الواجهة » العالم الإسلامي » من اقاليم المسلمين » تونس
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


تونس

(1)
الموقع والجغرافية
تقع في الشمال الغربي من قارة إفريقية. تقسَّم إلى ثلاثة أقسام طبيعية هي:
أوّلاً ـ جهة شمالية تتركّب من مزارع خصبة يمر على جانب عظيم منها وادي مجردة.
ثانياً ـ الساحل، وهو يمتد من الناحية الشرقية على طول البحر، وهذا القسم يتألّف من أرض خصبة غزيرة العمران وافرة السكان.
ثالثاً ـ قسم جنوبي يشتمل على سهول عظيمة ومراعٍ شاسعة وواحات نخيل تبتدئ منها الصحراء الكبرى.
تحدّها من الغرب الجزائر، ومن الجنوب الشرقي ليبيا، ومن الجنوب الغربي الصحراء. وتربطها بالجزائر سلسلة جبال الأطلس التي تعتبر العمود الفقري لأقطار المغرب العربي. وقد جعلت من هذه الأقطار وحدة جغرافية متسعة. وتمتد هذه الجبال في تونس من الجنوب الغربي بجوار تبسة إلى الشمال الشرقي حيث جبل زغوان وبوقرنين، ويزيد ارتفاعها بالقرب من حدود الجزائر على 1500 متر، ثم يقل شيئاً فشيئاً صوب الشمال إلى أن يبلغ التلال الخصبة المحيطة ببنزرت وماطر. ويتخلل هذه السلسلة ممرات كثيرة تسهّل الاتصال بين الشمال والجنوب. وتغطي هذه الجبال أشجار الفلّين وصَنوبر حَلَب، وفيها مناجم الرصاص والحديد والفُسفات، وتتخلّل هذه الجبال سهول كثيرة مشهورة بإنتاجها للحبوب.
أمّا الشواطئ في تونس فهي منخفضة على العموم إلاّ في الشمال، ولا يتعدّى عمق البحر 200 متر في هذه الشواطئ، مما جعلها صالحة لصيد السمك. وبإزاء مدينة صفاقس تمتدّ جزر قرقنة التي اشتهر أهلُها بصيد الإسفنج. وفي جنوب خليج قابس توجد جزيرة جربة التي اشتهرت ببساتينها وواحاتها الجميلة. وتتصل سهول منطقة الساحل بسهول الشمال بواسطة مضائق زغوان وقرنبالية، كما أن مضائق قابس تربطها بسهول شواطئ الجنوب، وتحتل السهول 86 0/0 تقريباً من مجموع مساحة القطر التونسي.
ولا يوجد في تونس من الأنهار الجديرة بهذا الاسم إلاّ نهر مجردة وفروعه، وهو ينحدر من الغرب إلى الشرق صوب خليج تونس، على أن مياهه تقل كثيراً زمن الصيف. أما نهر مليان فإنه عبارة عن نهر تنضب مياهه في الصيف في كثير من الأحيان. ويوجد كذلك منحدرات أشهرها زَرود ومَرْج الليل، وهي تفيض من غير موسم وتصبّ في سَبخات أو تضيع في الفيافي.
ومناخ تونس على العموم دافئ معتدل. أما الأمطار فهي غير منتظمة إذ يختلف سقوطها من ناحية إلى أخرى ومن سنة إلى سنة، وكذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأرض وقربها من البحر أو من الصحراء، مما جعل كل منطقة من المناطق التونسية مختصة بإنتاج معيّن. ويمكن تقسيم المناطق كما يأتي:
في شمال سلسلة جبال الأطلس وبخاصة على ضفاف نهر مجردة توجد أخصب الأراضي التونسية الصالحة لإنتاج الحبوب. وقد اشتهرت فيها الكاف وباجة وتبرسق وسليانة والفحص وسوق الأربعاء وسوق الخميس وطبربة وماطر، وهي من أهم المراكز الفلاحيّة بتونس.
وفي جنوب جبال الأطلس يمتد « إقليم المنبسطات » بين مدينة قفصة من الغرب وواحات الجريد من الجنوب والساحل التونسي من الشرق، ولا تقطعه إلاّ تلال قليلة. وبعض هذه المنبسطات من الناحية الغربيّة مساحات شاسعة من الحَلْفاء، وبها مزارع كبيرة ومراعٍ شاسعة، وتقلّ الأمطار في هذا الإقليم حتّى تنقطع تماماً في الجنوب، وليس به من القرى إلاّ القليل باستثناء مدينة القيروان.
وتمتاز منطقة الجريد ومنطقة نقزاوة في الجنوب التونسي بواحاتها الجميلة الغنية ووفرة مياهها.
وفي الشمال الشرقي تمتد شبه جزيرة بين خليج تونس وخليج الحمّامات تسمّى « دخلة المعاوين »، وهي من أخصب الأراضي التونسية بما فيها من غابات الزيتون وأشجار البرتقال، وتكثر فيها القرى العامرة.
أما ما يُعبَّر عنه بـ « الساحل » فهي منطقة تبدأ من ناحية سُوسة وتنتهي إلى ناحية صَفاقس، ويغطّي هذه المنطقة غابات الزيتون منذ أقدم العصور.

أهم المدن التونسيّة
أهم هذه المدن: تونس والقيروان وصفاقس وسوسة وبنزرت وقابس والمهدية وتوزر ومساكن والمنستير والقلعة الكبرى وماطر وباجة والكاف.
ومدينة تونس الواقعة على خليج تونس هي العاصمة الإدارية والثقافية والاقتصادية. وقد لعبت أدواراً هامة في تاريخ البلاد، وكان تاريخها قبل الفتح الإسلامي مجهولاً، إذ إن العاصمة في ذلك الحين كانت مدينة قرطاجنة، وبعد الفتح اتخذ العرب من مدينة القيروان عاصمة لهم، وبعد أن استولوا على مدينة قرطاجنة سنة 698م بدأت مدينة تونس تنافس القيروان حتّى أصبحت عاصمة من العواصم الإسلاميّة التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلاميّة. ومنذ عهد الدولة الحفصيّة أصبحت قاعدة لتونس، وقد أخذت مدينة تونس شكلها الحالي ابتداء من القرن الرابع عشر الميلادي.
ومدينة صفاقس الواقعة في شمال خليج قابس هي عاصمة الجنوب التونسي الإدارية، وتعدّ أهم مركز اقتصادي لتونس. وقد أحاطت بها مزارع الزيتون الشاسعة منذ القدم، وينتهي إليها خط حديدي أُنشئ لنقل الفُسفات من قفصة إلى البحر.
أما المهديّة فهي من عواصم الساحل التونسي أسّسها المهدي عبدالله الفاطمي سنة 916م، وصارت منذ ذلك العهد قاعدة الخلافة الفاطمية، وقد احتلّتها القوات المتألفة من أهل جنوة وبيزة وصقلية سنة 1087م. ثم احتلتها النورمان والإسبان، ولم تخلص من أيدي هؤلاء إلاّ في عهد الأتراك.

السكّان واللغة
تُعدّ تونس من أكثر أقطار المغرب العربي استعراباً بعد هجرة بني هلال إليها في القرن الحادي عشر الميلادي. ولم يَبقَ أثر للعنصر البربري الأصلي ولا للقرطاجنيين والرومان الذين احتلّوا البلاد قروناً متوالية قبل العرب، كما انمحى أثر الأتراك من تونس، وقد تغلبَ اللغة العربية على كل هذه العناصر لانّها لغة الإسلام.
أما لغة السكّان فهي العربية، وتعتبر اللهجة التونسية العاميّة من أقرب اللهجات للعربية الفصحى. وقد اختَفَت اللهجات البربرية القديمة ولا تجد بقاياها اليوم إلاّ في منطقة قفصة ومطماطة الجبلية والدويرات وشنني بأقصى الجنوب التونسي. ويدين جميع السكان العرب بالدين الإسلامي ويتبع معظمهم المذهب المالكي.

الزراعة
اشتهرت تونس منذ عهد قديم بزراعتها، وكانت تسمّى في عصر الرومان « مخازن رُومة » لِما كانت تنتجه من الحبوب والزيوت والتمر ومختلف الفواكه. والبرغم من ثروتها المعدنية الكبيرة فهي قبل كل شيء بلاد زراعية، ومعظم سكانها يعيشون من الزراعة بصورة مباشرة. وتبلغ منتجات أرضها نصف تجارتها مع الخارج، وكل الحركة الصناعية والتجارية ترتكز على حالة الزراعة وتتأثر بأزماتها.
ومن أهم محصولات البلاد: الزيتون الذي يبلغ عدد أشجاره 22 مليون شجرة ولا يزال في ازدياد، وتأتي تونس في الدرجة الرابعة بعد إسبانيا وإيطاليا واليونان فيما تحتوي عليه من أشجار الزيتون، وهي الثالثة فيما تصدّره إلى الخارج من الزيت.
وأرض تونس غنية بمعادنها المختلفة، وتُعدّ ثاني أقطار العالم المنتجة للفسفات، كما يُستخرَج منها الحديد والرصاص والزنك والمنغنيز والنحاس والبروم والبوتاس.
وتعتمد تجارة تونس مع الخارج على تصدير القمح والزيت والفُسفات.

عصور تونس التاريخية
تونس قبل الفتح الإسلامي
كان يسكن تونس في القديم العنصر البربري الذي لا يَعرف عنه التاريخ إلاّ القليل، ويحدّثنا المؤرخون أنه كان للبربر نصيب من الحضارة لاتّصالهم بمصر الفرعونية وبلاد اليونان.
وفي القرن الثاني عشر ق.م ابتدأت تنتشر على سواحل تونس مراكز تجارية قام بتأسيسها الفينيقيّون الذين قَدِموا إليها من الشام، وهم الذين أنشأوا مدينة قرطاجنة في القرن التاسع ق.م التي ما لبثت أن أصبحت تسيطر على بقية المدن والمراكز التجارية الجديدة على طول سواحل المغرب. وتكونت في قرطاجنة في ذلك العصر أعظم دولة بحرية امتدّ نفوذها من برقة إلى المغرب الأقصى، وزاحمت الدولة اليونانية في السيادة على البحر الأبيض المتوسط. وبعد أن سيطرت قرطاجنة على السواحل بسطت سلطانها على المناطق الداخلية واستعمرتها وأجبرت البربر على دفع الضرائب والانخراط في الجيش.
وقد انبعثت من مدينة قرطاجنة حضارة شرقية زاهرة، وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة، ونقلوا عن الفينيقيين أصول التجارة والصناعة والفلاحة، واعتنقوا عقائدهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية.
وفي منتصف القرن الثالث ق.م اشتدّ التنافس بين رُومة وقرطاجنة في السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط، وأدّى ذلك إلى نشوب « الحروب الفينيقية الثلاثة » بين الفريقين، وقد دامت أكثر من قرن وانتهت بتدمير قرطاجنة الفينيقية سنة 143 ق.م وإقامة قرطاجنة الرومانية على أنقاضها.
وقد تركت الحضارة الفينيقية التي دامت أكثر من عشر قرون آثاراً عميقة في البلاد.
وبعد العصر الفينيقي دخلت تونس تحت سيطرة روما من سنة 146ق.م إلى سنة 430. ولم يَعتَنِ الرومان بادئ الأمر باستعمار البلاد، إذ كانوا منهمكين في الحروب الداخلية. وقد بسطوا نفوذهم المباشر على « إفريكا » ( إفريقية ) التي كانت تشمل مناطق تونس الحالية، بينما وكلوا أمر « نوميديا » ( وهي منطقة قسنطينة التابعة للجزائر ) إلى أمير من أمراء البربر وضعوه تحت حمايتهم.
وشرعت الدولة الرومانية في تنظيم استعمارها وتوطيد أقدامها في البلاد، بعد أن استقر الحكم للقياصرة سنة 31ق.م، فأُقطعت الأراضي الشاسعة إلى قدماء المحاربين والأغنياء من الرومان، وخُطّت الطرقات في طول البلاد وعرضها، فانتشرت المزارع والبساتين وعمّ العمران وتعددت المدن الزاهرة، حتّى أصبحت تونس من أخصب ممتلكات الإمبراطورية الرومانية وأكثرها عمراناً. وقد جعل الرومان من مناطق البلاد القاحلة مناطق خصبة بما أحدثوه من نظام محكم للريّ وما حفروه من آبار.
وكانت سيطرة الرومان على البلاد عسكرية واقتصادية، ومع ذلك ازدهرت حضارتهم في البلاد وبلغت أوجَها بين بقية ممتلكاتهم. وأخذ البربر بأسباب هذه الحضارة وساهموا في ازدهارها، ووصل بعضهم إلى أعلى الرُّتَب والوظائف في الدولة الرومانية. إلاّ أن بعض القبائل البربرية لم تُقبِل على هذه الحضارة وبقيت محافظة على شعائرها ولغتها، وتحصّنت في الجبال وصارت تتربّص الفرص للانتقاض على السلطة الرومانية.
ولما ظهرت الخلافات الدينية بين المسيحيين ساعد البربر على انتشارها في إفريقية وضعف نفوذ الحكام وتكررت ثورات البربر، وانتهى هذا العصر الذي دام ستة قرون باحتلال الوَنْدال للبلاد في القرن الخامس الميلادي.
وأسّس الوَندال بإفريقية مملكة مستقلة دامت نحو المائة سنة وكان احتلالهم للبلاد احتلالاً عسكرياً، وقد احتفظوا بنظام الإدارة الرومانية، وقضوا على الاستعمار الروماني للأراضي، فاستمالوا بذلك البربر وتعاونوا معهم وأشركوهم في الغزوات التي شنّوها على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
ولما ضعف سلطان الوندال خرج جزء كبير من بلاد البربر عن طاعتهم، ولم يَبقَ بأيديهم سوى شمال بلاد إفريقية ( تونس )، وانتهى بهم الأمر إلى أن طردهم روم بيزنطة سنة 534م الذين ألحقوا إفريقية بأمبراطوريتهم بعد أن كسروا شوكة البربر. ثم شرعوا في تنظيم البلاد وإقامة الحصون بها لرد غارات القبائل البربرية.
وبعد أن عاد الأمن للبلاد وتمتّعت بحياة الرخاء مدة قرنين متواليين اضطربت الأحوال بسبب ضعف سلطان الروم واستفحال النزعات الدينية، وأفضى ذلك بولاة الروم إلى الاستقلال بالحكم في المناطق الإفريقية التي كانوا يديرون شؤونها، وقويت شوكة رؤساء قبائل البربر فخرجوا عن طاعة الدولة وصاروا يناهضونها في كل المناسبات.
الفتح الإسلامي
بعد أن استولى العرب على مصر سنة 17 هـ اتجهوا بفتوحاتهم نحو الشمال، فانتزعوا برقة وطرابلس من يد الروم، ثم حوّلوا أنظارهم إلى بلاد المغرب، وغَزَوا إفريقية لأول مرة سنة 27 هـ، ثم رجعوا إليها سنة 45هـ ولكنهم لم يستقروا بها ولم يتركوا وراءهم أثراً يذكر.
فكانت هاتان الحملتان تمهيداً للفتح النهائي الذي تم على يد عُقبة بن نافع سنة 50هـ. وقد رأى عقبة أن أحوال إفريقية لا يمكن أن تستقر للمسلمين إلاّ إذا أنشأوا لهم مركزاً قارّاً بها ومعسكراً يخرجون منه لفتح بقية المغرب، فصرف عنايته لبناء مدينة القيروان. ومنذ اليوم الذي أصبح فيه للمسلمين عاصمة في إفريقية اهتموا بفتح بلاد المغرب فتحاً نهائياً، وصاروا يعتبرون إفريقية ولاية مستقلة الشخصية بعد أن كانت تابعة لمصر.
وقد وقف كل من الروم والبربر في وجه استيلاء العرب على إفريقية وبقية المغرب وتحالفوا لمقاومتهم. ولكن عقبة عرف كيف يقضي على هذه المقاومة في بادئ الأمر، واستطاعت جيوشه أن تستولي على البلاد إلى أن وصلت إلى المحيط الأطلسي. غير أن جيوشه انهزمت في طريق رجوعها من المغرب الأقصى أمام جيوش البربر التي كان يقودها « كسيلة ». فخرجت إفريقية من يد العرب للمرة الأولى بعد أن احتل البربر القيروان، وأقاموا دولة بربرية في جنوب إفريقية، بينما كان الروم محتفظين بشمالها، ومتحصّنين في قرطاجنة وبقية المراكز المحصَّنة. غير أن انهزام الجيوش العربية لم يمَحُ أثر العرب في إفريقية إذ بقي الكثير منهم مقيماً بالقيروان تحت حكم كسيلة، وكانت تناصرهم قبائل بربر الجنوب الذين دخلوا الإسلام منذ الغزوة الأولى.
وفي عهد عبدالملك بن مروان توجه العرب إلى القضاء على دولة الروم ودولة البربر، وكسر شوكة قبائل بربر الشمال المعتصمين في الجبال. فاستطاع زهير بن قيس البلوي القضاء على المقاومة البربرية سنة 64هـ. وجاء بعده حسّان بن النعمان إلى إفريقية سنة 76هـ، وكانت مهمته القضاء على مقاومة الروم، فتمكن من الاستيلاء على حصونهم وطردهم من عاصمتهم قرطاجنة.
ولكن إفريقية خرجت من يد العرب مرة ثانية، إذ انتظمت مقاومة البربر بزعامة امرأة منهم تلقب « بالكاهنة »، بينما جاءت النجدات إلى الروم من بيزنطة نفسها.
وعاد حسان إلى إفريقية سنة 81 هـ، وبقضائه على جيوش الكاهنة قضى على آخر مقاومة قام بها أهل البلاد، ثم اتجهت عنايته إلى الروم فاستولى على قرطاجنة بعد أن حاصرها براً وبحراً.
وكانت إدارة البلاد موكلة إلى الوالي الذي يُعيَّن من قبل الخليفة. واتخذ العرب مدينة القيروان مركزاً إدارياً، وأنشأوا بها الدواوين المختلفة، وعيّنوا العمال للإشراف على شؤون الولاية.
وبادر حسان بإنشاء ميناء جديد يحل محل قرطاجنة، فبنى مدينة تونس التي ما لبثت أن أصبحت المنفذ الذي خرج منه الجيوش لفتح صقلية وإيطالية.
تونس في القرن الثاني الهجري
كان للخلافات السياسية التي حدثت في المشرق أواخر القرن الأول الهجري والتي أدت إلى ظهور « الخوارج » صداها في بلاد المغرب، فانتشرت حركة الخوارج بسرعة بين قبائل البربر وحتى في بلاد الأندلس التي كانت في ذلك الحين تابعة لإمارة القيروان. وصارت إفريقية بدورها ميداناً للفتن الداخلية، فلم تستقرّ فيها دولة قوية إذا استثنينا دولة بني المهلَّب، إلى أن ظهرت الدولة الأغلبية في أواخر القرن الثاني الهجري.
وفي هذا العهد أيضاً وجه عمر بن عبدالعزيز عنايته إلى نشر الإسلام في المغرب، فأرسل جماعة من مشاهير التابعين لتنظيم هذه المهمة، فأسسوا المساجد في سائر أنحاء البلاد وأنشأوا الكتاتيب لتعليم اللغة العربية (1). ويرجع تاريخ بناء جامع الزيتونة إلى هذا العهد ( سنة 114 هـ ).
وبالرغم من الفتن والاضطرابات بدأت تظهر في إفريقية بوادر ازدهار الحضارة، وشرعت إفريقية في ظل الإسلام تأخذ طريقها إلى الحياة السياسية والعقلية الخاصة بها، إلى أن تكونت فيها دول قوية لها شخصيتها وحضارتها. وأُولى هذه الدول هي الدولة الأغلبية.
دولة الأغالبة
ولم تستقر الأحوال في إفريقية إلاّ في عهد الحكم العباسي عندما عين هارون الرشيد سنة 184هـ إبراهيم بن الأغلب عليها، جاعلاً الإمارة وراثية في بيته. وهكذا نشأت في تونس أول دولة عربية قوية مستقلة داخلياً عن الخلافة، وتعاقب أمراؤها على الحكم أكثر من قرن بلا انقطاع.
وقد اتخذ الأغالبة القيروان عاصمةً لمملكتهم التي كانت تشمل الجمهورية التونسية الحالية، كما تشمل مقاطعة قسنطينة ( بالجزائر ) وطرابلس الغرب.
الدولة الفاطمية
كان للمذاهب المختلفة الناشئة في الشرق العربي أثرها في الدولة التي نشأت في المغرب. وقد كانت هذه البلاد حتّى أواسط القرن الثالث الهجري يسودها المذهب المالكي الذي وطّد أركانه بها كلٌّ من الفقيهين المالكيين: أسد بن الفرات وسَحْنُون. ولكنْ شيئاً فشيئاً بدأ البربر يتّصلون برجالات المذاهب الأخرى، ووجدوا في فرقة الخوارج تلاؤماً مع حالتهم، وسُرعان ما أقبلوا على اعتناق مذهبها، وما كاد القرن الثالث يوفي على نهايته حتّى كان مذهب الأباضية ـ وهي فرقة من فرق الخوارج ـ قد انتشر انتشاراً كبيراً في القبائل التي تسكن جنوب المغرب.
أما قبائل الشمال كَتامة وصَنهاجة وما يتبعهما فقد اعتنقت المذهب الشيعي الفاطمي الذي قام بالدعوة إليه في المشرق عبدالله المهدي، وأوفد في ذلك الحين الداعي أبا عبدالله ليتولى نشر مذهبه ببلاد المغرب.
وكانت دول الأغالبة قد أشرفت على نهايتها، فنظّم أبو عبدالله الدعوة ضدّها، وكوّن الجماعات لنشر المذهب الشيعي الفاطمي وخلع طاعة الأغالبة، والعمل على تكوين خلافة شيعية فاطمية بالمغرب.
وعندما رأى عبدالله المهدي أن الدعوة قد انتشرت بالمغرب، وأن جيوش داعيته قد أصبحت قاب قوسين من النصر، انتقل من سُلْمية إلى سَجلماسة وظل مختفياً بها إلى أن انتهى الأمر بانهزام جيوش الأغالبة، وفر آخر أمير منهم وهو زيادة الله الأغلبي بعد أن يئس من وصول نجدة العباسيين إليه، فدخل عبدالله إلى القيروان حيث بويع بها سنة 297هـ ولُقّب بأمير المؤمنين، وهكذا تكوّنت بإفريقية دولة الفاطميين، بينما كانت الدولة العباسية ما تزال قائمة ببغداد، والدولة الأموية بالأندلس. وبعد ذلك أخذ الفاطميون يوطّدون أركان دولتهم ببلاد المغرب، فأسسوا عاصمتهم الجديدة سنة 308 هـ وأسمَوها المهدية، واستطاعوا أن يُخضعوا لسلطانهم كافة بلاد المغرب، بعد أن قضوا على الدولة الأباضية في تيهرت ( الجزائر ) والصفرية في سجلماسة ( المغرب الأقصى ) والإدريسية في فاس.
وبعد ذلك اتّجه الفاطميون بدعوتهم إلى منبعها الأول في الشرق العربي، وأرادوا أن يبسطوا سلطانهم عليه، فوجهوا جيوشهم بقيادة مولاهم جوهر الصِّقِلّي الذي ما لبث أن استولى على مصر ودخل عاصمتها الفُسطاط، وأسس بجوارها مدينة القاهرة سنة 358 هـ التي أصبحت منذ ذلك الحين حاضرة الخلافة الفاطمية التي امتدّ نفوذها من الشام إلى أقصى المغرب.
وبالرغم من بعض الثورات التي انتابت تونس في هذا العصر فإن الحضارة العربية قد ازدهرت بها، ونشطت النهضة العلمية وانتشرت المعاهد الثقافية ليس في تونس فقط بل حتّى في مدن صقلّية التي كانت خاضعة لسلطانهم. وإلى جانب هذا احتفظ الفاطميون بالسيادة على البحر الأبيض المتوسط، فكان أسطولهم يَجُوب البحار ويشنّ الغارات على المدن الإفرنجية وعلى جزر اليونان، واستطاعوا أن يضمّوا إلى خلافتهم كلاًّ من جزيرتَي إقريطش ( كريت ) وسردينيا وقسماً من جزيرة كورسيكا.
الدولة الصنهاجية
لما انتقلت عاصمة الحكم إلى القاهرة أصبح المغرب ولاية تابعة لمصر يدير شؤونها أمير من أصل بربري اسمه بلكين بن زيري بن مناذ الصنهاجي. وهكذا تأسست الدولة الصنهاجية، وكانت مرتبطة بالخلافة ارتباطاً صُوَرياً فحسب. واستطاع ملوكها الاحتفاظ بمملكتهم الواسعة التي ورثوها عن الفاطميين.
ثم خرج عن طاعتهم المغرب الأوسط حيث تكوّنت فيه دولة بني حمّاد في فجر القرن الخامس هـ، وبقيت مملكة بني زيري محصورة في إفريقية وعاصمتها القيروان.
وتعتبر الدولة الصنهاجية أول دولة بربرية في إفريقية بعد الفتح الإسلامي، وقد مهّد لهم السبيل الأغالبة والفاطميون في نهضتهم بالبلاد من الوجهة الأقتصادية والعمرانية والثقافية. فشارك الصنهاجيون في بناء صرح الحضارة، فانتشرت الزراعة في أنحاء البلاد بفضل انتشار وسائل الريّ، وارتفع مستوى الصناعة الوطنية ونشطت التجارة مع الخارج.
وامتلأ بلاط ملوكها برجال العلم والأدب، وعُني أغلبهم بالفن المعماري فأنشأوا القصور الفخمة والمَنارِه الجميلة، وتنافسوا في تشييد المعالم كالجسور والطرقات وصهاريج المياه والحصون والأسوار.
غزوة بني هلال
حوالي سنة 435 هـ أظهر الملك المعزّ بن بادِيس الصنهاجي انحيازه إلى الحكومة العباسية في بغداد، معلناً خروجه عن طاعة الخليفة الفاطمي المستنصر سنة 439هـ، فرأى المستنصر أن ينتقم من المعزّ، وأرسل إلى إفريقية قبائل بني هِلال وبني سُليم ورياح التي كانت تقيم في الصعيد المصري، فوصلوا إلى إفريقية سنة 440هـ.
وقد أحدث هذا الزحف العربي انقلاباً عميقاً في مختلف نواحي الحياة بإفريقية، إذ تمّ بفضله استعراب البلاد بصورة نهائية، إلاّ أنه كان من نتائجه أن عمّت البلادَ الاضطراباتُ وتمزقت أوصال الدولة الصنهاجية، ونشأت دويلات صغيرة في أنحاء البلاد كانت أشبه بملوك الطوائف بالأندلس، كما وقع في سائر البلاد التي كان يحكمها العرب شرقاً وغرباً وقتذاك، وبقي بنو زيري محتفظين بالمهدية والمناطق المجاورة لها.
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في تونس بل إن الخطبة عادت إليهم بعد انقضاء عهد المعزّ بن بادِيس وعهد وَلَده تميم، حيث تولى يحيى بن تميم بن المعزّ فعاد إلى طاعة الفاطميين. وعمّا فعله المعز بن باديس بالشيعة في تونس وغيرها ننقل عبارة ابن الأثير بنصّها:
مذبحة الشيعة الكبرى
قال ابن الأثير: « في سنة 407 قُتِلَت الشيعة بجميع بلاد إفريقية (2)، وذلك أن المعزّ ابن بادِيس ركب ومشى في القيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل: هؤلاء رافضة، فترضّى عن الشيخين، فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلى من القيروان ـ وهو مكان يجتمع فيه الشيعة ـ فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعه طمعاً في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرّضهم.
وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أن المعزّ بن باديس يريد عزله فأراد إفساد البلد، فقُتل من الشيعة خلقٌ كثير وأُحرقوا بالنار ونُهبت ديارهم وقُتلوا في جميع إفريقية. واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصّنوا به فحصرهم العامة وضيّقوا عليهم فاشتدّ عليهم الجوع، فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتّى قُتلوا عن آخرهم. ولجأ من كان منهم في المهديّة إلى الجامع فقُتلوا كلهم. وأكثَرَ الشعراءُ ذكرَ هذه الحادثة، فمن فرح مسرور ومن باك حزين ».
النورمان
وفي تلك الفترة انتزع النورمان من العرب جزيرة صقلّية بعد أن كانت تابعة لتونس مدة تقرب من ثلاثة قرون، وصاروا يغزون المهدية بين الحين والآخر حتى استولوا عليها سنة 543هـ، كما استولوا على معظم السواحل التونسية، بينما كانت مدن الداخل تخضع لحكم القبائل العربية. وهكذا انقرضت الدولة الصنهاجية في تونس.
الدولة المُوَحِّدية
استنجد الملك الحسن بن علي الصنهاجي بعبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحِّدية في المغرب الأقصى لإنقاذ تونس من أيدي الإفرنج. وكان عبدالمؤمن في ذلك الحين قد أخضع لسلطانه المغربَ الأقصى، كما ضَمّ إلى مملكته بلاد الأندلس، فاستجاب عبدالمؤمن لاستنجاد الصنهاجيين، وسار إلى إفريقية محتلاً في طريقه المغربَ الأوسط، ثم أخذ يحتلّ بلاد إفريقية. وبعد أن استولى على المناطق الداخلية سار إلى مدن الساحل وطرد منها النورمان، فتمّ له أمر البلاد سنة 555هـ. وهكذا تأسست دولة مترامية الأطراف تضم أقطار المغرب العربي الثلاثة، ودامت أكثر من سبعين سنة استطاع فيها الموحِّدون أن يُخمدوا الثورات العديدة التي كانت تقوم ضدهم بين الحين والآخر.
وتعتبر دولة الموحِّدين ـ لا سيّما في عهدها الأول ـ دولة شيعية في جذورها وميولها وأدبها.
الدولة الحفصية
عمل ملوك بني حَفص على إصلاح البلاد من جرّاء العهد المضطرب الذي مر على إفريقية، وساروا على منوال الموحّدين في تنظيم دواوين الدولة. واستطاع أبو زكرياء مؤسس الدولة وكذلك المستنصر الذي خَلَفه توطيد دعائم الأمن في تونس وإخماد نار الفتن بين القبائل والقضاء على الثورات التي نشبت في مختلف أنحاء البلاد.
وقد اتسعت المملكة الحفصية حتّى شملت طرابلس والجزائر ومراكش التي انضمّ ملوكها بنومرين إلى الحفصيين وقدّموا لهم فروض الولاء، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658 هـ.
وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة، ونزل الطاعون بجيشه فأفنى معظمه، ولقي الملك لويس نفسُه حتفه بتونس سنة 669 هـ ( 1270 م ).
ثم شاهدت الخلافة الحفصية عهداً مضطرباً دام حوالي مائة سنة. وكان التنافس بين أمراء البيت الحفصي وتطلّعهم إلى الخلافة من جهة، والخلافات القائمة بين القبائل من جهة أخرى باعثاً لكثير من الفتن التي أضعفت سلطة الخلافة المركزية، فخرج عن طاعة الخليفة أطراف المملكة، واستقلّ بالحكم بنو يملول في توزر، وبنو خلف في نفطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
وقد شجّع التدهور الذي لحق الخلافة الحفصية في ذلك العهد ملوكَ بني مرين في المغرب الأقصى على الاستيلاء على إفريقية مرتين دون أن يستقر لهم الحكم بها زمناً طويلاً.
وفي أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجري عادت البلاد إلى وحدتها القديمة ومجدها السالف، وساد فيها الأمن بفضل أعمال الأمير أبي العباس والأمير أبي فارس، فتدعّمت أركان الدولة من جديد، وامتدّ نفوذ بني حفص إلى المغرب الأوسط بعد أن سقطت، ثمّ إلى المغرب الأقصى والأندلس. وقد عُني كل من هذين الأميرين بإقامة الحصون على السواحل لرد الحملات التي ابتدأ يشنّها الصليبيّون على تونس، بيد أنّ الحكّام الذين تولَّوا بعدهما لم يستطيعوا أن يحافظوا على مكانة الدولة، فساروا بالبلاد إلى الفوضى، وخرج عن سيادتهم كثير من الأنحاء حتى لم يَبقَ تابعاً لهم في أواخر القرن التاسع الهجري غير مدينة تونس وما جاورها من المناطق، واستقلّت مدن السواحل بحكم نفسها، وأخذت كل واحدة منها تلعب دوراً في البحر الأبيض المتوسط.
وفي عهد الدولة الحفصية رأت البلاد عصوراً زاهرة بالرغم مما انتاب البلاد من اضطرابات وضعف سلطة الحكّام المركزية.
وقد عقدت الدولة الحفصية عدة معاهدات لتنظيم الملاحة وتمتين العلاقات التجارية والسياسية بينها وبين البلاد الأوربية كبَرْشلُونة وجَنَوى وبيزة وصقلّية والبُندقية ومَرسيليا. واشتهرت بين التجار الأوربيين أسواق تونس والمهدية وقابس وعنّابة، وأصبح قبلة تجار البحر الأبيض المتوسط. وأينعت الحياة الأدبية والعلمية في هذا العصر، وكان نزوح العرب من الأندلس وصقلّية إلى تونس من العوامل التي كان لها أكبر الأثر في انتشار العلوم والفنون، فظهر أثر الفن الأندلسي فيما أُنشئ من المباني، كجامع القصاء بعاصمة تونس وصومعته المشهورة وأسواق المدينة وأبوابها التي ما تزال موجودة إلى الآن. كما عمل الملوك الحفصيون على تشجيع العلم والأدب في البلاد، فأسسوا المدارس لسكنى الطلبة ونظموا التعليم بجامع الزيتونة، ومن مشاهير رجال هذا العصر ابن خلدون وابن عَرَفة والأطباء من آل الصقلّي.
تونس في القرن العاشر الهجري
شهد القرن العاشر ذلك النزاع الكبير الذي كان قائماً بين الإسبان والأتراك للتحكم في البحر المتوسط والسيطرة عليه، وقد ابتدأ نفوذ الإسبان يمتدّ إلى سواحل المغرب بعد أن طردوا العرب من الأندلس، بينما ظهر في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بعض القوّاد الأتراك مثل بابا عروج وأخيه خير الدين الذين كانوا يعملون باسم السلطان العثماني.
وهكذا أصبح العثمانيون والإسبان يتسابقون للاستيلاء على سواحل تونس بعد أن عجز أمراء بني حفص على رد هجماتهم. واستطاع أمراء الإفرنج احتلال أهمّ مراكز السواحل التونسية، وسقطت مدينة تونس سنة 935هـ ( 1529 م ) في يد خير الدين، وخطب فيها للسلطان العثماني، ثم انتزعها منهم الأمير الحفصي الحسن وحكمها تحت الحماية الإسبانية سنة 977هـ. ثم عاد إليها الحكم الإسبانيّ ـ الحفصي سنة 980هـ، ثم استعادها الأتراك سنة 981هـ ( 1573 م )، فأصبحت ولاية تابعة للسلطنة العثمانية وجزءاً من ممتلكاتها في شمال إفريقية الممتدة من الجزائر إلى مصر.
وكان في جملة الأُسارى المقبوض عليهم في فتح تونس الأخير الأمير ( محمد بن الحسن ) الحفصي، فأُرسل إلى الأستانة وبقي فيها معتقلاً إلى أن قضى نحبه. وبموته انقطعت السلالة الحفصية بعد أن حكمت ما يقرب من ثلاثمائة سنة.
بقايا التشيع
ليس في أيدينا الكثير عن تشيّع الحفصيين، ومنه ارتباط أصولهم بالموحِّدين ارتباطاً وثيقاً، ويشير محمد بن تاويت في مقال له في مجلة ( دعوة الحق ) إلى التشيّع في عهد الحفصيين ثم السعديين، متحدّثاً عن الموحدين ونهاية دولتهم: «... ولكن النشاط تحوّل إلى تونس مرة أخرى وتجددت الدولة بالحفصيين منها. ولا نستبعد أن يكون ابن الأبّار ( الشيعي كتب لهم ( درر السمط ) ـ وهو كتاب في رثاء الحسين ـ وهي آخر ومضة للتشيع في هذه الدولة. إلى أن كانت دولة السعديين، فعاد المنصور إلى هذه النغمة في أشعار بلاطه التي تردّدت في مَولِدِيّات القشتالي وعبدالواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي، وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحه لدرر السمط... ).
ويقول أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب ( إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان )، المولود سنة 1219 هـ / 1804م والمتوفى سنة 1921م في كتابه المذكور:
« وأهل إفريقية يَدينون بحبّ عليّ وآله، يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم، جِبِلّة في طباعهم، حتّى أن نسوانهم عند طلق الولادة ينادون: يا محمد، يا علي ».
وهذا كلّ ما بقي من آثار التشيّع في تونس.
عهد الأتراك والفرنسيين
كان يحكم ولاية تونس نيابة عن السلطان العثماني والٍ يحمل لقب « الباشا »، ويساعده ديوان يتألّف من ضباط الجيش. وكانت قيادة الجيش بيد « آغا »، وقيادة كل فرقة عسكرية بيد « الداي »، وعُيّن لجباية المال موظف يسمى « الباي ».
وقد أخذ نفوذ الديوان يتّسع شيئاً فشيئاً إلى أن أدّى الأمر بالبلاد إلى قيام الثورة سنة 999 هـ ( 1590م )، كانت نتيجتها إعطاء مقاليد الأمور إلى أحد « الدايات »، ثمّ أخذ نفوذ الداي يتّسع شيئاً فشيئاً، بينما كان يتضاءل نفوذ الباشا الممثّل الرسمي للدولة العثمانية في تونس.
وقد نُظّمت شؤون هذه الولاية في عهد عثمان داي الذي عمل على تقوية الجيش وإعطاء قيادته إلى « باي ». وسار على منواله يوسف داي الذي تولّى الحكم سنة 1019هـ ( 1610م )، فاستتبّ الأمن في عهدهما ونهضت البلاد من جديد.
ثم ساءت الأحوال في تونس بعد ذلك، لأن الدايات الذين تعاقبوا على الحكم من سنة 1047 هـ ( 1637م ) إلى سنة 1117هـ ( 1705م ) لم يستطيعوا أن يحتفظوا لأنفسهم بالنفوذ، وقد تضاءلت سلطتهم أمام سلطة « البايات » التي أخذت تتّسع يوماً بعد يوم طول القرن الحادي عشر الهجري.
ومن العوامل التي قَوّت نفوذ البايات ما عمد إليه الباب العالي من إعطائهم لقب « باشا »، وجَعْلُ منصب الباي وراثياً.
وقد امتاز الثلث الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر بما انتاب البلاد من حروب واضطرابات ناتجة عن التنافس على العرش، فنشبت الفتن الداخلية، وقامت حروب بين إمارة الجزائر وإمارة تونس، فعمّت بذلك الفوضى، وتمزّقت أوصال الدولة، وضعفت السلطة المركزية، مما شجع أساطيل الدول الأوروبية على ضرب سواحل تونس بالقنابل مرات عديدة.
وعلى أثر غزوة قام بها والي الجزائر سادت البلاد اضطرابات شديدة، وتمكن آغا الجيش حسين بن علي من الاستيلاء على الحكم بمساعدة الجيش التركي وموافقة الأهالي سنة 1117 هـ ( 1705م ). وهكذا تأسست الدولة الحسينية التي توارثت الحكم في تونس حتّى قيام الجمهورية. فعاد الأمن للبلاد بعد حالة من الاضطرابات دامت أكثر من أربعين سنة، وقضت الدولة الحسينية منذ أوائل عهدها على الثورات التي كان يقوم بها الجيش من حين لآخر لقلب نظام الحكم، وجُعلت الولاية وراثة في العائلة الحسينية.
وفي أوائل القرن التاسع عشر بدأت تونس تدخل متدرجة في طريق النهضة العصرية، وكان يربطها بالدولة العثمانيّة مجرد روابط شكليّة، فبادرت بالتحرر من هذه القيود الصورية، واعترفت الدول الأوربية كفرنسا وإنكلترا والنمسا باستقلالها، وعقدت معها المعاهدات والاتفاقات. ثم اتّجهت همة أمرائها إلى إدخال الإصلاحات على مرافق البلاد الحيوية، وفي مقدمتها إصلاح نظام الحكم بما يتفق والنظام الدستوري السائد في عدد من البلدان الأوربية.
فقبيل فرض الحماية الفرنسية بنحو أربعين سنة نجد على عرش تونس الباي المصلح الشهير أحمد باشا ( 1837م ـ 1855م ) الذي كان حريصاً على إدخال إصلاحات واسعة النطاق في جميع النواحي، وهيأت له الزيارة التي قام بها إلى أوروبا سنة 1846م فرصة للاطلاع على المدنيّة الحديثة وبمجرد عودته إلى تونس وضع مشروعات جديدة، وكان أبرز ما قام به من مشروعات تنظيمه للجيش على الاساليب الحديثة، وإنشاؤه لمدرسة حربية جلب إليها الأستاذة من أوروبا، وإحداث مصانع للأسلحة والذخيرة ودار لصناعة السفن وتكوين أسطول بحري.
وقد سار على منواله محمد باشا الذي ارتقى عرش تونس عام 1855م، وقد اشتهر هذا الملك بإصداره دستوراً حديثاً للدولة التونسية سُمّي « عهد الأمان » ( 10 سبتمبر سنة 1858م ) وهو أول دستور في العالم الإسلامي.
وفي عهد الصادق باي ـ وبفضل جهود المصلح الكبير الوزير خير الدين باشا ـ تمّ تعديل هذا الدستور عام 1861 وفقاً لمبدأ فصل السلطات وإقامة النظام البرلماني، وتأسيس مجلس تشريعي له سلطة واسعة منها حق خلع الأمير إذا خالف بتصرفاته أحكام الدستور. ونُظّمت الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيماً عصرياً، كما نظّمت البلديات والمحاكم الشرعية وشؤون الأوقاف. وسُنّ قانون جديد يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وُضع برنامج خاص لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية. وأنشئ مجلس للعناية بالشؤون الصحيّة وإدارة لغابات الزيتونة وإدارة الأوقاف، ونُظّمت مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأُسست المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أُرسلت البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا.
وهكذا كانت تونس تسير بخطى واسعة في سبيل التغيير إلى أن مُنيت بالاحتلال الفرنسي.
فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحوّلت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين والمترجمين فحسب.
ومنذ احتلال بلاد الجزائر سنة 1830م بدأت فرنسا توجّه أنظارها إلى تونس عاقدة العزم على وضع يدها عليها وبسط نفوذها فيها.
وقد بدأ التدخل الأجنبي يتسرب إلى تونس ويتّسع شيئاً فشيئاً في القرن التاسع عشر، ففُتحت أبواب البلاد للجاليات الأجنبية، وشرع الأمراء في استقدام الفنيين الأجانب وإعطائهم بعض الامتيازات، مما حمل القناصل على التدخل لحماية مصالحهم. ثم حملوا الدولة التونسية على أخذ قروض من أوروبا، وتمكنوا ـ بدعوى حماية هذه الأموال ـ من التدخل الفعلي في شؤون البلاد. وكان التنافس بين هذه الدول الأوروبية من العوامل التي ورّطت الدولة في مشروعات لا تعود عليها بفائدة تُذكر.
وهكذا ضيّقت هذه الدول الخناقَ على تونس ووضعت في عنقها أغلالاً عجزت عن التخلص منها فيما بعد.
وقد أدّت هذه الحالة بالدولة التونسية إلى فرض ضرائب مرهقة على الشعب لإداء الديون التي أثقلت كاهلها. ونتج عن هذا التصرف قيام ثورة في البلاد بزعامة علي بن غذاهم سنة 1864م.
وأمام الضغط الدولي وتحرّج الحالة الداخلية سلّمت الدولة ( مصلحة الجمارك ) للأجانب مقابل ما اقترضته من أموال. فزادت الأحوال اضطراباً، وانتهى الأمر بتكوين لجنة مالية دولية تحت رئاسة الجنرال خير الدين سنة 1286هـ ( 1870م ). وقد عملت هذه اللجنة على توحيد الديون، وكانت تبلغ 125 مليون فرنك، وما لبثت أن أصبحت هذه اللجنة ميداناً جديداً اشتد فيه النزاع والتنافس بين الدول، واتخذتها إيطاليا وانجلترا وسيلة لمقاومة النفوذ الفرنسي.
وعملت فرنسا نفسها على إحباط أعمال هذه اللجنة حتّى تزيد أحوال تونس استياء واضطراباً وتقتنع الدول بوجوب تسليم مقاليد الأمور إلى دولة واحدة هي فرنسا. وكان تنافس الدول ظاهراً في تسابقها للحصول على بعض الامتيازات في البلاد. وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكّة حديد بين تونس والجزائر سنة 1874م. وحاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة التلغراف، فلم يفلح ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة انجليزية بفضل ما بذله من أموال طائلة. وأخذ القنصل الفرنسي روسطان امتيازاً بإنشاء سكة حديدية أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس.
وفي النهاية صمّمت فرنسا على أن تسبق، وظلّت تترقب الفرصة المناسبة وتهيّئ الظروف المساعدة ولو أدى الأمر إلى خلق هذه الظروف، فاتّخذت بعض المناوشات البسيطة التي كانت تحدث أحياناً على الحدود بين التونسيين والجزائريين سبباً للتدخل المباشر في شؤون تونس.
وبالرغم مما تعهد به الباي محمد الصادق في ذلك الحين من دفع الغرامات وضمان الأمن على الحدود.. زحفت الجيوش الفرنسية من الجزائر بدون سابق إنذار على القطر التونسي، بينما نزلت قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ومنطقة طبرقة. وبعد معارك لم تَدُم طويلاً وصلت القوات الفرنسية يوم 12 مايو سنة 1881م إلى بلدة منوبة، وحُوصر الباي في قصره بباردو، وعَرَض عليه قائد الجيش الفرنسي الجنرال « بريار » والقنصل « روسطان » معاهدة « باردو » التي فرضت الحماية على تونس وكانت اعتداء صارخاً على سيادتها الداخلية والخارجية. ثم زادت فرنسا سيطرتها بما أسمته ( اتفاقية المرسى ) بتاريخ 8 حزيران ( يونيو ) سنة 1883م، ولم يتركا له الوقت للنظر فيها ولا لاستشارة شعبه، بل أجبراه على إمضائها. وهكذا تحت تأثير الوعيد وفي ظل احتلال الجيوش الفرنسية لعدة مناطق من البلاد أُكره محمد الصادق باي على إمضاء المعاهدة يوم 12 مايو 1881م.
ثم تجاوزت فرنسا حدود المعاهدتين اللتين فُرِضَتا على تونس فرضاً، فحلّت محل الدولة المحميّة، وحكمت البلاد حكماً مباشراً، وأصبح ممثلها بتونس الحاكمَ المستبد والرئيس الأعلى للإدارة التونسية.
ولم تكد الجيوش الفرنسية تحتل مناطق البلاد وتفرض حمايتها على تونس حتى ثار الشعب في وجهها، وعمّت الثورة جميع أنحاء البلاد. وزاد الثورة اشتعالاً تيقّنُ الشعب أن الباي أُرغم على عقد المعاهدة إرغاماً، مما دعاه إلى الاحتجاج لدى الدول الأجنبية ـ وبخاصة تركيا ـ على الاعتداء الفرنسي على بلاده. فاضطرت فرنسا أمام الثورة المندلعة في أنحاء البلاد إلى إرسال النجدات تلو النجدات لإخضاع البلاد إلى سلطانها.
وقد دامت المعارك الطاحنة حتى شهر شباط ( فبراير ) سنة 1882م. واشتهرت القيروان وسوسة وقابس والقلعة الصغيرة وزغوان وتستور بمقاومتها العنيفة، أما صفاقس فقد احتُلَّت بعد حصارها بحراً وبراً وبعد أن دُمِّرت تدميراً. وظلت المنطقة الجنوبية تقاوم بزعامة القائد الكبير علي بن خليفة حتّى عام 1910م.
وهكذا أظهر الشعب التونسي إرادته في عدم قبول الحماية التي فُرِضت عليه فرضاً فقاومها بالسلاح، ولما تغلّبت عليه القوة الغاشمة أبى أن يستسلم ويرضخ للمصير الذي أرادته له فرنسا، فأخذ يقاوم الحماية الفرنسية بالوسائل السياسية وبالثورات العنيفة بين الحين والآخر، ولم يَدَع فرصة تمرّ دون أن ينتهزها للتخلص من نير الاستعمار الفرنسي.
وقد سجّل شعب تونس في كفاحه من أجل الاستقلال صفحات رائعة من البطولة والتضحية، وكلما حاولت فرنسا القضاء على حركته التحريرية بجميع وسائل الإرهاب والاضطهاد عادت هذه الحركة أقوى نشاطاً وأشد بأساً، إلى أن ظفر هذا الشعب باستقلاله الناجز. وانتهى بعد ذلك حكم الدولة الحسينية وقامت الجمهورية سنة 1957م.


(2)
الوصف الجغرافي
تشغل جمهورية تونس جزءاً صغيراً من المغرب العربي تبلغ مساحته نحو
000, 164 كم مربع ( نحو 000, 64 ميل مربع) وتقع بين خطّي عرض 30 و 37 شمالاً، وبين خطّي طول 8 و 11 شرقاً ( بالنسبة إلى غرينتش ).
تحيط بها ليبيا من الشرق والجنوب والجزائر من الغرب. ولها شاطئ على البحر المتوسط يبلغ طوله نحو 300, 1 كم، إذ يحفّ بها البحر من الشمال والشرق. وإذا استثنينا الأجزاء الجبلية فإن البلاد مستوية في سطحها، وقلما يتجاوز ارتفاع السهول فيها 350 متراً. أما المناطق الجبلية في الغرب فقد يبلغ ارتفاعها نحواً من 1300 متر. وأعلى جبال تونس هو جبل شامبي البالغ ارتفاعه 1550 متراً. وقد كانت البلاد، بحكم موقعها، نقطةَ التقاء بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبين البحر والبر، وبين الخِصب والجدَب ـ نقطة التقاء في الطبيعة والثقافة والعنصر والحضارة.
ونجد في هذه الرقعة الصغيرة من الأرض تنوّعاً في المناخ وفي طبيعة الأرض؛ فإلى الجنوب من خليج قابس. وفي منطقة الجريد تقترب الطبيعة والأرض من الصحراء بكثبان الرمل المنتشرة والجفاف والسَّبخات. وفي المناطق الغربية والشمالية الغربية نجد جزءاً من جبال الأطلس، هي امتداد للأطلس المغربي الجزائري. أمّا السهول التي تمتد في الشمال والشرق وتشمل سهل خليج تونس وخليج قابس ومنطقة بِنْزِرت فهي سهول رسوبية خصبة. وتتمتع منطقة بِنزرت بكمية معتدلة من المطر تبلغ نحو 630 ملم، أمّا حول تونس فقلّما يسقط من المطر أكثر من 460 ملم سنوياً. وقد تلفح الرياح الشرقية الجنوبية ( الصيفية ) هذه المنطقة بحرارتها وجفافها فتصبح وكأنها السُّهوب. ويبلغ سقوط المطر في مرتفعات الخرومير نحواً من 1500 ملم في السنة. وهذه المنطقة أغزر مناطق الشمال الإفريقي مطراً. ويمكن القول إجمالاً أن الشمال التونسي هو متوسّطيُّ المناخ.
والجبال التونسية هي نهاية للسلسلتين الأطلسيتين، على التوالي: التلّ الشمالي ( الخرومير ) وهي سلسلة قليلة العرض، والتلّ الجنوبي ( أو التلّ الأطلسي ) الذي هو امتداد لجبال الأطلس الجزائرية الصحراوية، وهذا الجزء من المرتفعات أعرض من الشمالي. وبين هاتين السلسلتين يمتدّ وادي مَجِرْدَة، ونهر مَجرَدة هو النهر الوحيد في تونس الدائم الجريان. ومساحته تبلغ نحواً من 000, 15 كم مربع وتربته خصبة سوداء، وهذا الوادي هو أغنى أجزاء البلاد التونسية، وأهميته في المشاريع الزراعية كبيرة.
وإلى الجنوب من سلاسل الجبال، وإلى الغرب من خليج قابس تقع السهوب الوسطى الممتدة من الساحل شرقاً والممتدة تدريجاً نحو الغرب. وقد ترتفع نحواً من 600 متر. واقتصاد هذه المنطقة هو اقتصاد المناطق الشبيهة بالصحراوية، لأنها لا تنال أكثر من 400 ملم من الأمطار. وساحل سوسه ـ وهو الامتداد الشرقي للسهوب المتاخمة للبحر ـ يقوم اقتصاده مبدئياً على زراعة الأشجار المثمرة التي تجود في هذه المنطقة التي تسمّى، مع امتدادٍ شمالي وجنوبي، « الساحل ».
وتلي منطقة السهوب، إلى الجنوب منطقة المنخفضات الجنوبية أو منطقة الشطوط، التي توجد فيها البحيرات المالحة ( تسمّى واحدتها شُطْ في تونس ) الموسمية، والتي تغطيها قشرة من الملح، لكن تحت هذه يوجد الماء العادي الصالح لريّ الأشجار. وأكبر الشطوط هو شط الجريد، الذي ينخفض 16 متراً عن سطح البحر ويمتد من على مقربة من البحر المتوسط إلى حدود الجزائر تقريباً. وإلى الشمال منه يقوم شط الرهارسة الذي ينخفض 21 متراً تحت سطح البحر. بالإضافة إلى هذين الشطين الكبيرين هناك شطوط نفثة والوديان والحمة.
وثمة منطقة تمتدّ نحو 320 كم من الشمال إلى الجنوب، تقع جنوبي منطقة المنخفضات، هي صحراوية، تبلغ مساحتها نحو 000, 50 كم مربع، وقلّما يسقط فيها أكثر من 150 ملم ( ويغلب أن يكون 100 ملم ) من الأمطار. وفي هذه المنطقة الجنوبية تقع جبال القصور الصخرية، وهي التي تفصل سهل جفّارة المصاقب للساحل جنوبي قابس، عن الأرض الرملية المنخفضة.
والجبال التي تنال قسطاً وافراً من مياه الأمطار، في الشمال الغربي من البلاد، تكسوها غابات الفلّين والبلّوط، أما حيث اجتَثّ الناسُ الغابات، على مدى العصور، فقد تَنبتُ الأنجم والأشجار والقزمة. والمنطقة الواقعة جنوبي الجبال مباشرة تصلح للحبوب، أما السهوب فتنتج الاسبرتو الذي يُستعمل في صنع الورق. والجنوب فيه واحات هي التي تفيد من مياه الشطوط، مثل توزر على شط الجريد. والاختلاف بين درجات الحرارة الصيفية والشتوية كبير في الجنوب التونسي بأكمله.

السكّان
قُدِّر عدد سكان تونس في سنة 1977 بنحو ستة ملايين نسمة، بمعدل 3, 36 نسمة للكيلومتر المربع الواحد، على تباين بين الشمال والجنوب. ويعيش أكثر هؤلاء في المنطقة الشمالية المعتدلة المناخ، ذات الأمطار. وقد قُدّر أن 10 0/0 من سكان البلاد يقطنون الحاضرة ( حول 1975 ) إذ بلغ عددهم 000, 550 نسمة. وإلى جانب العاصمة تقوم في شمال البلاد: بِنْزِرت ( 000 , 63 ) وسوسة ( 000, 70 ). والمدن الأخرى الكبيرة هي: صَفاقس ( 000, 171 ) والقَيروان ( 000, 55 ) وجربة ( 000, 70 ) وقفصة ( 000, 42 ) وقابس ( 000, 40 ).
وقد عرَفَتْ هذه الرقعة من الأرض وجود الإنسان مستقراً منذ حول سنة 000, 10 ق م أو قبل ذلك، وهذا هو الإنسان المعروف عنصرياً باسم جنس البحر المتوسط. لكن تونس لم تكن بمعزل عن الأقطار الأخرى، القريبة منها والبعيدة على حد سواء.
لذلك دخل في تركيب السكان عناصر مختلفة: جاءت من أوروبة في آخر الحقبات الجليدية، ثم في العصور القديمة والمتوسطة، وإن كان أثرها في جهات القطر مختلفاً؛ وجاءت من آسية بحراً وبراً، من لبنان وغير لبنان؛ وجاءها العرب في القرن السابع للميلاد، كما دخلتها العناصر التركية، ولو أنها محدودة.
وقد أفادت تونس لا من عناصر هؤلاء السكان فحسب، ولكن من المدنيّات والثقافات التي التَقَت فوق ترابها؛ فالفينيقيون واليونان والرومان والمصريون القدماء والليبيون والبربر والعرب ـ وكلٌّ له في الحضارة مشاركة وفي الثقافة إسهام ـ نقلوا ما كان عندهم. وكانت تونس بوتقة لهذه كلّها، التَقَت واختلطت وامتزجت واختبرت وجرّبت، وأخيراً أصبحت جزءاً من الشخصية التونسية الفكرية والروحية والأدبية. وكانت وسيلة التعبير التي استخدمتها نهائياً هي اللغة العربية، وكان المصدر الروحي الذي قَبِلَته هو الإسلام. لكن الاختبارات الأخرى لم تذهب هدراً، ولم تسمح تونس لنفسها بأن تنساها أو تخنقها؛ فتونس هي التي أعطت العالم القديس أُغسطين، وهي التي وهبت للفكر أسد بن الفرات، وابن سحنون، وقدمت للأدب ابن رشيق وللعلم ابن الجرّاح.

تونس في التاريخ
بدأ ظهور تونس على مسرح التاريخ الواسع لمّا أصبحت قرطاجة ( أُنشئت في القرن التاسع ق م على أيدي الفينيقيين ) قوية بحيث أنها تمكّنت من السيطرة التجارية والبحرية على سواحل البحر المتوسط الجنوبية الغربية وجزيرة صقلية، كما كانت لها مراكز تجارية هامة حتّى الشواطئ الجنوبية الغربية من إيبريا ( في أواسط القرن السادس ق م ). وبلغت أوج عظمتها في القرن الرابع ق م، إذ دخلت يومها في منافسة عنيفة مع روما، النجم الجديد في البحر المتوسط الغربي. وقد انتهت الحروب البونية ( 218 ـ 201 و 149 ـ 146 ق.م ) بتدمير قرطاجة التي أصبحت ولاية رومانية. وقد ظلت المدينة مهملة قرناً ونصف القرن حتّى أعاد أغسطوس قيصر ( 27 ق.م ـ 14 م ) تعميرها، وعاد إليها ازدهارها بحيث أنها أصبحت، في القرنين الأوّلين للميلاد، المدينة الثانية في الأمبراطورية بعد رومة. ولكنها عادت إلى مدينة عادية بسبب انحطاط الأمبراطورية في الغرب.
وفي سنة 439 م احتلّها الفندال واتّخذوها عاصمة لهم إلى أن استعادتها بزنطية ( 533م ). وفي القرنين ونصف القرن التي تَلَت ذلك كانت تونس تعاني ما كانت تعانيه مناطق الشمال الإفريقي من تمرّد الحكّام المحليين على السلطة البزنطية والخلافات الدينية المسيحية التي قامت في المنطقة.

في القرون الإسلاميّة
في أواسط القرن السابع للميلاد فتحت الجيوش الإسلاميّة البلاد التونسية، فيما فتحته من أقطار المغرب. ولن يتسع المجال هنا لتفصيل ما أصاب البلاد التونسية بين الفتح العربي والفتح العثماني، لكننا لابد لنا من عرض موجز لتطور البلاد الحضاري والسياسي.
ويمكن القول إجمالاً أن تونس في عصر الولاة ( 27 ـ 184 هـ / 647 ـ 800م ) مرّت بفترة حروب وثورات، فإن الأمر استقر للعرب أخيراً، وأخذت اللغة العربية والإسلام بالانتشار. وهذه الفترة تذكّر دوماً ببناء مدينة القيروان ( التي أصبحت عاصمة الشمال الإفريقي وحتى اسبانية لبعض الزمن بعد فتحها )، وتأسيس أول دار لصناعة السفن قرب قرطاجة القديمة، وبناء جامع الزيتونة في مدينة تونس.
وفي سنة 184 هـ / 800م قامت دولة الأغالبة التي كانت تتبع الخلافة العباسية، إلاّ أنها كانت مستقلة في إدارتها. هذا الدور امتدّ إلى 298 هـ / 909م، وفيه فتح الأغالبة صقلية ومالطة، وحَظِيَت تونس (وأصبحت تُسمّى إفريقية عند جغرافيّي العرب ) بعمران وافر، فكثر البناء ووسع جامع الزيتون في تونس، وأصبحت القيروان مركزاً كبيراً للعلم وبُنيت مدينة وقادة.
في سنة 297 هـ / 909م قامت في تونس الدولة الفاطمية ( عاصمتها المهدية التي بناها المهدي )، وظلت الدولة هناك حتّى انتقالها إلى مصر ( 360 هـ / 970 م ). وخلّفتها الدولة الصنهاجية ( 362 ـ 543 هـ / 973 ـ 1148 م ). إلاّ أن تونس زحفت إليها قبائل بني هلال وبني سُليم ( 440 ـ 443 هـ / 1048 ـ 1051 م )، وكانت نتيجة ذلك الأضرار التي لحقت الكثير من المدن وبخاصة القيروان، غير أن هذا الزحف أدى إلى تعريب المنطقة.
وقد أنقذ تونس من الفوضى الحكمُ الموحِّدي ( 555 ـ 626 هـ ) الذي جاء على يد عبدالمؤمن بن علي مؤسس دولة الموحِّدين في المغرب الأقصى (3). وفي أيامهم أصبحت مدينة تونس عاصمة البلاد. وقد نُظّمت الإدارة ووُضع حدّ للثورات. وقد عهد الموحدون إلى عبدالواحد الحفصي بإدارة البلاد، فكان أنه لما تولّى أبو زكريا الحفصي الأمر قطع الخطبة للموحدين وجعلها لنفسه، وبذلك قامت دولة الحفصيين ( 626 ـ 981 هـ / 1228 ـ 1574 م ).
وكان الحفصيون إلى جانب اهتمامهم بالإدارة والحكم، يعنون بالموارد الاقتصادية في البلاد زراعة وتجارة وصناعة، كما شجع أكثر ملوكهم العلم والأدب؛ فإلى أيامهم يرجع إنشاء المدارس النظامية ودُور الكتب ( كان لأبي زكريا مؤسس الدولة مكتبة في قصر بالقصبة فيها ستة وثلاثون ألف مجلد ). وأقبل الناس على زيارة العاصمة التونسية للاستزادة من العلم والأدب. وفي العصر الحفصي ظهر ابن خلدون ( تُوفّي سنة 808 هـ / 1405 م ).
كان القرن السادس عشر الميلادي قرن خصومة ومنافسة ونزاع للاستيلاء على تجارة البحر المتوسط والسيطرة على شواطئه. وكانت إسبانية قد احتلت غرناطة ( 1492م ) ـ فأخذت ترنو إلى الشمال الإفريقي. كما كانت الدولة العثمانية في عزّ مجدها وقوتها، وكانت المنافسة بين هاتين القوتين كبيرة. وقد استولت اسبانيا على بجاية وطرابلس وجربه ( مطلع القرن السادس عشر ) لكن الدولة العثمانية استقرت في الجزائر. ودارت بين 1516 م و 1574 م معارك بحرية كبيرة بين العثمانيين والإسبان، في شمال إفريقية ومالطة ومعركة لبنتو ( 1571 م )، انتهت بأن استولى العثمانيون على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط ( وكانوا قد احتلوا سورية ومصر سنة 1516 م و 1517 م ) من غرب الجزائر إلى الحدود المصرية. وهكذا ففي سنة 981 هـ / 1574 م دخلت القوات العثمانية البحرية والبرية ( من طرابلس والجزائر ) تونس، وأصبحت البلاد ولاية عثمانية.
احتلّت الدول العثمانية تونس ( 1574 م )، وعندها وضع سنان باشا القائد الفاتح نظاماً لإدارة البلاد قوامه والٍ ( برتبة باشا ) هو الحاكم العام للبلاد، يعاونه رئيس للإنكشارية ( وعددهم أربعة آلاف جندي )، والباي وهو المشرف على الشؤون المالية، ورائس وهو المشرف على شؤون الولاية البحرية. وضمّ هؤلاء جميعاً ديوان يفصل في شؤون الجند وتدبير الولاية. وقد يحضر الديوان بعض الأعيان بصفة استشارية. ولم يصمد هذا التنظيم أمام ثورة الجند، فاتفق الوالي وكبار الضباط وقرروا أن يعهد إلى « الداي » بالإشراف على الإنكشارية وتأمين سير الأمور في المدينة. حدث هذا سنة 1590م. وقد قام على شؤون البلاد دايات إلى سنة 1650م. ونعمت البلاد في أيامهم، على العموم، بقسط وافر من الثراء والأمن والتقدم، فقد هبط تونس بين 60 و 80 ألفاً من مهاجرة الأندلس ( إذ أخرجهم الإسبان قسراً من ديارهم ) انتشروا في أكناف البلاد يشيّدون القرى وينشئون المزارع والبساتين. وقد مصّروا أو عمّروا من البلدان سليمان وقرنبالية والجديدة وزغوان وطبرقة ومجاز الباب وتستور وقلعة الأندلس وغيرها. واستوطن عدد منهم العاصمة وأنشأوا أسواقاً للصناعات التي حملوها معهم كصناعة الشاشيّة ( الطربوش القصير ) ونسج الحرير ونقش الرخام والحفر عليه وعمل الجبس وصنع الزليج ( القاشاني ). واهتم الدايات بالأسواق والصناعات، وإصلاح الحنايا ( القني ) الحفصية الأصل وإحداث الحصون وإقامة الجسور. وكانت لتونس تجارة خارجية لا يستهان بها، خاصة في القرن السابع عشر، مع مدن إيطالية وبلاد هولندا وانكلترا. وكانت تونس وبنزرت وجربة الموانئ الرئيسة للتجارة الخارجية.
وعلى نحو ما اختفى نفوذ الوالي ( الباشا ) أمام سلطة الداي، تقلّص نفوذ هذا أمام الرجل الجديد الذي تولّى السلطة وهو الباي، المشرف المالي أصلاً، والحاكم الفعلي الآن، الذي يحصل على موافقة الباب العالي في استانبول، ويُمنَح رتبة الباشاوية. وعهد البايات الأول يسمّى العهد المرادي، ويمتد من 1640 إلى 1705 م. وقد بدأ العهد بداية طيبة، فأُعيد الأمن إلى البلاد، ونُظّمت مواقع الجند ومراكزهم، وبُنيت الزوايا والمساجد، وأنشئ مارستان في الحاضرة وشُيّدت القنطرة القائمة على نهر مجرّدة. إلاّ أن الخصام والنزاع دَبّا بين أفراد العائلة ونَشِبَت حروب أهلية، وغزت الجزائرُ البلاد، فتعثّرت الأمور تعثراً كبيراً وملّ الناس الظلم والقتل والتشريد والتعسف والاستبداد، فنادوا ـ بطيب نفس واختيار منهم ـ بحسين بن علي التركي آغا أوجاق ( أي آمر فرقة ) باجة، وسلّموا له أمر الولاية العامة، وأقرّت الدولة العثمانية ولايته. وكان ذلك سنة 1705م، وهو التاريخ الذي بدأت الدولة الحسينية حكم تونس. ( البيت الحسيني ظل يحكم البلاد التونسية، على تباين في مستويات النفوذ ودرجات السلطة، حتّى سنة 1957 على ما سيمر بنا ).
والدور الأول من العهد الحسيني يوصلنا إلى سنة 1937.
ولسنا ننوي أن نؤرخ للولاة أفراداً ولكننا لابد أن نلمّ بما جرى في هذه الفترة ( 1705 ـ 1837 م ). أمّا العلاقة مع الجيران فقد كانت سيّئة، فكثرت حملات الجزائريين والطرابلسيين على تونس، الأمر الذي كان سيّئ الأثر اقتصادياً وسياسياً. يضاف إلى ذلك أن البلاد شهدت ثورات ضد الحكام، بعضها كانت بين أفراد البيت الحاكم. ومع ذلك تقدّمت تونس في أيام محمود باي ( 1814 ـ 1824 م ) وحسين باي ( 1824 ـ 1835 م )، وكان الثاني عوناً لأبيه منذ أن تولّى الأول الحكم ( لأنه كان متقدماً في السن )، فقد ترقّت تونس واتّسع نطاق عمرانها، فكان فيها « معالم عمومية » كثيرة في داخل الحاضرة « 17 جامعاً للخطبة وعشرون مدرسة كبرى و 115 مكتباً للمبتدئين، عدا الزوايا والسَّبايل والتكايا والمستشفى ».
ومع أن تونس كانت ولاية عثمانية فإن نفوذ الدولة العثمانية في الايالات المغربية الثلاث ( طرابلس وتونس والجزائر ) كان ضعيفاً. وكان بايات تونس يظهرون بمظهر الفخامة، وكانت فرنسا تشجع التصرف المستقل للبايات، لأن هذا في مصلحتها، ومن ثم فالمعاهدات التي عُقدت بين فرنسا وتونس ( وكانت عادة تعقب خلافات أو حملات ) مثل سنة 1768م و 1816م وغيرهما، عُقدت بعيداً عن الدولة. وكانت فرنسا قد أفادت من الامتيازات التي منحها سليمان القانوني لفرنسوا الأول ( 1535م ) فطبّقتها يومها في تونس، وعيّنت قنصلاً لها فيها منذ سنة 1577. ولكن الصفة العامة للعلاقات التونسية الفرنسية في هذه الفترة هي نشاط وحسن جوار. وكانت لتونس متاجرات كثيرة مع الخارج، وبخاصة فرنسا وإيطاليا، وكان ذلك يتم عن طريق تونس وطبرقة وسوسة وجربة. وفي زمن محمود باي ( حكم 1814 م ـ 1824م ) انتفى الرقّ من الأراضي التونسية، إذ قبل الباي بمقررات مؤتمر اكس ـ لا ـ شابل ( آخن ) الذي انعقد سنة 1818م وقرر القضاء على الرقّ.
في عام 1830 م أنزلت فرنسا جُندَها في الجزائر وبدأت عملية احتلالها واستعمارها. وهذا الحادث كان هاماً بالنسبة إلى تونس. ذلك أن فرنسا، كما كان يقال عنها فيما بعد، أنّها باحتلالها الجزائر خلقت مشكلتين ـ المشكلة التونسية والمشكلة المغربية ـ وقد ظلت فرنسا لحل كل من المشكلتين مدة طويلة حتّى حلتهما لمصلحتها فاحتلت تونس ( 1881 م ) والمغرب ( 1912 م ).
في الوقت الذي كان فيه محمود الثاني سلطان تركية ( توفي 1839م ) وخلفاؤه يحاولون إصلاح تركية، وكان محمد علي باشا ( 1805 ـ 1849 م ) يفتح أبواب مصر للمدنيّة الغربية، كانت تونس تسير على طريق المدنيّة الحديثة بخطى حثيثة. حكامها كانوا مأخوذين بذلك، وبعض وزرائهم كانوا مؤمنين بمثل هذا الخطو.
وكان البايات الذين حكموا تونس في هذه الفترة ثلاثة هم: أحمد باي ( 1837 ـ 1855 م ) ومحمد باي ( 1855 ـ 1859 م ) ومحمد الصادق باي ( 1859 ـ 1883 م ). وقد اهتم الأول بالإدارة بعامة وبالجيش وبالأسطول بخاصة وأنشأ المكتب الحربي وأنشأ المحمدية على غرار فرساي ( بعد زيارته لفرنسا سنة 1846 م )، وأبطل الرقيق وأعتق المماليك الموجودين في الايالة، لكن أعماله اقتضت نفقات لم يكن للدولة بها قِبَل، فأحدثت ضرائب جديدة واحتكرت تجارة الملح والصابون والدخان والجلد، فكان من ذلك ضيمٌ لَحِق بالناس. وفي أيام خلفه محمد باي ( 1855 ـ 1859 م ) احتفل بالجيش، لكن الأهم من ذلك صدور عهد الأمان والمجلس الشرعي والمجلس البلدي للحاضرة وإدخال الطباعة العربية الحديثة إلى البلاد.
ومع أن محمد الصادق باي ( 1859 ـ 1882 م ) كان عاقد النية على الاصلاح أصلاً، فقد كان فريسة أهواء وزرائه. ومع أن خير الدين كان أحد الوزراء، ثم رئيساً للوزارة ( 1873 ـ 1877 م )، فإن أثره الرسمي لم يكن كبيراً، لكن أثره الاصلاحي كان أكبر. ومع ذلك حصلت تونس في عهد الصادق باي على دستور لتطبيق نصوص عهد الأمان، وفُتحت المدرسة الصادقية وعُني بجامع الزيتونة وأنشئت الرائد التونسي. والمكتب الحربي ( أو مكتب المهندسين ) أنشئ سنة 1840م بقصد اعداد الضباط الفنيين للخدمة في الجيش ( على نحو ما كان يقوم به محمد علي في مصر )، ومع أن المكتب لم يعمّر طويلاً فقد كان له أثر كبير، إذ أُتيح لأستاذ عظيم من علماء الزيتونة هو الشيخ محمود قبادو بالامتزاج بأفراد من أساتذة الغرب ـ إيطاليين وفرنسيين وبريطانيين ـ فكان ذلك مجالاً لأن يحدث « احتكاك بين العقلية الغربية والعقلية الإسلامية ». وقد نقل قبادو بعض الآراء إلى زملائه في الزيتونة بعد أن أقفل المكتب. ولعلّ أهم ما جاهر به قبادو فيما بعد هو حاجة العالم الإسلامي إلى العلوم الحِكَمية والرياضية. ولعلّ أبرز المصلحين في تونس في تلك الأيام هو خير الدين التونسي ( 1810 ـ 1879 م )، وقد أوضح آراءه في كتابه « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك »، وخلاصة ما ذهب إليه أن أهل أوروبة بلغوه ما بغلوه بسبب التقدم في « العلوم والصناعات وبالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي »، وهذا ما يحتاجه المسلمون. ويعود إلى خير الدين الاهتمام بالمدرسة الصادقية ( 1876 م )، وهي مدرسة كان القصد منها أن تعلّم العلوم العصرية واللغات الأجنبية.

الاستعمار الفرنسي
إلا أن تونس وقعت تحت طائلة ديون كثيرة ( على نحو ما حدث في مصر في الوقت نفسه ) وأُنشئت اللجنة المالية ( القومسيون المالي ) سنة 1868 م لترتيب دفع الفوائد على الأقل.
( في السنة نفسها أُلغي الدستور ). وكانت فرنسا في الواقع تريد أن تحتل تونس، لكن بريطانيا وإيطاليا وقفتا لها في الطريق. فلما التأم مؤتمر برلين ( 1878 م ) دُبّرت فيه الأمور، فوافقت فرنسا على أن تستأجر بريطانيا قبرص من الدولة العثمانية مقابل أن تطلق هذه يد تلك في تونس. وكان بسمارك يريد تشجيع فرنسا على مغامرة استعمارية تلهيها عن الحرب البروسية الفرنسية. ولذلك فإن فرنسا احتلّت تونس ( 1881 م ) وعقدت معاهدة اعتُبِرت موقتة مع الباي محمد الصادق. فلمّا توفي الباي ( 1882 م ) وخلفه علي باي عقد، مرغماً، مع فرنسا ( بواسطة الوزير المقيم كومبان ) معاهدة المرسى التي نصّت على حماية فرنسا على تونس ( 1883 م ).
كانت الحماية الفرنسية على تونس استعماراً تاماً مُقنَّعاً أول الأمر تكشّفت حقيقته إذ بدت الأساليب المستعملة لتحقيق أطماع فرنسا واضحة؛ ففرنسا لم تكن لتكتفي بالسيطرة على شؤون البلاد ومواردها، بل أرادت أن تجعل منها منطقة ينتقل إليها الفرنسيون للإقامة والاستيطان الدائمين. ولذلك اتبعت سياسة تتلخص فيما يلي:
1 ـ جعلت جميع الوظائف ذات الأهمية في الإدارة بيد الفرنسيين، وشجّعت الفرنسيين على قبول ذلك عن طريق منحهم علاوات مختلفة ( سكنية وتعليمية وصحية وتعويضات سفر وما إلى ذلك ) بحيث إن الموظف الفرنسي العامل في تونس كان له ثلاثة وأربعون صنفاً من العلاوات، وكانت مرتبات الموظفين تبلغ 75 0/0 من موازنة الدولة التونسية 1951 م ). واستُغني عن اللغة العربية في الإدارة والتعليم الرسمي، ووضعت اللغة الفرنسية مكانها.
2 ـ مكّنت الإدارة الفرنسية للمعمرين الفرنسيين ( وكان بينهم نحو 5 0/0 من الأوربيين ) من الحصول على مساحات شاسعة من الأرض. فأراضي الدولة بِيعت لهم بأسعار بخسة وعلى أقساط طويلة الأمد. والغابات عوملت بالأسلوب ذاته. بل أن بعض أراضي الأوقاف بُدّلت بعقارات في المدن كي يمكن بيعها للفرنسيين. وكانت شركة الأنفدا الفرنسية قد ابتاعت قطعة واسعة من الأراضي في الشمال التونسي ( نحو 000, 100 هكتار ) قبل الاحتلال. أما بعد فرض الحماية فقد شُجِّع على شراء الأراضي بالطرق الخاصة، وهذا تمركز في سهول حاضرة تونس وبنزرت وماطر. أما الذي أشرنا إليه من البيع الرسمي فقد كان أكثره في الوسط والجنوب. وقد استطاع المعمرون، حتّى قيام الحرب العالمية الثانية، من تملك 000, 540 هكتار ( منها نحو 000, 14 للأوروبيين ) بالطريقة الخاصة، بينما الاستعمار الرسمي وضع تحت تصرفهم ما يزيد عن 000, 600 هكتار. ومعنى هذا أنه كان للمعمرين، وغالبيتهم الساحقة من الفرنسيين، نحو 30 0/0 من الأراضي الصالحة للاستغلال في القطر التونسي.
3 ـ بالإضافة إلى تملّك الأرضين الجيدة جَعَلت فرنسا موارد الاقتصاد التونسي بيد الفرنسيين ـ الصناعات الرئيسة وتجارة الصادر والوارد ووسائل المواصلات واستغلال الفوسفات ـ كانت جميعها حكراً على الفرنسيين ( كانت التجارة الخارجية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، 61 0/0 بيد الفرنسيين شركات وأفراداً ).
4 ـ جعل التعليم فرنسيَّ الصبغة رسمياً. والتعليم الخاص تُرك حراً، لكن دون عون مالي. في سنة 1950م كان ثمة مكان لـ 000, 134 طالب ( وطالبة ) في المدارس الرسمية، ووسعت المدارس الخاصة 000, 30 طالب. أما العدد الذي كان يجب أن يوجد له مكان للتعليم الابتدائي فهو 000, 600 طالب. أي أن المدارس جميعها وسعت 29 0/0 من العدد الأصلي. ومن مجموع الطلاب في المدارس الرسمية كانت نسبة الفرنسيين 22 0/0 ( كان عدد السكان الفرنسيين في تونس جميعها لا يتجاوز 5 0/0 من مجموع السكان ). ووُزِّعت المدارس الرسمية توزيعاً غير عادل على أنحاء البلاد؛ ففيما كانت المدارس أكثر عدداً حيث توجد الجماعات الفرنسية ( في المناطق الشمالية ) كانت أقل عدداً في الجنوب. أما التعليم الثانوي فكان كله بيد الإدارة الفرنسية. ومثل ذلك يقال عن « معاهد الدراسات العليا » ( وكانت هذه مقصورة على الآداب والقانون ). وحتى جامع الزيتونة أراد الفرنسيون التدخل في شأنه ادعاءً منهم أنهم يريدون إصلاحه لتكون خدمته للعلم انفع!
ومع أن التونسيين قاموا بثورات بُعَيد الاحتلال الفرنسي، وكذلك قاموا بثورة في مطلع الحرب العالمية الأولى، فإنهم فضّلوا العمل السياسي المنظم. وبعد حركتين أُوليتين على يد الشيخ محمد السنوسي والشيخ المكي بن عزوز ( نُفي الأول وأُرغم الثاني على الهجرة ) بدأ العمل السياسي المنظم سنة 1905 م على يد جماعة « الحاضرة »، لكنه اتّخذ شكلاً أكثر تنظيماً في 1908م لما قام حزب « تونس الفتاة »، وكان علي باش حمبه المنظِّم له ( حتّى سنة 1911م إذ نُفي من البلاد ). وفي سنة 1919م رغب بعض الساسة من الإفادة من مؤتمر الصلح ( 1919م ) فنظموا أمورهم، ونشأ عن ذلك الحزب الدستوري برياسة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي.
وقد تقدم الحزب إلى الحكومة ( إلى الباي الذي كان لا يزال الرأس الاسمي للحكومة التونسية مطالباً بإنشاء مجلس تشريعي مختلط الأعضاء ( تونسيين وفرنسيين ) وحكومة مسؤولة أمامه، والفصل بين السلطات الثلاث والسماح للتونسيين أن يُوظَّفوا في حكومتهم ) وشراء الأراضي من إدارة الشؤون الزراعية ( أسوة بالعمَّرين الفرنسيين! ) وتقرير حرية الصحافة وجعل التعليم إلزامياً. وقُدّمت مذكرة إلى الرئيس الأميركي ولسن ( في باريس ) طالَبَ الحزب فيها باستقلال تونس.
وتظاهرت الحكومة بقبول بعض المطالب ( فصل السلطات وحرية الصحافة ) لكن الأمر لم يَطُل، وضغطت الحكومة على أعضاء الحزب فأخذ البعض يخرج من البلاد، ومنهم الثعالبي نفسه الذي غاب عن بلاده من 1923 إلى 1937. وفَتَرت عزيمة الحزب وأعضائه، فقام شباب جديد بمهمة تنظيم جديدة سنة 1934م فأنشأوا الحزب الدستوري الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة. وكان للحزب تقديم مذكرات وتنظيم مظاهرات، وتحمَّل أفراده النفي والحبس والتشريد ( بخاصة بين 1936م و 1938م ). ولكنه عمل سراً واحتفظ بتنظيمه الذي شمل البلاد في خلايا عديدة. وبعد أن سمح له بالعودة نظّم مؤتمراً وطنياً ( 1946م ) حضره الحزبان الدستوريان ( القديم والجديد ) وأساتذة الزيتونة والاتحاد التونسي لموظفي الحكومة واتحادات العمال ( وبهذه المناسبة فإن تونس كانت في مقدمة الأقطار العربية التي قامت فيها تنظيمات عمالية نقابية في أعقاب الحرب العالمية الأولى ). وأصدر المؤتمر الوطني بياناً حدد فيه أهداف العمل الوطني جاء فيه « ويعلن عزم الشعب الثابت على استرجاع استقلاله التام، والانضمام ـ كدولة ذات سيادة ـ إلى جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة والمشاركة في مؤتمر الصلح ».
وأمام إصرار الشعب على الحصول على الاستقلال، قامت فرنسا ببعض اصلاحات وتعديلات؛ فزادت عدد الوزراء في الحكومة بحيث تساوي أهل البلاد مع الأجانب، وصارت رئاسة مجلس الوزراء إلى تونسي وأخذت تعيّن تونسيين في المناصب الكبرى. وفي سنة 1950م نشرت الحكومة برنامجاً للإصلاح، فاشترك الحزب الدستوري الجديد في الوزارة لتطبيق البرنامج.
إلا أن مقاومة المعمرين اشتدت فوقف العمل في اتجاه الحكم الذاتي، وتوقفت الحكومة، وابتعد الوطنيون عنه بطبيعة الحال. وبين 1951م و 1954م تعرّضت البلاد لسجن زعمائها وفرض الأحكام العسكرية فيها ( 1952 م ) وقيام الإرهاب على يد المنظمة التي أنشأها المعمرون ( سَمَّوها الكفّ الأحمر ) ورد الفعل التونسي بقيام « الفلافة ». ولم يطرأ على الوضع تغيير حتّى تولى رئاسة الوزارة الفرنسية منديس ـ فرانتس ( 1954 م ـ تموز / يوليو ) فعرض على تونس الحكم الذاتي، وبدأت المفاوضات في الخريف، ومع أنها توقفت إذ سقطت الوزارة الفرنسية، فإنها استُؤنفت، وتم الاتفاق في حزيران ( يونيو ) 1956م على أن يكون لتونس حكم ذاتي، على أن يحافظ على المصالح والعلاقات الفرنسية، وعلى أن تحتفظ فرنسا بمسؤوليتها عن الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الداخلي. على أن هذا كله لقي الرفض من المعمرين والزعماء الوطنيين، وعادت أعمال الإرهاب.
وأخيراً، ورغبة في التوصل إلى نتيجة، عادت المفاوضات في باريس بين بورقيبة والحكومة الفرنسية ( شباط / فبراير ـ 1956م ) وانتهت في 20 آذار ( مارس ) 1956م بإعلان استقلال تونس وحقها في ممارسة المسؤولية في الشؤون الخارجية والدفاع والأمن، على أن تُسحَب القوات الفرنسية من البلاد، بما في ذلك بِنزِرت، خلال فترة انتقالية، وانتُخبت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور. ( يجب أن يُذكَر هنا أن مما عجّل في قضية منح تونس استقلالها هو استقلال المغرب في السنة ذاتها، واحتدام الثورة الجزائرية في ذلك الحين، التي بدأت في 1 تشرين الثاني / نوفمبر 1954م ).
وتلكّأت فرنسا في سحب قواتها من تونس وتعلّلت بالثورة الجزائرية، وأدى الأمر إلى تصادم بين التونسيين والجنود الفرنسيين. وبعد أخذٍ وردّ وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتوسّط الدول الغربية في الأمر، وتولّي ديغول السلطة ( حزيران / يونيو ـ 1958م ) وقعت اتفاقية انسحبت بموجبها القوات الفرنسية ( إلى تشرين / اكتوبر ـ 1958م ) من تونس باستثناء تلك المرابطة في بنزرت. وقد تمّت ثلاثة أمور سياسية هامة في أواخر الخمسينات. أولها وضع حد للأسرة الحسينية؛ ففي 25 تموز/ يوليو ـ 1957م قرر المجلس التأسيسي إلغاء الملكية وإعلان تونس جمهورية. ( وهكذا ظلت الأسرة الحسينية تحكم تونس ـ عملاً أو شكلاً ـ من 1705م إلى 1957م ). وثانيها أن تونس انضمّت إلى جامعة الدول العربية ( تشرين الأول / اكتوبر ـ 1958م ). إلا أن علاقة تونس مع مصر لم تكن جيدة دوماً، ولذلك فإن الأولى كانت تقاطع الجامعة كثيراً منذ دخولها حتى حرب حزيران ( يونيو ) 1967م.
والأمر الثالث هو سَنّ دستور جديد لتونس ( 1959م ) أساسه الحكم الرئاسي على أن يُنتخَب الرئيس لخمس سنوات ويمكن تجديد انتخابه ثلاث مرات متوالية.
وطلبت الحكومة التونسية من فرنسا أن تسحب قواتها من بنزرت، لكن فرنسا ترددت، فوقع القتال بين الفريقين في صيف 1961م، وقُتل فيه عدد من التونسيين ( نحو 800 ) ومن الجنود الفرنسيين. وعاد الفريقان إلى طاولة المفاوضات، ولمّا توقف إطلاق النار في الجزائر ( آذار / مارس ـ 1962م ) تسارعت المفاوضات التونسية الفرنسية. وفي صيف ذلك العام انسحب الفرنسيون من بنزرت وسلّموا منشآتهم العسكرية إلى الحكومة التونسية.
وسَنّ المجلس الوطني التونسي تشريعاً ( 1963م ) أذن بموجبه للحكومة في أن تستملك جميع الأراضي التي يملكها أجانب في البلاد ومساحتها نحو 000, 750 هكتار. وفي السنة التالية اتجه الحزب الدستوري ( الجديد ) نحو الأخذ بالمبادئ الاشتراكية فغيّر المؤتمر الوطني اسم الحزب إلى الحزب الدستوري الاشتراكي، إلاّ أن سياسة التعاونيات الزراعية ( 1964 ـ 1969م ) لم تنجح تماماً، ورجعت الحكومة عنها تدريجاً.
ومع السير نحو توطيد دعائم الاستقلال في تونس فإن ثمة مشكلات تعترض السبيل. وأهم هذه التزايدُ في عدد السكان وفقر القطر التونسي نسبياً، والمواقف السياسية الخارجية بالنسبة إلى تونس.

الوضع الاقتصادي
تشغل تونس 000, 164 كم من الأرضين. وقد كان عدد السكان، في أواسط سنة 1975 ( 000, 588, 5 ) نسمة، وكان أكثر من النصف دون الخامسة والعشرين من سنّهم. وقُدّر عدد السكان ( 1977م ) بنحو ستة ملايين، ومعنى هذا أن الزيادة السكانية هي 65, 2 0/0 سنوياً. ومع أن أكثر سكان المدن والقسم الأكبر من سكان الريف يقطنون المناطق الساحلية، ومع أن المناطق الوسطى والجنوبية تشكو من الجفاف وضعف التربة، فإن تزايد السكان فيها أكبر منه في الشمال. ( كان عدد سكان تونس في أعقاب الحرب العالمية الثانية / 000, 230, 3. وكان منه 000 , 780 , 2 من سكان البلاد الأصليين. وأكبر مركز مدني في البلاد هو تونس وجارتها حلق الواد. ويقطن في هذه المدينة نحو 000 , 50 أوروبي أكثرهم من الفرنسيين ( كان في البلاد التونسية حول سنة 1950م ما يقرب من 000 , 400 أوروبي نحو ثلثيهم كانوا فرنسيين أصلاً والباقي متجنسون بالجنسية الفرنسية ) وقد أظهرت إحصاءات سنة 1977م أن ما يزيد عن 000, 300 تونسي يعملون خارج البلاد.
إن تطور تونس في السنوات الأخيرة فيه ما يدعو إلى الإعجاب، إذ أن معدل دخل الفرد هو 850 دولاراً في السنة. وقد زاد الدخل القومي زيادة لا بأس بها أيام كانت أسعار الفوسفات العالمية مرتفعة. إلاّ أن هبوط أسعاره أثر على الدخل القومي العام. وعلى أن البلاد تعاني من البطالة ( بلغ عدد العمال العاطلين عن العمل في خريف 1977م هو 000 , 250 ).
الزراعة: يُعتمَد على الزراعة بين 60 0/0 و 70 0/0 من سكان تونس، وتُقدَّر حصة الزراعة في الإنتاج القومي بنحو 17 0/0 فيما تُزوِّد الزراعة الواردات التونسية بنحو 40 0/0 من قيمتها. ويمكن القول إجمالاً أنه في السنوات التي تغزر فيها الأمطار، تزود الزراعة البلاد بفائض للتصدير، أما في سنوات الجفاف التي تعتور البلاد كثيراً وفي فقرات متباينة، فإن الإنتاج الزراعي ينقص إلى حدّ يؤدي إلى نَفاق نحو نصف حيوانات البلاد. فعلى سبيل المثال كان منتوج القمح السنوي بين 1948م و 1957م حول 000 , 670 طن متري، لكنه وصل إلى 000 , 165 طن سنة 1961م. وكان لابد من استيراد القمح للأكل، الأمر الذي يرهق موازنة الدولة. وتبلغ مساحة الأراضي الصالحة للاستغلال في البلاد نحو 000 , 000 , 9 هكتار. وتقسم الأراضي هذه، من الناحية الزراعية، إلى خمس مناطق هي: الشمال بجباله والأودية الواسعة الخصبة التي تضمّها؛ الشمال الشرقي حيث تصلح التربة بخاصة لزراعة البرتقال وغيره من الأثمار الحمضية؛ والساحل حيث ينمو الزيتون؛ والوسط بهضابه المرتفعة ومراعيه والجنوب بواحاته حيث تكثر أشجار النخيل. والحبوب الرئيسة هي القمح وهو أهم منتوج زراعي والشعير ثم تأتي الذرة والشوفان والذرة البيضاء. وللأشجار المثمرة دور هام في البلاد التونسية ـ الكَرْم والتين، بالإضافة إلى ما ذكرناه قبلاً.
وبسبب المراعي الجيدة ـ إذا جادت السماء عليها بالمطر ـ فإن تونس غنية بالأنعام؛ فقد كان فيها ( 1977م ) نحو 6 , 3 ملايين من الخِراف، ونحو مليون من الماعز، ونحو 000, 900 من الأبقار، وأكثر من مئة ألف من الخيول، ونحو مئتي ألف حمار ومثل ذلك تقريباً من الإبل. وجبال تونس فيها الصنوبر الألبي والسنديان والفلّين.
وهناك عناية لتحسين الإنتاج الزراعي عن طريق مكننة الزراعة وتحسين الأنسال ( وهذا ينطبق على الأنعام أيضاً ) وتزويد الفلاحين بالأسمدة والبذور وتنويع الزروع، وإرشادهم زراعياً وتقديم القروض المعقولة لهم.
ومما يدخل في تحسين الزراعة في البلاد إقامة السدود لحجز المياه وتوزيعها. وأكبر المشاريع هي: سدّ بوهرتمة في جندوبة، وسدّ سِيدي سالم وسدّ سِيدي سعد قرب القيروان. والأراضي التي يرويها تُقدَّر مساحتها بمئتي ألف هكتار.
والشواطئ التونسية غنية بالأسماك المنوعة الجيدة. ويعمل في صناعة الأسماك ما يزيد عن عشرين ألف عامل. ومركز الصناعات السمكية هي صفاقس. وتُصدَّر كميات كبيرة من أسماك تونس إلى الخارج.
كانت ملكية الأرض التقليدية في تونس تقوم على واحد من الأسس التالية: ملكية خاصة يتصرف بموجبها المالك بأرضه تصرفاً حراً. والحُبوس ( الأوقاف في المشرق ) التي وَقَفها أصحابُها على مؤسسات إسلامية ( وتدخل في عدادها الحبوس الذريّة ). والأرض المُشاعة التي تملكها قبائل أو عشائر ملكاً يمكنها من الاستفادة من الأرض واستغلالها للرعي أو لجمع الحطب وما إلى ذلك. وهناك الأراضي التي تملكها الدولة.
ولمّا دخلت فرنسا تونس كان يهمها أن تشجع الفرنسيين على الاستيطان هناك، دون أن تحمل الخزينة الفرنسية نفقاتٍ باهظة، فشجعت الاستعمار الفردي الحر. وفي سنة 1885م أخذت الإدارة الفرنسية في تونس بمبدأ تسجيل الأراضي على أسماء المعمرين، بقطع النظر عن المالكين الأصليين، وبخاصة أراضي الدولة. وترتّب على ذلك أن جاء متموّلون فرنسيون كبار، فابتاعوا الأرض وأجّروها لفلاحين إيطاليين ومالطيين، ولم تُفِد فرنسا كثيراً من حيث توطين الفرنسيين هناك، وعندها أخذت فرنسا تدير تونس لا على أنها محميّة لها قواعد خاصة بل على أنها مستعمرة في الواقع. فاستولت ( اعتباراً من سنة 1892م ) على الأراضي المراحة أو البُور بدءاً من منطقة صفاقس، حيث يمكن للمعمرين الفرنسيين أن يعملوا في زراعة الزيتون. ثم استولت على بعض أراضي الحُبوس ( الأوقاف ) على نحو ما مر بنا وجاءت الخطوة الثالثة لمّا تملّك المعمرون، بمساعدة الإدارة، ما كان للدولة من أراض ( وهو نحو 000 , 100 هكتار )، فشرعت الإدارة بزيادة أملاك الدولة بوضع المراعي والينابيع وغيرها تحت تصرفها، ثم نقلها إلى المعمرين، بحيث أصبح لهم 000 , 900 هكتار من الأراضي الجيدة، وكان 23 0/0 منها مؤسسات مالية كبرى.
وقد تبدلت الأوضاع منذ أن نالت تونس استقلالها. فقد استولت الدول على الأملاك المشتركة المدنية ( 000, 400 هكتار ) وقسّمتها قطعاً صغيرة وُزِّعت على الفلاحين. كما أنها أخذت الأملاك المشاعة ( 000 , 250 , 2 هكتار ) وقُسِّمت ووُزِّعت على البدو أملاً في توطينهم. أمّا ما قد بقي في أيدي الأوروبيين إلى سنة 1957م وهو 000 , 740 هكتار ( إذ إن بعضهم قد باع أملاكه بعد الاستقلال مباشرة ) فنقص إلى 000 , 400 هكتار في سنة 1961م بسبب بيع المعمرين للأراضي والرحيل عن تونس. وابتاعت الحكومة التونسية 000, 150 هكتار سنة 1963م من المعمرين. وفي السنة التالية كان القسم الأكبر جداً مما كان بأيدي المعمرين كان قد نُقلت ملكيته وأُمّم ووزّع على الفلاحين التونسيين.
المعادن: يعمل في قطاع التعدين نحو 000 , 24 عامل. وتعتبر تونس رابع دولة في العالم في إنتاج الفوسفات الذي يُستخرَج في أواسط البلاد. والفوسفات والأسمدة المستخرجة منه تكون المادة الثانية من حيث الأهمية بين صادرات تونس. ويُصدَّر 60 0/0 منه إلى الأسواق الغربية وبخاصة فرنسا، فيما يصدر الباقي إلى أسواق أوروبة الشرقية والصين.
ومنذ أن اكتُشف النفط في تونس ( 1964م ) في البورما على الحدود الجزائرية، والحكومة معنية بالبحث عن النفط في مناطق أخرى. ويُنقَل نفط البورما في أنابيب تتصل بالأنابيب التي تنقل نقط الجزائر المجاور، وهذه تنتهي في الصخيرة في خليج قابس، ومن هناك يُنقَل إلى المَصْفاة في بِنْزِرت. وقد عُثر ( 1968 م ) على آبار النفط في دُولب ( على بعد 200 كم شمالي البورما ) وينقل من هناك إلى الصخيرة، وعلى آبار أخرى. وفي أوائل السبعينات اكتُشف النفط تحت الماء في خليج قابس، وهذا يساوي نصف منتوج تونس.
وتنتج مصفاة بنزرت 2, 1 مليون طن في السنة، وثمة خطة لتقويتها بحيث تنتج أربعة ملايين طن سنوياً. والنفط هو صادر البلد الرئيسي.
يضاف إلى ذلك أن احتياطي الغاز الطبيعي في تونس كبير بحيث يكفي الاستهلاك المحلي لمدة عشرين سنة. وفي البلاد مناجم للحديد أهمها احتياطي جريسة ودواريا. كما يوجد في تونس الرصاص ( في المنطقة الساحلية الشمالية ) والزنك ( في الزاوية الشمالية الغربية من البلاد ).
الصناعة: يكاد يتمركز في تونس الحاضرة من الصناعات أكثر من نصفها. والمدن الصناعية الأخرى هي سُوسَه وصفاقس وغابس وبِنزرت وقفصة وباجة والقصرين.
وقد كانت الصناعة قبلاً تُعنى بتزويد السوق المحلية من الأقمشة والمواد الغذائية. لكن الصناعة تشجع الآن للتصدير. ولا يزال تصنيع المواد الغذائية لكن يأتي في الدرجة الأولى، تليه صناعة الأقمشة والألبسة، وهذه تُصدَّر إلى الخارج، ومردودها من النقد النادر هام. وتصنع تونس الزجاج والأثاث والبطاريات الكهربائية والدهانات والمصنوعات الجلدية. وتشتهر نابل بزليجها ( القيشاني )، ويُنقّي السكّر في باجة، وتُصنع الزَّرابي ( البسط ) في القيروان على الأنوال اليدوية. وثمة مصنع للسلولويد في القصرين، كما يحضر اللب من الحلفا ( الاسبارتو ) لصنع الورق في القصرين وفي منطقة القيروان.
وثمة توسع ونمو في الصناعات المعدنية والميكانيكية والكهربائية؛ فمصنع الفولاذ تزوده البلاد بحاجته من الحديد. وفي سوسه مصنع لتجميع سيارات وشاحنات ( بيجو ) ينتج ستة آلاف سيارة و 000, 14 شاحنة في العام. وهناك صناعة الأسمنت، الذي تقوم بإنتاجه عدة مصانع. ويجري تشجيع الصناعات الكيمائية مثل صنع الأسمدة ( من الفوسفات ) والدهانات والغِراء ( صفاقس وقابس ) وصناعة البلاستيك والخيوط الصناعية ( قابس ).
ومما يساعد الصناعة ونقل المصنوعات: الطرق الجيدة والسكك الحديدية في البلاد، إذ إن المرء يستطيع أن ينتقل في جميع أنحاء البلاد بسهولة ويسر، باستثناء المناطق الجنوبية النائية. كما أنه يوجد في تونس أربعة مطارات دولية ( اثنان في الحاضرة تونس وواحد في جربة ورابع في مناستير )، وثمة مشروع لإنشاء مطار دولي خامس في توزر. والموانئ التونسية الكبرى مُعدّة إعداداً جيداً لاستقبال السفن الكبيرة.
مخططات التنمية: دُرِست مخططات التنمية لأول مرة في سنة 1961م بحيث وُضِع يومها مُنظَّر لعشر سنوات، ثم وضعت مشاريع للتنمية موضع التنفيذ الأول لثلاث سنوات ( 1962 ـ 1964 م ) وتلاه ثلاثة مشاريع رباعية هي 1965 ـ 1968 و 1969 ـ 1972 ـ 1976 م. وتونس الآن تعمل في إطار مشروع جديد هو لخمس سنوات ( 1977 ـ 1981 م ).
ومما يرتبط بمشاريع التنمية أمران الأول هو التزايد الكبير في عدد السكان. والثاني قضية تمويل المشاريع بالنسبة لبلد فقير نسبياً. ففي مشروع الخمس سنوات الأخير، مثلاً، كان من الضروري إيجاد 000, 64 عمل جديد سنوياً لمقابلة التزايد السكاني، لكن لم يوجد سوى 000, 45 عمل جديد. وعلى كل فإن تونس تزودها المنظمات الدولية والبلدان العربية والغربية بالكثير من المساعدات المالية للتنمية. وقد تزايدت المساعدات من دول الخليج العربي والمانيا الغربية والبنك الدولي في العقود الأخيرة. وقد جاءت مساعدات أقل من الاتحاد السوفيتي السابق ودول الكتلة الشرقية.
وبالإضافة إلى ما ذُكر من الصناعات التي تلقى العناية والاهتمام والتشجيع والتنظيم من الدولة ( وتدخل طبعاً في مشاريع التنمية ) فهناك صناعة رئيسة في البلاد التونسية هي السياحة. وقد كانت السياحة أكبر مصدر للنقد الأجنبي بين 1968 و 1976م ( في تلك السنة سبقها تصدير البترول ). وقد بلغ عدد السواح الذين زاروا تونس 000, 142, 1 في سنة 1978م، حصلت البلاد عن طريقهم على أكثر من 150 مليون دينار تونسي ( الدينار التونسي يساوي دولارين ).
التجارة الخارجية: تعتمد الصادرات التونسية على المنتوجات الزراعية والمعدنية، وهذه تتأثر كثيراً بالمحصول ( داخلياً ) وبالأسواق الخارجية للمعادن. ويمكن القول إجمالاً بأن 43 0/0 من قيمة الصادرات بأجمعها تأتي من البترول، والفوسفات ومشتقاته تعادل 23 0/0 والأقمشة والمصنوعات الأخرى 19 0/0 والزيتون 14 0/0 وقد بلغت قيمة الصادرات ( لسنة 1979م ) نحو 716 مليون دينار تونسي. وأهم البلاد التي تصدّر تونس إليها سلعها هي فرنسا والمانيا وإيطالية واليونان والولايات المتحدة وهولندا وبلجيكا ولكسمبورغ.
وتستورد تونس بالدرجة الأولى الآلات ومشتقات البترول والحديد والفولاذ والسكّر والقمح ( عندما يقصر المحصول المحلي ) والزيوت النباتية والأدوات الكهربائية. وقد بلغت قيمة الواردات ( 1979 م ) نحو 150 , 1 مليون دينار تونسي. وفرنسا هي أكبر الدول المصدرة إلى تونس ( 34 0/0 ) وتليها المانيا وإيطالية واليونان والولايات المتحدة. وقد وقّعت تونس اتفاقاً مع السوق الأوروبية المشتركة ( 1976م ) أُعفي بموجبها زيت الزيتون التونسي من رسوم الاستيراد، وخُفّضت الرسوم على بقية المنتوجات الزراعية التونسية، إلا أن تطبيق هذا الاتفاق لم يتم على الشكل المفيد إلى الآن.

( دائر المعارف الإسلاميّة الشيعية 63:6 ـ 81 )


1 ـ ابتدأ تأسيس الكتاتيب منذ أُنشئت مدينة القيروان.
 ×  2 ـ إفريقية: اسم أطلقه العرب الأقدمون في الأصل على القسم الشرقي من بلاد البربر، ولم يتّفق جغرافيّوهم على تحديدها. يذكر صاحب الاستبصار ـ وهو ما يقوله البكري الأندلسي ـ إن حد إفريقية طولاً من برقة شرقاً إلى مدينة طنجة غرباً، وإن عرضها من البحر إلى الرمال التي هي حاجز بين بلاد إفريقية وبلاد السودان، ولكن ياقوت في معجمه يحدد إفريقية من طرابلس الغرب إلى بجاية. ويُؤخذ من ابن صاحب الصلاة أنّ إفريقية تشمل طرابلس ولكنّها لا تصل إلى منطقة الزاب. والظاهر أن كل تحديد لإفريقية كان مرتبطاً بزمن معين ودولة معينة في سعتها وضيقها.
3 ـ دولة الموحِّدين قامت على أسس شيعية.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.