الواجهة » العالم الإسلامي » المشاهير » مؤمنات صادقات من مدرسة أهل البيت عليهم السلام » جابر بن عبدالله الأنصاري
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


جابر بن عبدالله الأنصاري

نافذة
أبوه: عبدالله بن عمرو الأنصاري السَّلَمي، أمّه: نسيبة بنت عقبة. وجابر وأبوه من السبعين الذين شهدوا العقبة الثانية، وقد استُشهد أبوه يوم أُحد. وشهد جابر (19) غزوةً مع رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وكان جابر من المنقطعين إلى أهل البيت عليهم السلام، روى عن الصدّيقة الزهراء عليها السلام حديث اللَّوح الذي حمل أسماء الأئمّة عليهم السلام تعييناً من الله تبارك وتعالى نزل به جبرئيل عليه السلام على النبيّ صلّى الله عليه وآله، وروى له البخاري ومسلم وغيرهما (1540) حديثاً شريفاً.
وهو أوّل مَن زار أبا عبدالله الحسين عليه السلام بعد شهادته. تُوفّي جابر سنة 78 هجرية عن عمرٍ بلغ (94) سنة، وكان آخر من تُوفّي من الصحابة في المدينة.

مآثر
قال جابر: يا رسول الله، إنّ منادياً نادى ألاّ يخرج ( أي إلى أُحد الثانية ) إلاّ مَن حضر القتال بالأمس، وقد كنتُ حريصاً على الحضور، ولكنّ أبي خلّفني على أخواتٍ لي وقال: يا بُنَيّ لا ينبغي لي ولك أن نَدَعَهنّ ولا رَجُلَ عندهنّ، وأخاف عليهنّ وهن نُسَيّاتٌ ضِعاف، وأنا خارج مع رسول الله صلّى الله عليه وآله، لعلّ الله يرزقني الشهادة. فتخلّفتُ عليهنّ، فاستأثره الله بالشهادة وكنتُ رجوتُها، فَأْذَنْ لي يا رسول الله أن أسير معك. فأذِنَ له رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال جابر: فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجالٌ لم يحضروا القتلال فأبى ذلك عليهم، ودعا رسول الله صلّى الله عليه وآله بلوائه وهو معقود لم يُحلَّ من الأمس، فدفعه إلى عليٍّ عليه السلام. ( المغازي للواقدي:336 ).
وعن جابر بن عبدالله أيضاً قال: لمّا انصرفنا راجعين فكُنّا بالشقرة، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: « يا جابر، ما فعل دَينُ أبيك ؟ »، فقلت: عليه ( أي ما زال عليه )، أنتظرُ ـ يا رسول الله ـ أن يُجَذّ نخلُه، فقال: « إذا جَذَذتَ فأحضِرْني »، قلت: نعم. ثمّ قال: « مَن صاحبُ دَين أبيك ؟ »، قلت: أبو الشحم اليهودي، له على أبي أوسقة تمر ( الوسق: حملٌ قدره 60 صاعاً )، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: « فمتى تَجذّها ؟ »، قلت: غداً، قال: « يا جابر، فإذا جَذَذتَها فاعزِل العَجْوة على حِدَتِها، وألوان التمر على حدتها ».
قال جابر: ففعلت، فجعلتُ الصَّيحاني على حدة، وأُمّهات الجرادين على حدة، ثمّ عمدتُ إلى جُمّاعٍ من التمر.. وهو أقلّ التمر، فجعلتُه جبلاً واحداً، ثمّ جئتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله فخبّرتُه، فانطلق ومعه عليٌّ وأصحابه، فدخلوا الحائط ( اي البستان )، وحضر أبو الشحم، فلمّا نظر رسول الله إلى التمر مصنَّفاً قال: « اللهمَّ بارِكْ له »، ثمّ انتهى إلى العجوة فَمسَّها بيده، وأصنافَ التمر، ثمّ جلس وسطها وقال: « أُدْعُ غريمك »، فجاء أبو الشحم، فقال صلّى الله عليه وآله: « إكتَلْ »، فاكتال حقَّه كلّه مِن جبلٍ واحدٍ ـ وهو العجوة ـ وبقيةُ التمر كما هو، ثمّ قال: « يا جابر، هل بقيَ على أبيك شيء ؟ »، قلت: لا.
قال جابر: وبقي سائر التمر، فأكلنا منه دهراً، وبِعْنا منه حتّى أدركت التمرة مِن قابل، ولقد كنتُ أقول: لو بِعتُ أصلها ما بلغتُ ما كان على أبي مِن الدَّين، فقضى الله ما كان على أبي من الدَّين، فلقد رأيتني والنبيّ ليقول: « ما فعَلَ دَينُ أبيك ؟ »، فقلت: قد قضاه الله عزّوجلّ، فقال: « اللهمَّ اغفِرْ لجابر »، فاستغفر لي في ليلةٍ خمساً وعشرين مرّة. المغازلي:401 ).
وعن جابرٍ أيضاً قال: دخلتُ على رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: « يا جابر، هؤلاء الأَعْنُز ( جمع عَنْز: الأُثنى مِن المَعَز ) إحدى عشرة عنزاً في الدار، أحَبُّ إليك أم كلماتٌ علَّمَنيهِنّ جبريلُ آنفاً يُحمَد لك خير الدنيا والآخرة ؟! »، فقلتُ: واللهِ ـ يا رسول الله ـ إنّي لمحتاج، وهؤلاء الكلماتُ أحبُّ إليّ، فقال لي: « قل: اللهمَّ أنت الخلاّقُ العظيم، اللهمّ إنّك سميعٌ عليم، اللهمّ إنك غفورٌ رحيم، اللهمّ إنّك ربُّ العرش العظيم، اللهمّ إنّك أنت الجواد الكريم، فاغفِرْ لي وارحمني، وعافِني وارزقني، واستُرني واجبُرني، وارفعني واهدِني ولا تُضِلَّني، وأدخلني الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين ».
قال جابر: فطَفِق يُردّدهنّ علَيّ حتّى حَفِظتُهنّ، ثمّ قال لي: « تَعلَّمْهُنّ، وعَلِّمْهُنّ عَقِبَك مِن بعدك، ثمّ آستبقِهِنّ معك ». قال: فاستبقيتُهنّ معي. ( تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 392:3 ).
كذلك عن جابر الأنصاري رضوان الله عليه: خرجتُ مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله إلى غزوة ذات الرِّقاع على جملٍ لي ضعيف، فلمّا قَفَل رسول الله صلّى الله عليه وآله جعلَتِ الرفاقُ تمضي وجعلتُ أتخلّف، حتّى أدركني رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: « ما لك يا جابر ؟! »، قلت: يا رسول الله، أبطأَ بي جملي هذا، قال: « أنِخْه »، فأنختُه، وأناخ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله ثمّ قال: أعطِني هذه العصا مِن يدك ». قال: ففعلت، فأخذها رسول الله صلّى الله عليه وآله، فنَخسَ الجملَ بها نخساتٍ ثمّ قال: « اركب »، فركبت، فخرج ـ والذي بعثه بالحقّ ـ يُواهق ناقتَه مواهقةً! ( أي يعارضها في سرعتها ).
( ويشتري رسول الله من جابر جمله بأوقية، ويُزوّجه )، قال جابر: فلمّا أصبحتُ أخذتُ برأس الجمل فأقبلتُ به حتّى أنختُه على باب رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ جلستُ في المسجد قريباً منه، فخرج رسول الله فرأى الجمل فقال: « ما هذا ؟! »، قالوا: يا رسول الله، هذا جملٌ جاء به جابر، قال: « فأين جابر ؟! »، قال جابر: فَدُعيتُ له، فقال: « يا ابنَ أخي، خُذْ برأس جملك فهو لك »، ودعا بلالاً فقال له: « إذهبْ بجابرٍ فأعطهِ أُوقيّة ». قال جابر: فذهبتُ معه فأعطاني أوقيّة، وزادني شيئاً يسيراً، فواللهِ ما زال يُنمي عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتّى أُصيب أمس فيما أُصيب لنا! ـ يعني يوم الحَرّة يوم هجم جيش يزيد على مدينة النبيّ فاستباح أعراضها وأموالها وأرواح المؤمنين سلباً وقتلاً وهتكاً!! ـ ( السيرة النبويّة لابن هشام 207:2 ).
ويستفيد جابر من الوجود الأقدس لرسول الله صلّى الله عليه وآله، فيأتيه يسأله عن سلمان الفارسي، فيجيبه صلّى الله عليه وآله بقوله: « سلمانُ بحرٌ لا يُقْدَر على نزحه، سلمانُ مخصوصٌ بالعِلم الأوّل والآخِر، أبغَضَ اللهُ مَن أبغَضَ سلمان، وأحَبَّ مَن أحبَّه ».
سؤال آخر: ما تقول في أبي ذرّ يا رسول الله ؟ فيجيبه: « وذاك منّا، أبغَضَ اللهُ مَن أبغضه، وأحبّ اللهُ مَن أحبَّه ».
قال جابر: قلت: فما تقول في المِقداد ؟ قال: « وذاك منّا، أبغَضَ اللهُ مَن أبغضه، وأحبّ اللهُ مَن أحبّه ». قلت: فما تقول في عمّار ؟ قال: « وذاك منّا، أبغض اللهُ مَن أبغضه، وأحبَّ اللهُ مَن أحبّه ».
قال جابر: فخرجتُ لأُبشّرَهم، فلمّا ولّيت ( أي أردتُ الانصراف ) قال لي: « إليَّ إليَّ يا جابر، وأنت منّا، أبغضَ اللهُ مَن أبغضك، وأحبّ اللهُ مَن أحبَّك ». ( الاختصاص للشيخ المفيد:223 ).

خصائص رفيعة
من شرف الصحابيّ جابر الأنصاري رحمه الله، أنه عاصر سبعة معصومين: النبيَّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، والصدّيقة الكبرى فاطمة، وأمير المؤمنين عليّاً، والحسن والحسين، وعليَّ بن الحسين، ومحمّدَ الباقر صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً. وكان تلميذاً مُسلِّماً لهم، محبّاً ذاكراً لهم، ملازماً إيّاهم.
قال يوماً: أردَفَني رسول الله صلّى الله عليه وآله يوماً خلفه، فجعلتُ فمي على خاتم النبوّة، فجعل ينفح علَيَّ مِسكاً. وقد حفظتُ منه تلك الليلة سبعين حديثاً ما سَمِعها معي أحد منه. ( تهذيب تاريخ دمشق 392:3 ).
ولازمَ أمير المؤمنين عليه السلام، فكان من أكبر تلاميذه، ومِن بعده كان في عداد أصحاب الإمام الحسن المجتبى، ثمّ الإمام الحسين عليهما السلام، ثمّ بعدهما الإمام عليّ بن الحسين حتّى أدرك الباقر محمّدَ بن عليّ عليهما السلام. وقد نهل عنهم العلم، حتّى كانت له حلقةٌ في المسجد النبويّ يُوخَذ عنه العلم. ( الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 213:1 ).
وقد وصفه ابن عبدالبر أنّه: كان من المكثرين الحفّاظ للسنن. ( الاستيعاب 222:1 ).
وكتب الزركلي: روى له البخاري ومسلم وغيرهما ( 1540 ) حديثاً. ( الأعلام 104:2 ).
ولجابر رضوان الله عليه صحيفة علميّة لها شأنها، فقد كتب ابن حجر في ترجمة سلمان بن قيس اليشكري البصري: جالَسَ جابراً وكتب عنه صحيفته. ( تهذيب التهذيب 215:2 ).
وروى عن جابر هذه الصحيفة: أبوالزبير، وأبو سفيان، والشعبي، وسعيد بن أبي عروبة. ( تهذيب التهذيب 215:2، الطبقات الكبرى لابن سعد 229:7 ).
وكتب الدكتور محمّد عجاج الخطيب: وكان كثير من التابعين يذهبون إلى جابر رضي الله عنه، يكتبون عنه الحديث. كما كان له منسك صغير في الحجّ. أخرجه مسلم في صحيحه. ( السنّة النبويّة قبل التدوين:353 ).
وقد ورد عنه في آداب التعليم: تعلّموا العلم، ثمّ تعلّموا الحِلم، ثمّ تعلّموا العلم، ثمّ تعلّموا العمل، ثمّ أبشِروا. ( تهذيب تاريخ دمشق 393:3 ).
ويعتبر جابر من الرواة الصادقين والمكثرين، فقد روى عنه عشرات التابعين، وأخرج حديثَه رجالُ الصحاح والسِّيَر والتراجم من الفريقين، فوردت المئات من أحاديثه في ( المغازي )، وعدّ ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ) رواته فبلغوا (32) قال بعدهم: وروى عنه خَلقٌ كثير. وذكر الزركلي في ( الأعلام ) أنّ لجابر مُسنداً ممّا رواه أحمد بن حنبل، والنسخة قديمة ونفيسة في خزانة الرباط / الرقم 221 كتاني.
ومن خصائص جابر الأنصاري أنّه أوّلُ خارجٍ إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام من المدينة.. قال عطيّة: خرجت مع جابر زائرَينِ قبر الحسين بن عليّ، فلما وَرَدنا كربلاءَ دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ اتّزر بإزار وارتدى بآخَر، ثمّ فتح صُرّة فيها سُعْد فنثرها على بدنه، ثمّ لم يَخْطُ خُطوةً إلاّ ذكر اللهَ تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال: ألْمِسْنِيه ( حيث كان بصيراً )، فألمَسْتُه، فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرَشَشْتُ عليه شيئاً من الماء، فلمّا أفاق قال: يا حسين، يا حسين، يا حسين. ثمّ قال: حبيبٌ لا يُجيب حبيبَه ؟! وأنّى لك بالجواب وقد شُحطت أوداجُك على أثباجك، وفُرِّق بين بدنك ورأسك ؟! فأشهدُ أنّك ابنُ خاتم النبيّين، وابن سيّد الوصيّين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدةِ النساء، وما لك لا تكون هكذا وقد غذّتك كفُّ سيّد المرسلين، ورُبِّيتَ في حِجْر المتّقين، ورضعتَ مِن ثدي الإيمان، وفُطمتَ بالإسلام، فطِبتَ حيّاً وطبتَ ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غيرُ طيّبةٍ لفراقك، ولا شاكّةٌ في الخِيرة لك، فعليك سلام الله ورِضوانه، واشهدُ أنّك مضيتَ على ما مضى عليه أخوك يحيى بنُ زكريّا.
ثمّ جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتُها الأرواحُ التي حَلَّتْ بِفِناءِ الحسينِ وأناخَتْ بِرَحْلهِ، أشهدُ أنّكم أقمتُمُ الصلاة وآتيتُمُ الزكاة، وأمرتُم بالمعروف ونهيتُم عن المنكر، وجاهدتُمُ الملحدين، وعبدتُمُ اللهَ حتّى أتاكمُ اليقين. والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتُم فيه.
قال عطيّة: فقلت له: يا جابر، كيف ولم نَهبِطْ وادياً ولم نَعْلُ جبلاً ولم نضرب بسيف، والقومُ قد فُرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُوتمت أولادهم، وأُرملت أزواجهم ؟! فقال: يا عطيّة، سمعتُ حبيبي رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: « مَن أحبّ قوماً حُشِر معهم، ومَن أحبّ عملَ قومٍ أُشرِك في عملهم »، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسينُ وأصحابه. خُذْني إلى أبيات كوفان.
قال عطيّة: فلمّا صرنا في بعض الطريق قال: يا عطيّة، هل أُوصيك ؟ وما أظنّ أنّني بعد هذه السفرة ملاقيك! أحبِبْ مُحِبَّ آلِ محمّدٍ ما أحبَّهم، وأبغِضْ مُبغِضَ آل محمّدٍ ما أبغضهم وإن كان صوّاماً قوّاماً، وارفقْ بمُحبّ محمّدٍ وآل محمّدٍ فإنّه إن تَزِلَّ له قَدمٌ بكثرة ذنوبه تَثبُتْ له أخرى بمحبّتهم، فإنّ مُحبَّهم يعود إلى الجنّة، ومبغضهم يعود إلى النار! ( بشارة المصطفى لشيعة المرتضى لأبي جعفر محمّد بن أبي القاسم محمّد بن عليّ الطبري:75 ).
قال السيّد ابن طاووس: ولمّا رجع عليُّ بن الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق، قال للدليل: « مُرْ بنا على طريق كربلاء ». فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابرَ بن عبدالله الأنصاريَّ رحمه الله وجماعةً مِن بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول صلّى الله عليه وآله قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام، فوافَوا في وقتٍ واحد، وتَلاقَوا بالبكاء والحزن واللَّطْم، وأقاموا المآتم المُقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أيّاماً. ( اللهوف على قتلى الطفوف:82 ).

الصدع بالحقّ
كتب الشيخ عبّاس القمّي رحمه الله: لمّا هلك المُغيرة بن شعبة ـ وكان والياً على الكوفة ـ استعمل معاوية زياداً عليها، فلمّا وَلِيهَا سار إليها واستخلف على البصرة سَمُرةَ بن جُنْدَب، وكان زيادٌ يقيم في الكوفة ستّة أشهر وفي البصرة ستّة أشهر، فلمّا استخلف سمرةَ على البصرة أكثر القتلَ فيها. قال ابن سيرين: قتل سَمُرةُ في غيبة زياد هذه (8) آلاف، فقال له زياد: أما تخاف أن تكون قَتلتَ بريئاً ؟ فقال سمرة: لو قتلتُ معهم مِثلَهم ما خَشِيت! وقال ابو السوار العَدَوي: قتَلَ سمرة من قومي غداةً واحدة ( 47 ) كلُّهم قد جمع القرآن! ( سفينة البحار 722:2 ـ 723، عن: الكامل في التاريخ لابن الأثير 461:3 ).
هذا غيض من فيض ممّا جرى في تلك الفترة الأمويّة الحالكة، لكنّ هذا كلّه لم يمنع جابرَ الأنصاري من ذِكر مناقب أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام والدعوة إلى ولايته.. فهذه بعض أخباره:
سُئل عن الإمام عليّ عليه السلام، فقال: ذاك خير البشر. ( أمالي الشيخ الطوسي:344 ).
وروى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله: « عليٌّ إمامُ البَرَرة، وقاتل الفَجَرة، منصورٌ مَن نَصَره، مخذولٌ مَن خَذَله » ( روضات الجنّات للخوانساري 358:1 ).
وعنه رحمه الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « الناسُ مِن شجرٍ شتّى، وأنا وعليٌّ مِن شجرةٍ واحدة » ( روضات الجنّات 356:1 ).
وعنه كذلك قال: لمّا قَدِم عليٌّ على رسول الله بفتح خيبر، قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: « لولا أن تقول فيك طوائفُ مِن أُمّتي ما قالت النصارى للمسيح عيسى بن مريم لقلتُ اليوم قولاً لا تمرّ بملأٍ إلاّ أخذوا التراب من تحت رِجلَيك ومِن فضل طَهورك يستشفوا به، ولكن حَسْبُك أن تكون منّي وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنّك منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي، وأنّك تُبْرئ ذمّتي، وتقاتل على سُنّتي، وأنّك غداً على الحوض خليفتي، وأنّك أوّلُ مَن يَرِد علَيَّ الحوض، وأنّك أوّلُ مَن يُكسى معي، وأنّك أوّل مَن يدخل الجنّة مِن أُمّتي، وأنّ شيعتك على منابرَ مِن نورٍ مُبْيَضّةً وجوهُهم حولي، أشفعُ لهم ويكونون غداً في الجنّة جيراني، وأنّ حربَك حربي وسِلْمَك سلمي، وأنّ سرَّك سرّي وعلانيتَك علانيتي، وأنّ سريرة صدرك كسريرتي، وأنّ وُلدَك وُلْدي، وأنّك تُنْجِز عِداتي، وأنّ الحقّ معك، وأنّ الحقّ على لسانك وقلبك وبين عينَيك، الإيمانُ مخالطٌ لحمَك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وإنّه لن يَرِدَ علَيَّ الحوضَ مُبغِضٌ لك، ولن يغيب عنه مُحِبٌّ لك حتّى يَرِد الحوضَ معك ».
قال جابر: فخرّ عليٌّ ساجداً، ثمّ قال: « الحمدُ لله الذي أنعم علَيّ بالإسلام، وعلّمني القرآن، وحبّبني إلى خير البريّة خاتَمِ النبيّين، وسيّد المرسلين، إحساناً منه وفضلاً منه علَيّ »، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله له: « لولا أنت لم يُعرَفِ المؤمنون بعدي ». ( أمالي الصدوق:86 ).
وسُئل جابر: أيَّ رجلٍ كان عليُّ بن أبي طالب ؟ فرفع حاجبَيه عن عينيه ـ وكانا قد سقطا على عينيه لكِبَر سنّه ـ فقال: ذاك خير البشر، أما والله إنْ كنّا لَنعرِفُ المنافقين على عهد رسول الله ببغضهم إيّاه! ( رجال الكشّي = اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي:41 ).
وكان جابر يدور في سكك المدينة ومجالسها متّكئاً على عصاه ويقول: عليٌّ خير البشر، فمَن أبى فقد كفر! يا معاشر الأنصار، أدّبوا أولادكم على حبّ عليّ، فمَن أبى فلينظُرْ في شأن أمّه! ( رجال الكشّي:43 ).
وروى أنّ الأصحاب سألوا النبيَّ صلّى الله عليه وآله: لمَنِ السمعُ والطاعة بعدك يا رسول الله ؟ فقال لهم: « لأخي وابن عمّي ووصيّي عليِّ بن أبي طالب ». قال جابر: فعَصَوه ـ واللهِ ـ وخالفوا أمرَه، وحملوا عليه السيوف! ( أمالي الطوسي:57 ).
وعنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال لعليّ في جملة بشاراتٍ له: «.. وإذا كان يومُ القيامة دُعيَ الناسُ بأُمّهاتهم، إلاّ شيعتَك، فإنّهم يُدعَون بأسماء آبائهم لِطِيب مولدهم ». ( أمالي الطوسي:77 ).
وعن جابر الأنصاري أيضاً: كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه وآله فأقبل عليٌّ عليه السلام، فقال النبيّ: « قد أتاكُم أخي »، ثمّ التفتَ إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: « والذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لَهُمُ الفائزون يوم القيامة »، ثمّ قال: « إنّه أوّلُكم إيماناً معي، وأوفاكُم بعهد الله، وأقومُكم بأمر الله، وأعدَلُكم في الرعيّة، وأقسَمُكم بالسويّة، وأعظمكم عند الله مَزيّة ». قال: فنزلت ( الآية ): « إنّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحاتِ أُولئك هم خيرُ البَرِيّة » [ البيّنة:7 ]. ( أمالي الطوسي:257 ).
وعنه أنّ رسول الله ناجى عليّاً، فكَرِه ذلك رجال من أصحابه، فقال صلّى الله عليه وآله لهم: « ما أنا انتجَيتُه، ولكنّ الله عزّوجلّ انتجاه ». ( أمالي الطوسي:267 ).
وكثيرة رواياتُ جابر في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، هذا بعضٌ منها: ـ قول النبيّ صلّى الله عليه وآله: « حُرِّمتِ النارُ على مَن آمن بي وأحبّ عليّاً وتولاّه، ولعن اللهُ مَن تَمارى عليّاً وناوأه، عليٌّ منّي كجِلدةٍ ما بين العينِ والحاجب ». ( أمالي الطوسي:301 ).
ـ « مَن آمن بي وصدّقني فَلْيَتولَّ عليّاً مِن بعدي، فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله ». ( أمالي الطوسي:431 ).
ـ قال وقد أخذ بيد عليّ عليهما الصلاة والسلام: « هذا أمير البَرَرة، وقاتل الفَجَرة.. »، ثمّ رفع صوته بها: « أنا مدينة الحكمة وعليٌّ بابُها، فمَن أراد الحكمة فَلْيأتِ الباب ». ( أمالي الطوسي:495 ).

حامل رسالة
في ( مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول:81 ) كتب محمّد بن طلحة الشافعي: قال محمّد بن أسلم المكّي: كنّا عند جابر بن عبدالله، فأتاه عليّ بن الحسين ( السجّاد زين العابدين عليه السلام ) ومعه ابنه محمّد ( الباقر عليه السلام ) وهو صبيّ، فقال عليّ لابنه محمّد: « قَبِّلْ رأس عمّك »، فدنا محمّد فقبّل رأسه، فقال جابر: مَن هذا ؟! فقال عليّ: « هذا ابني محمّد »، فضمّه جابر إليه وقال: يا محمّد، محمّد رسول الله يقرأ عليك السلام، فقال لجابر: « كيف ذاك يا أبا عبدالله ؟! »، قال جابر: كنتُ مع رسول الله صلّى الله عليه وآله والحسينُ في حِجره وهو يلاعبه، فقال: « يا جابر، يُولَد لابنيَ الحسين ابنٌ يُقال له: عليّ، إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ: لِيَقُمْ سيّدُ العابدين. فيقوم عليُّ بن الحسين. ويُولَد لعليٍّ ابنٌ يُقال له: محمّد، يا جابر، إذا رأيتَه فأقرِئْه منّي السلام، واعلم أنّ بقاءك بعد رؤيتك يسير ».
قال الراوي: فلم يعش جابر بعد ذلك إلاّ قليلاً.

قالوا في جابر
الإمام الباقر عليه السلام: « جابر يعلم »، وأثنى عليه كثيراً. ( رجال الكشّي:44 ).
الإمام الصادق عليه السلام: « كان منقطعاً إلينا أهلَ البيت ». ( رجال أبي داود:79 ).
البرقي أحمد بن أبي عبدالله في ( رجاله:4 ): كان جابر من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين مع سلمان والمقداد وأبي ذرّ وعمّار...
الفضل بن شاذان: إنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام. ( رجال العلاّمة الحلّي:35 ).
ابن الأثير في (أُسد الغابة في معرفة الصحابة 308:1 ): كان جابر من المكثرين في الحديث، الحافظين له، حمَلَه دِينُه على قول الحقّ والإنكار على مَن كتمه.
ابن دواد في ( رجاله:79 ): جابر بن عبدالله... عظيم الشأن.
ابن العماد الحنبلي في ( شذرات الذهب 84:1 ): آخر مَن مات من أهل العقبة عن ( 94 ) سنة، وهو من أهل بيعة الرضوان وأهل السوابق والسَّبق في الإسلام، وكان كثير العلم.
خير الدين الزركلي في ( الأعلام 104:2 ): جابر بن عبدالله الأنصاريّ السَّلَميّ، صحابيّ، من المكثرين في الرواية عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، روى عنه جماعةٌ من الصحابة. له ولأبيه صُحبة، غزا تسع عشرة غزوة، وكانت له في أواخر أيّامه حلقة في المسجد النبويّ يُؤخَذ فيها عنه العلم.
محمّد عجاج الخطيب في ( السيرة النبويّة قبل التدوين:478 ): أبو عبدالله جابر بن عبدالله، الفقيه، كان مع مَن شهد العقبة في السبعين من الأنصار.
رضوان الله تعالى عليه صحابيّاً تابعاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله في جهاده، وراوياً صادقاً عنه، ومحبّاً له ولآله، وباثّاً لفضائل أهل بيته، وناصحاً لأمّته.

Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.