الواجهة » العالم الإسلامي » الهاشميون » مودّة ذوي القربى » تجليات النثر
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


تجليات النثر

(محيي الدين بن عربي، ت 638هـ)
أهل البيت ومواليهم
ولمَّا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عبداً محضاً قد طَهَّره الله وأَهل بيته تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس، ـ وهو كلّ ما يَشِينُهُم ـ فإنّ «الرجس» هو القَذَر عند العرب، هكذا حكى الفَرّاء. قال تعالى: إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنْكُمُ الرِّجْسَ أَهل الْبيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فلا يضاف إليهم إلاَّ مُطَهَّرٌ ولابُدَّ، فإن المضاف إليهم (بهم) هو الذي يُشْبِههم، فما يُضيفون لأَنفسهم إلاَّ مَن له حُكم الطهارة والتقديس.
فهذه شهادة من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لسلمان الفارسيِّ بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة، حيث قال فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «سَلْمانُ مِنَّا ـ أَهْلَ الْبَيْتِ». وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم. وإذا كان لا ينضاف إليهم إلاَّ مُطَهَّر مُقَدَّس ـ وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة ـ فما ظنّك بأَهل البيت في نفوسهم ؟! فهم المُطَهَّرُون، بل هم عين الطهارة.
فهذه الآية تدل على أَن الله قد شَرَّك أَهل البيت مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلّم في قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخَّر . وأَيُّ وَسَخ وَقَذر أَقذر من الذنوب وأَوسخ ؟! فَطَهَّر الله سبحانه نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمغفرة. فما هو ذنب، بالنسبة إلينا، لو وقع منه صلّى الله عليه وآله وسلّم لكان ذنباً في الصورة، لا في المعنى. لأَنَّ الذمَّ لا يلحق به، على ذلك، (لا) مِن الله ولا مِنَّا شرعاً. فلو كان حكمه حكم الذنب، لصحبه ما يصحب الذنب من المذمَّة، ولم يَصدُق قوله: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الْرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً .
فدخل «الشُّرَفَاء» أَولادُ فاطمة كلُّهم ـ ومَن هو مِن «أَهل البيت»، مثل سلمان الفارسي ـ إلى يوم القيامة، في حكْم هذه الآية من الغفران. فهم المُطَهَّرون اختصاصاً من الله، وعنايةً بهم، لشرف محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وعنايةِ الله به. ولا يظهر حكم هذا الشرف لأَهل البيت إلاَّ في الدار الآخرة؛ فإنهم يحشرون مغفوراً لهم. وأَمَّا في الدنيا، فمَن أَتى منهم حَدَّا أُقيم عليه، كالتائب إذا بلَغَ الحاكِمَ أَمرُهُ ـ وقد زنى أَو سرق أَو شرب ـ أُقيم عليه الحَدُّ، مع تحقق المغفرة. كَمَاعِز وأَمثاله. ولا يجوز ذمُّه.

* * *

أهل البيت: جميع ما يصدر منهم قد عفا الله عنه
وينبغي لكل مسلم، مؤمن بالله وبما أَنزله، أَن يُصَدِّق اللهَ تعالى في قوله: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ـ أَهْلَ الْبَيْتِ ـ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فيعتقد في جميع ما يصدر من أَهل البيت، أَنّ الله قد عفا عنهم فيه، فلا ينبغي لمسلم أَن يُلْحِق المذمّة بهم، ولا ما يشنأ أَعراض مَن قد شهد الله بتطهيره وذهاب الرجس عنه. لا بعمل عملوه، ولا بخبر قَدَّموه. بل سابق عناية من الله بهم، ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعظيمِ .
وإذا صَحَّ الخبر الوارد في سلمان الفارسي، فله هذه الدرجة، فإنه لو كان سلمان على أَمر يشنؤه ظاهر الشرع، وتلحق المذمّة بعامله، لكان مضافاً إلى أَهل البيت من لم يَذْهب عنه الرجس. فيكون لأَهل البيت، من ذلك، بقدر ما أُضيف إليهم. وهم المُطَهَّرُون بالنص. فسلمان منهم بلا شك. فأرجو أَن يكون عقب عليٍّ وسلمان تلحقهم هذه العناية، كما لحقت أَولاد الحسن والحسين وعقبهم، وموالي أَهل البيت. فإن رحمة الله واسعة.

* * *

أهل البيت أقطاب العالم
يا وليُّ! وإذا كانت منزلة مخلوق، عند الله، بهذه المثابة: أَن يَشْرُفَ المضاف إليهم بشرفهم ـ وشرفهم ليس لأَنفسهم، وإنما الله تعالى هو الذي اجتباهم وكساهم حُلَّة الشرف، كيف ـ يا وليَّ ـ بمن أُضيف إلى من له الحمد والمجد والشرف لنفسه وذاته؟ فهو المجيد سبحانه وتعالى. فالمضاف إليه من عباده، الذين هم عباده. وهم الذين لا سلطان لمخلوق عليهم في الآخرة. قال تعالى لإبليس: إنَّ عِبَادِي فأَضافهم إليه لَيْسَ لَكَ علَيْهُمْ سُلْطَانٌ . وما تجد في القرآن عباداً مضافين إليه سبحانه إلاَّ السعداء خاصَّةً. وجاء اللفظ، في غيرهم، بِـ «العِباد». فما ظنّك بالمعصومين، المحفوظين منهم، القائمين بحدود سيدهم، الواقفين عند مراسمه ؟! فَشَرفُهُم أَعلى وأَتمُّ، وهؤلاء هم أَقطاب هذا المقام.

* * *

سرّ سلمان
ومن هؤلاء الأَقطاب وَرث سلمان شرفَ مقام أَهل البيت. فكان رضي الله عنه من أَعلم الناس بما لله على عباده من الحقوق، وما لأَنفسهم والخلق عليهم من الفوق، وأَقواهم على أَدائها. وفيه قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لو كان الإيمان بالثريّا لناله رجال من فارس ـ وأَشار إلى سلمان الفارسي». وفي تخصيص النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذِكر «الثريّا» دون غيرها من الكواكب، إشارة بديعة لمثبتي «الصفات السبعة»، لأَنها سبعة كواكب، فافهم. فـ «سِرُّ سلمان» الذي أَلحقه بأَهل البيت، ما أَعطاه النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أَداء كتابته، وفي هذا فقه عجيب. فهو عتيقُه صلّى الله عليه وآله وسلّم و «مَولى القوم منهم». والكل موالي الحق. ورحمة الله «وسعت كلَّ شيء». وكل شيء (هو) عبده ومولاه.

* * *

أهل البيت: لا ينبغي لمسلم أن يذمّهم
وبعد أَن تبين لك منزلة أَهل البيت عند الله، وأَنه لا ينبغي لمسلم أن يذمهم بما يقع منهم أَصلاً ـ فإنَّ الله طَهَّرهُم ـ فليعلم الذامُّ لهم أَن ذلك راجع إليه. ولو ظلموه فذلك الظلم هو، في زعمه، ظلمٌ لا في نفس الأَمر، وإن حكم عليه ظاهر الشرع بأَدائه. بل حكْم ظلمهم إيَّانا، في نفس الأَمر، يشبه جَرْي المقادير على العبد في ماله ونفسه: بغرق أَو بحرق، وغير ذلك من الأُمور المهلكة. فيحترق، أَو يموت له أَحد أَحبابه، أَو يصاب في نفسه. وهذا، كلُّه، مما لا يوافق غرضه.
ولا يجوز للعبد أَن يذم قَدَر الله ولا قضاءه. بل ينبغي له أَن يقابل ذلك كلَّه بالتسليم والرضا؛ وإن نزل عن هذه المرتبة فبالصبر، وإن ارتفع عن تلك المرتبة فبالشكر. فإنّ في طيّ ذلك نِعَماً من الله لهذا المصاب. وليس وراء ما ذكرناه خيرٌ. فإنه ما وراءه إلاَّ الضجر، والسخط، وعدم الرضا، وسوء الأَدب مع الله. فكذا ينبغي أَن يقابل المسلم جميع ما يطرأُ عليه، من أَهل البيت، في ماله ونفسه وعرضه وأَهله وذويه. فيقابل ذلك كلَّه بالرضا والتسليم والصبر. ولا يُلْحِق المذمة بهم أَصلاً. وإن تَوَجَّهتْ عليهم الأَحكام المقررة شرعاً: فذلك لا يقدح في هذا، بل يُجْرِيه مُجرى المقادير. وإنما مَنَعْنا تعليق الذمّ بهم، إذ مَيَّزَهم الله عنَّا بما ليس لنا معهم فيه قَدم.
وأَمّا أَداء الحقوق المشروعة، فهذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، كان يقترض من اليهود؛ وإذا طالبوه بحقوقهم أَدَّاها على أَحسن ما يمكن. وإن تَطَاوَلَ اليهوديُّ عليه بالقول، يقول: «دَعُوه! إن لصاحب الحق مقالاً». وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في قصة: «لو أَن فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها». فوضعُ الأَحكام لله: يضعها كيف يشاء، وعلى أَيِّ حال يشاء. فهذه حقوق الله، ومع هذا، لم يذمّهم الله.
وإنما كلامنا في حقوقنا، وما لنا أَن نطالبهم به. فنحن مخيّرون: إن شئنا أَخذنا، وإن شئنا تركنا، والترك أَفضل عموماً، فكيف في أَهل البيت ؟! وليس لنا ذمّ أَحد، فكيف بأَهل البيت ؟! فإنَّا إذا نزلنا عن طلب حقوقنا وعفونا عنهم في ذلك ـ أَي فيما أصابوه منا ـ كانت لنا بذلك عند الله اليد العظمى والمكانة الزُّلفى.

* * *

محبّة آل بيت النبيّ من محبّة النبيّ
فإن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ما طلب منا، عن أَمر الله، إلاَّ المَوَدَّة في القُرْبى . وفيه سِرُّ صلة الأَرحام. ومن لم يقبل سؤال نبيه فيما سأَله فيه، مما هو قادر عليه، بأَيِّ وجه يلقاه غداً، أَو يرجو شفاعته، وهو ما أَسعف نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما طلب منه من «المودة في قرابته» فكيف بأَهل بيته، فهم أَخص القرابة ؟!
ثمّ إنه تعالى جاء بلفظ «المودة» وهو الثبوت على المحبة. فإنه مَنْ ثَبَتَ وُدُّهُ في أَمرٍ استصحبه في كل حال. وإذا استصحبته المودة، في كل حال، لم يؤاخذ أَهل البيت بما يطرأُ منهم في حقه، مما له أَن يطالبهم به. فيتركه تركَ محبة، وايثاراً لنفسه لا عليها. قال المحب الصادق:

وجاء باسم «الحبّ» فكيف حال «المودة» ؟! ومن البشرى ورود اسم «الودود» لله تعالى.
ولا معنى لثبوتها (أي المودَّة) إلاَّ حصول أَثرها بالفعل في الدار الآخرة وفي النار: لكل طائفة بما تقتضيه حكمة الله فيهم. وقال الآخر في المعنى:

أُحِبُّ لِحبِّها السُّودَانَ.. حتَّى أُحِبُّ، لِحُبِّها، سُودَ الكِلابِ!

ولنا في هذا المعنى:

أُحـِبُّ لـِحُبِّكِ الحُـبْشَانَ طُرًّا وأَعشَقُ، لاسمِكِ، البدرَ المُنِيرَا

قيل: كانت الكلاب السود تناوشه، وهو يتحبّب إليها. فهذا فعل المُحِبّ في حب مَن لا تُسْعِده محبته عند الله ولا تورثه القربة من الله. فهل هذا إلاّ من صدق الحبّ وثبوت الودّ في النفس ؟!

* * *

محبة أهل البيت آية من محبة الله ورسوله
فلو صَحَّت محبتك لله ولرسوله، أَحببت أَهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ورأَيت كل ما يصدر منهم في حقك، مما لا يوافق طبعك ولا غرضك، أَنه جمال تتنعم بوقوعه منهم. فتعلم، عند ذلك أَنّ لك عنايةً عند الله الذي أَحببتهم من أَجله، حيث ذَكَرك من يحبه، وخطرت على باله: وهم أَهل بيت رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتشكر الله على هذه النعمة. فإنّهم ذكروك بأَلسنَة طاهرة بتطهير الله، طهارةً لم يبلغها علمك.وإذا رأَيناك على ضد هذه الحالة مع أَهل البيت، الذي أَنت محتاج إليهم، ولرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، حيث هداك الله به ، فكيف أَثق، أَنا بودِّك الذي تزعم به أَنك شديد الحبّ فيّ، والرعاية لحقوقي أَو لجانبي، وأَنت، في حق أَهل نبيّك بهذه المثابة من الوقوع فيهم ؟ والله! ما ذاك إلاَّ من نقص إيمانك، ومن مكر الله بك، واستدراجه إياك من حيث لا تعلم.
وصورة المكر أَن تقول وتعتقد: إنك، في ذلك، تذبّ عن دين الله وشرعه! وتقول في طلب حقك: «إنك ما طلبتَ إلاَّ ما أَباح الله لك طلبه». ويندرج الذمُّ، في ذلك الطلب المشروع، والبغضُ والمقت، وإيثارُك نفسك على أَهل البيت، وأَنت لا تشعر بذلك. والدواء الشافي من هذا الداء العُضال، أَن لا ترى لنفسك معهم حقاً. وتنزل عن حقك لئلا يندرج في طلبه، ما ذكرته لك. وما أَنت من حُكَّام المسلمين حتّى يتعيَّن عليك إقامةُ حد، أَو إنصافُ مظلوم، أَو ردُّ حق إلى أَهله. فإن كنت حاكماً، ولا بُدَّ، فاسع في استنزال صاحب الحق عن حقه، إذا كان المحكوم عليه من أَهل البيت. فإن أَبى، حينئذ يتعين عليك إمضاء حكم الشرع فيه. فلو كشف الله لك ـ يا وليُّ ـ عن منازلهم عند الله، في الأخرة، لَوددتَ أَن تكون مولى من مواليهم! فالله يلهمنا رشد أَنفسنا، فانظر ما أَشرف منزلة سلمان رضي الله عن جميعهم.

* * *

أسرار الأقطاب «السَّلمانيين»
ولمَّا بيّنت لك أَقطاب هذا المقام، وأَنهم عبيد الله المُصطَفَون الأَخيار، فاعلم أَن أَسرارهم، التي أَطْلَعنا الله عليها، تجهلها العامَّة، بل أَكثر الخاصَّة التي ليس لها هذا المقام، والخضر منهم رضي الله عنه، وهو من أَكبرهم. وقد شهد الله له أَنه آتاه «رحمة منه عنده، وعلَّمه من لدنه علماً» اتّبعه فيه كليم الله موسى عليه السّلام الذي قال فيه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لَوْ كَانَ مُوسى حيًّا ما وَسِعَهُ إلاَّ أَن يَتَّبِعَني».
فمن أَسرارهم، ما قد ذكرناه من العلم بمنزلة «أهل البيت»، وما قد نَبَّه الله على علوّ رتبتهم في ذلك.
ومن أَسرارهم: علم المكر الذي مكر الله بعباده في بغضهم (أَي أَهل البيت)، مع دعواهم في حب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسؤاله المَوَدَّة في القُرْبى . وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم من جملة «أَهل البيت». فما فعل أَكثر الناس ما سأَلهم فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أَمر الله. فعصَوا الله ورسوله. وما أَحبُّوا من قرابته إلاَّ من رأَوا منه الإحسان: فأَغراضَهم أَحبّوا، وبنفوسهم نعشَّقُوا.
ومن أَسرارهم: الاطلاع على صحة ما شرع الله لهم في هذه الشريعة المحمدية، من حيث لا تعلم العلماء بها. فإن الفقهاء والمحدِّثين، الذين «أَخذوا علمهم مَيْتاً عن مَيْت»، إنما المتأَخر منهم هو فيه (أَي في علمه) على غلبةِ ظنٍ: إذ كان النقل بشهادة، والتواتر عزيز. ثمّ إنهم إذا عثروا على أُمور تفيد العلم بطريق التواتر، لم يكن ذلك اللفظ، المنقول بالتواتر، نَصَّاً فيما حكموا فيه، فإن النصوص عزيزة. فيأخذون من ذلك اللفظ بقدر قوة فهمهم به. ولهذا اختلفوا. وقد يمكن أن يكون لذلك اللفظ، في ذلك الأَمر، نصٌّ آخر يعارضه ولم يصل إليهم؛ وما لم يصل إليهم ما تُعبَّدُوا به.
ولا يعرفون بأَيِّ وجهٍ من وجوه الاحتمالات، التي في قوة هذا اللفظ، كان يحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المُشَرِّعُ. فأَخذه أَهل الله عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الكشف، على الأمر الجلي، والنص الصريح في الحكم، أَو عن الله بالبينة، التي هم عليها من ربهم، والبصيرة التي دعوُا الخلق إلى الله عليها، كما قال الله: أَفَمنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن ربْهِ وقال: أَدْعُو إلَى اللهِ علَى بصِيرةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبعني ، فلم يُفرِد نفسه بـ «البصيرة»، وشهد لهم بالاتّباع في الحكم. فلا يتبعونه (أَي أَهلُ الله) إلاَّ على بصيرة. وهم عباد الله، أَهل هذا المقام.
ومن أَسرارهم أَيضاً: إصابة أَهل العقائد فيما اعتقدوه في الجناب الإلهي. وما تجلَّى لهم حتّى اعتقدوا ذلك. ومن أَين تَصوَّر الخلافُ، مع الاتفاق على السبب الموجب الذي استندوا إليه، فإنه ما اختلف فيه اثنان ؟ وإنما وقع الخلاف فيما هو ذلك السبب، وبماذا يُسمَّى ذلك السبب ؟ فمن قائل: هو الطبيعة؛ ومن قائل: هو الدهر؛ ومن قائل: هو غير ذلك. فاتفق الكل في إثباته، ووجوب وجوده. وهل هذا الخلاف يَضرُّهُمْ مع هذا الاستناد أَم لا ؟ هذا، كلُّه، من علوم أَهل هذا المقام.

الفتوحات المكيّة، محيي الدين بن عربي، 229:3 ـ 242


* * *

(الدكتور محمّد عبده يماني، وزير سابق)
والخلاصة أن السادة والأشراف هم من ذريّة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وسيّدنا عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه. ولا فرق بين اللقبين من ناحية النسب وشرف الانتماء إلى سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فكلّهم لرسول الله عليه السّلام منتسِب، وكلّهم حريّ بالتقدير والاحترام والمودّة؛ امتثالاً لأمر الله عزّوجلّ: قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى .
وممّا هو جدير بالذكر أن الذريّة الطاهرة المباركة من نسل السبطين الكريمين الحسن والحسين منتشرة في معظم الأقطار الإسلاميّة، ولهم حيثما وُجدوا كبيرهم الذي يرجعون إليه في الأمور المهمة. وغالباً ما يكون من العلماء الفضلاء ويحمل لقب نقيب الأشراف، ويحتفظ بشجرة النسب الشريف المبيّن لأُرومة آل البيت، سواء كانوا مِن جدّهم الحسن أو جدّهم الحسين عليهما السّلام. وقد نجد بعض آل البيت منتسبين إلى الحسن أو الحسين مباشرةً، وقد يحملون ألقاباً أخرى تبعاً للجدّ الذي ينتسبون إليه.

علّموا أولادكم محبة آل البيت النبوي، الدكتور محمّد عبده يماني


* * *

(الشيخ صالح بن فوزان الفوزان)
هوعضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية أدلى لجريدة الشرق الأوسط اللندنية (العدد 5324، تاريخ 6 / 1 / 1414هـ):
ومن أصول أهل السنّة والجماعة: محبة أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتَولّيهم؛ عملاً بوصية رسول الله عليه السّلام فيهم بقوله: «أُذكّركم الله في أهل بيتي»... وقرابة الرسول لهم علينا حقّ الإكرام، والمحبة والاحترام.

العقود اللؤلؤية في بعض أنساب الأُسر الحسنية الهاشمية
جمع وإعداد وتحقيق: الشريف محمّد بن عليّ الحسني ،ص 371


* * *

(الشيخ الدكتور محمّد بن سعيد القحطاني)
ومن مُعتقَد أهل السنّة والجماعة: معرفة قدر آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ورضي الله عنهم أجمعين. وهذه مسألة نبّهتُ إليها مراراً.
وأزيد هذا الأمر إيضاحاً فأقول: آل بيته صلّى الله عليه وآله وسلّم... ذَكَراً كان أو أُنثى، له في رقبة كلّ مسلم ومسلمة حقّان اثنان: حقّ الإسلام، وحقّ القرابة.
وآل بيته صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قد تعرّضوا لمحنات صعاب، بدأت منذ القرن الأول وإلى هذا اليوم، وإلى ما شاء الله...
من يقلّب صفحات التاريخ يجد أحياناً صفحات كالحة من تصرّفات بعض المحسوبين على السنّة الذين آذَوا آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فسَبَوهم وسَبُّوهم على المنابر... لكنّه انحراف وقع ولابدّ أن يقال. ولا يزال بعض الناس ينظر أيضاً بنظرة ازدراء واحتقار، أو نظرة ليست طبيعية إلى آل بيت رسول الله!
يا سبحان الله، الناس احتفلوا بلاعبي الكرة، وبنجوم الأفلام، وبغيرهم من الساقطين.. أفلا يجب على أهل السنّة والجماعة أن يوقّروا آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ويعرفوا لهم حقّهم، ويقدّروهم ويُنزلوهم المنزلة التي لهم ؟!...
وآل بيت رسول الله عليه السّلام لهم حقّ في بيت مال المسلمين؛ لأن الله قد خصّهم بأنّ الصدقة لا تحلّ لهم... ولكنّ البديل عن ذلك أنّ لهم نصيباً من بيت مال المسلمين يُدفع لهم، وهذا حقّ فرضه الله سبحانه وتعالى لهم.

العقود اللؤلؤية في بعض أنساب الأُسر الحسنية الهاشمية بالمملكة العربية السعودية
جمع وإعداد وتحقيق: الشريف محمّد بن عليّ الحسني، ص 371 ـ 373


* * *

(ابن خَلِّكان، ت 681هـ)
قال في ترجمة أبي دُلَف العِجْلي (ت 225 أو 226 هـ) في بغداد:
هو أحد قوّاد المأمون ثمّ المعتصم من بعده. كان كريماً سَرِيّاً جواداً شجاعاً. وكان لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه فدخل عليه بعضهم وأنشده:

أيـا ربَّ المنـائح والعطـايـا ويـا طَلْقَ المُحيّا والـيدَيـنِ
لـقد خُـبِّرتُ أنّ علـيك دَيناً فزِدْ في رقم دَينك واقضِ دَيني

فوصله وقضى دينه.
ورأيت في بعض المجامع أنّ أبا دُلَف لمّا مَرِض مَرَض موته حَجَب الناسَ عن الدخول عليه لثقل مرضه. فاتفق أنّه أفاق في بعض الأيّام، فقال لحاجبه:
ـ مَن بالباب من المَحاويج ؟
فقال:
ـ عشرة من الأشراف قد وصلوا من خراسان.
فقعد على فراشه واستدعاهم. فلمّا دخلوا.. رحّب بهم، وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم، فقالوا:
ـ ضاقت بنا الأحوال، وسمعنا بكرمك.. فقصدناك.
فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق، وأخرج منه عشرين كيساً، في كلّ كيس ألف دينار، وقال لهم:
ـ لا تَمَسّوا الأكياس حتماً حتّى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم، واصرفوا هذا [أي مبلغاً إضافياً] في مصالح الطريق.
ثمّ قال:
ـ ليكتبْ كلّ واحد منكم خطَّه: إنّه فلان بن فلان... حتّى ينتهي إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ويذكر جدّته فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله. ثمّ ليكتبْ: يا رسول الله، إني قد وجدتُ إضاقةً وسوء حال في بلدي، وقصدتُ أبا دُلَف العِجْلي، فأعطاني ألفَي دينار كرامةً لك، وطلباً لمرضاتك، ورجاءً لشفاعتك.
فكتب كلٌّ منهم ذلك، وتسلّم الأوراق، وأوصى مَن يتولّى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه.. حتّى يَلقى بها رسول الله صلّى الله عليه وآله ويَعرضها عليه.

وفيات الأعيان، لابن خلّكان 77:4 ـ 78


   1 2 الصفحة اللاحقة »»  

Copyright © 1998 - 2018 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.