الواجهة » العالم الإسلامي » من اقاليم المسلمين » الجزائر
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الجزائر

الجغرافية
تمتد الجزائر ما يزيد عن ألف من الكيلومترات على شاطئ البحر المتوسط بين تونس شرقاً والمملكة المغربية غرباً. وتبعد أجزاؤها الجنوبية نحواً من ألفَي كيلومتر عن شواطئ البحر المتوسط. وتُقَدّر مساحتها بـ ( 000, 382, 2 ) من الكيلومترات المربّعة ( نحو 500, 93 ميل مربع )، منها نحو 000, 900, 1 كم2 ) مناطق صحراوية أو شبيهة بذلك، أي ما يقرب من أربعة أخماس مساحتها كاملة.
وتقسم الجزائر من حيث طبيعة السطح والمناخ إلى منطقة التلّ التي تمتد موازيةً للبحر المتوسط، وتشمل السهول الساحلية الضيّقة وسفوح الأطلس وسلسلتها الشمالية وبعض الهضبة الواقعة بين سلسلتَي الأطلس. وتلي التل منطقة السُّهوب، وهي سفوح الأطلس الجنوبية وانحداراتها نحو الصحراء، ثمّ المنطقة الصحراوية بواحاتها. ومنطقة التل تتسع في الجهة الشرقية إلى الجنوب على حساب السهوب، كما أن السهوب تمتد في الجهة الغربية شمالاً، بحيث تعتدي على التل. وتُقدّر مساحة التل بنحو 000, 134كم2، بينما تبلغ مساحة السهوب نحو 000 ,172 كم2. وبينما نجد أن معدّل سقوط الأمطار في منطقة التلّ بأجمعلها لا تقلّ عن 400 ملّمتر ( ويصل إلى نحو 000 ,1 ملم )، فإن السهوب لا يسقط فيها أكثر من 400 ملم. والجنوب الصحراوي قلّما يعرف الأمطار. وتقع على أطراف الهضاب المرتفعة سلاسل من الجبال هي، من الغرب إلى الشرق: القصور والعمور وأولادنايل والأوراس. وهذه هي أروع تَكتُّل جبلي في جبال الأطلس الجزائرية وفيها أعلى قمة هي جبل شيليا ( 328, 2 متراً ).
وسكّة الحديد التي تصل تونس بقسنطينة والجزائر وتلمسان تجتاز قلب المنطقة الشمالية. وسهول المنطقة التونسية تكون جرداء في الصيف، فإذا اجتاز القطار الحدود التونسية الجزائرية أخذ يسير في أودية متعرّجة حتّى سُوق الخميس. عندها تبدو الجبال على جانبَي الطريق، وهي جبال تكتسي بالأحراج الجميلة. ويصعد القطار إلى دوفيفية، ثم يعود إلى التصعيد إلى قسنطينة، التي تقع على مجموعة من القمم يتراوح ارتفاعها بين 80 , 760 متراً. ومن قسنطينة إلى مدينة الجزائر تكون الطريق أكثر إمتاعاً؛ فمع أن القسم الأول منه عادي، يجتاز القطار فيه أرضاً سهلية تخترقها أودية أكثرها جافّ، فإن المنطقة تظهر محاسنها تدريجاً، وبخاصة بعد اجتياز برج بوعريريج. عندها تتنوع الألوان على الجبال. وهذه الأشجار التي تبدأ زيتوناً وصنوبراً إفريقياً متفرقاً، لا تلبث أن تتزاحم في بقع كثيرة، وتتناكب في أخرى، بحيث أنها تتعانق صفصافاً وحَوراً على عَدَوات الأودية. والطريق يدور ويلفّ في هذه الأودية التي تحرسها جبال منطقة القبايل الكبرى. وبين مدينة الجزائر والبليدة ( على بعد خمسين كيلومتراً إلى الجنوب ) يجتاز المسافر منطقة كروم غاية في الإتقان والترتيب، وفيها أشجار الزيتون. ويزيّن التلالَ الملاصقة لها شجر الصنوبر والأرز.
والطريق من مدينة الجزائر إلى تَلْمسان يجاري أطراف منطقة التلّ والسفوح الجنوبية للأطلس الشمالية، وقبل الوصول إلى تَلمسان تدور الطريق وتلفّ، مُتجنّبةً الأودية السحيقة، مُحاذيةً الجبال السامقة، مُستظلّةً بين الفَينة والفينة الأشجار الباسقة، مشرفة بين الحين والحين على نُهَيرات عذب ماؤها وصاف لونها. ويُقبل المسافر على تلمسان فإذا به في مُنبسطٍ من الأرض جادَ فيه التراب، فأينع الثمر وانتظم الشجر، وفاح من الزهور أريجٌ وكسا الجبال غابٌ. والطريق من تلمسان إلى وهران ومنها إلى أن مَستغانم على هذا النحو. إلاّ أن الخِصب الذي يعطي الأرض قوّتها للزرع والضرع قد يعطله، في سنوات كثيرة وقد تكون متلاحقة، جفافٌ يضرب الأجزاء الجنوبية من التلّ والسهوب، فيأتي على الحرث والسقي ( الماشية ).
وتمتدّ الجزائر نحواً من 500, 1 كم إلى الجنوب من سلسلة الأطلس الصحراوي. وقاعدة المنطقة الصخور القديمة التي التَوَت جبال الأطلس ( التي تشبه جبال الألب في كونها جبالاً التوائية ) إلى جانبها الشمالي. والمنطقة سهلية، وإن كانت تُنقّطها بعض الهضاب، مثل إقلاب وتسيلي. وترتفع كتلة جبال الحجر ( أغّار ) إلى 918, 2 متراً، وهذه تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد. ومن هذه الكتلة تمتد كُتلَتا إدرار وأير الجبليتان عبر الحدود الجزائرية إلى جارتَي الجزائر الجنوبيتين مالي والنيجر. ( وبهذه المناسبة فإن ليبيا هي جارة الجزائر الشرقية ).
ومناخ الجزائر الصحراوية يتميز بالفروق الكبيرة بين نهايات الحرارة العظمى والصغرى ( صيفاً وشتاء، ونهاراً وليلاً ) وبالرياح والجفاف. فالحرارة اليوميّة تتراوح بين 32 درجة مئوية وما يزيد عن 55 درجة مئوية في الظل. وقد يصحب ارتفاع الحرارة عواصف رملية عنيفة. والمطر لا يتجاوز 130 ملمتراً، هذا إن سقط. وقد يهطل من المطر بضع سنتمرات في يوم واحد، يعقبه سنوات من الجفاف التام. ومن ثم فالنباتات هنا قليلة، والسكّان يتكتّلون حول الواحات، أو يكونون بدواً رعاة ينقلون مواشيهم إلى حيث يوجد الكلأ.

في التاريخ
إن الصحراء الكبرى التي تخترق إفريقية من حوض النيل إلى المحيط الأطلسي حديثة العهد نسبياً، إذ إنها ترجع في شكلها الحالي إلى حوالي سبعة آلاف سنة. وقد كانت قبلاً، على ما يرى الباحثون، في بقايا البحيرات وقِيعان الأنهار الجافة، مناطق صالحة للزراعة والرعي. وكانت فيها شبكات من الأنهار، أهمها تلك التي كانت تصبّ في النيل شرقاً، وتلك التي كانت تغذّي نهر النيجر غرباً. فلمّا قحلت الأرض، وجفّت المياه، انكفأ سكّان الصحراء أو المنطقة التي كانت قبل الصحراء، إلى الشمال والجنوب.
وسكّان الشمال هم الذين يُسمَّون البربر. وعهدهم بالمنطقة يرجع إلى أزمان متوغلة في القِدم ولعلّهم من سكان البحر المتوسط القدامى الذين تعود أصولهم إلى حوالي 000, 12 سنة. وقد كان هؤلاء متوزّعين قبائل على بلاد المغرب الكبير. وأول ما نعرف عن تنظيم دولي لهم، وإن كانت دولة عابرة، كان في أيام الحروب البُونيّة بين قرطاجة والرومان، وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد. وأهم دولة ظهرت هي نوميديا ( 208 ـ 148 ق.م ) على يد الزعيم ماسنيّسا. وقد شملت دولته الجزء الأكبر من الجزائر الحالية إلى الشمال من الصحراء. ولمّا دمّر قرطاجة ( 146ق.م ) حُوِّلَت نوميديا، بعد تقليص مساحتها، إلى ولاية رومانية. وفي أيام أغسطوس قيصر نجد نوميديا ولاية رومانية عادية. أمّا الجزائر الحاليّة، فقد شغلتها قبائل مستقلّة، يربط بينها تحالف الأقسام الباقية، مما يكوّن قد يَقوى ويَضعُف حسب الأحوال التي تقوم فيها. ومع أن المناطق الساحلية، حيث كانت تقوم مراكز التجارة والثقافة، قد تمثّلت بعض الحضارة الرومانية، فإن المناطق الجبلية والمناطق الداخلية حافَظَ البربر فيها على استقلالهم، مجتمعين في اتّحادات لا تلبث أن تُعقَد حتّى تُحلّ.
ولمّا انتشرت المسيحية في شمال إفريقية أخذ البربر بواحدٍ من المذاهب التي لم تقبل بها الأمبراطورية الرومانية، واتّخذوا من هذا الاختلاف المذهبي سبيلاً للثورة والعصيان على الدولة. وفي أواسط القرن الخامس للميلاد، وقبل أن تسقط الأمبراطورية الرومانية الغربية رسمياً ( 476 م ) كان الفندال ـ وهم من القبائل الجرمانية التي كانت قد هاجمت الأمبراطورية ـ قد احتلّوا شمال إفريقية وأقاموا لهم دولة في شرق الجزائر الحالية ( وبعض القطر التونسي ) إلاّ أنهم لم يتمكّنوا من السيطرة على بربر الداخل. وفي سنة 531م احتلّ البزنطيون، في أيام جستنيان ( يوستنيانوس ) تونس والجزائر الحاليتين، وامتدّ سلطانهم إلى المغرب، إلاّ أن البربر في الداخل ظلّت لهم اتحاداتهم القبلية، وقد تمركزوا بخاصة في أوراس وبلاد القبايل.

القرون الإسلامية
في أواسط القرن السابع للميلاد زحفت الجيوش العربية الإسلاميّة من مصر وأخذت تفتح المغرب العربي الكبير. ومع أن البربر قاوموا العمل العسكري العربي فترة من الزمن، فإن تكاثر العرب في المنطقة وبناء القيروان كمركز عسكري إداري للمغرب بكامله أدّى بالبربر إلى قبول الحكم الجديد، واعتناق الإسلام. كان هذا في أواخر القرن السابع الميلادي. وقد اشترك البربر في مطلع القرن التالي في الزحف على إسبانية، وهكذا أصبحت المنطقة المغربية بكاملها جزءاً من الدولة الإسلاميّة.
وكان القرن الثامن الميلادي فترة اضطراب في المغرب، وفي وسطه انتهى أمر الأمويين وقامت الدولة العباسية. وكان هذا، مع اعتناق كثير من البربر المذهب الخارجي، مناسبةً للخروج على السلطة وإقامة دول مختلفة في نواحي المغرب، كانت حصة الجزائر منها الدولة الرسمية ( 160 ـ 296 هـ / 777 ـ 909م ) في تيهارت ( تيارت الحديثة )، التي كانت عاصمة للدولة، وموقعها في غرب الجزائر. وكانت أيام هذه الدولة فترة نشاط تجاري كبير مع إفريقية جنوبي الصحراء. كما أن العاصمة كانت مركزاً من مراكز الحياة العلمية.
في سنة 297 هـ / 909م قامت الدولة الفاطمية في تونس ( أسّست المهديَّة عاصمة لها )، وهذه الدولة سيطرت على المغرب. لكن الدولة الفاطمية انتقلت إلى مصر. وكان أن استخلف الفاطميون الزيريين، وهم من صنهاجة، في المغرب، فأقام هؤلاء لهم دولة في الجزائر هي الدولة الزيرية ( أو الحمَّادية ) بين سنتي 361 ـ 547 هـ / 972 ـ 1152 م.
في أواسط القرن الخامس ( الحادي عشر ) انتشر بنو هلال وبنو سُليم من مصر إلى الغرب، فأحدثوا الكثير من الدمار، لكن من جهة أخرى كانت أعدادهم كبيرة بحيث أنه كانوا، في خاتمة المطاف، عوناً على تعريب المنطقة. ثم جاء المرابطون ( 448 ـ 541 هـ / 1056 ـ 1147م ) ففرضوا سلطانهم على المنطقة المحيطة بمدينتي الجزائر ووهران ( وكان بنو حمّاد قد استقروا في بجاية في شرق الجزائر ). وخلّف المرابطين، لما زالت دولته، الموحِّدون ( 524 ـ 667 هـ / 1130 ـ 1269 م ) الذين كانت لهم دولة ضمّت المغرب والجزائر وتونس ومنطقة طرابلس وإسبانية المسلمة. ودولة الموحِّدين هي أكبر دولة قامت في المغرب الإسلامي في العصور الوسطى، وكانت أيامها فترة ازدهار اقتصادي وثقافي في تلك الجهات، ولمّا ضَعُف شأن الموحِّدين، قامت في الجزائر دولة بني عبدالواد ( 633هـ / 1236 م ) في تلمسان، وهي الدولة التي تعرّضت لهجمات واحتلال من الدولة المرينية المغربية. ثم وقعت الجزائر تحت حكم الحفصيين. على أن ضعف الحفصيين منذ حوالي سنة 837هـ ( 1434م ) ( وهي سنة وفاة المنتصر الحفصي ) تعرضت المنطقة للكثير من الفوضى واستبداد الحكام والزعماء، الأمر الذي دام نحواً من قرن ونصف القرن. وفي مطلع القرن السادس عشر استقر الأتراك العثمانيون في الجزائر.
في العصور الإسلاميّة ( المتوسطة ) كانت تلمسان مركزاً هاماً للحياة السياسية والعلمية والتجارية.

الجزائر في العصور الحديثة
لما احتلّ الإسبانُ غرناطةَ ( 1492م ) أخذوا يتطلعون نحو شمال إفريقية لاحتلال السواحل، أملاً في السيطرة على تجارة البلاد مع أواسط القارة الأفريقية. وقد نجحوا في احتلال المرسى الكبير ووهران وبجاية والجزائر ( المدينة ) بين 1505, 1510م. وفي سنة 1516م ( لما تُوفّي فرديناند ملك قشتالة ) استنجد سكان مدينة الجزائر وأحوازها بالقرصان التركي الكبير عروج، طالبين عونه ليخلصهم من الإسبان. وقد استولى عروج على مدينة الجزائر وغيرها بما في ذلك تلمسان غرباً وقسنطينة شرقاً، وعلى مناطق من الداخل. ويرى البعض أن هذا هو بدء ظهور الجزائر قوة سياسية في العصور الحديثة. ومع أن النزاع استمرّ بين العثمانيين والإسبان، فإن الأوّلين كانوا يستولون على المواقع تدريجاً تحت قيادة خير الدين بربروسَّا وخلفائه؛ فقد انتزع خير الدين البنون ( 1529 م ) من الإسبان، فحرّر مدينة الجزائر من الخطر الدائم. وقد قاد شارل الخامس بنفسه ( 1541م ) حملةً كبيرة ضد الجزائر، باءت بالفشل الذريع، وأصبحت الجزائر منذ ذلك الوقت تابعة للدولة العثمانيّة. ( كان العثمانيون قد احتلوا بلاد الشام ومصر 1516 ـ 1517 م، وفي سنة 1555 م احتلوا طرابلس، ثم احتلوا تونس سنة 1574 م، وبذلك أصبح المغرب، باستثناء المغرب الأقصى، تحت إمرتهم ).
وإلى سنة 1587م كانت إيالة الجزائر يديرها بيلر بك نائباً عن السلطان العثماني. وتلا ذلك عصر الباشاوات حتى سنة 1659 م، إذ جاء دور آغات الإنكشارية ( حتى سنة 1711 م ). وأخيراً أصبحت إدارة البلاد بيد الداي، وهؤلاء استمراوا إلى سنة 1830م، وهي السنة التي احتلّت فيها فرنسا الجزائر. على أن القوة الحقيقية، منذ أواسط القرن السادس عشر، كانت بيد الإنكشارية أو رؤساء الطوائف ( وهم قادة المنظمات القرصانية ). وكان الإنكشارية يأتون من الأناضول، أما الفريق الآخر فقد كان ممنوع الأصل، لكنهم كانوا دعامة الحياة المالية للإيالة.. فحكام الجزائر اهتموا بالبحر ( قرصنةً وإغارات ) وتركوا البر ـ زراعةً وتجارة.
وقد كان القرن السابع عشر فترة في غاية الازدهار الاقتصادي بالنسبة للإيالة. فقد كانت لحكامها علاقات دبلوماسية مع الدول البحرية الكبرى في أوروبا الغربية ـ إنكلترا وهولاندا وفرنسا، وكان لهذه الدول قناصل أو وكلاء في مدينة الجزائر. وقد ازدهرت صناعة القرصنة التي عادت على المدينة ثروة كبيرة بأسرها السفن واستيلائها على السلع والرجال. وكانت المدينة من مراكز تجارة الرقيق الكبرى. وكانت مدينة الجزائر تتطلع خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر نحو البحر. ومع أنه كان ثمة محاولات عثمانية للسيطرة على الداخل، فإن القبائل ـ وبخاصة في أوراس ومنطقة القبايل ـ حافظت على استقلالها خلال فترة الحكم العثماني. أما القبائل القريبة من المدينة فكانت تُرغَم على دفع الضرائب إلى الداي علي، أو أنها كانت تعترف بسلطته كارهة. وقد أخذت الفرص أمام قرصان الجزائر تتضاءل في القرن الثامن عشر بسبب نمو القوة البحرية الأوروبية في البحر المتوسط. وقد نقص عدد سكان المدينة من 000, 100 نسمة إلى أقل من 000, 30 في مطلع القرن التاسع عشر. أما في الداخل فقد وسّع زعماء القبائل نطاق نفوذهم، بحيث إنهم تمتعوا ببعض الازدهار الاقتصادي.
وإذ شُغل الأوروبيون بالحروب النابليونية، عاد إلى القرصان وإلى اقتصاد مدينة الجزائر بعض النشاط، إلاّ أنه كان قصير الأمد. فلم يكد السلم يعود إلى القارة الأوروبية حتّى قامت السفن البريطانية الحربية بضرب المدينة ( 1816 م )، وذلك إنذاراً بضرورة وضع حد لأعمال القرصنة في البحر المتوسط. وبعد أربع عشرة سنة نزلت القوات الفرنسية في الجزائر وبدأت عملية الاحتلال.

الاحتلال الفرنسي
في سنة 1830 م هاجمت القوى الفرنسية الجزائر، واحتلّت المدينة وجوارها. وفي سنة 1834م أقيمت « حكومة الممتلكات الفرنسية في شمال إفريقية ». وكان من رأي بعض الفرنسيين ( سنة 1840 م ) الاكتفاء باحتلال الأجزاء الشمالية من البلاد فقط، وذلك تحقيقاً للسيطرة الاقتصادية على منافذ تجارة أفريقيا الوسطى ( عبر الصحراء ) وللسيطرة الاستراتيجية على غرب حوض المتوسط. لكن المقاومة ( في قسنطينة إلى 1837 م ) التي قادها الأمير عبدالقادر الجزائري ضد فرنسا أقنعت الكثيرين بأن الاحتلال يجب أن يكون كاملاً. لذلك لمّا قُضي على مقاومة المير عبدالقادر ( 1847 م ) استمرّت عملية الاحتلال. وكان الأمر صعباً بالنسبة إلى فرنسا بسبب تبدّل حكوماتها وتغيّر أشكالها، ولكن لما قامت الجمهورية الثالثة ( 1871م ) سارت فرنسا قُدُماً في الاحتلال ـ التلّ أولاً ثم الجنوب ـ وأخيراً استطاعت أن تفرض نفسها على القطر بكامله في مطلع القرن العشرين.
وليس المهم فقط هو أن فرنسا احتلّت الجزائر، ولكن الأكثر أهمية هو السياسة التي سارت عليها فرنسا في البلاد؛ فمرسوم سنة 1840م الصادر عن لويس فيليب ملك فرنسا اعتبر الجزائر جزء من التراب الفرنسي. وفي سنة 1846م اعتُبِر الجزائريون فرنسيين، ووضعت أسس الحكم المباشر مع البطش. صحيح أن الأمبراطور نابليون الثالث أعلن ( 1865م ) مساواة الجزائريين بالفرنسيين، إلا أن هذا كان وعداً خالياً من المضمون العملي. فالمعمَّرون الذين كانوا قد تدفقوا إلى الجزائر لم يرضوا بذلك. وكل ما ترتب على المنشور هو أنْ ظل المسلمون يرجعون إلى أحكام الشريعة في قضايا الأحوال الشخصية. ولما قامت الجمهورية الثالثة عادت فرنسا إلى الشدة والبطش، كما ذكرنا. ففي أول هذه الفترة صدر القانون المعروف بقانون كريمو، الذي مُنِح بموجبه اليهود الجنسيةَ الفرنسية. وفي مقابل ذلك وُضِع الجزائريون تحت تصرف الحاكم العام المطلق، وأُقصُوا عن ممارسة الحقوق العامة، واعتُبر كل من يناهض الحكومة الفرنسية عاصياً ثائراً يجوز معاقبته بالسجن أو النفي أو التجريد من الأملاك. ووضعت الحكومة الفرنسية نصب عينيها انتزاع الأراضي من الأهالي، وبخاصة أراضٍ التلّ، لتوزيعها على المعمرين، فأدى هذا إلى خروج مصدر الثروة الرئيس وهو الزراعة، من أيدي أبناء البلاد، وتدهورت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية. وقد هبط عدد سكان القطر الجزائري من 000, 650 ,2 نسمة سنة 1866م إلى 000, 125, 2 نسمة سنة 1871 م.
وكان أن انكسرت فرنسا في الحرب الفرنسية ـ البروسية ( 1871م ) وسُلِّمت الألزاس واللورين لألمانية. وكان هذا الأمر بعيد الأثر بالنسبة إلى الجزائر. فمن الجهة الواحدة حاولت فرنسا أن تسترد المجد المحطم في فرنسا بانتصارات في الجزائر ( ضد الثوار الجزائريين ). ومن الجهة الثانية أرادت أن تعطي الفرنسيين الذين أُجلُوا أو جلوا عن الألزاس واللورين، والذين انتقلوا إلى الجزائر بأعداد لا يستهان بها، أراضيَ جيدة يقيمون عليها، ولم يكن انتزاع أراضي التل وغيرها يسير على غير هدى أو يقوم على المصادفة. لقد كان الاستعمار ـ أي الاستيطان في البلاد بعد الاستيلاء على الأراضي ـ يسير وفق سياسة مرسومة واضحة القواعد. كانت قد بدأت هذه السياسة من قبل، إذ إن لجنة خاصة كانت قد أُنشئت لبحث مشكلة الأراضي في منطقة مِتِدجة ( في التل )، وهي أراضٍ كانت أصلاً لأهل البلاد، فأصدرت قرارها سنة 1850م سمحت فيه للجزائريين بـ ( 000, 11 ) هكتار وللفرنسيين بأن يتملكوا ( 000, 36 ) هكتار. وكانت حصة الحكومة ( 000, 96 ) هكتار، وهذه وُضِعت تحت تصرف المعمَّرين.
ولم يقف الجزائريون مكتوفي الأيدي أمام هذه التصرفات. فالثورات تعاقبت منذ الإحتلال الفرنسي. وما حركة الأمير عبدالقادر سوى أقوى الأمثلة للثورة. وفي سنة 1849م قام أبو زيان بثورة دامت ستة أشهر كاملة. ولما انتصر الجيش الفرنسي عليه بعد محاصرته في بسكرة، نكّل الجيش بالسكان هناك، فدمّر الواحة وقتل سكانها. وفي سنة 1871م قامت في الجزائر ثورة عمّت بلاد زواوة ومقاطعة قسنطينة وأيالة الجزائر، وكان على رأسها المقراني والشيخ محمد الحداد شيخ الطريقة الرحمانية. وبلغ عدد القتلى فيها نحو ستين ألفاً من الجزائريين وعشرين ألفاً من الفرنسيين. وبعد انتصار الجيش الفرنسي حُكِم على ستة آلاف جزائري بالإعدام، وغُرِّمت البلاد ستة وثلاثين مليون فرنك. وبسبب عجز القبائل عن الدفع صُودرت الأملاك، وأُجلي السكان. فقامت على أثر ذلك ثورة أخرى بوهران استمرت خمس سنوات. وفي سنة 1882م قامت ثورة القبائل المهرانية.
على أن الجزائريين لجأوا إلى غير سبيل الثورة في سبيل توضيح وجهة نظرهم والحصول على حقوقهم. ولكن الخلاف بين النظرة الجزائرية والنظرة الفرنسية كان كبيراً جداً؛ ففرنسا كانت تريد أن تصبح الجزائر فرنسية وأن يصبح الجزائريون فرنسيين، بحيث ينسون مقوّماتهم الذاتية وشخصيتهم التي أكسبهم إياها تاريخهم ولغتهم ودينهم. وهذه السياسة كان يقرر قواعدها فئتان: المعمَّرون الفرنسيون في الجزائر الذين أصبحوا أصحاب القول الأول في شؤون القطر كله، والحكومة الفرنسية التي اتّبعت هذه الخطة منذ الاحتلال. أمّا الجزائريون فكانوا يأبون هذه « الفرنسا ».. إنهم يريدون أن يظلوا جزائريين مسلمين، وأن يكونوا أحراراً مستقلين في بلادهم. ومن ثم فلم يكن ثمة حل لهذه المشكلة إلا عن طريق الثورة، وقد قاومتها فرنسا بمنتهى الشدة، وقمعتها بمنتهى البطش. ومع ذلك حاول الجزائريون، المرة بعد المرة، أن يتفاهموا مع فرنسا. وقد قبلوا أول الأمر درجة بسيطة ـ نسبياً ـ من حفظ كيانهم. لكن كلما اشتطّت فرنسا في أعمال القمع إزداد الجزائريون في مطاليبهم، ونشطت حركاتهم، وانتشرت فكرة الاستقلال بين أفراد الشعب.
كانت أُولى المطالبات السلمية السياسية تلك التي بدأها أحمد دربة وصادق دندان والحاج عمار في حدود 1910م. فقد طالب هؤلاء بتطبيق قانون سنة 1865م ( القائل بالمساواة بين الجزائريين والفرنسيين ). وكانوا يرمون إلى تقوية الجامعة الإسلاميّة، والاستعانة بالدولة العثمانية. فقد كان البعض لا يزالون يعتقدون، ولو إلى درجة محدودة، بأن الدولة العثمانية لا يزال باستطاعتها أن تنشط إلى تبوّء دور القيادة في العالم الإسلامي.
في أثناء الحرب العالمية الأولى هاج الجزائريون على أثر اعتزام الحكومة الفرنسية تجنيدَ العدد الكبير من أبناء البلاد للقتال في صفوف الجيش الفرنسي. إلاّ أن فرنسا وَعَدَتهم بأن تمنحهم، بعد الحرب سائرَ الحقوق المدنية. فقبلوا واشترك نحو ستين ألف جزائري في القتال. ولما انتهت الحرب تقدّم وفد جزائري إلى ولسون رئيس الولايات المتحدة يطالب بحقوق أهل الجزائر على أساس بنوده الأربعة عشر، وبخاصة ما يتعلق منها بتقرير المصير. وهذه الجماعة هي التي أصبحت فيما بعد « كتلة الناخبين المسلمين الجزائريين ». وقد تركزت أهدافها في أمرين: الحصول على الحقوق المدنية كاملة، وإصلاح أحوال الجزائريين الاقتصادية والاجتماعية. وكان على رأس هذه الجماعة الأمير خالد. ولم تلتفت فرنسا إلى أيٍّ من هذه المطالب. ونُفي الأمير خالد مرتين بسبب انتشار فكرته بين أفراد الشعب ( وتوفّي في سوريا منفياً سنة 1936 م ).
وفي سنة 1924م انعقد المؤتمر المغربي في باريس، وقد طالب بحرية القول والنشر وإلغاء قانون الأنديجينيا ( أي قانون السكان الأصليين ) الذي كان يحرم الجزائريين من حقوقهم المدنية، بل حقوقهم السياسية. وقد نشأ عن هذه الحركة وعن انتشار الروح القومية بين الأفارقة ( الشماليين ) المقيمين في فرنسا، قيامُ « جمعية نجم شمال أفريقيا » التي صارت لها صيغة سياسية ( 1926 م ).
وفي عام 1933م انعقد اجتماع عام لهذه الجمعية اتخذت فيه المقررات التالية:
1 ـ إطلاق حرية الصحافة والاجتماعات.
2 ـ إقامة برلمان قومي في الجزائر يكون منتخباً على أساس التصويت العام.
3 ـ تمكين الجزائريّين من الالتحاق بوظائف الدولة التي كانت حكراً على الفرنسيين.
4 ـ جعل التعليم باللغة العربية إلزامياً في القطر كله.
وبعد إدخال هذه الإصلاحات المستعجلة تأتي ثلاث خطوات أخرى يُنظَر فيها في المستقبل وهي:
1 ـ جلاء الجيوش الفرنسية عن البلاد وإنشاء جيش جزائري وطني.
2 ـ منح الجزائر الاستقلال التام واعتبار جميع المنشآت الاقتصادية ملكاً للدولة الجزائرية.
3 ـ إعاد الأراضي التي اغتصبتها فرنسا إلى أصحابها. وقد ظلت الجمعية قائمة إلى سنة 1937م إذ حلّتها الحكومة الفرنسية.
وفي الوقت الذي كانت فيه جمعية النجم تعمل في فرنسا، كانت جمعية العلماء المسلمين تعمل في الجزائر. وكانت غاية الجمعية على ما أوضحها مؤسسها عبد الحميد بن بادِيس في مجلة « الشهاب » في عام 1936م هي، على حد قوله: « إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكوّنة على مثال ما تكوّنت به سائر أمم الأرض. وهي لا تزال حية ولم تَزُل. ولهذه الأمة تاريخها اللامع ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها وتقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر أمم الدنيا. وهذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصبح هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح فرنسا حتى ولو جَنّسوها ».
وفي سنة 1937م انعقد في مدينة الجزائر مؤتمر جزائري برئاسة الدكتور ابن جَلَّول، تمثلت فيه النزعات السياسية المختلفة، وقرّر المطالبة بما يلي:
1 ـ انتخاب الجزائريين في البرلمان.
2 ـ إلغاء قانون الأنديجينا، وإلغاء الأوامر التي من شأنها أن تعتبر مقاومي السيادة الفرنسية مجرمين يستحقون العقاب.
3 ـ الاعتراف باللغة العربية لغةً قومية في البلاد.
4 ـ تطهير الإدارات الجزائرية من العناصر المناهضة لرغبات الشعب الجزائري ومطالبه.
وذهب وفد جزائري لمفاوضة حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية ( حكومة بلوم ) لكن الشعب الجزائري كان، في الواقع، يطلب أكثر مما قرر المؤتمر. فقامت في البلاد تظاهرات وإضرابات ووقعت مصادمات مع الجيش. تشددت الحكومة الفرنسية والمعمَّرون الفرنسيون في قمعها. وأهملت المطالب، خاصة وإن حكومة بلوم لم تُعمّر طويلاً.
وفي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية قامت في الجزائر أحزاب سياسية أهمها اثنان:
1 ـ حزب الشعب الجزائري ( صار فيما بعد حزب انتصار الحريات الديمقراطية )، أنشأه مصالي الحاج سنة 1937م. وقد سُجن زعيمه ونُفي مرات وكان الحزب يدعو إلى التحرر الكامل والاستقلال التام.
2 ـ حزب أصدقاء البيان ( صار فيما بعد حزب الاتحاد الديمقراطي لمسلمي الجزائر )، أسسه عباس فَرحات سنة 1943م. وقد دعا إلى تأسيس جمهورية جزائرية ذات برلمان جزائري منتخب انتخاباً حراً كاملاً. وقد قبل هذا الحزب أن تظل الجمهورية الجزائرية داخلة في الاتحاد الفرنسي. لكن الكثير من رجاله تبنّوا فيما بعد المطالبة بالاستقلال التام.
وبعد حوادث 8 أيار ( مايو ) 1945م الدامية التي أدّت إلى مقتل عدد من الجزائريين يُقدَّر بنحو 000, 15. في سطيف وغيرها، اتضح أن فرنسا لا تنوي بالبلاد وأهلها خيراً. ولذلك ازدادت المطالبة بالاستقلال حدّةً وشدّةً. إذ عرضت الحكومة الفرنسية سنة 1947م مشروعاً على مجلس النواب الفرنسي أقره، وقوامه ما يأتي:
1 ـ تُعتَبر الجزائر مجموعة من العمالات ( الولايات ) الفرنسية وتكون ذات شخصية مدنية واستقلال مالي وتنظيم خاص بها.
2 ـ يظل الوالي الحاكم العام ( وهو فرنسي طبعاً ) محتفظاً بالسلطة التنفيذية باستثناء شؤون العدل والمعارف، فإنها تتبع الوزيرين المختصين في باريس.
3 ـ تنحصر السلطة التشريعية في مجلس حكومي يتكون من ستة أعضاء: ثلاثة منهم، وهم مقيمون في الجزائر، تعينهم الولاية العامة، يضاف إليهم رئيس ونائب رئيس ومدير المال. وهذا المجلس هو الذي يراقب المجلس النيابي الجزائري.
4 ـ والمجلس النيابي هذا يتكون من 120 عضواً، نصفهم فرنسيون ينتخبهم الفرنسيون المقيمون في الجزائر، ونصفهم الثاني ينتخبهم الجزائريون. وتجتمع كل فئة على حدة. ( يلاحظ أن 9 ملايين جزائري اعتُبِروا مساوين لنحو مليون وبعض المليون من المعمَّرين الفرنسيين ). ويُنتَخب الأعضاء بالاقتراع السري على درجتين، ويتولون النيابة لستة أعوام. وعملُ هذا المجلس مناقشة الموازنة العامة والموافقة عليها، على أنه لا يجوز له أن يصوّت ضد الحكومة.
أقرّت الحكومة الجزائرية هذا الذي سَمّته إصلاحاً ) وسمحت لمن يريد من الجزائريين أن يتجنس بالجنسية الفرنسية على أن يحتفظوا بقوانين الأحوال الشخصية الإسلاميّة. لكن هذه الأعمال لم تُرضِ الشعب الجزائري؛ فالتفريق في المعاملة ظل قائماً، والمساواة كانت معدومة، قولاً وفعلاً، وقد اعتُبرت اللغة العربية لغة من لغات الاتحاد الفرنسي.
وفي سنة 1951م قام في الجزائر تكتّل سياسي اسمه « الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات ». وقد انضمّ إلى هذه الجبهة ممثلون عن الحزبين المذكورين آنفاً وعن جمعية العلماء المسلمين في الجزائر والحزب الشيوعي الجزائري وجماعة من السياسيين المستقلين.

الاستعمار الاقتصادي
أشرنا من قبل إلى اغتصاب الأراضي الجيدة في الجزائر على أيدي الإدارة الفرنسية وتوزيعها ـ بوسائل مختلفة ـ على المعمرين. وقد بلغ مجموع ما سُلب من الأرض ( قبيل الحرب العالمية الثانية ) 000, 250, 2 هكتار. وقد انتُزعت هذه على النحو التالي: بين سنتي 1880 و 1900م انتزعت من الأرض ما مساحته 000, 243 هكتار، وبين سنتي 1900 ـ 1920م كان المستولى عليه هو 000, 327 , 11 هكتار.
وإذا نظرنا إلى الملكية العقارية في الجزائر في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجدنا أن عدد الذين يملكون من الأرض ما تزيد مساحته عن 500 هكتار كان منهم 600 جزائري و 900 أوروبي ( الأغلبية الساحقة من الفرنسيين إذ كانوا نحو 95 0/0 من السكان الأوروبيين ). وكانت مساحة ما يملكه الجزائريون هؤلاء 000, 474 هكتاراً، أمّا ما كان بيد الفرنسيين ( وغيرهم من الأوربيين ) فهو 000, 963 هكتاراً. أمّا مجموع الملاّكين الجزائريين ( ممن تُعدّ عقاراته دون الهكتارات العشرة إلى ما يزيد عن الخمسمئة هكتار ) فكان 000, 532 يقابلهم 000, 25 من الفرنسيين. والأوّلون لهم 000, 670, 7 هكتار، وللآخرين 000, 720, 2 هكتار ( ذلك أن الفرنسيين استولوا بعد سنة 1920م على 000, 500 هكتار ). وحَريّ بالذكر أن الأرض التي استولى عليها الفرنسيون كانت الأكثر خصباً، كما أن الفلاّح الفرنسي كان يُعطى جميع المساعدات المالية والفنية والإدارية والتنظيمية لإنجاح أعماله. وهذه كلها كانت ممنوعة على الفلاح الجزائري إلاّ في حدود ضيقة ومناطق معينة ولأشخاص مقرّبين.
بالإضافة إلى ملكية الأرض ومعنى ذلك التفوق الزراعي والسيطرة على الثروة الزراعية، فإنه كان في الجزائر ( 1949م ) 505 مؤسسات صناعية وتجارية، وهذه كادت أن تكون حكراً على الفرنسيين. وكانت الإدارة الجزائرية قد منحت ( حتّى سنة 1949م ) 112 امتيازاً لشركات أوروبية لاستخراج الثروة المعدنية في الجزائر. وجميع الصناعات الثقيلة أو الصناعات الخفيفة ذات القيمة الاقتصادية والتجارة الخارجية تسيطر عليها المؤسسات الفرنسية.
ولعلّ التعليم ( أو التجهيل إذا أردنا التسمية الصحيحة ) تبدو فيه السياسة الفرنسية المتعنتة المستأثرة بالخير. ففي سنة 1900م كانت المدارس الرسمية تُؤوي نحو 000, 140 طالب وطالبة منهم 000, 115 أوروبي ( بما في ذلك الفرنسيون وكانوا 000, 75 ) والباقون، وهم 000, 25 جزائريون. هذا في الوقت الذي كان فيه الجزائريون بنسبة عشرة إلى واحد بالمقابلة مع الأوروبيين جميعاً.
فما الذي وصل إليه الحال سنة 1950م ؟ الطلاب والطالبات الجزائريون أصبح عددهم 000, 212 وصار الفرنسيون 000, 138 ( أما الأوروبيون فقد تناقص عددهم إمّا بسبب الهجرة أو بسبب التجنس بالجنسية الفرنسية كانوا 600, 3 فقط ). والمهم أن النسبة بين السكان الجزائريين والفرنسيين كانت هي عشرة إلى واحد. وقد قُدِّر عدد البنين والبنات من الجزائريين في سن التعليم الابتدائي إلى مدرسة. أما الفرنسيون فقد كان لكل تلميذ أو تلميذة مكان في المدرسة الرسمية. هذه الأمثلة التي قدّمنا هي من التعليم الابتدائي. أما في التعليم الثانوي فقد كان للجزائريين 9 0/0 من مجموع الطلاب في المدارس الثانوية ( أي نحو 700, 2 من أصل نحو 000, 24 طالب ) والمدارس المهنية كان فيها نحو 20 0/0 من الطلاب من الجزائريين، أما الجامعة فقد كان فيها سنة 1948 م ـ 49 من الطلاب 639 , 4 منهم 282 جزائرياً ( 251 طالباً و 31 طالبة ).
وقد سُيّرت المدارس على المنهج الفرنسي؛ فقد حُرِّمت اللغة العربية في المدارس الرسمية تعليماً وتعلّماً، وأُبعِد التاريخ العربي والإسلاميّ عن المناهج، وفُرِض تاريخ لغة فرنسا وأدبها وتاريخها على الجميع. وكان للحكومة الفرنسية في الجزائر ثلاث مدارس خاصة بالطلاب المسلمين في مدينة الجزائر، وفي قسنطينة، وفي تلمسان. وهذه تدرّس العربية والشرع والفقه إلى جانب الفرنسية وآدابها، وهذه كان عملها تخريج مترجمين للمحاكم الشرعية. ذلك أن المحاكم الشرعية كانت، في وقت من الأوقات، تحت إشراف مدير العدلية الفرنسي. وكان لابد أن يصادق على الأحكام الشرعية قبل تنفيذها. فكان خرّيجو تلك المدارس يعملون تراجمة في هذه المراكز، كما أنهم كانوا يترجمون، عند الحاجة، أمام حاكم فرنسي عندما تُعرّض عليه قضية فيها ناحية شرعية.

ثورة المليون شهيد
ليس من اليسير الإلمام بكل ما قامت به فرنسا في الجزائر مما يمثل النهب العنيف لمقدَّرات الأمة. كما أنه ليس من اليسير التحدث عن المقاومة البطولية الجزائرية عبر عقود من السنين. وهي المقاومة التي تُوِّجت بحرب الاستقلال أو ثورة المليون شهيد ( 1954 ـ 1962 م ). ولذلك، فكما أننا اختصرنا فيما رويناه إلى الآن، فإننا مضطرون إلى الاقتضاب في أخبار هذه الثورة التي تكاد تكون فريدة في العالم العربي.
إن الحكومة الفرنسية ماطَلَت بما لا يُتحَمّل في تنفيذ برامج الاصلاح في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات. وكان العامل الأول في تعثر جميع الخطى والحيلولة دون تنفيذ البرامج، هم المعمّرون. فتعطيل الانتخابات ( 1948 و 1951م ) وغير ذلك من المواقف المتعنتة حمل الجزائريين على التفكير بالثورة، والتنظيم للثورة، والبدء بالثورة، ثم بالسير بالثورة إلى النهاية المحتومة.
بدأت الثورة في مطلع تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1954م، واتخذت جميع الأشكال القتالية والأساليب النضالية. وعملت التنظيمات الحزبية والفوق حزبية على القتال في الجبال والسهول والمراعي والقرى والدساكر والمدن. وعملت التنظيمات الثورية القيادية والميدانية بنوع من التنسيق غريب عن المنطقة، وقليل من الصراخ والدعاية، والعمل على الحصول على العون المادي والعسكري من كل مكان جاء.
واشتد تكالب المعمرين وحرصهم يؤيدهم نصف مليون من الجند الفرنسي في الجزائر، وقام تنظيمهم السري (منظمة الجيش السري ) بمحاولات كبيرة للسيطرة على الموقف. لكن الأمر خرج من يد الفرنسيين. وأصبحت، حتّى منذ سنة 1958م، كفة الثورة الاستقلالية هي المائلة نحو الربح. وحتى عودة ديغول إلى الحكم ( 1958م ) لم تخفّف الأزمة؛ ذلك بأن الرجل، مع ادراكه خطورة الوضع، لم يعلن تصريحه الرسمي ( 1960م ) بأن يسمح للجزائريين بتقرير مصيرهم إلا بعد محاولة عسكرية أدرك فشلها وخطرها على الفريقين. وحتى بعد التوقيع على اتفاق أفيان ( 18 آذار مارس 1962م ) حاول المعمّرون العمل على تفشيله. وبعد مفاوضات حول التفاصيل ووضع حد لتصرف الضباط المتمردين ( الفرنسيين )، انتهى الأمر بإجراء الاستفتاء في 1 تموز يوليو 1962م الذي كانت نتيجته أن 91 0/0 من الناخبين طالبوا بالاستقلال. وفي 3 تموز يوليو أعلن الجنرال ديغول « الجزائر دولة مستقلة ».
وقد كان عدد كبير من السكان الأوربيين ـ والفرنسيين بشكل خاص ـ قد غادروا البلاد لمّا وقعت اتفاقية افيان. وكانت ثمة مشكلات كبيرة وكثيرة تواجه الدولة المستقلة. وقد سارت الحكومة على خطة اشتراكية، فأممت المصالح النفطية الفرنسية، ووضعت برنامجاً للإصلاح الزراعي. وفي عام 1976م ( كانوا الأول / ديسمبر ) خُطِّط لانتخابات للرئاسة والمجلس الوطني. وكانت الشرعة الجزائرية الوطنية، قد وافق عليها في استفتاء في حزيران يونيو من السنة نفسها، والأسس التي اعتمدت فيها هي: دولة اشتراكية واعتبار الإسلام دين الدولة. كما أن دستور الدولة قُبل في استفتاء آخر. وفي شباط / فبراير 1977م تمت انتخابات « المجلس الوطني » ( 261 عضواً ).

( دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية 155:6 ـ 162 )


Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.