الواجهة » الإسلام » كتاب في مقالة » قُلْ.. ولا تَقُلْ
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


قُلْ.. ولا تَقُلْ

الکتاب: قُلْ.. ولا تَقُلْ.
المؤلّف: الدكتور مصطفى جواد.
الناشر: الدار العربيّة للموسوعات ـ بيروت.
الطبعة: الأولى ـ سنة 1430 هـ.

فَلْنقُل
بصراحةٍ وباطمئنانٍ معاً: إنّ اللّغة العربيّة لغةٌ هي أجمل اللغات وأسماها، في: ألفاظها وتعابيرها، في أنغامها وأساليبها، في تركيباتها وبلاغتها، وعلومها. وليس هذا فحسب، فهي أشرف اللغات على الإطلاق، ويكفينا دليلاً على ذلك أنّها اختِيرت مِن قِبل الله تبارك وتعالى لأشرف كتابٍ سماويٍّ مُنزَل، على أشرف نبيٍّ مُرسَل، وهي إلى ذلك لغةُ خمسة من الأنبياء عليهم السلام، آخرهم محمّد المصطفى المختار، صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار.
وقد وردت في هذه اللغة التي حملت آفاق الجمال والذوق، آياتٌ وروايات، هي ذا بين أيدينا بعضها:
قال تعالى: وإنَّه لَتنزيلُ ربِّ العالَمين * نَزلَ بهِ الرُّوحُ الأمين * على قلبِكَ لِتكون مِنَ المُنذِرين * بِلسانٍ عربيٍّ مُبين [ سورة الشعراء:192 ـ 195 ].
ـ سُئل أحدهما، الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام، عن قوله عزّوجلّ: « بِلِسانٍ عربيٍّ مُبين »، فقال: « يُبيّن الألسن، ولا تُبيّنُه الألسن ». ( البرهان في تفسير القرآن، للسيّد هاشم البحراني 188:3 / ح 5، تفسير نور الثقلين للعروسي الحويزي 65:4 / ح 84).
ـ وعن الإمام محمّد الباقر عليه السلام قال: « أوّلُ مَن شُقّ لسانه بالعربيّة إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة، وكان لسانه على لسان أبيه وأخيه، فهو أوّل مَن نطق بها، وهو الذبيح ». ( تحف العقول عن آل الرسول، لابن شعبة الحرّاني:217 ـ 218 ).
ـ وفي بعض الروايات أنّ إسماعيل عليه السلام أُلهِم اللسانَ العربيَّ إلهاماً ( كنز العمّال للهندي / خ 32311 )، وأنّ الأنبياء الذين تكلّموا باللغة العربيّة بعده، هم: هود، وصالح، وشعيب، ورسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله وعليهم.
ومن هنا ـ أيُّها الإخوة الأعزّة ـ يكون حَرِيّاً بالمسلمين جميعاً، عرباً وغير عرب، أن يتوجّهوا إلى هذه اللغة، فيصرفوا لها كثيراً من الاعتناء في تعلّمها وفهم معانيها ومقاصدها، لأنّها لغة القرآن الكريم، ولغة النبيّ العظيم، ولغة أهل بيت الوحي والرسالة، ولغة صدر الإسلام وعلوم الدين، وكذا هي لغة أهمّ المصادر في: المعارف الاجتماعيّة، والمصادر التاريخيّة، والعلوم الطبيعيّة.
ولأنّ هذه اللغة لغةٌ حسّاسة، وذات ذوقٍ رفيعٍ خاصّ، وذات قواعد وأساليب ومعانٍ دقيقة وواسعة، لذا ينبغي الاعتناء أيضاً بعلومها.. من الصَّرْف والبلاغة والإعراب والتعابير السليمة عن اللَّحن، وإلاّ تشوّهت المعاني واختلّت، ووقع التوهّم والخلط والخطأ في الفهم، وحُرّفت هذه اللغة وذهب جمالها وبلاغتها، ورونق صياغاتها، ثمّ ذهب تأثيرها وحلاوتها.
ولهذا وغيره همّ الدكتور مصطفى جواد قبل سبعينات القرن الميلادي السابق بأن يشير إلى الأخطاء الشائعة والأساليب الدخيلة على اللغة العربية، محاولاً تنزيه هذه اللغة من التشويهات، وإعادة الصواب إلى الأذهان لتقويم ألسنة الأجيال المتوالية وقد ابتعدت عن اللغة العربية الأصيلة، وتعهّدت اللغة الدارجة مقرونةً بالمصطلحات الهجينة واللغات الأخرى والأخطاء الفاحشة.
ولا شكّ أنّ أهل هذه اللغة الجميلة معنيّون قبل غيرهم بهذا الأمر، ولكنّ الكتّاب والخطباء والعلماء يتوجّه إليهم هذا الأمر أكثرَ من غيرهم. بعد هذا فلنقرأ ما كتبه لنا المؤلف في:

المقدّمة
حيث قال: أفتتح كتابي (قُلْ ولا تقل) وأقدّمه إلى محبّي اللغة العربيّة في مختلف البلاد، التائقين إلى بقائها كريمةَ الضرائب، مُسعَفةً بالمطالب، رائقةَ المشارب، نقيّةً من الشوائب، سليمةً مِن لحن المتهاونين، بريئةً من غَلَط المترجمين، ناجيةً من عبث المستهزئين، سائرةً في سبيل التطوّر الطبيعيّ البارع، آخذةً بالاقتباس المفيد والقياس النافع، مُستمِدّةً اشتقاقها الجليل من مركبها الأصيل، ومجازِها العريض الطويل، مُضيفةً الجديد الصحيح إلى تراثها النبيل.
وأضاف الدكتور مصطفى جواد يقول:
والعربيّة لغةٌ جسيمة، عظيمةٌ قويمة، لأُمّةٍ كريمةٍ عظيمة، وقد حافظت على قوامها ونظامها وكلامها بقرآنها العزيز وتراثها الأدبيّ البارع، طوالَ العصور التي انصرمت بين زمن الجاهليّة وهذا العصر، وهي لا تزال قويّةَ الكيان، عَلِيّةَ المكان، مستمّرةَ الازدهار، مُستدامةَ الإيثار، عند أهلها وحُماتها من عربٍ صليبة، ومُستعرِبةٍ نجيبة.
ولقد أصابها من الشوائب ما لم يكن لها عنه مُنتدَح، من: ضروراتٍ شعريّة أو سَجَعيّة، وأوهامٍ للخواصّ والعوامّ، وترجمةٍ للأعجام والأغتام. قد تداركها الأدباء القدامى بالتأليف والتنبيه والتصنيف، من: جمع الضرائر، وبيانٍ للأوهام وإصلاحها، وكشفٍ عن اللحن، وإيضاحٍ للَّهَجات. وأكثرُ ما أُلِّف وصُنِّف في هذا الموضوع مطبوعٌ متداوَل...
ثمّ يشير الدكتور مصطفى جواد إلى الرزايا الواردة على هذه اللغة، منها: ظهور طبقة من المترجمين أتقنوا اللغات الأعجميّة واستهانوا باللغة العربيّة، ومنها: ظهور كتّابٍ وشعراء يكتبون وينظمون وينشرون كَلِماً غير مشكول ( أي غير مُعرَب الشكل ). ومنها أيضاً: ظهور طبقة من الحُكاة المعروفين بالممثّلين، جعلوا العربيّة أداةً لعيشهم وذريعةً لكسبهم. ومنها كذلك: أنّ أساتذةً في التاريخ والجغرافية والعلوم لم يتعلّموا من قواعد اللغة ما يصون أقلامهم وألسنتهم من الغلط الفاحش واللحن الفظيع.. ونرى في تحريرات الدوائر ودواوين الحكومة أغلاطاً تبعث على الأسف..
ولا تسألْ عن مترجمي الأفلام السينميّة، فهؤلاء أكَلَة السُّحت يرتكبون من اللحن والغلط الشنيعَين ما أصبح مخشيّاً كلَّ الخشية على العربية وطلاّب المدارس.. وإنّ من الأغلاط ما ارتكبه أدباء كبار، كالدكتور طه حسين وعبّاس محمود العقّاد، وتابعهما عليه مقلّدوهما.

لا بأس
وقد اطّلَعْنا على فكرة الكتاب وسبب تأليفه، أن تكون لنا اطّلاعةٌ عاجلة على بعض الإشارات التصحيحيّة التي تفضّل بها الدكتور مصطفى جواد، للاستفادة من تنبيهاته اللغوية التقويميّة. وهذا جدول مختصر لبعض ما جاء في هذا الكتاب النافع:
ـ قل: أَسِفَ عليه، ولا تقل: أسِفَ له.
لأنّ الأسف هو الحزن والغضب معاً، فإذا كان الأسف على مَن دوننا صار غضباً، وإذا كان على مَن فوقنا صار حزناً، كما في قوله تعالى: « وقالَ يا أسَفا على يوسُف ».. وقال البحتريّ:

كَلِـفٌ يُكفكـِفُ عَبـرةً مِهـراقـةً أسَفاً على عهدِ الشبابِ وما انقضى

ـ قل: الجُمهور والجُمهوريّة، ولا تقل: الجَمهور والجَمهوريّة.
لأنّ الاسم إذا كان على هذه الصيغة وجب أن تكون فاؤه، أي الحرف الأوّل، مضمومةً، لأنّ وزنه الصرفيّ هو فُعْلُول، كعُصفور.
ـ قل: مُؤامِر، ولا تقل: مُتآمِر.
لأنّ حقّ الواحد المُفاعَلة، أي المُؤامَرة، تقول: آمَرَ فلانٌ فهو مُؤامِر، كما تقول: حارب فلانٌ مُحارِب، ولا تقول: مُتحارب.
ـ قل: السُّيّاح، ولا تقل: السُّوّاح.
لأنّ السُّيّاح جمع تكسير للسائح، وهو اسم فاعل من: ساح يسيح سياحةً وسَيْحاً وسَيَحاناً، وليس السائح من: ساحَ يَسُوح، مثل: قاد يقود، حتّى يُجمع سائح على سُوّاح، مثل قائد قُوّاد حيث فِعلُها: قاد يقود.
ـ قل: دَحَرْنا جيشَ العدوّ، فهو مَدْحور، ولا تقل: اِندحَرَ فهو مُنْدحِر.
جاء في ( لسان العرب ) لابن منظور: دَحَرَه يدحَرُه دَحْراً ودُحوراً، دفعه وأبعده، والدُّحور: الطرد والإبعاد، قال تعالى: « أخرُجْ مِنها مَذْؤوماً مَدْحوراً » أي مطروداً أو مُقصى.
أمّا اندحر فلم يرد في كتب اللغة..
ـ قل: تخرّج فلانٌ في الكليّة الفلانيّة، ولا تقل: تخرّج مِن الكليّة الفلانيّة.
لأنّ تخرّج هنا بمعنى: تأدّب وتعلّم وتدرّب، ولا محلّ لحرف الجر (من) هنا، إذ ليس المقصود الخروج من الكليّة، وإلاّ لكان لكلّ طالبٍ في اليوم خرجةٌ أو أكثر!
ـ قل: الطبيب الخافر، وطبيبُ الخَفْر، ولا تقل: الطبيب الخَفَر.
لأنّ الخَفَر مصدر الفعل: خَفِرتِ المرأة تَخفَرُ خَفَراً وخَفارة، أي استَحْيَت أشدَّ الحياء، فهي خَفِرة وخَفير ومخفار..
ـ قل: الشيء المذكور آنفاً، ولا تقل: الشيء الآنف الذِّكر.
جاء في ( مختار الصحاح ): قال كذا آنِفاً وسالفاً. وهو أسلوب القرآن الكريم، قال تعالى: ومِنهُم مَن يستمعُ إليك حتّى إذا خَرَجوا مِن عندِك قالوا لِلذينَ أُوتُوا العِلمَ ماذا قال آنِفاً .
ـ قل: كابَدَ العدوُّ خسارةَ كذا وكذا، ولا تقل: تكبّد العدوُّ خسارة...
ويستمرّ المؤلّف يعرض الصحيح ويُصحّح الخطأ، في بياناتٍ لغويّة، واستدلالات صرفيّة وبلاغيّة، وشواهد قرآنيّة وحديثيّة، يحسن بنا أن نتعلّمها فنقوّم بها ألسنتنا، فنَسْلم من الأغلاط بأنواعها، عائدين إلى لغتنا الجميلة السليمة الرائقة.

Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.