الواجهة » العالم الإسلامي » المزارات » مقام رأس الحسين عليه السّلام
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


مقام رأس الحسين عليه السّلام

الرأس المقدّس
قال خالد بن معدان التابعي لمّا رأى رأس الإمام الحسين عليه السّلام في الشام، وكان حَملَه شمرُ بن ذي الجوشن الكِلابي وهو أحد قتَلَة الحسين عليه السّلام:

جاؤوا برأسِك يا ابنَ بنتِ محمّدٍ مُتَرمِّـلاً بدمـائـه تَـرميـلا
وكـأنّمـا بك يا ابنَ بنتِ محمّدٍ قَتَلـوا جِهـاراً عامِدين رسولا
قَتَلوكَ عطشانـاً ولمّـا يَرقُبـوا في قتـلِكَ التأويـلَ والتنزيـلا
ويُكبِّـرونَ بـأنْ قُتِلـتَ، وإنّما قَتَـلوا بـك التكبيـرَ والتهليـلا

قال زيد بن أرقم: كنتُ في غرفةٍ لي فمرّوا علَيّ بالرأس وهو يقرأ: أَمْ حَسِبتَ أنّ أنّ أصحابَ الكهفِ والرَّقيمِ كانوا مِن آياتِنا عَجَباً ، فوقف شَعري وقلت: واللهِ ـ يا ابن رسول الله ـ رأسُك أعجب، وأعجب! (1)
ولمّا نُصب الرأس الأقدس في موضع الصَّيارفة، أراد سيد الشهداء عليه السّلام توجيه النفوس نحوه ليسمعوا بليغَ عِظاته، فتنحنح تنحنحاً عالياً، فاتّجه إليه الناس وقد اعترتهم الدهشة حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين عليه السّلام، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى: إنّهُم فِتْيةٌ آمَنُوا بربِّهم وزِدْناهُم هدى .. وصُلِب على شجرةٍ فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع، فأخذ الرأس الشريف يقرأ: وسيَعلَمُ الذينَ ظَلَموا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبون! (2).
ويحدّث ابن وكيدة أنّه سمع الرأس الأقدس يقرأ سورة الكهف، فشكّ في أنه صوتُه أو غيره، فترك عليه السّلام القراءة والتَفتَ إلى ابن وكيدة يخاطبه: يا ابنَ وكيدة! أمَا علمتَ أنّا معاشرَ الأئمّة أحياء عند ربّهم يُرزَقون ؟!
فعزم ابن وكيدة على أن يسرق الرأس ويدفنه، وإذا بالخطاب من الرأس الأزهر: يا ابنَ وكيدة! ليس إلى ذلك من سبيل، إنّ سفكَهم دمي أعظمُ عند الله مِن تسييري على الرمح، فذَرْهُم فسوف يعلمونَ إذِ الأغلالُ في أعناقهم والسلاسلُ يُسحَبون (3).
وقد ذكر الطبري في ( تاريخه 267:6 )، وابن الأثير في ( الكامل في التاريخ 35:4 )، وسبط ابن الجوزي في ( تذكرة خواصّ الأمّة 148 )، وابن حجر في ( الصواعق المحرقة 116)، وابن مفلح الحنبلي في ( الفروع في فقه الحنابلة 549:3 )، والهيثميّ في ( مجمع الزوائد 195:5 )، وابن الصبّاغ المالكي في ( الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة 250 )، والمقريزي في ( خططه 289:3 )، وابن كثير في ( البداية والنهاية 192:8 ).. وغيرهم كثير أن يزيد بن معاوية أخذ قضيباً وجعل ينكث ثغر الإمام الحسين عليه السّلام وثناياه الشريفة.
وقد قال أبو بَرزَة الأسلَمي: أشهد لقد رأيتُ النبيَّ يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول: أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتَلَ اللهُ قاتِلَكُما، ولعَنَه وأعدّ له جهنّمَ وساءت مصيراً! فغضب يزيد من أبي بَرزَة، وأمرَ به فأُخرِج سَحْباً (4).
والتفتَ رسولُ قيصر الروم ـ وكان قد اتّفق أن حضر عند يزيد ـ فقال له: إنّ عندنا في بعض الجزائر حافِرَ حمارِ عيسى، ونحن نحجّ إليه في كلّ عام من الأقطار ونُهدي إليه النُّذورَ ونُعظّمه كما تُعظّمون كتبكم، فأشهدُ أنّكم على باطل (5)، فأَغضبَ يزيدَ هذا القولُ وأمر بقتله، فقام إلى الرأس وقبّله، وتشهّد الشهادتين، وعند قتله سمع أهلُ المجلس من الرأس الشريف صوتاً عالياً فصيحاً « لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله! » (6).
ثمّ أُخرِج الرأسُ الشريف من المجلس وصُلِب على باب القصر ثلاثة أيّام (7).. فلمّا رأت هندُ بنت عمرو بن سُهيل زوجةُ يزيد الرأسَ على باب دارها والنورُ الإلهي يسطع منه ودمُه طريّ لم يَجِفّ، ويُشَمّ منه رائحةٌ طيّبة (8)، دخلت مهتوكة الحجاب وهي تقول: رأس ابن بنت رسول الله على باب دارنا!! (9).
وأمر يزيد بالرؤوس ـ رؤوس شهداء كربلاء ـ أن تُصلَبَ على أبواب البلد والجامع الأُموي، ففعلوا بها ذلك (10). ورحم الله الشاعر حيث يقول:

أروحُـك أم روحُ النبـوّةِ تَـصـعَـدُ من الأرضِ للفردَوسِ والحُورُ سُجَّدُ ؟!
ورأسُك أم رأسُ الرسـولِ على القَنـا بآيـةِ أهـلِ الـكـهفِ راح يُـردِّدُ ؟!

ورحم الله الشاعر الآخر إذ يقول:

لهفي لرأسِك فوقَ مسلوبِ القَنـا يكـسـوهُ مِـن أنـوارِه جِلبابا
يتلو الكتابَ على السِّنان.. وإنّما رفعوا به فوقَ السنانِ كتابا (11)

تحقيقات
وقع الخلاف بين المؤرّخين في موضع دفن الرأس المطهَّر للإمام الحسين بن عليّ عليهما السّلام، في: كربلاء، أم دمشق، أم القاهرة.. أم غيرها ؟
ولعلّ السبب في حيرتهم أنّ السلطة الأُموية الغاشمة أمَرَت بأن يُطاف بالرؤوس الشريفة لشهداء كربلاء في البلدان ـ كما تنصّ على ذلك كتب التاريخ ـ وفي كلّ موضعٍ وُضع رأس سيد الشهداء سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ حُمل إلى مكانٍ آخر، فاتّخذ المؤمنون الموالون كلَّ موضعٍ للرأس الأقدس مَقاماً يرمز إلى التضحية والجهاد وإلى ظليمة آل البيت عليهم السّلام.
وعمدة الأقوال في هذا الباب ثلاثة:
القول الأوّل: أنّ الرأس المقدَّس دُفن مع الجسد الشريف بكربلاء، وهو الرأي الأقوى والأشهر. قاله ابن حجر العسقلاني في كتابه ( الإصابة في تمييز الصحابة 7:2 ) وعلّق على هذا الرأي بقوله: ولهذا السبب يُعبِّر البعض عن يوم الأربعين بـ « يوم مَرَدّ الرأس » في العراق. وفي روايةٍ لأبي مخنف أنّ غلاماً مِن خاصّة يزيد اشترى رأس الإمام الحسين عليه السّلام بمئة ألف دينار، وردّه إلى كربلاء.
أمّا ابن طاووس فيؤكّد عودة الرأس الأزهر إلى البدن الشريف بكربلاء حيث يقول: فأمّا رأس الحسين عليه السّلام، فرُوي أنّه أُعيد فدُفن بكربلاء مع جسده الشريف، وكان عمل الطائفة على هذا، ورُويت آثارٌ كثيرة مختلفة على ما ذكرناه، انتهى.
وخير من يجمع لنا دلائل ذلك من المحقّقين المعاصرين المرحوم السيّد عبدالرزّاق الموسوي المقرّم حيث يقول في كتابه القيّم ( مقتل الحسين عليه السّلام ص 362 ـ 363 ): لمّا عرف زينُ العابدين ( عليّ بن الحسين عليهما السّلام ) الموافقة مِن يزيد، طلَبَ منه الرؤوس كلَّها ليدفنها في محلّها، فلم يتباعد يزيد عن رغبته، فدفع إليه رأس الحسين مع رؤوس أهل بيته وصحبه، فألحقها عليه السّلام بالأبدان.
نَصَّ على مجيئه بالرؤوس إلى كربلاء: حبيب السير ـ لغياث الدين الهروي، كما في نَفَس المهموم ص 253، ورياض الأحزان ص 155. وأمّا رأس الحسين عليه السّلام ففي: روضة الواعظين للفتّال النيسابوري ص 165، ومثير الأحزان لابن نما الحلّي ص 58: أنّه المعوَّل عليه عند الإمامية، وفي اللهوف لابن طاووس ص 112: عليه عمل الإمامية، وفي إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي 477:1 ( قال: ذكر السيّد الأجلّ المرتضى قدّس الله روحه في بعض مسائله ـ رسائل الشريف المرتضى 130:3 ) أنّ رأس الحسين بن علي عليهما السّلام رُدّ إلى بدنه بكربلاء من الشام، وضُمّ إليه. وفي المقتل من كتاب العوالم للشيخ عبدالله الحراني ص 154، ورياض المصائب، وفي البحار للشيخ المجلسي ج 45: إنّه المشهور بين العلماء. وقال ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب 200:2: ذكر المرتضى في بعض رسائله أنّ رأس الحسين أُعيد إلى بدنه بكربلاء، وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين، وفي البحار عن ( العُدَد القوية ) لأخ العلاّمة الحلّي، وفي ( عجائب المخلوقات ) للقزويني ص 67: في العشرين من صفر رُدّ رأس الحسين عليه السّلام إلى جثمانه. وقال الشبراوي في ( الإتحاف بحبّ الأشراف ص 12 ): قيل: أُعيد رأس الحسين بعد أربعين يوماً. وفي شرح همزية البوصيري لابن حجر: أُعيد رأس الحسين بعد أربعين يوماً من قتله، وقال سبط ابن الجوزي في ( تذكرة خواصّ الأمّة ص 150 ): انّه رُدّ إلى كربلاء فدُفن مع الجسد. والمناوي في ( الكواكب الدريّة 57:1 ) نقلَ اتّفاقَ الإمامية على أنّه أُعيد إلى كربلاء، وأنّ القرطبي رجّحه ولم يتعقّبه، بل نسب إلى بعض أهل الكشف والشهود أنّه حصل له اطّلاع على أنّه أُعيد إلى كربلاء. وقال أبو الريحان البيروني في ( الآثار الباقية 331:1 ): في العشرين من صفر رُدّ رأس الحسين إلى جثّته، حتّى دُفن مع جثّته.
والقول الثاني: أنّ مدفن الرأس في النجف الأشرف، على ضوء خبرٍ يفيد أنّ مولىً من مَوالي أهل البيت عليهم السّلام سرق الرأس الشريف ودفنه في النجف بموضع يُدعى اليوم « مسجد الحنّانة »، حتّى اشتهر لدى العوام أنّه موضع رأس سيّد الشهداء سلام الله عليه.
وذلك مستفاد ممّا رواه عبدالله بن طلحة النهدي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه بعدما زار أميرَ المؤمنين عليه السّلام في النجف الأشرف قال لإسماعيل ابنه: قُمْ فسلِّمْ على جدّك الحسين. فقلت: جُعِلت فداك، أليس الحسين بكربلاء ؟! قال: نعم، ولكن لمّا حُمل رأسه سرقه مولىً لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين عليه السّلام ( رواه: الطوسي في تهذيب الأحكام 12:2، والسيّد عبدالكريم بن طاووس في فرحة الغري ص 52. وعقد الشيخ الحر العامليّ في وسائل الشيعة ج 10 ص 309 باباً لذلك، وأورد ثماني روايات كلّها مرويّة عن الإمام الصادق عليه السّلام، واللفظ في بعضها: ( موضع رأس الحسين عليه السّلام )؛ وعليه فقد يكون المراد أنّ الرأس كان قد وُضع في ذلك المكان من مسير سبايا أهل البيت إلى الكوفة ).
القول الثالث: أنّ مدفن الرأس المقدّس في القاهرة بمصر، وهذا القول مشهور بين الجمهور، وللموضع مَقامٌ مشهود شُوهِدَت فيه البركات والكرامات.
وعلى أيّة حال، فكلّ المواضع المشهورة والمظنونة هي مهبط رحمة الله تبارك وتعالى، لِما انصرف من قلوب الناس من توجّه الولاء إلى أهل البيت عليهم السّلام، مُعرِبةً تلك القلوب عن تقديسها ومحبّتها للإمام الحسين عليه السّلام، ومنعطفةً بالتبرّك فيما يُظَنّ أنّه موضع الرأس الأقدس أو محلّ دفنه، فتستقرّ الأرواح المؤمنة عند ذلك الموضع مستعيدة ذكريات الرسالة وأهل بيت الوحي الذين طهّرهم الله جلّ وعلا تطهيراً وأمرَ بمودّتهم صلوات الله عليهم.
ولذا سُئل أحدُهم عن موضع رأس الحسين عليه السّلام فأجاب بخاطر الولاء:

لا تًطلُبوا رأسَ الحسين بشرقِ أرضٍ أو بغربِ
ودَعُوا الجميعَ وعَرِّجوا نحوي.. فمَشهدُه بقلبي

وقال آخر:

لا تطلبوا رأسَ الـحسيـنِ فإنّـه لا فـي حِـمىً ثاوٍ ولا في وادي
لكنّمـا صَفْـوُ الـولاء يـدلّـكم في أنّه المقبورُ وَسْطَ فؤادي (12)

مشهد الرأس الأزهر في القاهرة
قال الشبلنجي الشافعي في ( نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار ص 269ـ فصل: اختلفوا في رأس الحسين رضي الله عنه ):
بعد مسيره ( أي الرأس الشريف ) إلى الشام.. إلى أين سار، وفي أي موضع استقرّ ؟ ذهبت طائفة إلى أنّ يزيد أمر أن يُطاف به في البلاد، فطِيف به حتّى انتُهيَ به إلى « عَسقَلان » فدفنه أميرها بها، فلمّا غلب الفرنج على عسقلان افتداه منهم الصالح طلائع ( بن رزيك ) وزير الفاطميّين بمالٍ جزيل ومشى إلى لقائه من عدّه مراحل، ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الآبنوس، وفرش تحته المسك والطِّيب، وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة قريباً من خان الخليلي.. واعتمد القرطبي الثاني ـ والذي عليه طائفة من الصوفية ـ أنّه بالمشهد القاهري. قال المناوي في طبقاته: ذكر لي بعض أهل الكشف والشهود أنّه حصل له اطّلاع على أنّه دُفن مع الجثّة بكربلاء، ثمّ ظهر الرأس بعد ذلك بالمشهد القاهري؛ لأنّ حكم الحالّ بالبرزخ حكم الإنسان الذي تدلّى في تيارٍ جارٍ فطِيف بعد ذلك في مكان آخر، فلمّا كان الرأس منفصلاً طفّ في هذا المحلّ بالمشهد الحسيني المصري، وذكر أنّه خاطبه.
قال الشيخ علي الأُجْهَوري في ( رسالة: فضائل يوم عاشوراء ): ذهب جمع من أهل التاريخ إلى دفن الرأس بالمشهد المصري المعروف، وكذا جمعٌ من أهل الكشف. قال الشيخ عبدالوهّاب الشعراني في كتابه ( طبقات الأولياء ) عند ذِكر الحسين: دفنوا رأسه ببلاد المشرق، ثمّ رشا عليها طلائع بن رزيك بثلاثين ألف دينار ونقلها إلى مصر، وبنى عليها المشهد الحسيني، وخرج هو وعسكره حُفاةً إلى نحو الصالحية من طريق الشام يَتلقَّون الرأس الشريف، ثمّ وضعها طلائع في كيس حرير أخضر على كرسي آبنوس وفرشوا تحتها المسك والعنبر والطيب قَدْرَ وزنها مراراً، انتهى.
وفي ( المِنَن ) للشعراني ما نصُّه: أخبرني ـ يعني الخواصّ ـ أنّ رأس الإمام الحسين رضي الله عنه حقيقةً في المشهد الحسينيّ قريباً من خان الخليلي، وأنّ طلائع ابن رزيك نائب مصر وضعها في القبر المعروف بالمشهد في كيسٍ من حرير أخضر على كرسيٍّ من خشب الآبنوس، وفرش تحتها المسك والطيب، وأنّه مشى معها هو وعسكره حُفاةً من ناحية قطية إلى مصر..
أمّا المقريزي فقد كتب في ( الخطط المقريزية 283:2 ) بعد نقله أنّ المشهد الحسيني في « عَسقَلان » بناه أمير الجيوش بدر الجمالي وأكمله ابنه الأفضل سنة 491 هجريّة، قال: في شعبان سنة 491 هـ خرج الأفضل ابن أمير الجيوش إلى بيت المقدس ـ إلى أن قال: ـ فدخل عسقلان، وكان بها مكان دارس فيه قبر رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، فأخرجه وعطّره، وحمله في سفط إلى أصل دارٍ بها وعمّر المشهد، فلمّا تكامل حَملَ الأفضلُ الرأسَ الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحلّه في مقبرة.
وفي سنة 548هـ كان قد نُقل رأس الحسين من عسقلان الشام إلى القاهرة، وقد وصل بالرأس الشريف الأمير سيف المملكة تميم والي عسقلان في يوم الأحد ثامنَ جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة هجرية ( 1153 م ) كما يقوله المقريزي... وفي سنة 549هـ بنى الملك الصالح طلائع بن رزيك جامعه خارج باب زُوَيلَة؛ ليدفن الرأس فيه فيفوز بهذا الفَخار، فغلبه أهل القصر وقالوا: لا يكون ذلك إلاّ عندنا. فعمدوا هذا المكان ( المعروف اليوم بمشهد رأس الحسين ) وبَنَوا له، ونقلوا الرخام إليه، وذلك في عهد الفائز على يد الملك الصالح.
وفي سنة 587هـ كتب الرحّالة ابن جبير: المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة، حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو في تابوتٍ من فضّة، مدفون تحت الأرض قد بُني عليه حفيل يقصر الوصف عنه، ولا يحيط الإدراك به، مجلَّل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العَمَد الكبار شمعاً أبيض ومنه ما دون ذلك قد وُضِع أكثره في أنوار فضة طالعة ومنها مذهّبة، وعُلّقت عليه قناديل فضة، وحُفّ أعلاه كلّه بأمثال التقاحيح ذهباً في مصنع شبيه الروضة يقيّد الأبصارَ حُسناً وجمالاً، فيه من أنواع الرخام المُجزَّع الغريب الصَّنعة البديع الترصيع ممّا لا يتخيّله المتخيّلون، والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد مثالها في التأنّق والغرابة، وحيطانها كلّها رخام على الضفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها، وهما أيضاً على تلك الصفة بعينها، والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلّقة على الجميع، انتهى.
وفي سنة 634هـ أنشأ أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السكّري منارةً على باب المشهد، والمتبقّي اليوم قاعدتها وعليها ما نصُه:
( بسم الله الرحمن الرحيم، الذي أوصى بإنشاء هذه المئذنة المباركة على باب مشهد السيّد الحسين؛ تقرّباً إلى الله ورفعاً لمنار الإسلام، الحاج إلى بيت الله أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السكّري المعروف بـ « الزُّرزُور »، تقبّل الله منه، وكان المباشر بعمارتها ولده لصُلبه الأصغر الذي أنفق عليها من ماله بقيّة عمارتها خارجاً عمّا أوصى به والده المذكور، وكان فراغها في شهر شوّال سنة أربعٍ وثلاثين وستّمائة ).
وفي سنة 640 هـ احترق المشهد في عهد الملك الصالح نجم الدين أيّوب، بسبب أنّ أحد خزّان الشمع دخل ليأخذ شيئاً فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدين نائب الملك الصالح بنفسه حتّى أُطفئ ـ كما يرويه المقريزي.
وفي سنة 662هـ زاد فيه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس المملوكي.
وفي سنة 684هـ بنى فيه الملك الناصر محمّد بن قَلاوون إيواناً وبيوتاً للفقهاء العَلَويّة.
وفي سنة 1004 هـ أمر السلطان سليم العثماني بتوسيع المسجد، فاستمرّ التوسيع حتّى سنة 1006 هـ.
وفي سنة 1175هـ قام الأمير عبدالرحمان كَتْخُدا بإعادة بناء المسجد الملحق بالروضة، وأضاف إليه إيوانَين، ورتّب للسَّدَنة مُرتَّبات.
وفي سنة 1279هـ زار السلطان عبدالعزيز العثماني الروضة الحسينية، وأمر الخِدْيو أن يقوم بالعمارة التي استمرّت حتّى عام 1290هـ.
وفي سنة 1290هـ أضاف عباس حلمي الثاني قاعة الآثار النبوية بها.
وفي سنة 1372هـ / 1953م وسّعت الحكومة المصرية المساحة المحيطة بالروضة والمسجد، حتّى بلغت المساحة الكلية لها 3340 متراً مربّعاً.
وفي سنة 1385 هـ / 1965م في أوّل شوّال أهدت طائفة البُهرة الإسماعيلية مقصودرة شباك من الفضّة المرصّعة بفصوص من الألماس إلى المشهد الشريف.
وقد أطالت الدكتورة سعاد ماهر في وصف الروضة والمسجد في كتابها ( مساجد مصر ) بما لا يُستغنى عنه، وكان مما قالته:
وبالجامع منبر خشبيّ بديع مَطْليّ بطلاء مُذهَّب، وهو في الأصل منبر جامع أزبك الذي كان عند العتبة الخضراء، فلمّا تخرّب المسجد نُقل إلى مشهد الحسين. وفي مؤخّرة المسجد دكّة تبليغ كبيرة، أمّا صحن الجامع فيحتوي على أربعةٍ وأربعين عموداً عليها بَوائك حاملة للسقف، وهو من الخشب المطلي بزخارف نباتية وهندسية متعدّدة الألوان ومذهّبة غاية في الدقة والإبداع، وفي وسط السقف ثلاث منائر مرتفعة مسقوفة كذلك.
وفي جدران المسجد الأربعة يوجد ثلاثون شبّاكاً كبيراً من النحاس المطلي بالذهب تعلوها شبابيك أخرى صغيرة دوائرها من الرخام. وللمسجد مئذنتان، إحداهما قصيرة وقديمة، وهي التي بناها أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السكّري المعروف بـ « الزُّرزور » سنة 634هـ / 1236م فوق القبّة، وقد طوّقتها جمعية حفظ الآثار بحزامين من الحديد محافظةً على بقائها. أمّا المئذنة الثانية فتقع في مؤخّر المسجد، وهي مرتفعة ورشيقة على الطراز العثماني الذي يشبه المسلّة أو القلم الرصاص، وعليها لوحان بخطّ السلطان عبدالمجيد خان كتبها سنة 1366هـ، أحدهما من سورة الأنعام: الآية 6 أُولئكَ الذينَ هَدَى اللهُ فبِهُداهُمُ آقْتَدِهْ قُلْ لا أسألُكُم عليهِ أجْراً إنْ هوَ إلاّ ذِكْرٌ للعالَمين ، وآخر: ( أَحَبُّ أهلِ بيتي إليّ الحسنُ والحسين ).
وقالت الدكتورة سعاد ماهر أيضاً: في سنة 1953م عُنيت الحكومة عناية خاصّة بتجديد مسجد الحسين، وزيادة مساحته وفرشه، وإضاءته.. حتّى يتّسع لزائريه والمصلّين به، فقد كان المسجد القديم يضيق بهم خاصّةً في المواسم والأعياد، فزِيدتْ مساحته حتّى بلغت 3340 متراً مربّعاً بعد أن كانت 1500 متر، أي بإضافة 1840 متراً مربّعاً إليه...
نسأله تعالى أن تبقى هذه المعالم ـ أينما كانت، وعلى أيّ ظنّ واحتمال ـ آثاراً زاهرةً من آثار الرسالة والرسول، ورياضاً زاكية عاطرة للعبادة والارتباط الروحي بأهل البيت النبويّ الشريف.

1 ـ الخصائص الكبرى للسيوطي 125:2، وفي الكامل في التاريخ 24:4 قال ابن الأثير: أمر عبيدالله بن زياد فطِيف برأس الحسين في الكوفة. ومثله في: البداية والنهاية لابن كثير 191:8، والخطط المقريزية 288:2.
2 ـ مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 188:2، والآية في سورة الشعراء:227.
3 ـ شرح قصيدة أبي فراس الشافية ص 148 ـ عنه: مقتل الحسين عليه السّلام للسيّد عبدالرزّاق المقرَّم 333.
4 ـ اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس 102، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ 205، تاريخ الطبري 267:6، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 26:2.
5 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر 119.
6 ـ مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي 72:2، مثير الأحزان لابن نما ـ عنه: مقتل الحسين عليه السّلام للمقرّم 355.
7 ـ الخطط المقريزية 289:2، الاتحاف بحبّ الأشراف للشبراوي الشافعي 33، مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي 75:2، البداية والنهاية لابن كثير 204:8، سير أعلام النبلاء للذهبي 216:3.
8 ـ الخطط المقريزية 284:2.
9 ـ مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي 74:2.
10 ـ نَفَس المهموم للشيخ عبّاس القمّي 247.
11 ـ في شأن معاجز الرأس الأقدس لسيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين صلوات الله عليه، يراجع: أهل البيت ـ الإمام الحسين عليه السّلام ـ من معاجز سيّد الشهداء الحسين عليه السّلام، باب كرامات باهرة ، من هذا الموقع « شبكة الإمام الرضا عليه السّلام ».
12 ـ في البابليات للشيخ محمّد علي اليعقوبي 128:3 ـ ذكر البيتين سبطُ ابن الجوزي في ( تذكرة خواص الأمّة ص 159 ـ الطبعة الحجرية ) قال: وأنشد بعض أشياخنا: لا تطلبوا..
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.