال والتوسع، ويتدفق سيل الغنائم وسبيُ عذارى البلدان المفتوحة.
وتفتح « طنجة » في أقصى المغرب أبوابها للجيوش الإسلامية حتّى سواحل البحر.
ويفرّ « جوستنيان » من منفاه « سينوب » ويعود إلى عرشه بمعونة البلغار.
والوليد يطرد حاكم المدينة المنورة من منصبه، ويأمر بإيقافه للناس للاقتصاص منه..
أشرقت شمس ذلك اليوم لتعلن بدء يوم جديد. خرج الناس زرافات زرافات ينظرون إلى الزمن كيف يقهر..
هاهو « هشام المخزومي » الذي ما ترك أحداً إلاّ اضطهده، وصبّ حقده على بقية آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ومرّ رجل تقدّم من الحرّاس المحيطين بالحاكم السابق فقال وأشار إلى هشام:
ـ إن هذا ضربني سوطين ظلماً.
ـ وهل يشهد لك أحد ؟
ـ نعم.. هذان.
ـ إذن تقدّمْ واقتصَّ منه.
وهوى الرجل فلوّح بسوطه مرّتين.
تأوّه « هشام » وتمتم:
ـ ما أخاف إلاّ من عليّ بن الحسين، فطالما أسأتُ اليه.
تقدّم رجل آخر فقال:
ـ إن هذا بصق في وجهي دون حق.
ـ والشهود ؟
ـ هذا وهذا.
ـ أُبصُق في وجهه إذا شئت.
وقف الرجل وجمع ما استطاع من لعابه ليقذف به وجه « هشام ».
رفع هشام كفاً ترتجف ومسح وجهه وتمتم بحزن:
ـ كلّ هذا يهون.. تُرى ماذا سيفعل بي عليُّ بن الحسين إذا حضر ؟!
لاح من بعيد الرجل « السجّاد » « ذو النفثات ».. كان يمشي الهُوينى في طريقه الى المسجد حيث أُوقف المغضوب عليه للاقتصاص.
تصاعدت دقّات قلب « هشام ».. أضحت كطبل أفريقيّ يرسل صيحات استغاثة.
قال عليٌّ لابنه عبدالله:
ـ إن هذا الرجل قد عُزل وأوقفه « الوليد » للناس، فلا يتعرّضْ له أحد بسوء.
تعجب الابن:
ـ ولِمَ يا أبتِ ؟! لطالما أساء إلينا.. وهذا ما نبغيه اليوم.
التفتَ الأب إلى ابنه وهو يعظه:
ـ يا بُني نكِلُه إلى الله.
ولما أصبح السجّاد بمحاذاته واستعد « هشام » للحظة الانتقام.. اذا به يسمع شيئاً لم يخطر على باله.
قال السجّاد:
ـ إذا احتجتَ إلى مال يطلبه أحد منك فلدينا ما يسعك، فلا تقلق.. وطِب نفساً منّا ومن كلّ مَن يطيعنا.
أحدثت الكلمات دويّاً في نفسه، حتّى أنّ المرء ليمكنه أن يرى أصداء الانهيارات وهي تنعكس في عينيه وفي قسَمات وجهه.
هتف « هشام »:
ـ الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وأخذ « ذو الثفنات » سمته نحو المسجد.. وقد التفّت حوله جموع المؤمنين. وتدفق شلال الصلاة في مسجد النبيّ يصلّي فيه حفيده.

موقفٌ كريم
ـ ألا تذهب إلى المسجد يا أبي ؟!
قالت الصبيّة لأبيها الشيخ..
تمتم ومياه الوضوء تتقاطر من وجهه:
ـ والله يا بنيّتي إنّي لأخجل من نفسي..
ـ ولِمَ ؟
ـ لقد رأيت في ظهيرة اليوم ما لم أرَه ولن أراه.
ـ وما رأيتَ يا أبه ؟!
ـ رأيت الحسن بن الحسن.
ـ السجينَ الّذي انهالوا عليه بالسياط في مسجد النبيّ قبل شهرين ؟
ـ أجل.. رأيته اليوم يقف على رأس ابن عمّه علي بن الحسين.. فشتمه وأسمعه سيّئ الكلام.. واللهِ لَوددت أن أصفعه.
ـ وماذا حصل ؟
ـ لا شيء، أطرق « السجّاد » ولم ينبسَّ ببنت شفة، إجلالاً لمسجد جدّه.
سكت الشيخ هنيهة واستأنف حديثه:
ـ فلمّا غادر الحسنُ المسجد.. رفع عليّ رأسه ونظر الينا. كنّا جميعاً ساكتين.. وعرف ما في قلوبنا من رغبة في أن يردَّ له الصاعَ صاعَين...
وفرحنا عند ما قال لنا: قد سمعتم ما قال الرجل، وأنا أحبّ أن تنهضوا معي حتّى تسمعوا ردّي عليه.
فنهضنا معه وانطلقنا نحثّ الخطى إلى منزل الحسن. وهتف « السجّاد » بابن عمّه فخرجت جارية تسأل عن الطارق فقال: قولي له عليّ بن الحسين. فخرج إلينا متوثّباً وعيناه تقدحان شرّاً مستطيراً.
ـ وماذا حصل يا أبي ؟
ـ أمرٌ عجيب يا بنيّتي.. لقد ورثوا مكارمَ الخُلق عن جدّهم.. لم يزد على أن قال له: يا أخي، إنّك قد وقفتَ عليّ آنفاً وقلتَ وقلت.. فإن كان الذي قلتَه حقّاً فأنا أستغفرُ الله منه، وإن كان باطلاً ما قلتَ فغفرَ الله لك..
ـ يا لهذا الحلم! فماذا قال الحسن ؟
ـ يا بنيّتي، والله رأيته يرتجف وقد سقطت العصا من يده وتصبّب جبينه عرقاً.. لكأنّ الأرض تهتز تحت قدميه.. ورأيته يبكي مثلما يبكي الأطفال.. ثمّ ألقى بنفسه علي ابن عمّه وقال: أجل والله، قلتُ فيك ما ليس فيك، وأنا أحقّ به.
قال السجّاد وهو يقبّله:
ـ أعرف، إنّما دفعك إلى ذلك الحاجة.
وأخرج من جيبه صرّة فيها ألف دينار وناولها إيّاه. وسمعته لما عدنا إلى المسجد يقول: ما تجرّعتُ جرعة أحبَّ إليّ من جرعة غيظ لا أُكافئ بها صاحبها.
ظلّت الصبيّة مأخوذةً بما تسمع، وتمتمت:
ـ هذه والله مواعظ الأنبياء!
راحت الفتاة تراقب والدها وهو يلج عالم الصلاة ويرفع كفَّين معروقتين إلى خالق السماوات والأرضين، الله ربّ العالمين.
ارتفعت طَرَقاتٌ على الباب.. وخفّت الفتاة لتعرف الزائر..
كانت النجوم قد اجتمعت في السماء، هتف الطارق:
ـ أنا عليّ بن الحسين.
صاح الشيخ في حجرته:
ـ واسوأتاه! ظَنَّني مريضاً فجاء يعودني.
وانطلق الشيخ لاستقبال رجل ما على وجه الأرض شبيه له.
ملأت رائحة الطِّيِب فضاء البيت لكأن الربيع قد حلّ ضيفاً عندهم.
همس السجّاد وقد أضاءت ابتسامة وجهَه الحزين:
ـ أقلقني غيابك أبا خالد.
لم يجد الشيخ ما يقوله، فنهض يقبّل جبين ضيفه العظيم.
ملأ رئتيه من عبير النبوّات، وهتف مأخوذاً:
ـ الله أعلم حيث يجعل رسالته.

وريث الوضاعة
دمشق تصطخب بأسواق النخاسة وآلاف العذارى من أجناس بشرية عديدة معروضة للبيع، ونظرات جائعة مشتهية تتصفح وجوهاً جميلة تشوبها ذلة السَّبي وحزنُ فراق الأحبّة.
فتيات من بلاد ما رواءالنهر من « سمرقند » و « بخارى »، وبربريات من « طنجة » و « القيروان »، وحسناوات من « أرض روم » و « سوسنة » و.. و..
وقد عبر طارق البحر تحمله سفن عربية وأُخرى « سبتية »، فيرسو عند شواطئ جبل « كالبي » ويتّخذ الجبل اسم الفاتح الجديد.. السفن تشقّ مياه المحيط فتفتح « الجزيرة الخضراء » ثم « قرطاجة » ثمّ تقتحم البرّ الاسباني لتسقط « طُلَيطلة » عاصمة الدولة القبطية، والخيول العربية تغسل أقدامها في شواطئ البوسفور. ودمشق تستقبل قوافل السبي لتنضمّ إلى أسواق النخاسة هندياتٌ لهن عيون المها.
قصر الخضراء يتألّق في غمرة القناديل المضيئة، فالمجد للسيف والحصان، وطبول الحرب.
كانت أنغام الموسيقى تفتن علية القوم، والنفوس نشوى تطير في عالم الخيال.. عالم يصنعه عصير شفاف مشوب بحمرة رائقة تدبّ في الرؤوس كدبيب النمل.. فيغفو العقل وتحلّق النفوس في عوالم مسحورة زاخرة بالأوهام.
ولكن.. ما بالُه « الخليفة » هذه الليلة.. يكاد يضيق بما حوله وبمن حوله.. ألا يعجبه منظر الجواري يرفلن بالحرير الملوّن.. وهذه الخَمرة الرومية ورائحة الشواء .. وتلك الحلوى الفارسية ؟!
فغرَ الحاضرون أفواههم وقد سمعوا الحاكم يطلب مصحفاً، توقفت الموسيقى عن إرسال أنغامها، وجمدت الجواري في أماكنها، وساد القصرَ وجوم غريب.
جاء الحاجب يحمل مصحفاً مذهّباً مرصّعاً بالجواهر، ووضعه بين يدَي « الوليد ».
فتح الرجل الذي لم تسكره الخمرة بَعدُ المصحف، فوقعت عيناه على أوّل آية وصدح القرآن بصوت الحق واستفتَحُوا وخابَ كلُّ جبّارٍ عنيد .
شعر الوليد بأن الكلمات تغوص في أمعائه كسيوف حادّة.. ريح مجنونة تعصف برأسه. صرخ « خليفة المسلمين »:
ـ أُصلبوه!
أمسك الجلاوزة بكتاب السماء..
صلبوه إلى أُسطوانة في وسط البلاط.
ها هو فرعون يسخر من موسى.. يلتفت إلى هامان:
ـ فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطينِ فاجعلْ لي صَرحاً لَعليّ أطّلعُ إلى إلهِ موسى وإنّي لأظنُّه من الكاذبين .
وارتقى فرعون صرحاً عالياً. حمل معه قوسه، فلمّا أن بلغ الذرى، وضع في كبِد القوس سهماً وأطلقه باتجاه السماوات!!
« الوليد » يضع في كبد القوس سهماً ويسدّده باتجاه القرآن المصلوب، وتنهال السهام .. وتتناثر آيات القرآن فوق رخام البلاط..
كان الوليد مفتوناً بما يفعل وهو ينشد بصوت يشبه فحيح الأفاعي:

تهدّد كلَّ جبـارٍ عـنيـدٍ فها أنا ذاك جبـارٌ عنيـدُ
إذا لاقيتَ ربَّك يومَ حشرٍ فقل: يا ربِّ مزّقني الوليدُ

في الصباح لبس الوليد ثياب « الخلافة »، ووقف يودّع أخاه « هشاماً » أميراً على الموسم.. وابتعد الموكب عن أسوار دمشق في طريقه إلى الحجاز، ولم ينسَ «الوليد» أن يدسّ معه رجالاً في مهمات سرّية .. يحملون معهم مركّبات مستحضرة في القسطنطينية باهضة الثمن كان معاوية يحرص على استيرادها دائماً.

موقف جريء
قوافل الحُجّاج تنساب في بطون الأدوية، لَكأنها تُصغي إلى نداء إبراهيم عليه السّلام. الكتل البشرية تتدفق صوب أوّل بيت وُضع للناس.. وموسم هذا العام موسم زحام بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ونسي الناس ـ أو كادوا ـ ذكرياتٍ حزينة، أو دفنوها في أعماق القلوب.
وتعلو في الآفاق نداءات الحرية للإنسان عند ما يُعبد الله وحده، وتهتف الحناجر الآدمية:
ـ لبّيك اللّهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك.. إنّ الحمد والنعمة لك والمُلك، لاشريك لك..
وتطفو الكعبة في بحر الأمواج البشرية وهي ترفل بثياب الحجّ البيضاء كحمائم السلام. وهنا يدرك الإنسان أن لا إله إلاّ الله. لا ربّ سواه، وأن الناس سواسية، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتّقوى.. فيصغي المرء إلى كلمات الله وهي تتدفق في قلب الإنسان: يا أيّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكَرٍ وأُنثى وجعلْناكم شعوباً وقبائلَ لتَعارَفوا إنّ أكرمَكم عندالله أتقاكم فتتهاوى الحواجز وتتلاشى الامتيازات وتتمزّق الحجب، وإذا المسلم أخو المسلم حقّاً، وإذا القلوب تتطهّر من أدران الشِّرك.
كان « هشام بن عبدالملك » يطوف حول الكعبة لا يكترث له أحد ولا يهابه إنسان، حوله رجاله من أهل الشام..
بذل هشام كلّ ما بوسعه في استلام الحجر الأسود.. ولكنّ الأمواج البشرية كانت تصدّه في كلّ مرّة فيرجع خائباً.
بان الحَنَق في عينه الحَولاء.
ألقى بنفسه على كرسي في ناحية من الحرم وجلس ينظر وينتظر انحسار الأمواج البشرية، شعر بأنّه ليس شيئاً في هذا المكان، وبدا له الحجر الأسود بعيداً.. بعيداً جدّاً.
وأقبل رجل قد اجتاز الخمسين من السنين، وكان وجهه يضيء كقمر بين النجوم.. وحدث أمر عجيب. تناثرت أسئلة وارتسمت علامات استفهام. تساءل شامي وهو يتطلّع إلى رجل يرفل بحُلّته البيضاء الناصعة نصاعة الثلوج في جبال الشام.
ـ مَن هذا الرجل الذي ينفرج له الناس كمَلِك عظيم ؟!
وهتف بأصحابه:
ـ انظروا .. انظروا .. إنّه يشقّ طريقه بيُسر إلى الحجر الأسود!
قبّل الرجل ذو الوجه المضيء الحجرَ الأسود، واستأنفت الأمواج البشرية تَدافُعَها من جديد.
التفت الشامي إلى « خليفة المستقبل »:
ـ مَن هذا ؟!
ردّ الأحول بغيظ:
ـ لا أدري.
وحده القدر يفسّر مرور الشعراء في لحظات يتوقّف عندها التاريخ بإجلال.
هتف الفرزدق:
ـ ولكنّي أدري مَن هو.
تساءل الشامي بشوق:
ـ ومن هو يا أبا فراس ؟
فأنشد:

هذا الذي تعرف البطحاءُ وَطْـأتَه والبيتُ يعرفه والحِلّ والـحَـرمُ
هذا ابن خـيرِ عبادِ الله كـلِّهِـمُ هذا التقيُّ النقيّ الطـاهر العـلَمُ
هذا ابن فاطمةٍ إن كنتَ جـاهلَـه بجـدِّه أنبـيـاءُ الله قـد خُتِمـوا
إذا رأتـه قـريش قـال قائلُـها : إلى مكارمِ هذا ينتهـي الكـرمُ
يكاد يُمـسكـه عرفـانَ راحتـهِ ركنُ الحطيم إذا ما جـاءَ يسـتلمُ
وليس قولُك مَـن هـذا بضائـرِه العُربُ تعرفُ مُن أنكرتَ والعَجمُ

استشاط هشام حقداً.. وبدت عينه الحولاء تتراقص في محجرها. وتخطّفت الجلاوزةُ شاعراً نفث روحُ القدس على لسانه.. وسِيق الشاعر مخفوراً إلى السجن، فهذا زمن مصنوع من خشب ونحاس.. زمن لا يعرف للكلمة حُرمتها.. زمن غابت فيها الآيات وراء القضبان.

في محراب العشق
كانت الرياح شتائية باردة، والليل يغمر بظلمتة المدينة.
الأزقّة مقفرة وقد أوى الناس الى النوم، ما خلا بيوتاً متواضعة. كان الضوء يرسل أشعته الواهنة من كوى صغيرة فيها، وخلف أبوابها كانت آذان تترقّب قدوم « صاحب الجِراب ».
تساءل « ابن شهاب » وهو يرى رجلاً يمرق في الظلام، كان الرجل متنكِّراً ولكنّه عرفه. ولكنْ ما دعاه إلى الخروج في هذه الساعة من الليل ؟! كان « ابن شهاب » عائداً من قصر « الوالي ». هتف « الزُّهري »:
ـ يا بن رسول الله؛ ما هذا ؟!
عدّل « حامل الجراب » جرابه وأجاب:
ـ أريد سفراً، وهذا زادي.
تعجّب « ابن شهاب »:
ـ دع غلامي يحملْه عنك إذن.
رفض « السجّاد » وحاول « الزهري » أن يأخذ الكيس عنه.
ـ دعني أحملْه أنا..
ـ إنّه زادي وأنا أحق بحمله.. أسألك بحق الله أن تتركني وتمضي.
وغاب « صاحب الجراب » في زقاق مليء بالليل والبَرْد.
طرق باباً صغيرة ووضع شيئاً ثمّ مضى..
وتوقف أمام بيت يكاد جداره أن ينهار، نقر على الباب وترك شيئاً على عتبته.. ثمّ استأنف طريقه في الأزقّة والبرد والظلام.
ومرّت ساعات عاد بعدها « صاحب الجراب » بلا جراب، كانت النجوم تشتدّ بريقاً في السماء وقد انفتحت نوافذ الملكوت.
ولج السجّاد محرابه.. وتدفق نبعٌ من الصلاة، فقد آن لقاء الحبيب مع محبوبه.. وانساب نهر من كلمات الإنسان وهو يشدو بحبّ بارئ الخليقة:
ـ الهي مَن ذا الذي ذاق حلاوةَ محبّتك فرام منك بَدَلا ؟!
ومن ذا الذي أنِسَ بقُربك فابتغى عنك حِوَلا ؟!
إلهي فاجعلْنا ممّن اصطفيتَه لقربك وولايتك
وأخلصتَه لودّك ومحبّتك
وشوّقته إلى لقائك
ورضّيته بقضائك
ومنحته بالنظر إلى وجهك
وحبوته برضاك
وأعذتَه من هَجْرك وقِلاك
وبوّأتَه مقعدَ الصدق في جوارك..
وخصصتَه بمعرفتك..
وأهّلته لعبادتك..
وهيّمتَ قلبه لإرادتك..
واجتبيته لمشاهدتك..
وأخليت وجهه لك..
وفرّغت فؤاده لحبّك..
ورغّبته فيما عندك..
وألهمته ذِكرك..
وأوزعته شكرك..
وشغلته بطاعتك..
وصيّرته من صالحي بريّتك..
واخترته لمناجاتك..
وقطعت عنه كلّ شيء يقطعُه عنك.
إلهي اجعلنا ممّن دأبُهمُ الارتياح إليك والحنين..
ودهرُهمُ الزفرةُ والأنين..
جِباههم ساجدة لعظمتك..
وعيونهم ساهرة في خدمتك..
ودموعهم سائلة من خشيتك..
وقلوبهم متعلّقة بمحبّتك..
وأفئدتهم منخلعة من مَهابتك.
السماء تكتظ بالنجوم وقد تكاثفت ظلمة الليل فانطلقت استغاثة قلب الإنسان عندما تنفتح أبواب الملكوت:
ـ يا من أنوارُ قُدسه لأبصار محبيّه رائقة!
وسُبُحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة!
يا مُنى قلوب المشتاقين!
ويا غايةَ آمال المحبّين!
أسألك حبَّك وحبَّ مَن يُحبّك!
وحبَّ كلِّ عملٍ يُوصلني إلى قُربك
وأن تجعلَك أحبَّ إليّ ممّا سواك
وأن تجعل حبّي إيّاك قائداً إلى رضوانك
وشوقي إليك ذائداً عن عصيانك
وامنُن بالنظر إليك علَيّ
وانظر بعين الوُدّ والعطف إليّ
ولا تصرفْ عنّي وجهَك
واجعلني من أهل الإسعاد والحُظْوة عندك
يا مجيبُ، يا أرحم الراحمين.
العينان تسحّان الدموع.. دموعَ الحبّ الإلهي المفتون.. كسماء تمطر على هون.. تغسل الأشجار والأرض فتهتزّ وتربو.. والدموع تغسل قلب الإنسان فيُشرق بنور ربِّه ، وينبض بالحب والأمل والسّلام.

رحلَ مَن لم يُعرَف
ـ ماذا أرى ؟
هتف الزهري وقد وقعت عيناه على « السجّاد » بين المحراب والمنبر، وأردف وهو يحثّ الخطى اليه:
ـ ألم يُخبرني بأنّه على سفر ؟!
أومأ مسلّماً وهتف:
ـ يابن رسول الله، لستُ أرى لذلك السفر أثرا ؟!
تمتم السجّاد بخشوعِ مَن أوشك على الرحيل عن الدنيا:
ـ بلى يا زهري.. ولكن ليس كما ظننت، إنّما هو سفر الآخرة.
ـ والمتاع الذى كنتَ تحمل، لم يكن غير صدقات للفقراء؟
وتمتم متأثّراً وهو يبتعد:
ـ نِعم السفر سفر الآخرة، وخير الزاد التقوى.
انتحى الزهري زاوية من المسجد وكان ما يزال متأثّراً، قال صاحب له:
ـ إنّك لا تَفتأ تذكر عليَّ بن الحسين بخير.
التفت الزهري وقد شمّ رائحة تملّق.
ـ ويحك يا هذا! واللهِ لم أرَ ولن أرى مِثْل عليّ بن الحسين ما حَيِيت.. لقد رأيته مقَيّداً بالحديد وقد أحدق الحرّاس به يريدون إرساله إلى دمشق بأمر عبدالملك، فاستأذنتهم في وداعه فلم أملك نفسي عن البكاء، فبكيت وقلت له: وددت أنّي مكانك وأنت سالم. فرفع بصره إليّ وقال:
ـ يا زهريّ، أتظن أنّ ما ترى علَيّ وفي عنقي يكرثني، أما لو شئتُ لما كان، وانّه ليذكّرني عذاب الله..
التفت الزهري إلى صاحبه وقال:
ـ أتصدّقني لو قلتُ لك: لقد رأيته يُخرج يديه وقدميه من القيود لكأنّها خيوط عنكبوت!!
فما مضت أربع ليال حتّى عاد الجنود يبحثون عنه في المدينة، فسألت أحدهم عمّا حصل فقال: فقدناه ولم نعثر له على أثر، ووجدنا القيود والأغلال في مكانه.
هتف الرجل:
ـ أمرٌ عجيب!
ـ وأعجبُ منه هو أنّي لما قدمت بعد ذلك على عبدالملك وأخبرته بما رأيت قال: لقد جاءني يومَ فقَدَه الحرّاس فدخل علَيّ وقال: ماأنا وأنت ؟
فقلت له: أقم عندي على الرحب والسعة.
فقال: لا أحب. ثمّ خرج، فوالله لقد امتلأ قلبي منه رعباً.
وحدّثني طاووس مرّة قال: رأيت رجلاً يصلّي في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو ويبكي، فجئته حين فرغ من الصلاة فإذا هو عليّ بن الحسين، فقلت له: يابن رسول الله، أتخاف ولك ثلاثة: أنت ابن رسول الله، وشفاعة جدّك، ورحمة الله ؟! فقال: يا طاووس، أمّا النسب فإن الله تعالى يقول: « فلا أنسابَ بينهم يومئذٍ »، وأمّا الشفاعة فإن الله تعالى يقول: لا يشفعونَ إلاّ لمن ارتضى ، وأمّا رحمة الله فإن الله عزّوجلّ يقول: إنّ رحمةَ اللهِ قريبٌ من المحسنين . ولا أعلم أنّي محسن.
وأردف الزهري وهو ينهض للصلاة:
ـ ولقد مضت عليه عشرون سنة وهو يبكي أباه ويقول:
إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
واللهِ ما رأيتُ قَرشياً أفضلَ من عليّ بن الحسين.
وتمرّ الساعات بطيئة، في ليلة تسمّرت النجوم في سمائها.
ولم تغمض عيون المدينة.. الرياح الباردة تجوس الأزقّة.. تعوي وهي تطرق الأبواب.. والنوافذ.
حتّى إذا طلع الفجر.. سكن كلّ شيء، وقد انطفأت النجوم وانبعثت صرخة في قلب الغَبَش الرماديّ.
لقد رحل عليّ بن الحسين: وعندها عرف الناس هوية الرجل الذي كان يجوس أزقّة المدينة في الليل ويهب الفقراء الفرحة والدفء والأمل.
ولمّا انثالت عليه المياه.. رأى الناس على ظهره مثل رُكَب الإبل.
سأل رجل مدهوشاً:
ـ ما هذا ؟
ـ أجاب ابن له:
ـ لقد كان يحمل على ظهره جِراباً كلَّ ليلة فيطوف منازل الفقراء.
بكى الرجال بمرارة.. لقد رحل السلام، فالمدينة يلفّها برد وظلام.. وعامنا عام حزن.
كانت المدينة تبكي، تبكي بصمت .. تبكي رحيل الأشياء الملوّنة. لم يبق منها سوى طيوف تُحلّق في سماء الذكريات.
وفي دمشق تُقام الأفراح .. والوليد « الملك السعيد » يتلقّى أنباءً بهيجة.. فمملكته تتوسع شرقاً وغرباً، وكنوز المدن المقهورة تتدفّق صوب دمشق، غير مكثرت لِما حلّ بأنطاكية وقد دمّرتها الزلازل.
ولكن هل يتوقّف التاريخ عند هذه النهاية ؟!
ـ كلاّ إذا دُكّتِ الأرضُ دكّاً دكّا
وجاء ربُّك والمَلَكث صفّاً صفّا
وجِيءَ يومئذٍ بجهنّمَ
يومئذٍ يتذكّرُ الإنسانُ وأنّى له الذكرى
يقول: يا ليتَني قدّمتُ لحياتي!
فيومئذٍ لا يُعذِّب عذابه أحد
ولا يُوثِقُ وثاقَه أحد
يا أيّتُها النفسُ المطمئنّةُ
ارجِعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضيّة
فادخُلي في عبادي
وادخُلي جنّتي
.

(رواية: وسلاحه البكاء أو ابكِ يا ولدي الحبيب
تأليف: كمال السيد
نشر مؤسسة أنصاريان، قم، 1417 هـ / 1996 م)


  «« الصفحة السابقة 1 2 3 4   

Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.