الواجهة » العالم الإسلامي » المزارات » مزار الإمام علي عليه السلام » وصف آخر للمزار العلَوي
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


وصف آخر للمزار العلَوي

قبر عليّ عليه السّلام
في عهد الرشيد أُنشئ على القبر رواق عُقِدت عليه قبة، وفي أواخر القرن الثالث جاء محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالداعي الصغير ملك طبرستان فبنى على القبر حائطاً، وفي سنة 338 هجرية بنى عمر بن يحيى قبة بيضاء على المشهد العلوي، وتجمعت حول المشهد بيوت للمجاورين من الشيعة.
وفي أواخر القرن الرابع انبعثت الإمارات الشيعية وتكاثرت العمارة حول المشهد، وجاءت إمارة آل بُوَيه وعَزمَ عضدُ الدولة البويهي على إقامة أعظم عمارة للنجف، فبذل الأموال الطائلة وجلب البنائين ومواد البناء والصنّاع وأهل الخبرة، ونقلَ الأخشاب والصخور من أماكن عديدة، وأنشأ قريباً من المكان المعروف ببئر ملاحة مصاهر للطاباق والجصّ، وكان ينقل ماء الشرب على ظهور الجِمال. ثمّ حفر قناة للماء تصعد من الفرات إلى النجف، وهي اليوم موجودة تعرف بقناة آل بويه. وأنهض رواقاً عالياً عقد عليه قبة بيضاء. وأقام عضد الدولة أمام الرواق بهواً كان يجلس فيه متأدباً لقضاء الحوائج. وفي هذا البهو وتحت الرواق عُقدت حفلة للتدشين.. تلك الحفلة التاريخية التي حضرها الأمراء والنقباء والعلماء، وهناك ألقى الحسين بن الحجاج قصيدته المشهورة.
وأقام الغرف والإيوانات وأنشأ داراً للضيافة وبذل الطعام للزائرين ثلاثة أيّام، وأجرى الجرايات وبثّ العطاء للذين ينوون الإقامة والمجاورة. وتمكّثت عمارة عضد الدولة إلى أواخر القرن الثامن للهجرة، ثمّ كانت تُجَدّد وترمم من قبل بعض النابهين.
وفي أوائل القرن الحادي عشر أقيمت هذه العمارة الماثلة اليوم، وهي العمارة الصفوية. وتمهيداً لذكرها نذكر طرفاً عن رواق عمران بن شاهين الخفاجي من أهالي «الجامدة» إحدى قرى البطائح في كور واسط.
وكان عمران أميراً للبطايح وخرج على السلطة، فناجَزَه عضدُ الدولة واستولى على إمارته، ونجا عمران بنفسه. وتشدد عضد الدولة في طلبه، ولما حضر عضد الدولة إلى النجف لتدشين العمارة التي أقامها عزم عمران على الاستسلام في ذلك المشهد متوسلاً بكرامة صاحبه للعفو، ونذر أن ينشئ رواقاً عظيماً لذلك المشهد، فجاء وألقى بنفسه في أحضان عضد الدولة، ورعى عضد الدولة حرمة ذلك المشهد فعفا عنه. ويمضي عمران في الوفاء بنذره، ويبني رواقاً متصلاً بالقبّة المُنيفة، ولكن السلطان الصفوي هدم قسماً من ذلك الرواق وألحقَه بالصحن، حتّى تتم دورة العمارة وتحسن هندستها. وقيل إن سبب الهدم هو انحراف الصحن،الأمر الذي أوجد تفاوتاً بين قِبلة الصحن وقبلة الروضة وبذلك الهدم والتغيير استقامت القِبلتان. وكان الصحن ينتهي قريباً من الباب المعروف بباب الطوسي، وما وراء ذلك كان رواق عمران، فهدم السلطان قسماً منه واشترى ما حوله من دُور وأقام هذه العمارة الماثلة اليوم. وعند تبليط الصحن في عصرنا ظهرت بعض البيوت وبعض القبور القديمة، منها بيت يقع في الجهة الشرقية للصحن وتحت التبليط القديم كان هناك تبليط بالقاشاني الأزرق مُأزّرة جدرانه بالقاشاني وفيه ثلاث دِكاك رُقِش على إحداها: هذا قبر (أويس)، ويظهر أنه من أولاد هولاكو، كما يقولون إنه قُتل ونُقل ودفن في النجف. وعلى القبر الثاني رُقِش اسم امرأة (ريانده)، أما القبر الثالث فيظهر أنه قبر طفل.
سبق وذكرنا قَطْعَ رواق عمران عن القبّة، وهو اليوم يُعرف بمسجد عمران. ويظهر أن باب مسجد عمران شرع أخيراً في دهليز باب الطوسي، حيث توجد على ذلك الباب كتابة قديمة على حجارة مؤرخة سنة 77 هجرية. وبما أن شروع هذا الباب متأخر عن هذا التاريخ بكثير فيلوح أن هذه الكتابة كانت فوق مقبرة بمكان هذا الباب، فقد روي وجود مقبرة هناك تحتوي على ثلاثة قبور، أحدها للأمير نجيب الدين أحمد، والثاني قبر ابنه محمود المهابادي، والثالث قبر زوجة محمود ( سعيدة ) من عائلة ملكية فارسية من ملوك الطوائف في عهد المغول عاصمتها ( مها آباد ) أي عمارة القمر.

تجديد عمارة المكان وكنوزه
يصف ابن بطوطة عمارة النجف في عام 726 للهجرة بأنها أحسن مدن العراق عمارة وأكثرها ناساً. وينوّه ببسالة النجفيين ونخوتهم، ويذكر عدداً من أسواق النجف، ويذكر القبر الشريف بإزائه المدارس والزوايا، ويذكر الصحن باسم مدرسة عظيمة يسكنها الطلاب والصوفية، ويذكر الباب الذي يُدخَل منه إلى الروضة وعليه الحجاب، ويذكر أن عتبة الباب والعضادتَين من الفضة، وأن الروضة مفروشة بالبُسُط الحريرية وفيها قناديل من ذهب وفضة، ويذكر أن في الوسط مصطبة مربّعة مكسوّة بالخشب وعليه صفائح من الذهب المسمور بمسامير فضية وقد غطّت الخشب حتّى لا يكاد يظهر. وارتفاع المصطبة قرابة أربعة أمتار، وفوقها ثلاثة قبور بينها طسوت من الذهب والفضة فيها ماء الورد ومقادير من المسك وغيره من أنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك الطيب ويُمرّ بها على وجهه. ويذكر أن للقبة باباً آخر وهو مثل الأول عتبته وعضاداتاه، وعليه ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحريرية الحِسان، كما أن حيطانه وسقفه مستورة بالحرير، وله أربعة أبواب. ويظهر أن هذا المسجد هو رواق عمران بن شاهين قبل أن يُقتطَع، كما أنه يذكر عن خزانة الروضة بما هي عليها اليوم، ويذكر أنه كلُّ ما يَرِد إلى الروضة من ذهب وفضة يضعه النقيب في الخزانة. ويقول: هي خزانة عظيمة فيها من الأموال ما لا يُحصى.
إن العمارة التي ذكرها ابن بطوطة هي غير العمارة الماثلة الآن، لأنه يصف ما كان في القرن الثامن للهجرة، وعمارة اليوم خُطّطت في أوائل القرن الحادي عشر على عهد الصفويين، وأولهم الشاه عباس الأول عندما زار العتبات فأمر بتجديد القبة العلوية ووسّع الحرم وجلب المهندسين والفَعَلة، ووجد حول النجف معدناً للصخر في غاية الصفاء فاقتلع منه ما يلزم لتلك العمارة، ودام العمل ثلاث سنين.
ثمّ إن المشهد عُمِّر ورمم وجُدِّد مراراً عديدة، ومن المجددين: محمود وأشرف الأفغانيان، ونادر شاه، والعثمانيون، والقاجاريون. كل هؤلاء خدموا النجف بالبذل والهدايا والنفائس والقناديل الذهبية والأحجار الكريمة والطنافس والسجاد والكتب الأثرية والقرائين الخطية.
وقد نشأ من ذلك وجود أربع خزائن، أهمها: الخزانة التي كانت موضوعة في مكان تحت الأرض في حجرة بجنب المنارة الجنوبية، وفي هذه الخزانة النفائس العظيمة وأكثرها من هدية نادر شاه، منها خمسة قناديل مثبتة بفصوص ثمينة ذهبية فوق الضريح المقدس. وفي الخزانة مجمر من ذهب وضع فيه ستة أحجار من الياقوت الأحمر تشعّ وتلتهب كأنها الجمر، وفيها عِقد كبير من الماس كتب عليه ( نادر )، وفيها فصوص وأحجار ولآلئ.
وقد نُقلت هذه النفائس من النجف إلى الكاظمية في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة خوفاً عليها من الوهابيين الذين استفحل أمرهم واستطار شرّهم في جزيرة العرب وطفوف الجزيرة في العقد الثاني من القرن الثالث عشر، وبقيت في الكاظمية أربع سنوات يقوم عليها الحرس، وقد حملتها أربعة طوابير من الجنود العثمانية، ولعلهم أول جنود للعثمانيين دخلوا النجف، ثمّ أعيدت تلك الذخائر إلى محلها.
ولم تُفتح هذه الخزانة إلا مرتين فقط، الأولى عندما زار العتبات السلطانُ ناصر الدين القاجاري في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة، حيث صدرت الإرادة الملكية بأن تفتح له تلك الخزانة، وكانت لا تفتح إلاّ بإرادة ملكية، فجاء ناصر الدين ومعه خبير بالإحجار النفيسة والأثريات ومعه أحد العلماء وهو السيد علي آل بحر العلوم ومعهم الخازن، وبعد أن اطّلع عليها أمر بغلقها. ومرة أخرى فتحت على يد مُتصرّف (محافظ) كربلاء صالح جبر ومعه ممثل من العلماء وخبير والخازن. وبعد الوقوف على ما فيها نُقلت بكل تحفّظ واحتياط إلى داخل الروضة وشُقّت لها سارية من السَّواري وأتي بصندوق حديدي كبير وبمقدار من القطن المعقم، فلُفّت تلك النفائس ووضعت مرتّبة في ذلك الصندوق، بعد أن سجل ما فيه ووقّع الحاضرون على ذلك السجل الذي أُودع ذلك الصندوق إلى جنب السجل الموقع من قبل ناصر الدين شاه ورفاقه، وسُدّ الصندوق وسُدّت السارية.
أمّا الخزانة الثانية ففي الضريح نفسه، وفيها كثير من النفائس والأحجار. والخزانة الثالثة في الرواق مما يلي الرأس الشريف، يكثر فيها السجاد. والرابعة في بيت صغير من الصحن في الوجه القِبلي كانت تكثر فيها الكتب من المخطوطات.. هذا عدا عما في الحضرة من القناديل الذهبية المعلقة الكثيرة العدد.

المكتبة العلوية
إن الجاليات والروّاد الهابطين على النجف من بلاد إيران والهند وآذربيجان وما وراء النهر والقوقاز وجبل عامل والخليج وبعض نواحي اليمن، كانوا يَفِدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية، وأهمّها: أمهات الكتب المخطوطة من كتب الفلسفة والرياضيات والأدب والفلك والتاريخ والمسالك والممالك.
وقد كان رواد العلم وطلابه يسكنون على الأغلب المدرسة العَلَوية الخاصة، وكان لهم نقيب ينظم شؤونهم.
وكانت في المدرسة العلوية خزانة كتب نفيسة تجمعت مما يحمله المهاجرون، وكانوا بعد ما يتزودون بزاد العلم ويعتزمون العودة إلى أوطانهم يتركون ما حملوه من نفائس الكتب وما ألّفوه من رسائل وأطروحات.. في خزانة المدرسة العلوية موقوفةً على طلابها.
وأول من أسس المكتبة العَلَوية الصدر الكفي المعروف بالآوي الذي أوصى ابن أخيه بشراء الكتب وجعلها وقفاً على طلاب النجف، وسنحت له الفرصة بالإكثار في شراء الكتب حين أصيبت بغداد بغلاء وقحط فباعت خزائن الكتب للغلة، وأكثر البيع كان على النجفيين. وقد ذكر المطّلعون من النجفيين أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات ألوف من الكتب بما فيها نسخ القرآن الأثرية وكتب الأدعية والأوراد. وقد فَرّقت يد الحَدَثان تلك النفائسَ ولم يبقَ اليوم إلاّ ما يقارب الأربعمائة نسخة.
ولما صارت النجف محطة علمية للعلماء انتشرت فيها المدارس والمكتبات، ونشأت فيها بيوت كثيرة للكتب ولع بجمعها رجال عُرفوا بذلك الشغف وبذلوا الجهد والمال عاكفين على الحصول عليها من مظانّها، فتيسّر لهم من نفائسها ما كوّن الخزائن، مثل مكتبة الشيخ علي وولده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، ومكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، ومكتبة محمد الباقر التوستري، ومكتبة المحدّث النوري، ومكتبة السيّد محمّد آل بحر العلوم، ومكتبة السيد جعفر آل بحر العلوم، ومكتبة السيد هاشم آل بحر العلوم، ومكتبة الشيخ الخونساري، ومكتبة السيد محمد اليزدي، ومكتبة الشيخ محمد السماوي، ومكتبة السيد رضا الحكيم، ومكتبة السيد أبي الحسن الأصفهاني، ومكتبة السيد محسن الحكيم. وفي هذه السنين الأخيرة أسس الشيخ عبدالحسين الأميني مكتبة كبرى سمّاها مكتبة أمير المؤمنين عليه السّلام، تعتبر اليوم من المكتبات العالمية.

أبواب صحن المقام
لم يكن للصحن أولاً أكثر من بابين: باب الحضرة وهو الذي ذكره ابن بطوطة، وباب الطوسي وهو الذي ينتهي إلى دار الطوسي.
وفي عام 1279 للهجرة فُتح الباب المعروف بالباب السلطاني، لأنّه فُتِح للسلطان ناصر الدين القاجاري عند زيارته للنجف، ويعرف أيضاً بباب الفَرَج. أما الباب القِبلي الواقع في الجهة الجنوبية للصحن فقد فتح سنة 1291 للهجرة في عهد متصرّف الحلة شبلي باشا يوم كانت النجف تابعة إلى إدارة الحلّة. وخامس الأبواب الباب المعروف بباب القيصرية، في الجهة الشرقية للصحن، فتح في أواخر القرن الثالث عشر. وقريباً منه فتح في العقد السابع من القرن الرابع عشر للهجرة الباب النافذ إلى مسجد الحضرة.

المقام في وضعه الحاضر
بناية فخمة نفيسة تاريخية تسمّى « صحناً »، وهي عمارة ذات قاعة مربعة غير تامة التربيع وذات طابقين، كلها مقطعة بإيوانات، وفي كل إيوان بيت صغير يفصل كل إيوان عن إيوان ساريتان كل واحدة بعرض متر أو يزيد قليلاً، وارتفاعها عشرة أمتار أو ما يزيد قليلاً.
يعقد بين الساريتين قوسان: القوس الأول وفوقه عصابة من القاشاني البديع بعرض نصف متر لسقف الطابق الأول. والقوس الثاني: وفوقه عصابة من القاشاني لسقف الطابق الثاني، وعصابة هذا القوس عليها كتابة بالقاشاني لبعض الآيات القرآنية، وقد كتب بالقاشاني الأبيض المرشوش بالقلم النسخي البديع كتابة نفيسة وتسمى هذه العصابة ( الكتيبة ).
وهكذا تقوم عمارة الصحن إيوان وبيت وسارية على سارية يمنطقها من الوسط نطاق من القاشاني بعرض نصف المتر وتعصبها من الأعلى كتيبة بعرض نصف المتر تقريباً إلاّ قسماً من الجهة الغربية يشكل طاقاً يمتد من ظهر الحرم ومسانداً له على امتداده، وذلك الطاق لا يستوعب الجهة الغربية كلها بل يستوعب في الجنوب مسافة أربعة إيوانات ومثلها في الشمال الغربيّ.
ويوجد للصحن أربعة إيوانات ذات طابق واحد كبيرة وشاهقة، ينعقد على كل واحد منها قوس من القاشاني مطويّ بشكل إطار. وبجنب ذلك الإطار إطاران من القاشاني المكتوب بآي القرآن، واحد منها يقع في الجهة الشمالية، وهو مقتطع من رواق عمران بن شاهين وقد رمز عليه كتابة بالقاشاني بقوله تعالى: وإنّما يَعْمُرُ مساجدَ الله .
ويقابله الإيوان الثاني وهو أيضاً مُقتطَع من رواق عمران، ويسمّى إيوان العلماء. والثالث في الجهة الجنوبية وقد دفن فيه السيد محمد سعيد الحَبّوبي فأصبح معروفاً باسمه. ويقابله الرابع وهو في ظهر الحرم وفي أعلاه الميزاب الذهبي ويسمى إيوان مرزاب الذهب.
ومما بُسِط تَعرفُ أن الصحن حصار عال تحيط به الإيوانات والحجر، وقاعته المكشوفة مثله، ويكمل دورته طاق معقود في الجهة الغربية. وأرض الصحن حصار عال تحيط به الإيوانات والحجر، وقاعته المكشوفة مبلطة بالصخر الصافي، وقد قطع قطعاً هندسية، وحيطانه مُؤزَّرة إلى ارتفاع مترين بذلك الصخر. وما عدا ذلك الارتفاع قد كُسِي بالقاشاني الملون بألوان بديعة تمثّل روضاً من رياض الفن قد أبدعت فيه ريشة المصور ومنقاشه، فكم خَطّ ذلك المبدع أزهاراً وتقاسيم وخطوطاً وتخريماً وريازة عليها جمالُ الصناعة وجلال العلم وهيبة الدين. كل هذه قد اجتمعت وامتزجت فكوّنت مادة لذلك التصوير ورشاشاً لذلك القلم وأصباغاً ودهاناً لتلك الريشة.
وفي ذلك الصحن قامت بجلال ووقار قبة ذهبية قد أُفرِغت بأبهى صورة، معقودة على بناية مهمة بديعة الهيئة أنيقة الوضع تسمى ( الحضرة ) وتسمى ( الروضة ). وحقاً إنها روضة صناعية أو معجزة الفن، إنها تحفة تاريخية خالدة في فن البناء والريازة والهندسة، بناية جليلة جميلة قامت بشكل إيوانات أربعة عالية عُقد على كل إيوان إطار وقوس، وفوق تلك الإطارات والأقواس عقدت القبة المنيفة تاج الجزيرة الذهبي.
وفي وسط تلك الروضة دائرة من المرمر الأبيض بارتفاع شبرين تقريباً. وهذا الدائر يحمل الشباك الفضي، ووراء هذا الشباك شباك آخر من الفولاذ يحيط بصندوق من الخشب النفيس المعروف ( بالخاتم ). وهذا الصندوق يُشعِر بالرمز المقدس لعرين الأسد أمير المؤمنين عليه السّلام ويسمى ( الضريح ). وبين الشباكين فاصلة بمقدار متر، وهناك باب فضي لا يُفتح إلا بوجهِ كبيرٍ من الملوك والعلماء يدخل إلى ذلك الممر الفاصل.
وفي باطن القبلة المنيفة نطاق من كتابة لآيات من القرآن كتبت بالميناء، وما عدا هذه الكتابة فكل باطن القبة منقوش بالفُسَيفساء نقشاً بديعاً.
ولتلك الروضة أربعة أبواب من الفضة وباب ذهبي حديث. والروضة والأروقة الأربعة مُمرَّدة، وتوجد ستائر حريرية مُقَصَّبة تُؤزَّر بها الروضة والأروقة والإيوان أيّام الاحتفالات، وتوجد أنواع الكسوة للصندوق والشباك المحيط به.
وتوجد في الروضة قناديل من ذهب، بعضها مُنبَّت. وفي الروضة كثير من الهدايا القديمة والحديثة ونفائس من الفصوص والسيوف المذهَّبة والساعات والأحجاب والمسارج ونسخ القرآن المخطوطة بالخطوط الأثرية. وفيها من النفائس سجاد بديع غاية في الإبداع قد نسج من الإبريسم. ولباب الصوف يقيس في الطول أكثر من مترين تقريباً وأكثر من المتر بقليل في العرض، وقد وضع بشكل محراب المصلي، وله إطار مكتوب نسجاً بآية الكرسي وبأحسن خط، وفي أعلاه نُسجت صورة أسد يُرمَز بها إلى أمير المؤمنين عليه السّلام. وعلى الجانبين نسجوا إحدى عشرة صورة يرمزون بها إلى الأئمّة من أولاده وأحفاده، ونسجوا على ذلك السجاد سورتَي الحمد والتوحيد والتسبيحات التي ترد في الصلوات والتشهد والتسليم.
وفيها أربع قطع من السجاد النفيس المنسوج من الإبريسم، وهي عمل بعض الأميرات الصَّفَويات، وقد نسجن تواقيعهنّ وتواريخ النسخ.
وفيها نسخة للقرآن الكريم بخط الأمير إسماعيل الصفوي بتاريخ 991 للهجرة، وعليها غلاف أُفرِغ من ماء الذهب المذاب، وقد نُبِّت بالأحجار. ونسخة ثانية على كرسيّ العاج المرصع بالحجر الثمين، وقد لُفّ بثوب من الاستبرق موشّى بأسلاك الذهب في فن خارق وصناعة بارعة، وغلاف ملون بالفسيفساء والميناء وهو غاية في جودة الخط بالقلم النسخي. وثالثة على كرسيّ مبرقع، وهي بتلك النفاسة الفاخرة.. وعلى هذه النسخة تفسير بالفارسية، وقد استخدم في كتابتها وتنقيحها كثير من الأصباغ ومحلول الذهب، فكانت من أبدع الآثار الخطية.
فأنت ترى أن تلك الروضة روضة فنية، إنها بيت آثار وخزانة تاريخ لو نُسِّق ما فيها من تحف وصُفّف لكانت من أبدع دُور الآثار في الشرق.. إنها جنة للذوق وفردوس للفن.
تخرج من تلك الروضة إلى أربعة أروقة تحيط بجوانبها، وقد مُرِّدت جدران الأروقة وسقوفها وتأزّرت بالصخر الفاخر، ومنه تبلّطت أرضها.
وفي الأروقة خمسة أبواب منها الباب الواقع في جهة الجنوب يسمى باب المراد، لأنّه فتح للسلطان مراد العثماني عند زيارته للنجف. وفي وجه الحرم بهو يرتفع عن قاعة الصحن بمرقاتين ويسميه النجفيون ( طارمة )، وفيه أربع بيوت صغيرة وإيوان كسروي يسمى إيوان الذهب. وفي وسط الإيوان باب فضي يُدخَل منه إلى الرواق، وهو الباب الذي ذكره ابن بطوطة وما زال حتّى اليوم عليه نص الزيارة التي ذكرها تُتلى من قبل الزائرين. وهذا الإيوان والبهو هما اللذان أنشأهما عضد الدولة البويهي أو أنهما بمكانِ ما أنشأ. وترى هذا الإيوان مع وجه البهو مما يلي الحرم مؤزراً بالصخر الفاخر وقد كُسي ما فوق ذلك الإزار بالذهب، وتُمنطقه كتابة ذهبية كتب فيها آي القرآن وقطع من الشعر الفارسي، وفي وسطه تتدلى سلسلة ذهبية.
وإلى جانب الإيوان قامت مِئذنتان مكسوّتان بالذهب ناهضتان إلى السماء في ذلك الجو الديني، كأنهما عُنُقان ذهبيّان، شخصتا إلى السماء عِزّة وافتخاراً.
وبين المئذنتين جلست تلك القبة الذهبية المتوهجة كأنها شعلة مقدسة على جبل من ذهب أو نار الكليم تلوح في الوادي المقدس، قامت توقد النجف وواديه شمسُ من ذهب يتكسر عليها نور الشمس، فما ألطف ذلك العالم المتكوِّن من النور والذهب، وما أبهى القبة المنورة والمئذنتين والإيوان ووجه البهو إذا سالت عليها أشعة شمس الصباح متمرّغة بتراب أعتاب تلك القبة المقدسة.
وأخيراً نُوِّر المشهد بمصابيح الكهرباء، فامتدّ بين المئذنتين سِمط منظوم من كواكب، وجعلوا في أعلى القبة طوقاً من المصابيح، ما أروع المنظر وما أجله وأجمله.. حتّى كأن تلك الكومة من النور مشعل يشعّ في الفضاء!
وبقاعة الصحن من الجهة الشرقية كانت مِسْرَجة كلّلوها بالمصابيح على شكل مخروطي، إذا أُسرِجت تُريك عُنقوداً من نور قد هبطت به ملائكة الذوق من فردوس اللطف. وهذا الذي مر عليك ذكره كله من بذل نادر شاه في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة، وتلك السلسلة الذهبية المعلقة في وسط الإيوان الذهبي هي السلسلة التي ربط بها نادر شاه عنقه وأمر أن يُسحَب إلى ذلك الحرم خاشعاً ضارعاً، وأبقى هذه السلسلة ذكرى لذلك الانقياد.
وقبالة الإيوان على الباب الشرقي نُصبت ساعة كبيرة ذات صفحات أربع بيضاء مُعَلَّمة بأرقام سود، وعليها بُرنس من الذهب، وأجراسها تدقّ في كل ربع ساعة، ولها رنين في ذلك الجو الروحي يتموّج مع أصوات المبتهلين ونبرات الداعين، فكأنه رنين ابتهال الزمان في ذلك المكان المقدس.
ولتلك الساعة الفخمة المرتفعة الصلبة الأجراس رنين يُطبّق أرجاء النجف، فهي ميقات النجف كله لا ميقات المشهد فقط.
وليست هذه أول ساعة نُصبت هناك، فقبلها كانت ساعة ولكن فُضِّلت هذه ورفعت تلك.
وقد استرعى الأذهان موقع ذلك الباب الكبير القديم فأقاموا عليه قوساً من القاشاني المطوي والمفتول طرائق طرائق بكل لطف وإبداع، يحيط به إطار قاشاني مكتوب بآي القرآن الكريم وبالقلم النسخي البديع. وفي أعلى ذلك الإيوان عصابة من القاشاني المكتوب، وفي داخل الإيوان إطار ذهبي ونطاق قد كتب بمحلول الذهب، فما أجمل ذلك الوجه، وما أبدع قسماته البهية، وما أروع ذلك البناء الذي يضيء حجارةً ويضوع طينة!
وفي الصحن أربع عمارات مستقلة ولكنها داخلة فيه. أولاً: المدرسة المعروفة بمدرسة الصحن الواقعة في الجهة الشمالية. وثانياً: جامع كبير يسمى مسجد الخضرة شرقي الصحن، ثمّ يقابل هذا المسجد عمارة ضخمة تسمى التكية، وهي زاوية للغرباء من الصوفية خصوصاً فرقة ( البكتاشية ) ولها جراية من غلة إقطاعية زراعية قريبة من الكوفة وعليها موكّل بالصرف. ورابعاً: جامع في جهة التكية، وهو بناء صَفّوي يسمى مسجد الجمعة.

وادي السلام مقبرة النجف
في النجف أكبر مقبرة إسلامية وأقدم مقبرة تاريخية هي وادي السلام.
ووادي السلام ليس مقبرة للنجف وحدها ولا للعراق وحده، بل لكثير من البلاد كإيران والهند والباكستان والكويت وجبل عامل وأقطار أخرى، فإن كثيراً من عظماء هذه الأقطار تُنقل جنائزهم إلى النجف الأشرف.
وفي وادي السلام لا يشعر الإنسان أنّه في مقبرة بل يشعر أنّه يقف على أطلال العالم وخرائب الدنيا، ويشعر بصمت عميق غَمَر الملوك والرعايا، ويرى قبوراً دارسة، وقبوراً مائلة للانهدام، وقبوراً جديدة. والقبور بين قبرٍ عليه دكة تختلف صغراً وكبراً، وآخر حوله سور يختلف سعة وارتفاعاً، وثالث عليه بنية. والبنيات قد تكون ذات فخامة واتقان تشبه داراً من أحسن الدور يقيم فيها شخص يقرأ القرآن في أوقات معينة ويتقاضى راتباً من ذوي العلاقة، ويوجد في تلك المقابر وغيرها ماء مبذول لمن يحتاج يسمّونه ( سبيلاً )، ويوجد في بعض المقابر حدائق حسنة.
وكثير من المقابر عليها قِباب تختلف كبراً وصغراً ولوناً وتصميماً، وكثير من هذه القبور تاريخي. وعلى كل قبر ـ إلاّ ما شذّ ـ صخرة نُحِت عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وبعض المميزات الأخرى. وكل مدينة أو قبيلة لها جانب تختص به لا يشاركها فيه غيرها. والصخور التي نُقش عليها الاسم بين صخر طبيعي بسيط، وبين صخر من الرخام الجيد، وبين آجرّ، وبين بلاط صناعي يسمونه ( كاشي ).
وقد كتب عليها كتابة بلون لا يزول، وكثيراً ما تُكتب على تلك الألواح قطعة من الشعر الجيد باللغة الفصحى أو العامية قد يتضمن تاريخاً في بعض فقراته، وهو بين رثاء للميت ومدح وعِظة. ولو تقصد إنسان جَمعَه لتجمّع لديه الشيء الكثير منه، ولكن أدب القبور ليس له حظ من الحياة، ولذا لم يُعنَ به عشّاق الأدب.
وفي وادي السلام تتزاحم أجيال، وفيه يقول الشيخ علي الشرقي من قصيدة:

سَل الحـجرَ الصوّانَ والأثرَ العادي خليليَّ كم جيلٍ قدِ احتَضنَ الوادي ؟
فـيـا صيحة الأجيال فيه إذا دعت مـلايـيـنَ آبـاء ملاييـنَ أولادِ!
ثلاثـون جيلاً قد ثَوَت في قـرارهِ تَزاحَـمُ في عُرب وفُرس وأكـرادِ
عَبَرتُ على الوادي وسَفَّت عجاجةٌ فكم مـن بلاد في الغبارِ وكم نادي!

ووادي السلام منتزه النجفيين، حيث يخرج إليه كثير من الناس في الأماسي لا سيما ليلة الجمعة لقراءة الفاتحة وتفّقد قبور أحبائهم.

وصف المقبرة
وتربة المقبرة تربة رملية نقية ناعمة، هذا ما يخص القسم الأعلى منها. أما القسم الذي يلي ذلك بحوالي عشرين سنتيمتراً، فعبارة عن منطقة صخرية متكونة من صخور رملية قوية تسمح لحفر اللحود فيها بصورة عمودية، وتسمح لإدخال الإنسان في مكان قد حُفر بصورة أفقية وبطول المتوفى. وقد تبقى الصخور والتربة محافظة على تماسكها، ولكن بعد مدة ينهدم ما يحيط بالتجويف الأفقي الراقد فيها المتوفى فتضيع معالم التجويف.
وتتصف المقبرة بالجفاف التام، لأنها جزء من المنطقة الصحراوية الجافة. فهي لهذا بقعة ذات رمال وصخور رملية نقية لا تظهر فيها أية رائحة مما نسميها بالعفونة أو ما يدل عليها. والحقيقة أن الكثير من أهالي النجف يتركون المدينة وأزقتها الضيقة وشوارعها المزدحمة الصاخبة بضجيج الناس والسيارات، ليتجولوا خلال شوارع المقبرة الملتوية أو بين القبور، ويشموا هواءها الزكي العذب من فضائها الرحب.

Copyright © 1998 - 2019 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.