فقال الحطيئة: « هذا واللهِ الشعر لا ما تعلل به نفسك منذ اليوم، يا غلام أدركتَ مَن قَبلك، وسبقتَ مَن بَعدك ».
وجاء في كتاب الحيوان للجاحظ: « إن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعراً لم يُسمَع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق، فإنك لا ترى شاعراً قط يجمع التجويد في القصار والطوال غيره ». وله من بديع النظم:
فغضب سليمان. ومن اعتداده بنفسه أنه كان لا ينشد الولاة والأمراء إلاّ جالساً، ولم يكن الفرزدق حينما مدح بعض الأمويين طلباً للجِدة (7) أو اتقاءً للأذى، مُستلَبَ الإرادة خوّار الهمّة، بل كثيراً ما كان يوجِّه سهام شعره ويفوِّقها دونما خوف أو وجل إلى الحكّام أنفسهم، حينما يشعر بالضيم يلحقه.
| هـذا الـذي تـعرف البطحاءُ وطأتَه |
|
والـبيتُ يَـعرِفه والـحلُّ والـحرمُ |
| هـذا ابـنُ خـيرِ عـبادِ الله كـلِّهمُ |
|
هـذا الـتقيُّ الـنقيُّ الـطاهرُ العَلَمُ |
| هـذا آبـنُ فـاطمةٍ إن كنتَ جاهِلَهُ |
|
بـجَـدِّه أنـبـياءُ الله قـد خُـتِموا |
| هــذا عـلـيٌّ رسـول الله والـدُه |
|
أمـسَتْ بـنور هـداه تـهتدي الأممُ |
| إذا رأتــه قـريـشٌ قـال قـائلها |
|
إلـى مـكارمِ هـذا يـنتهي الـكرمُ |
| يـكـاد يُـمـسكه عـرفانَ راحـته |
|
ركـنُ الـحطيم إذا ما جاء يستلمُ (9) |
| الله شــرّفـه قِـدْمـاً وعـظّـمه |
|
جـرى بـذاك لـه فـي لوحِه القلمُ |
| يُـنمى إلـى ذُروة العزّ التي قصُرَتْ |
|
عـن نـيلها عـربُ الإسلامِ والعجمُ |
| مـشتقّةٌ مـن رسول الله نبعتُه (10) |
|
طـابت مغارسه والخيم (11) والشيمُ |
| يـنشقّ ثـوبُ الدجى عن نور غُرّته |
|
كـالشمس ينجاب عن إشراقها الظُّلمُ |
| يُـغضي حـياءً ويُغضى من مهابته |
|
فـمـا يُـكـلّمُ إلاّ حـيـن يـبتسمُ |
| مـا قـال لا قـطُّ إلاّ فـي تـشهده |
|
لـولا الـتشهد كـانت لاؤُه نَعمُ (12) |
| عـمّ الـبريةَ بـالإحسان فـانقشعت |
|
عـنها الغياهبُ والإملاقُ (13) والألمُ |
| كـلـتا يـديه غـياثٌ عـمّ نـفعُهُما |
|
يُـستوكَفانِ (14) ولا يَـعْروهما عَدَمُ |
| سـهل الـخليقة لا تُـخشى بـوادره |
|
يَـزينه اثـنانِ: حُسنُ الخُلْقِ والكرمُ |
| لا يُـخلف الـوعدَ مـيمونٌ نـقيبتُهُ |
|
رحب الفِناء، أريب (15) حين يعتزمُ |
| حـمّـال أثـقالِ أقـوامٍ إذا فُـدِحوا |
|
حُـلْوُ الـشمائل تـحلو عـنده نِـعَمُ |
| هـم الـغيوث إذا مـا أزمـة أزمَتْ |
|
والأُسـدُ أسـدُ الشَّرى والبأس مُحتدِمُ |
| لا يُـنقص الـعسرُ بـسطاً من أكفّهمُ |
|
سـيانَ ذلـك إن أثْـرَوا وإن عَدِموا |
| أبـى لـهم أن يـحل الـذمُّ ساحتَهم |
|
خـيم كـريم وأيـدٍ بـالندى هـضمُ |
| مِـنْ مـعشرٍ حـبُّهم دِيـنٌ وبغضُهمُ |
|
كـفرٌ، وقـربُهمُ مـنجى ومُـعتصَمُ |
| مُـقـدَّم بـعـدَ ذِكْـر الله ذِكـرُهمُ |
|
فـي كـل بـدء ومـختومٌ بـه الكَلِمُ |
| إن عُـدّ أهـلُ الـتقى كـانوا أئمتَهم |
|
أو قيل مَنْ خيرُ أهل الأرض قيل: هُمُ |
| لا يـسـتطيع جـوادٌ بـعد غـايتهم |
|
ولا يُـدانـيهمُ قــوم وإن كـرموا |
| مَـنْ يـعرفِ الله يـعرفْ أوّلـيةَ ذا |
|
فـالدينُ مِـن بـيت هـذا ناله الأممُ |
| ولـيس قـولُك مَـنْ هذا ؟ بضائره |
|
الـعُرْبُ تـعرف مَنْ أنكرتَ والعجمُ |
فلما سمع هشام هذه القصيدة، غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ إليه الإمام علي بن الحسين عليه السّلام عشرين ألف درهم، فردّها وقال: مدحتُكم لله تعالى لا للعطاء، فقال الإمام عليه السّلام: إنّا أهل البيت، إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده، فقَبِلها (16). وعندما حبس هشام الشاعرَ بين المدينة ومكة، قال: