الواجهة » العالم الإسلامي » من اقاليم المسلمين » البحرين
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


البحرين

أجمعت معظم معاجم البلدان والأمكنة على أن البحرين التاريخية، أو البحرين في إطارها التاريخي، هي المنطقة الواقعة بين البصرة وعُمان.
وفي منظور الجغرافية السياسية الحديثة تتشكل البحرين التاريخية من الكويت والمنطقة الشّرقية لِما سُمّى بالمملكة العربية السّعودية والبحرين الحالية ( أُوال ) وقطر.
وإن الرّاصد لحركة الهجرة والانتقال البشري داخل الجزيرة العربية منذ القرن السّادس الميلادي يلمس كثافة بشرية مركّزة قد أخذت طريقها للاستقرار على سواحل وواحات ( أُوال ) و ( الخَطّ ) و ( هَجَر ). وإن هذه المناطق المركزية الثلاث للبحرين قد حافظت دون سواها من أمكنة البلاد البحرانية على حالة من الاستقرار البشري النسبي امتدّ سُلالياً حتّى وقتنا هذا.
قالت الأخبار: البحرين هي الخَطّ والقَطيف والآرة وهَجَر وبَيّنونة والخَرّارة وجُواثا والسّابور ودارين والغابة والصفا والمشقر (1).
قال النابغة الجعدي:

عليهنّ مِـن وحشِ بَينونـةٍ نِعاجٌ مَطافيلُ في رَبْرَبِ (2)

وقال عمرو بن شاس:

بأيـديهمُ سُمْـرٌ شِـدادٌ متُـونُـها من الخَطِّ أو هِنديةٌ أحدَثَت صَقْلا (3)

وقال الشّاعر:

ما ضَرَّ أشناس لا يكون له يوم جُواثا ويوم ذي قارِ (4)

قال ياقوت: أُوال: ـ بالضّم ويروى بالفتح ـ جزيرة يحيط بها البحر بناحية البحرين، فيها نخل كثير وليمون وبساتين.
قال توبة بن الحُمَيَّر:

من الناعباتِ المَشي نَعباً، كأنّما يُناط بجذعٍ من أُوَالَ جَريـرُها

وقال تميم بن أبي مُقِبل:

عَمَدَ الحُداةُ بها لعارضِ قريةٍ فكـأنّـها سفنٌ بِسيفِ أُوَالِ

وقال السَّمهري العُكلي:

طَروحٌ مَروحٌ فوق رَوْحٍ كأنّما يُناط بجذعٍ من أُوالَ زِمـامُها

وأُوال أيضاً: صنم كان لبكر بن وائل وتَغلِب بن وائل (5).
قال البكري: أوال بفتح أوله، وباللام مثال فعال.
قال جرير:

وشَبَّهتُ الحُـدوجَ غداةَ قو سُفينُ الهندِ روّح من أوَالا

وقال الأخطل:

حُوصٌ كـأنّ شَكيمَهُنّ مُعَلَّقُ بقَنا رُدَينةَ أو جُذُرع أوَالِ (6)

قال ياقوت: الأحساء: بالفتح والمدّ، جمع حِسْي، بكسر الحاء وسكون السّين: وهو الماء الذي تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتَحفِر العربُ عنه الرملَ فتستخرجه. قال أبو منصور: سمعتُ غير واحد من تميم يقول: احتَسَينا حِسْياً، أي أنبَطْنا ماءَ حِسي، والحِسي: الرمل المتراكم، أسفله جبلٌ صَلد، فإذا مطر الرمل نشف ماء المطر، فإذا انتهى إلى الجبل الذي تحته أمسك الماء، فإذا اشتدّ الحَرّ نبث وجه الرمل عن الماء فنبع بارداً عذباً يُتَبرَّض تبرّضاً. وقد رأيت في البادية أحساءً كثيرة علي هذه الصفة، منها أحساءُ بني سعد بحِذاء هَجَر (7).. وأحساءُ القطيف.
قال: والأحساء: مدينة بالبحرين، معروفة مشهورة، كان أول من عَمَرها وحصّنها وجعلها قَصَبة هَجَرَ: أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القُرمُطي، وهي إلى الآن مدينة مشهورة عامرة (8).
قال الفرزدق شاعر بني تميم:

منهنّ أيامُ صدقٍ قـد عَرَفت بها أيام فارس والأيام من هَجَرا (9)

قال ياقوت: الخَطّ: بفتح أوله وتشديد الطاء، في كتاب العين: الخَطّ أرض تُنسَب إليها الرماح الخَطّية، فإذا جعلتَ النسبةَ اسماً لازماً قلت خَطّية ولم تذكر الرماح، وهو خط عُمان. وقال أبو منصور: وذلك السِّيف كله يُسمّى الخَطّ. ومن قرى الخطّ: القطيف والعقير وقَطَر (10). « قلت » أنا: وجميع هذا في سِيف البحرين وعُمان، وهي مواضع كانت تُجلَب إليها الرماح القَنَا من الهند فتُقوَّم فيه وتباع على العرب، ويُنسَب إليها عيسى بن فاتك الخطّي أحد بني تيم الله بن ثعلبة (11). وأضاف قائلاً: الخُطّ ـ بضم الخاء وتشديد الطاء: خُطّ عبدالقيس بالبحرين، وهو كثير النخل (12).
قال الأندلسي: الخطّ ـ بفتح أوله وتشديد ثانيه: ساحل ما بين عمان إلى البصرة، ومن كاظِمة إلى الشجرة، قال سلامة بن جَندَل:

حتّى تركنا ومـا تُثْني ظعائِنُنا يأخُذنَ بين سَوادِ الخطِّ فاللُّوبِ

وقال ابن الأنباري: يقال لسِيف البحرين خطّ.
قال البكري: قَطَر ـ بفتح أوله وثانيه، بعده راء مهملة: موضع بين البحرين وعُمان تنسب إليه إبل الجِياد.
قال جرير:

لـدى قطَـرَيَّـاتٍ إذا مـا تَغَوّلَتْ بها البِيدُ غاوَلْنَ الحُزومَ الفَيافيا (13)

وقال ياقوت: قَطَر بين البحرين وعُمان. واستشهد بقول عبدالله بن الطيب:

تَـذكّـر سـاداتنـا أهلـكم وخافـوا عُمـانَ وخافوا قَطَرْ
وخافوا الرَّواطي إذا عَرّضت مَلاحِسُ أولادِهُـنّ البَقَرْ (14)

قال ياقوت: السِّتار: ناحية بالبحرين ذات قرى تزيد على مائة لبني امرئ القيس بن زيد مَناة (15) وأفناء سعد بن زيد مناة منها شاج (16).
وقال: أسْبذ ـ بالفتح ثم السكون، ثم فتح الباء الموحدة، وذال معجمة ـ في كتاب الفتوح: قرية بالبحرين، صاحِبُها المنذر بن ساوي التميمي (17).
وقال: أقرارة ـ بالضم: اسمُ ماءٍ أو جبلٍ لبني تميم، قيل بناحية البحرين (18).

مقولة الإرث السُّلالي والجذور الأثنية
إن مقولة الإرث السٌّلالي والجذور الأثنية لسكان القرى البحرانية تعني، من الزاوية المنهجية، البحث تاريخياً عن ثلاثة أنواع من التواجد البشري، قد عاشته البحرين خلال قرون طويلة ممتدة.
تمثّل التواجد الأول في العرب البائدة، وتمثّل التواجد الثاني في العرب المُستَعرِبة التي قطنت البلاد ثم هجرتها إلى ديار أخرى، وأخيراً فإن التواجد الثالث قد تمثّل في العرب المُستَعرِبة التي قطنت الديار البحرانية واستقرّت بها استقراراً ممتداً إلى وقتنا هذا.
أ ـ العرب البائدة التي قطنت البحرين: ذُكر نقلاً عن ابن إسحاق أن أهل البحرين وعُمان كانوا من وُلد لاوي بن سام بن نوح، وكانوا يُسمَّون جاشم. وكانت جاشم قوماً عرباً لسانهم عربي (19).
وقال القَلقشندي: إن عاداً قد قطنت البحرين، وسمّي بنو عاد باسم أبيهم وبه ورد القرآن الكريم، وهم من العرب العاربة والبائدة، وهم بنو عاد بن عُوص بن أرم بن سام بن نوح. ويقال لعاد هؤلاء عاد الأولى، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: وأنّهُ أهلَكَ عاداً الأولى . وكانت منازلهم بالأحقاف بين اليمن وعُمان من البحرين إلى حَضْرَمَوت وأشحر، وكان أبوهم عاد فيما يقال: أول مَن مَلَك من العرب (20).
وذكر القلقشندي عن صاحب العِبر: أن جَديس قطنت البحرين، وكانت تجاورهم في مساكنهم طَسم (21).
وجَديس قبيلة من العرب العاربة البائدة. قال ابن الكلبي: وهم جَديس بن أرم بن سام ابن نوح، وقال الطبري: جَديس من وُلد لاوي بن سام بن نوح. هذا بعضُ مَن سكن البحرين من العرب البائدة.
ب ـ العرب المُستَعرِبة التي هَجَرت البحرين: ذكر ابن الأثير نقلاً عن ابن الكلبي: لمّا مات بُختّ نصّر انضم الذين أسكنهم الحِيرةَ من العرب إلى أهل الأنبار، وبقيت الحِيرة خراباً دهراً طويلاً وأهلها بالأنبار لا يطلع عليهم قادم من العرب، ومزّقتهم الحروب وخرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من اليمن ومشارق الشّام، وأقبلت منهم قبائل حتّى نزلوا بالبحرين وبها جماعة من الأزد.
ومن تِهامة أقبل إلى البحرين مالك وعمرو أبناء فَهْم بن تَيْم بن أسد بن وَبْرة بن قُضاعة ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم في جماعة من قومهم والحيقاد بن الحنف ابن عُمير بن قبيص بن معدّ بن عدنان في قبيص كلّها. ولحق بهم غَطفان بن عمرو ابن الطّمثان بن عَوذ مَناة بن تقدم بن أفصى بن دُعمى بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان، وغيره من إياد، فاجتمع في البحرين قبائل من العرب وتحالفوا على التَّنوُّخ، وهو المُقام، وتعاقدوا على التناصر والتساعد، فصاروا يداً واحدة وضمّهم اسمُ تَنُوخ.
ثم تطلّعت أنفسُ من كان بالبحرين إلى رِيف العراق، فطمعوا في غلبة الأعاجم فأجمعوا على المسير إليه ونزلوا الأنبار ثم الحِيرة وقامت مملكتهم فيها (22).
ويرى أهل الأخبار أن قبيلة تَغلِب بن وائل مثل سائر قبائل ربيعة كانت تسكن في الأصل تِهامة، ثم انتشرت فنزلت الحجاز ونجد والبحرين. فلما دارت في البحرين الحربُ الطاحنة بينها وبين بكر بن وائل، زحفت نحو الشّمال حتّى بلغت أطراف الجزيرة، فسكن قوم منها جهات سنجار ونَصيبين، حتّى عرفت تلك الديار بـ ( ديار ربيعة ) (23).
ج ـ العرب المستعربة التي استقرّت في البحرين: تمثّلت العربُ المستعربة التي استقرت في البحرين بثلاث قبائل كبرى، هي: بكر بن وائل، وعبدالقيس، وتميم. وقد تَوَطّنت في البحرين في فترات متقاربة تقترب من القرن السّادس الميلادي. ولم يشهد لها التاريخ أي هجرات معاكسة إلى خارج البحرين، ومنها ينحدر السّكان الحاليّون للقرى البحرانية.
وبكر بن وائل من القبائل الكبيرة التي لها شأن معروف عند ظهور الإسلام، وهي مثل القبائل العدنانية الأخرى، من القبائل المهاجرة التي تركت ديارها القديمة على حدّ قول الأخباريين، وهي تهامة، على أثر الحروب الكثيرة المُمِلّة التي وقعت بين العدنانيين، فهاجرت إلى اليمامة ثم إلى البحرين والعراق (24)، حيث استقرت في ديار البحرين وسواد العراق والأبلّة وهِيت (25).
وإلى وجود قبيلة بكر بن وائل في البحرين تطرّق القلقشندي والأندلسي وابن خلدون، ووردت إشارة تؤكّد هذا الوجود في الطبري واليعقوبي وابن الأثير (26).
وقد ساق بني عبدالقيس إلى البحرين الأفكَل، وهو عمر بن الجعيد بن صَبرة بن الديل ابن شنّ بن أفطى بن عبدالقيس بن أفصى.
قال في العِبر: وكانت ديارهم بتِهامة، ثم خرجوا إلى البحرين، وكان بها خلق كثير من بكر بن وائل وتميم، فلما نزل بها عبدالقيس زاحموهم في تلك الديار وقاسموهم في الموطن.
وجاء في الأخبار: أن عبدالقيس ارتحلت عن تهامة بسبب الحروب الّتي وقعت بين أبناء ربيعة، فذهبت إلى البحرين. وزعمت هذه الأخبار: أن عبدالقيس تغلّبت على من كان في البحرين ممن سكن قبلهم من إياد وبكر بن وائل وتميم، واقتسمتها بينهم.
وقد جاء في الأخبار أن بني تميم كانت ديارهم بأرض نجد، ثم انتشروا في البحرين والبصرة والكوفة (27).
وذكر الهمداني أن في البحرين قرية تسمّى السِّتار، تُعرف بسِتار البحرين، وهو منادى بني تميم فيه متصلة البيضاء، وكان بها نخل وسكن. ومن مياه سِتار البحرين ثيتل والنِّباج والنِّباك، وكل فيه نخل كثير وماءٌ يقال له: قطر.
وقال: إن في الأحساء منازل ودوراً لبني تميم ثم لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمّى الجَرْعاء تتبايع عليه العرب (28).
وقد ذكر القلقشندي وابن خلدون وجود قبيلة تميم في البحرين. وإلى حقيقة هذا الوجود وردت إشارات في الطّبري واليعقوبي (29).

الموروث الطّبيعي والمؤثرات الإيكولوجية
قُدِّر للإنسان البحراني أن يعيش، لقرون طويلة ممتدة، في ظُلَل طبيعية اتّسمت بالريفية والطّابع القروي، غطّت إفرازاتها وانعكاساتها على تشكّلاته الديموغرافية، وعلى تكويناته البنيوية الأولى، الاقتصادية منها والاجتماعية.
ومن منظور العلاقة التفاعلية بين الإنسان وخصائصه البيئية، نتناول هنا الموروث الطبيعي، وارتباطه منهجياً بالبحث في الإرث السُّلالي لسكان القرى البحرانية:
على المستوى الديموغرافي، تُعدّ الهجرة ظاهرة جغرافية تَمَيّز بها السكان على مرّ العصور. وتماماً كما يهتم دارس النبات بهجرة النوع النباتي، فإن دارس الجغرافية البشرية يهتم بالحركة الجغرافية للبشر. وتعكس معظم الحركات السّكانية رغبة الإنسان في مغادرة منطقةٍ ما تصعب معيشته فيها إلى منطقة أخرى يساوره الاعتقاد بالعيش والإقامة فيها بحال أفضل وصورة أرقى.
وللهجرة أنماط يتميّز كل منها بخصائص ديمرغرافية خاصة، وإن كان يقصد بها عموم الانتقال الجغرافي من منطقة لأخرى، وهي تنقسم من المنظور الزماني إلى هجرة دائمة وهجرة مؤقتة.
وعلى الصّعيد البحراني، فإن الهجرات الدائمة للقبائل العدنانية ( بكر بن وائل، وعبدالقيس، وتميم ) من ديار اليمامة ونجد إلى البحرين قد خلقت عصراً جديداً من التشكيلات الديموغرافية والاجتماعية، ضمن إطار النُّسُق المعاشية، الفلاّحية والبحرية، القائمة فيها.
فقد بدأت هذه القبائل بالارتسام على السّهول والسّواحل، آخذةً طريقها للاستقرار والتحضر.
فالكتابات الغربية، الأوربية والاميركية، استخدمت مفهوم الحَضَر لتشير إلى كل ما يتعلق بحياة المدينة وأنشطتها، وهي التي تبتني على الحِرف غير الزراعية بصورة أساسية، كالصّناعة والتجارة. ولذا نجد أن تعبير الحَضَر استُخدم في الأدبيات الغربية قبال الريف والريفيّة.
بَيْد أن مصطلح الحَضر استُخدم في التراث العربي بمعنى الاستقرار والارتباط المكاني الثابت، وأن كل المستقرات والوجودات البشرية الثابتة مدنية كانت أو قروية، هي مراكز حضرية. وهذا المفهوم للحضر استُخدم في الكتابات العربية، وخاصة عند ابن خلدون، قبال مفهوم البداوة، الذي يعني التنقّل والارتحال الدائم.
وعلى قاعدة الثبات الحضري اتجه التشكل البشري الجديد ليصوغ معاشه على نمطين من الحرف الانتاجية، الزراعة والصّيد البحري.
فعلى المستوى الزراعي عرفت البحرين زراعة وافرة للبلح، وزراعة إعاشية ممتدة لأنواع غير قليلة من الخضار.
وعلى الرغم من أن البحرين من المناطق المدارية الجافة، قليلة الأمطار، إلاّ أن مصادر المياه فيها اعتمدت على الينابيع الطّبيعية والآبار الارتوازية.
وإن المسار الانتاجي للزراعة البحرانية من آماد مديدة قد أوضح تغلّباً ملحوظاً على مشاكل المناطق المدارية الجافة، التي تتصف تربتها بالتبخّر الشّديد، وبالتالي ارتفاع منسوب المياه في التربة، حاملاً الأملاح إلى السّطح بفعل الخاصّة الشَّعرية، ومن ثم تتبخر المياه وتترك الأملاح على سطح التربة أو قريباً منها مما يفضي إلى تردي صلاحيتها الانتاجية.
وعلى مستوى الانتاج البحري أتت الثروة البحرية وافرة، بفعل السّاحل الطّويل للبلاد الذي يمتاز بتعرّجاته الصّغيرة المتعددة؛ فالشُّروم والفتحات السّاحلية تساعد على وجود كثير من المرافئ البحرية التي تُتَّخَذ كقواعد لعمليات الصّيد أو كملجأ تأوي إليه سفن الصّيد وقت العواصف.
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه التعرجات والشّروخ تزيد من اتساع منطقة الصّيد، حيث تعيش بها أنواع من الأسماك تأوي غالباً إلى الخِلْجان. بالإضافة إلى ذلك فإن خط السّاحل الطّويل يساعد على اتصال السكان بموردهم المعيشي اتصالاً سهلاً ميسوراً.
وبالرغم من أن التاريخ لم يحدّثنا عن قرى بحرانية ذات صفة إنتاجية مميزة، كما هو الحال في الضِّيَع الممتدة في بعض الأرياف العربية أو كما هو حال بعض القرى السّاحلية في النروج أو نيوفوندلاند، بالرغم من ذلك، فإن تبايناً حِرَفياً قد حدث ولا شك بين قرية وأخرى من قرى البحرين، وإنْ كان بصورته النسبية المحدودة. فالحدث التاريخي لا يقول إن الوضع الحرفي السّائد في قرية مثل ( عراد ) هو ذاته السّائد في قرية مثل ( سار )، إذ لابد أن حرفة الصّيد قد غلبت على القرية الأولى، بينما ساد النشاط الزراعي القرية الثانية.
ولعل محدودية الرقعة الجغرافية للبحرين قد أفرز التداخل الملموس بين قراها المختلفة، وبالتالي تداخل الحرف المعيشية والاقتصادية فيها.
وإن جملة التداخلات المكانية والحرفية لسكان القرى البحرانية قد أولدت بدورها تداخلاً في المصالح والمنافع العامة.
وفي ظل المصالح والمنافع العامة، وعلى قاعدة الاستقرار والثبات المكاني، تداخلت القبائل والحمولات المختلفة، في نُسق اجتماعية جديدة، وسارت رويداً نحو التشكيل الأُسَري الحَضَري، الذي تذوب فيه المُسمَّيات السُّلالية الكبيرة وتندمج الفئات الاجتماعية المختلفة في أُطُر عائلية صغيرة أو ممتدة. وهذا ما عبّر عنه ابن خلدون بتداخل الأنساب عند عرب التُّلول والأرياف.
وبناء على هذه الحقيقة الايكلولوجية، أي حقيقة المؤثرات البيئية على الإنسان، لا نجد اليوم، أو قلّما نجد، بين سكان القرى البحرانية من يُنسب في اسمه إلى إحدى القبائل العدنانية الثلاث الّتي شكّلت جذوره الاثنية وإرثه السلالي.

البحرين
هي مجموعة جزر تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من الخليج غير بعيد عن السّاحل، بحيث لا تتجاوز مرمى البصر. ويبلغ عددها ستّاً وعشرين جزيرة لا تزيد مساحتها على 622 كيلو متراً مربعاً، أهمها ثمانية وأشهرها ثلاثة، هي: المُحَرَّق والمَنامة وسَترة.
والمنامة هي بمثابة الجزيرة الأم، لأنها أكبرها وأغناها، ويبلغ طولها ثلاثين ميلاً وعرضها يتراوح بين ثمانية سطح أميال في بعض المواضع وعشرة في بعضها الآخر. ويتكوّن سطح جزيرة المنامة من هضبة وسطى يبلغ أقصى علوّها في قمّة جبل الدخان الذي يبلغ ارتفاعه ( 440 ) قدماً. والصفة الغالبة على هذه الهضبة هي الانحدار الشّديد نحو الشّرق والغرب، والانحدار التدريجي نحو الشمال والجنوب، حيث تمتد السّهول الخِصبة ولا سيّما في الشّمال والشرق. وتحيط بالمنامة البساتين التي تُسقى بسواقي الينابيع، وهي بساتين كثيرة واسعة متنوعة الأشجار.
وفي جزيرة ( سترة ) يقع ميناء البترول، وفي شمال سترة تقع جزيرة النبي صالح، وهي غنية بالنخيل الذي يعتبر من الثروات الزراعية الأساسية في كل البحرين. أما جزيرة ( أم نَعسان ) فهي صحراوية ملأى بالغِزلان والأرانب، ويقصدها النّاس للصيد.
وفي ( المُحَرَّق ) يقع مطار البحرين الحديث، ويربط المحرّق بالمنامة جسرٌ طويل. ولا يتجاوز عرض المحرق أربعة أميال.
أما مدن البحرين فهي: المنامة وهي العاصمة، والمحرّق والحَدّ وقلالي والبديع وجَد حَفص وسترة وبلاد القديم. وتحدّ البحرين من الشّمال ( دارين ) ومن الغرب ( العجير ) ومن الجنوب ( قطر ) ومن الشّرق الخليج.
على أن اسم البحرين في القديم كان يشمل ما هو أوسع من هذا. قال ياقوت في معجم البلدان: « البحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعُمان، قيل: هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة. قال أبو عبيدة: البحرين هي الخطّ والقطيف والأرة وهجر وبينونة والزارة وجواثا والسّابور ودارين والغابة، وقصبة هجر هي الصّفا والمشقر ».
فالبحرين إذن كانت قديماً تُطلَق على ما يعمّ الأحساء ـ وهي الخط ـ ويعم القطيف ويعم أوال، التي هي اليوم البحرين. وبهذا يكون اسم البحرين في هذا العصر قد اختُصر بأوال.
وقيل: إن البحرين مشتملة على المدن الثلاث: جزيرة أوال والقطيف وهي الخط، والأحساء ويقال لها الحسا وهي هجر. والخط قرية باليمامة يقال لها خط هَجَر تنسب إليها الرماح الخطية، وهي مدينة كبيرة قاعدة بلاد البحرين ذات النخيل والرمّان والأترجّ والقُطن، وإليها ينسب رُشَيد الهَجَري. وقيل إن اسم البحرين وهَجَر يطلق قديماً كل منهما على مجموع المدن الثلاث المتقدمة، ثم صار اسم البحرين اسماً لجزيرة أوال، وهجر لبلاد الأحساء.
ومهما كان الأمر ففي التاريخ الإسلامي كان لفظ البحرين يطلق على الإقليم الممتد من البصرة إلى عُمان، وقد يطلق عليه هجر والخط. فهو يشمل البحرين الحالية التي كانت تُعرف باسم جزيرة أوال، كما يشمل كلاّ من الأحساء والقطيف.
صراع النفوذ
وظلّت هذه المنطقة ذات تاريخ واحد وحياة واحدة إلى أن احتل العثمانيون الأحساء والقطيف سنة 958 هـ فارتبطتا بمصير واحد وأصبحت القطيف تابعة للأحساء في إدارة الحكم. وفي سنة 1031هـ استولى الإيرانيون على جزيرة ( أوال ) التي تفرّدت بعد ذلك باسم ( البحرين )، ثم مَلَكها في العقد الأول من القرن الثاني عشر الشّيخ الجَبري من بقايا آل جبر ملوك الأحساء والقطيف السّابقين، ثم استردّها الصّفويون ملوك إيران. ولما ضعفت الدولة الصّفوية استقلّ بها الشيخُ جبارة الهولي. وحين قامت الدولة الأفشارية في إيران عادت إلى حكم الإيرانيين سنة 1150 هـ في عهد نادر شاه، ثم استولى عليها سنة 1151هـ سيف بن سلطان حاكم مسقط. وفي سنة 1152 هـ استرجعها الإيرانيون وولّوا عليها آل مدكور الذين استقلوا بالحكم. وقد نشبت بينهم وبين آل خليفة حكّام ( زبارة ) قبلاً وحكام البحرين الآن معركة أدّت إلى تقهقرهم واستيلاء آل خليفة على البحرين.
وفي سنة 1212هـ استولى عليها حاكم مسقط سلطان بن أحمد، ثم استرجعها آل خليفة سنة 1224هـ. وفي سنة 1225 هـ استولى عليها سعود أمير نجد، ولكنها عادت لآل خليفة في نفس السنة. وفي سنة 1275هـ استجاب آل خليفة إلى رفع العلم العثماني أيام كان مدحت باشا والياً على بغداد. وكانوا أثناء حكمهم يرفعون العلمين الإيراني والعثماني، فإذا أحسوا بضغط من الإيرانيين لجؤوا إلى الأتراك والعكس بالعكس. وقبل ذلك في عام 922 هـ / 1517م استولى البرتغاليون على جزيرة المنامة، ولا يزال إلى اليوم في البحرين قلعة من آثارهم. وفي عام 943هـ / 1536م بعث السّلطان سليمان القانوني العثماني أسطولاً مؤلفاً من سبعين سفينة تحمل أكثر من عشرين ألف محارب لقتال البرتغاليين، وقد أحرزت هذه القوات فوزاً موضعياً في منطقة البحرين فاستولت على المنامة والقطيف وقطر.
وفي سنة 1235هـ ( 1820م ) كان أول اتصال للإنكليز بآل خليفة بعقد سلسلة من المعاهدات معهم. وفي سنة 1332هـ ( 1914م ) أصبحت البحرين تحت الحماية البريطانية، فسيطر الانكليز على كل شيء فيها. وفي سنة 1971م أُعلنت البحرين دولة مستقلة ذات سيادة.
الثّروات
كانت صناعة البحرين من قديم الزمان صيد اللؤلؤ، وكان حديث الغوص في البحرين لذيذاً وممتعاً، وكان موسمه يبدأ من أيار حتّى مرور أربعة أشهر يحيا فيها الغواصون حياةً بحرية صرفة، فهم يعيشون طيلة هذه المدة وقلوبهم تخفق بالأمل. وكان لبداية موسم صيد اللؤلؤ ونهايته مواسم ومهرجانات ينزل إليها أمير البلاد ليدشّن حفلة الافتتاح لكل موسم ويختمها كذلك، وترى الشّعب كله في غمرة من السّرور. ولم تؤثّر اليابان بلؤلؤها الصّناعي على لؤلؤ البحرين، فما نزل سلطان لؤلؤ البحرين عن عرشه إلاّ عندما تفجّر البترول معلناً نهاية دولة اللؤلؤ وبداية دولة الذّهب الأسود.
كانت البحرين، ذاتَ عهدٍ تَتَّكِل على صيد اللؤلؤ في اقتصادها. أما الآن فقد تقلّصت صناعة اللؤلؤ حتّى كادت تموت تماماً، واقتصر عدد مراكب صيد اللؤلؤ على الآحاد بعد أن كان بالمئات، وتحوّل البحرانيون إلى العمل في صناعة استخراج النفط وتكريره.
وتنتج البحرين أصغر نسبة من انتاج النفط في الشّرق الأوسط، لكن فيها مصافي نفط ممتازة تشغل الآلاف من السّكان.
ويبلغ إنتاج البحرين من النفط حوالي أربعة ملايين من الأطنان في السنة. وتعمل في استخراج النفط شركة بتروليوم التي تملكها مُناصفةً شركة ستاندارد أويل أوف كليفورنيا وشركة تكساكو.
وفي إحصاء رسمي أن إنتاج البحرين سنة 1964م كان بمعدل 49 ألف برميل في اليوم.
وفي البحرين مخزون من النفط يقدّر بثلاثمائة مليون برميل من أصل 212 ملياراً و 700 مليون برميل يقدر لاحتياطي شبه الجزيرة العربية كلها.
المناخ والمياه
مناخ البحرين حار ورطب في الصّيف، معتدل البرودة في الشّتاء ولا سيما إذا هبّت الرياح الشّمالية الغربية عليها، وهي تأتي من أواسط القارة الآسيوية وشمالها، وتبلغ درجة الرطوبة أحياناً مائة بالمائة. ونصيب البحرين من الأمطار قليل قد لا يزيد على ثلاث بُوصات سنوياً.
ومياه البحرين عيونٌ نابعة، وهي كثيرة غزيرة منها تُسقى الأرض. وبعض هذه العيون ينبع في وسط البحر بقوة، وكثيراً ما يستقي الأهلون من تلك النبعة وسط البحر لأنها أعذب. وأشهر عيون البحرين عين ( العذارى ) تسقي نخيلاً كثيراً وعمقها ست أقدام. ومن العيون الشّهيرة ( الكرش ) و ( أبو زيدان ) و ( برابر ) و ( أم حصاة ).
ومن مخازي الأمويين أن عبدالملك بن مروان لم يجد في معاقبة أهل البحرين سوى تعطيل ينابيع مياههم ودفنها، فقد عمد إلى دفن عين السّجور بالصّخور العظيمة، وهي أقوى عين في البحرين، كما دفن عيوناً كثيرة غيرها.

البلاد التي عرفت أقدم الحضارات
يعود تاريخ أقدم الآثار المكتشفة في البحرين إلى أكثر من 20 ألف سنة. وقد اكتُشفت هذه الآثار على جبل الدخان وعلى السّاحل القديم الممتد بين الزلاق والمملطة على بُعد ميلين داخل البر. وهذه الآثار مؤلفة من 36 موقعاً سكنياً تم اكتشافها على دفعتين. وتدل هذه الآثار على أن سكان البلاد آنذاك كانوا من الصّيادين الذين نزحوا من الهند عبر مضيق هُرمُز واستقروا فيها، الأمر الذين يؤكد وجود علاقة بين البحرين وبين المدنيّة السّوهانية الّتي كانت قائمة في الهند آنذاك. بينما يدل جزء آخر من هذه الآثار على وجود صلة بين البحرين وحضارات العصر الحجري الأوسط في سوريا.
أما أدوات هذا العصر التي تم اكتشافها فهي عبارة عن سكاكين ومعدّات يدوية وأدوات تنعيم الخشب. وجميع هذه الأدوات مصنوعة من حجر الصوّان المستخرج من صخور البحرين. غير أن هذه الأدوات لم تكن مصقولة إذ إن الصقل لم يُعرف إلاّ في العصر الحجري الأخير. ومن الأمور الأخرى الّتي تم اكتشافها والخاصة بهذا العصر هي الجلود التي كانت تحاك منها الملابس.
ولكن أهم آثار هذا العصر التي تم اكتشافها في البحرين والّتي تعتبر فريدة من نوعها في العالم هي المقبرة التي تضم حوالي مائة ألف ضريح. ولعل البحرين كانت قد دخلت بدخول العصر النحاسي حوالي 3000 سنة قبل الميلاد أولى حضاراتها، وهذا ما دلت عليه هذه المقبرة الشّهيرة الممتدة بين ما يعرف في الوقت الحاضر بطريق العَوالي وطريق سَترة وطريق خط أنابيب البترول. وهذه القبور الدوارس هي قبور شعب مدينة ( دَلْمُون ) الّتي ظلت قائمة حوالي ألف سنة تهيمن على التجارة البحرية في أقطار الخليج، وتحافظ على استمرار الاتصال بين بلاد ما بين النهرين ( العراق ) ووادي الهندوس ( الهند ). وقد أطلق السّومريون في أساطيرهم اسم « الك دلمون » أي « شعب دلمون » على سكان المدينة.
ولهذه القبور دلالة اجتماعية خاصة، فهي قبور مواطنين عاديين، مما يعني أن النظام الاجتماعي في البحرين آنذاك كان فريداً يتمتع فيه الفرد بميزات لم يعرفها في المجتمعات الأخرى الّتي كانت سائدة في ذلك الوقت. والمعروف أن مثل هذه القبور لم تكن تُبنى في البلدان الأخرى إلاّ للملوك والأمراء والأثرياء. يتألف كل قبر من هذه القبور من غرفة خاصة بُنيَت من حجارة صخور البحرين. ويبدو أن كل غرفة كانت مخصصة لفرد واحد فقط مما لم يوجد له مثيل في البلدان الأخرى. وحتّى القبور الأوروبية المشابهة كانت قبوراً جماعية، كما أن قبور ( أور ) في بلاد ما بين النهرين وقبور قدماء المصريين المشابهة كانت مخصصة للملوك والأمراء.
أما محتويات هذه القبور فقد زال أكثرها في غابر الزمان، إذ إن أيدي لصوص القبور قد امتدت إليها ولم يَبقَ فيها إلاّ القليل. هذا ولم تتمكن البعثة الدانماركية التي تعمل حالياً في التنقيب عن الآثار في البحرين من تحديد عمر هذه المقبرة من الأدوات التي وجدت فيها، غير أنه يعتقد أن تاريخها يعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وذلك استنتاجاً من طريقة دفن الموتى، إذ إن سكان بلاد ما بين النهرين كانوا في تلك الفترة يدفنون موتاهم بنفس الطريقة.
ومن الأشياء القليلة الّتي وجدت في هذه القبور: بعض الأواني الخزفية ورؤوس الحِراب المصنوعة من النحاس، كما وجد في جزء آخر من المقبرة في « الأعالي »، حيث الأضرحة كانت مؤلفة من طابقين، بعض الأواني الخزفية المدهونة وبعض قطع من علبة صُنعت من العاج وخاتمان من الذهب.
وعن هذه المقبرة كتب محمد الأسعد بعض التفاصيل:
حَظِيَت مدافن البحرين الشّهيرة بالاهتمام منذ سبعينات القرن التّاسع عشر، وكُتبت في وصفها تقارير لمبعوثين غربيين. وقام بعضهم مثل أرنست ماكاي في العام 1927م بمحاولة لحلّ لغز هذه المدافن ومعرفة هويّتها، ففتح خمسين مدفناً ورسم مخططاتها وأقسامها وسجّل قوائم بمحتوياتها. وخرج بالاستنتاج الذي ظل شائعاً زمناً طويلاً، وهو أن البحرين لم تكن مكان استيطان بشري، بل أرض للدفن استخدمها الناس الذين يعيشون على بر الجزيرة العربية.
وقبل ماكاي كان العسكري البريطاني العقيد بريدوكس في العام 1906م قام بالتنقيب، ففتح عشرين مدفناً، وعثر على خاتمين من الذهب وأجزاء من تمثالين عاجيّين صغيرين، وخرج بالاستنتاج القائل إن هذه المدافن فينيقية!
البعثة الدّانماركية
لم تتأكد هوية هذه المدافن وأصحابها إلاّ في خمسينات هذا القرن مع حفريات البعثة الدّانماركية في أماكن الاستيطان والسكن. وبرزت إلى الضّوء حضارة كانت تعتبر مفقودة طوال ألفين وخمسمائة عام مع أن اسمها كما تشير ألواح حضارتَي « بابل » و « آشور » وقبلهما « أكد » كان مألوفاً. وكان موطنها معروفاً للرحّالة والمؤرخين والجغرافيين.
كتب هنري رولنسون في العام 1880م: « ليكن مفهوماً أنه عبر كل الألواح الآشورية ـ بدءاً من أقدم العهود وحتّى آخرها ـ كانت هناك دائماً إشارة إلى جزيرة تدعى « نيدو ـ كي » باللغة الأكدية أو تيلمون بالآشورية، وأن هذا الاسم يعود إلى البحرين بكل تأكيد ».
واحتاج الأمر إلى جهود كبيرة من البعثة الدانماركية لترجمة هذه الإشارات إلى آثار ملموسة، والوصول إلى استنتاج مُفاده أن هذه المدافن تعود إلى شعبٍ عاش في مدينة قريبة مما يدعى الآن القلعة البرتغالية على ساحل البحرين الشمالي. وبنى أبناء هذا الشّعب معبداً في ( باربار ) اتضحت معالمه على مسافة ثلاثة أميال تقريباً على طول السّاحل غرباً. وحدث هذا في الفترة القريبة من العام 2300ق.م، وهو دليل يعتمد على رأس الثور النحاسي من ( باربار ) القريب الشّبه برؤوس الثيران المكتشفة في المدافن الملكية في أور ( بلاد ما بين النهرين ).
ولم يكن هذا الاستنتاج في الحقيقة الخاتمة، بل كان الفاتحة كما نعتقد، ليس بسبب العدد الهائل من المدافن ( أكثر من 100 ألف أو ضِعفَي هذا العدد، ولم يفتح منها إلا القليل ) بل بسبب الآفاق التي فتحتها هذه الاكتشافات باتجاهاتٍ عدّة. وأول هذه الاتجاهات أنّ ( دَلْمُون ) المشار إليها في الألواح القديمة لم تكن جزيرة فقط بل بقعة واسعة من السّاحل الشّرقي للجزيرة العربية، وثاني هذه الاتجاهات أن هنالك صلات قوية بين هذه المنطقة ومنطقة الحضارات القديمة في الهند ( هارابا وموهنجودارو ). وثالث هذه الاتجاهات أن التنقيبات في مدافن الجزيرة كشفت عن مستوطنات حضارية ترجع إلى العصر الممطر، وهي سابقة أو معاصرة لأقدم المستوطنات المعروفة في شمال الجزيرة العربية.
على أن كل هذه الآفاق لم تجد مَن يُتابعها إلاّ على فترات متقطعة. وكانت الأخيرة ما قام به تجمع من الآثاريين العرب من تنقيبات في موقع سار ـ الجسر، وهو في ظنّنا أول وآخر تجمّع لهؤلاء الآثاريين حدث في مطلع الثمانينات لإنقاذ ما يمكن انقاذه من مدافن البحرين الّتي هددتها إقامة الجسر الذي يربط البحرين بما سُمّي المملكة العربية السعودية.
وقام هذا التجمع الذي نُشرت نتائج تنقيباته في مجلد من إعداد الدّكتور معاوية إبراهيم من جامعة اليرموك بانتقاء مدافن عدّة وفتحها، وهي كلها كما يقول التقرير خاوية ومنهوبة، كما هي المدافن التي ظلّت تُفتح طيلة القرن الراهن، إلاّ من لُقية هنا وهناك.
تجمّع غير ناجح
واللافت للنظر أن تقرير هذا التجمع، على رغم أنه أول تجربة من نوعها في هذا المجال، جاء قصيراً وخالياً من الوصف الحيّ كما ألفنا في تقارير البعثات الغربية. بالإضافة إلى أنه لم يتناول الأعمال الميدانية السّابقة المتعلقة بمدافن البحرين أو يحاول ربط نتائجها بما توصل إليه تجمع الآثاريين العرب. ولعل ذلك يرجع إلى أن أبرز نتائج الأعمال الميدانية السّابقة لم يحظ بالنشر والنقاش العلميين كما يقول إبراهيم. ولكن أهم هذه الأعمال الميدانية، وهو عمل البعثة الدّانماركية منشور ومعروف، وتُرجم إلى العربية في منتصف الثّمانينات.
إن أهم ما خرج به تجمع الآثاريين العرب بعد العثور على أختام صَدَفية وحَجَرية وكؤوس فخارية هو تأكيد صِلات المنطقة ( منطقة حضارة دَلْمون ) بأجزاء أخرى من الشّرق القديم تمتد من وادي الهند إلى أواسط الأناضول. وبالطّبع لا يستطيع أحد أن يطالب بعثة أثرية بما يفوق طاقتها، إلاّ أن هناك أشياء في التقرير تلفت النظر وتدعو إلى التّأمل في وضعية هذا الفرع العلمي المهم، أي علم الآثار العربي.
إلا أن البعثة الدّانماركية تمكنت من اكتشاف بعض الآثار التي تعود إلى العصر البرونزي والنحاسي، وهذه الآثار موجودة في مواقع ثلاثة، الأول: موقع بئر أمّ السّجور الواقع إلى شمال شرقي قرية « ديراز »، حيث اكتشف معبد وجد فيه تمثالان لثورين راكعين وقطع من أوانٍ خزفية وطاسة مصنوعة من المرمر.
أما الموقع الثاني فيقع إلى الشّرق من الموقع الأول وإلى الجنوب من قرية « باربار »، وقد اكتشف هناك معبد كبير جداً مبني بكامله من حجارة مقلع جزيرة « جدة » الكلسية القريبة. وهذا المعبد لم يسلم كذلك من عبث العابثين، فقد هدمت أجزاء منه عدة مرات وأعيد بناؤها عدة مرات كذلك، مما جعل دراسته صعبة للغاية. وقد وُجِد داخل هذا المعبد أوعية مصنوعة من المرمر وتمثالان من النحاس منها تمثال لكاهنٍ عارٍ ووجد بالقرب من المعبد أوانٍ وأسلحة نحاسية وتمثال نحاسي لرأس ثور وكمية كبيرة من الأواني الخزفية. ومما يلفت النظر أن جميع الأدوات المصنوعة من النحاس والمرمر تشبه كثيراً الأدوات التي وجدت في القبور الملكية الشّهيرة في ( أُور ) في بلاد ما بين النهرين، مما لا يدع مجالاً للشك أنهما ـ أي معبد « باربار » والقبور الملكية ـ يعود تاريخهما إلى 2500 سنة قبل الميلاد تقريباً.
أما الموقع الثالث الذي يعود تاريخه إلى العصرين النحاسي والبرونزي في البحرين فهو عبارة عن مدينة بكاملها مدفونة تحت التل الذي تقع عليه حالياً القلعة البرتغالية ( قلعة البحرين ). ويعود تاريخ هذه المدينة إلى نفس تاريخ معبد ( باربار )، إذ إن الأواني الخزفية التي وجدت في هذه المدينة هي من نفس الأواني الخزفية الّتي وجدت في معبد باربار.
ومن الآثار الّتي وجدت كذلك: أدوات عاجيّة، مما يدلّ على وجود صلات بين البحرين وبلاد الهند آنذاك. ولقد عُثر في هذه المدينة على سبعة اختام دائرية من نفس نوع الأختام الّتي وجدت في معبد باربار. والجدير بالذكر أن عدد الأختام المماثلة الّتي كانت مكتشفة في العالم قبل بدء الحفريات في البحرين عشرون ختماً فقط اكتشفت منها سبعة عشر ختماً في بلاد ما بين النهرين وثلاثة في موهانجو ـ دارو فيما يعرف اليوم بالباكستان.
ولكن أهم ما تتميز به البحرين في عصر ما قبل التّاريخ هو مدينة « دَلْمُون » التي ظلّت قائمة أكثر من 1000 سنة مهيمنة على التجارة في أقطار الخليج، وكانت صلة الوصل بين أكبر مدنيّتين عرفهما التّاريخ آنذاك، هما مدنيّة وادي الهندوس ومدنيّة بلاد ما بين النهرين.
وتدل بعض الأواني الخزفية اليونانية الصّنع التي اكتُشفت في البحرين والتي تعود إلى القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد، على أن الإغريق وصلوا تلك البلاد إما عن طريق التجارة أو عندما عَرّج عليها قادة جيوش الاسكندر في طريق عودتهم من بلاد الهند حوالي سنة 323 قبل الميلاد بعد حملة الاسكندر الكبير في البنجاب والسند.
ويبدو أن جزيرة البحرين فقدت كثيراً من أهميتها التجارية في زمن الرومان أي خلال القرون القليلة الّتي سبقت ظهور الإسلام، ولم يُكتشف حتّى الآن ما يدل على وجود أية علاقة بين البحرين والامبراطورية الرومانية. أما الآثار القليلة التي اكتشفت والّتي تعود إلى تلك الحقبة من الزمن فهي شبكة الأقنية المائية الّتي تشبه الأقنية المائية الّتي كانت معروفة في بلاد الشّام آنذاك.
وعلى ذلك فقد يكون قيام الامبراطورية الرومانية في الغرب وانتقال قسم كبير من الحركة التجارية مع الهند من الخليج إلى البحر الأحمر من الأسباب الّتي جعلت البحرين تفقد أهميتها كموقع تجاري هام.
ويبدو كذلك أن البحرين كانت هذه الفترة تحت حكم العشائر العربية، وأنها بقيت كذلك حتّى الرابع بعد الميلاد عندما قام شاهبور الثاني ملك السّاسانيين بإخلاء البحرين.

البحرين بعد ظهور الإسلام
إن أقدم الآثار الإسلامية الباقية حتّى الآن في البحرين هي جامع سوق الخميس الذي يقع على بُعد ثلاثة أميال من مدينة المنامة على طريق العوالي، حيث ترتفع منارتا الجامع الشّهيرتان اللتان أعيد بناؤهما عام 1950م.
وكان الجامع القديم قد تهدم ولم يَبقَ منه سوى الجدران الداخلية والأعمدة. وعندما أُعيد بناء المسجد والمنارتين استعملت نفس الحجارة القديمة التي كانت مبعثرة هنا وهناك حوالي المسجد.
ولهذا المسجد أهميّة خاصة؛ لأنه مبنيّ من حجارة صخور البحرين وبعناية فائقة، لأن الجوامع التي بنيت في البحرين كانت مبنية من الخشب والطين مثل الجوامع المعروفة في الوقت الحاضر في الجزيرة العربية. أمّا بالنسبة لمسجد سوق الخميس فقد بُني كله من الحجارة وأقيم حوله سور.
ومن الآثار المهمة التي اكتشفت داخل الجامع: قبران تحت الحائط الغربي لم يكونا موجهين صوب القبلة مما يدل على أن صاحبيهما لم يكونا مسلمين. والظاهر أن الجامع كان قد بُني فوق مقبرة قديمة.
وعندما زار دييز المسجدَ في أوائل هذا القرن وجد على حائط القبلة كتابة عربية تشير إلى أن الجامع في شكله النهائي بُني في سنة 740 هجرية، أي بين عامي 1339 و 1340 ميلادية. ولكن الحجارة التي كانت هذه الكتابة وغيرها من النقوشات منقوشة عليها سقطت منذ ذلك الحين واختفى أكثرها ولم يَبقَ منها سوى القليل الموجود حالياً في حيازة الحكومة البحرانية.
وقد كان لحائط القبلة أهمية خاصة لأنه كان، قبل إدخال المحراب إلى الجامع، يحدد الاتجاه الذي يتجه إليه المصلّون عند تأدية صلاتهم، أي باتجاه مكة المكرّمة. وهذه الحجارة الّتي كان الحائط مبنيّاً منها غير موجودة في الجوامع الأخرى باستثناء جامع الرسول صلّى الله عليه وآله في المدينة وجامع ابن طولون في القاهرة.
أما المسجد الأثري الآخر الموجود في البحرين فهو جامع الرافعية في بلاد القديم القريب من جامع سوق الخميس. ويوجد في هذا الجامع كذلك كتابة عربية قديمة مكتوبة بالخط الكوفي، غير أن لغتها ليست متقنة مثل الكتابة الموجودة في مسجد سوق الخميس. وهذه الكتابة تشير إلى « محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين » مما يدل على أصلها الشّيعي.
وفي البحرين أطلال مسجد آخر هو جامع أبي زيدان، بُني فوق نبع ماء يحمل نفس الاسم. وقد قامت الحكومة في البحرين مؤخراً بإصلاح هذا الجامع ويؤمّه للصلاة الآن كثير من سكان المنامة المنتمين إلى الشيعة لا سيما النساء منهم.
الكتابات والنقوشات
إن أهم الآثار الإسلامية في البحرين هي النقوش والكتابات العربية الموجودة في أنحاء مختلفة من البحرين. وقد ورد ذكر بعضها في الحديث عن سوق الخميس، حيث يوجد ستة نقوشات بعضها على أحجار القِبلة. وقد ترك دييز صوراً عنها مما ساعد بعد فقدانها على معرفة ما كان مكتوباً عليها. وقد وُجِد على حجر القبلة الجنوبي عبارة « الدعوة » مما يُظَنّ معه بأن تاريخ هذه المخطوطة يعود إلى عهد القرامطة الذين ظهروا في البحرين سنة 1058 م.
وهنالك الحجر الكبير الذي نُقش عليه بعض الكتابات التي لم يستطع أحد قراءتها كاملة، أما ما قرئ منها فهو كالآتي: « بسم الله الرحمن الرحيم هذه.. الملك.. أبو سنان محمد بن فضل بن عبدالله ». وهذا النقش له أهميته الخاصة، إذ يُعتقَد بأنه كُتب بعدما استولى عبدالله أمير الحسا على البحرين عام 1058 وأرسل ولده فضل بن عبدالله حاكماً عليها، أي أن الحاكم الجديد هو الذي وضع هذا الحجر باسم والده.
أما النقوش الموجودة على باب المنارة الغربية في جامع سوق الخميس فلا يمكن فكّ رموزها؛ لأنها بالية، ولكن وجود أسماء الأئمة عليهم السّلام يدل على أصلها الشيعي. كما يمكن الاستدلال على أن تاريخها يعود إلى القرن الخامس الهجري، أي ما بين سنتي 1009 و 1106 ميلادية. وهذه الكتابات مكتوبة جميعها بالخط الكوفي.
وحتّى الآن لم يُعثَر على أية نقوش يعود تاريخها إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر ميلادي. ولكنه عُثر على نقوش تعود إلى القرن الرابع عشر وذلك على حَجَرين في قرية المسلم غربي مسجد سوق الخميس.
أما النقوشات الأخرى فتحمل بعض تواريخ سنة 776 هجرية، وتحتوي على آيات من الذكر الحكيم وعبارات تدعو للصّلاة. ومن تلك النقوشات الموجودة على الحجر الكبير في الجامع، ومنها أيضاً النقوشات والكتابات الموجودة في جامع أبي مهرة شمالي طريق بودانة. وهذا المسجد كان قد أعيد بناؤه إلاّ أن النقوش تدل على أن البناء الأصلي يعود تاريخه إلى سنة 1406 ميلادية. ومن هذه النقوشات كذلك الكتابة الموجودة في مسجد حداثة والّتي تدل على أن باني المسجد هو عبدالرحمن بن ميان الذي لا يعرف عنه شيء.

التشيّع في البحرين
مما يُذكَر للدلالة على عراقة البحرين في التشيّع أنّ كلمة ( بحراني ) تُطلق عند غير الشيعة من سكان الخليج على الشّيعي من سكان القطيف والأحساء والبحرين، فإذا قيل: ( بحراني ) أريد به الشّيعي.
وفي مجالس المؤمنين: ( إن تشيّع أهل البحرين وقَصَباتها مثل القطيف والحَسا شائع من قديم الزمان، وعُلّل بأن أبان بن سعيد كان عاملاً عليها مدة في مبدأ الإسلام وهو من الموالين لأمير المؤمنين علي عليه السّلام، وصار عاملاً عليها عمر بن أبي سلمة مدة، وأمّه أمّ سلمة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، وهو أيضاً من محبّي أمير المؤمنين علي عليه السّلام فغرسا فيهم التشيّع ).
وفي روضات الجنّات: ( أهل البحرين قديمو التشيّع متصلّبون في الدين، خرج منها من علمائنا الأبرار جمّ غفير ).
والبحرين أسلَمَ عليها أهلُها طوعاً. كتب رسول الله صلّى الله عليه وآله في السنة الثامنة من الهجرة إلى المنذر بن ساوي وإلى مرزبان هَجَر مع العلاء بن عبدالله الحَضْرَمي بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية فدخلا في الإسلام، وكذلك جميع العرب الذين معهما وبعض الفرس. وأهل القرى والزراعة من المجوس والبربر واليهود والنصارى صالحوا على نصف غلّتهم من الزراعة والتمر وبقوا على دينهم. وأرسل العلاء في ذلك العام إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ثمانين ألف دينار ثم عزل رسولُ الله صلّى الله عليه وآله العلاء وولّى أبان بن سعيد بن العاص وسعيد بن أمية وبقيا إلى وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فعزلهما أبو بكر وولّى العلاء، ثم عزله عمر وولى أبا هريرة، فجرى له معه خبر مشهور. وفي عهد أمير المؤمنين عليه السّلام وَلِيَها تارةً معبدُ بن العباس بن عبدالمطّلب وتارة عمر بن أمّ سلمة ربيب رسول الله صلّى الله عليه وآله. وأول جمعة أُقيمت في الإسلام بعد المدينة كانت في البحرين في جُواثا في بني عبدالقيس. ووفد على النبيّ صلّى الله عليه وآله وفد عبدالقيس من هجر فقال لهم: مرحباً بوفد قومٍ لا خَزايا ولا نادمين.
وأكثرية سكان البحرين هم من الشيعة. ويسود التشيع في الريف، فكل سكانه من الشيعة فيما عدا قرية أو قريتين.
ويرى البحّاثة البحراني الشّيخ محمد علي التاجر أن كل سكان البحرين كانوا من الشيعة حين احتلال البرتغاليين للبحرين. ولكن البرتغاليين لم يطمئنوا للشيعة بعد مقاومتهم لهم مقاومة عنيفة، فاضطهدوا الشيعة وعرقلوا حياتهم.
قبور علماء الشيعة في البحرين
حفلت البحرين بالعديد من علماء الشيعة في كل عصر. وفي زيارتنا الاستطلاعية للبحرين عام 1385 هـ / 1965م عرفنا من قبور علمائهم قبر كلّ من:
1 ـ الشّيخ حسين عُصفور في قرية ( الشّاخُورة )، وهو يقوم وسط مقبرة القرية داخل غرفة بسيطة صغيرة مفروشة بالحُصُر، يُدخَل إليها من باب خشبي بسيط ضيّق واطئ. وفوق القبر قبة بسيطة، وعليه مُلقاة مجموعة كثيفة من السّتائر الحريرية ذات ألوان مختلفة أكثرها أخضر. وفي الجدار الغربي قصيدة خطيّة ملصقة عليه بإطار خشبي وزجاج.
وتحتها اسم حسين بن أحمد بن حسين بن مدن وهو كاتبها، وعليها تاريخ 16 شوال سنة 1355هـ، وعرفنا أن ناظمها هو الشّيخ إبراهيم ابن الشّيخ ناصر.
وعلى نفس الجدار بعض الأعلام الخضراء البالية، وغرفة القبر ذات محاريب عالية عن مستوى الأرض تملأ جدرانها. وفي أحد المحاريب مصاحف وكثير من التربة الحسينية.
والمقام مزار معظم من أهل المنطقة كلها كباقي مقامات العلماء، تُنذَر له النذور، وعند الزواج يزوره العريس وأهله للتبرك به وقراءة مولد النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكذلك حال الختان والولادات وغيرها من المناسبات.
وتحاط غرفة القبر بصحن صغير بسيط ترابيّ الأرض مسقوف بالخشب وجذوع الشّجر وتملأ جدرانه المحاريب المرتفعة عن الأرض، وفيه تعقد الاجتماعات في المناسبات المتقدمة، كما تقرأ فيه وَفَيات الأئمّة.
وعدا قبر الشّيخ حسين (30) ففي الغرفة قبران لبعض المؤمنين، كما أن في الخارج في الأرض الفضاء قبراً قيل لنا إنه قبر الشّيخ أحمد ابن الشّيخ سلمان آل عصفور.
ومما يستحق الذكر أن قبور المقابر العامة فيما رأيناه في البحرين مسوّاة كلها بالأرض لا يبدو منها أي شيء ما عدا حجراً بسيطاً بارزاً عن سطح الأرض فوق كل قبر.
والقرية التي يقوم فيها قبر الشّيخ ـ وهي قرية « الشّاخورة » ـ قرية تدل مظاهرها على حياة البؤس، ورأينا فيها بيوتاً مبنيّة بسعف النخل ومسقوفة كذلك بها.
وتحتفظ القرية بأطلال مسجد الشّيخ وأطلال بيته، وهما متلاصقان. ولا يزال قوسا المحراب قائمين، وما بقي هو ركام من تراب وأحجار.
2 ـ قبر السيّد هاشم البحراني في بلدة ( تُوبْلي )، وهو يقع على مرتفع مطلّ على طريق السّيارات العام من جهة وعلى ساقيةِ ماء من جهة ثانية. وهذا المرتفع هو أطلالُ بيتِ السيّد وأطلال مسجده، وأمامه اليوم أرضٌ فضاء واسعة كانت في القديم تتبع المسجد، ويفصلها اليوم عن القبر ساقية ماء.
ولمّا وصلنا إلى القبر كان بابه مُقفَلاً فلم نستطع رؤيته من الداخل ولكن مظهره الخارجي يدل على عنايةٍ وتحسين أكثر من القبر السّابق. والمعروف أن السيّد هاشم كان من قرية كتكتان التابعة لتُوبلي، ولما سألنا عن كتكتان قيل لنا إن القرية زالت وإنْ ظلّ اسمها معروفاً. وفي بعض أراضيها غير البعيدة عن « توبلي » تقوم بيوت حديثة لا تحمل اسم كتكتان، بل تتبع توبلي بالتسمية.
وتفصل اليوم طريق السّيارات المقامَ عن مقبرة البلدة العامة، وقبور هذه المقبرة كقبور المقبرة السّابقة وككل مقابر البحرين مسوّاة بالأرض تسويةً تامة لا يبدو من كل قبر إلاّ حجر بسيط يرتفع قليلاً عن سطح الأرض.
وفي الجهة الشّمالية من القبر قبران متوازيان قديمان، على كل منهما حجر منقوش عليه بعض الآيات لم نستطع معرفة صاحبيهما، كما أن في الجهة الجنوبية بعض القبور الحديثة.
وهذا القبر كسابقه مزار معظّم، ويبدو أمام هذه القبور دائماً غرفة صغيرة يستعملها الزائرون في المواسم مطبخاً.
3 ـ قبر الشّيخ ميثم البحراني. ومن أول نظرة يدرك الزائر أنه أكثر إتقاناً وأبهج مظهراً من القبرين السابقين. وربما كان ذلك عائداً لوقوعه في المدينة « المنامة »، خلافاً للقبرين السّابقين الواقعين في القرى. والمقام عبارة عن غرفة واسعة فيها قبران أحدهما قبر الشّيخ والثاني قالت لنا المرأة القيّمة على القبر إنه قبر الشّيخ أحمد العرب. وقد كانت مفاجأة لنا أن تكون قيّمة قبر امرأة، وقد حسبناها أول الأمر زائرة ولكنّها لما أدركت حَيرتنا في الاستفسار عن القبور تطوّعت بإمدادنا بمعلوماتها. وتعلو الغرفة الواسعة قبة ذات جدران زجاجية ملونة، وعلى القبر قفص خشبي تتكدّس فوقه السّتائر الخضراء وغير الخضراء، ويدور حوله إيوان مسقوف بالخشب. وفي الصّحن قبة أخرى قالت لنا القيّمة إن فيها قبري الشّيخ جعفر وحفيده، كما أن في الصّحن قبوراً أخرى.
وهذ المقام وحده هو المُضاء بالكهرباء على عكس المقامين السّابقين، ويقع المقام في أرضٍ فضاء واسعة. وهو كسابقيه مزار معظم.
4 ـ قبر الشّيخ حسين عبدالصّمد والد الشّيخ البهائي إذا كان الشّيخ حسين عبدالصّمد قد عاش غريباً، فهو إمّا في إيران يتولّى منصب مشيخة الإسلام، أو في البحرين مهاجراً زاهداً متقشّفاً، فإن غربته لا تبدو كما تبدو وهو ساكن ثرى هذا الضّريح، فليس فوق قبر الشّيخ لا قبة ولا غرفة، بل هو أقرب إلى الاندراس، يقوم في أرضٍ قفر على بُعد حوالي 600 متر من جنوبي قرية المصلّى. وليس ما يدل عليه سوى حجر منقوش ببعض الكتابات الّتي أصبحت غير واضحة بفعل الزمن.
ولكن يبدو أن النّاس الذين لم يجدوا على قبره مقاماً يزورونه فيه قد استعاضوا عن ذلك بأطلال منزله ومسجده الّتي تراكمت فشكلت تلاًّ صغيراً وضع المؤمنون عليه حصراً للصّلاة، وتقع هذه الأطلال في طرف قرية المصلّى الحالية لجهة الشّرق على الطّريق المؤدّي إلى جد حفص.
تقاليد بحرانية
يُشاهَد في البحرين نوع من العمائم فريد في نوعه، ذلك بأنه لا يزال فيها من يعتمر عمائم أشبه في تكوينها بالعمائم النجفية ولكنها صفراء اللون صفرة غير فاقعة بل باهتة. وكان يختص باعتمارها تجار اللؤلؤ، فلمّا زالت هذه التجارة وتحوّل أربابها إلى أعمال أخرى ظلّوا محتفظين بهذه العمائم، وهم اليوم بقايا من الشّيوخ يزولون تدريجاً.
ومن تقاليدها الشّيعية أن المولود البكر الذي يولد من أبوين عَلَويَّي النسب يسمى ( عَلَوي )، وأن الحسينية يطلق عليها اسم ( مأتم )، فيقال: بُني في الحيّ الفلاني مأتم، أي حسينية باصطلاح العراقيين والعامليين.
أوقاف الشيعة
وأوقاف الشيعة في البحرين لها دائرة مستقلة تضبط وارادتها وصادراتها، ويديرها موظفون من الشيعة. وقد أُنشئت هذه الدائرة سنة 1340هـ، وتتكون وارداتها من العقارات والنخيل والأراضي الزراعية ومصائد الأسماك، وهي تبلغ في هذا الوقت ما يعادل 39 ألف ليرة استرلينية. وهذه الواردات تُنفَق على إصلاح المساجد وإنارتها وفرشها وكذلك الحسينيات والمقابر، وعلى خطباء المنبر الحسيني والإطعام يوم عاشوراء، وعلى عبادات عن أرواح الواقفين، وكذلك على الطلاب البحرانيين الذين يدرسون في النجف، ويبلغ عددهم اليوم ثلاثين طالباً، وتحتفظ الدائرة بسجلاّت لكل وقف وما وقف عليه.
حسينيات البحرين
قلنا فيما تقدم إن البحرانيين يطلقون كلمة ( مأتم ) على ما اصطلح العراقيون والعامليون على تسميته ( حسينية ). وفي المنامة يوجد اليوم حوالي أربعين حسينية للرجال والنساء، وفي المُحرَّق حوالي خمس حسينيات. ولا توجد قرية إلاّ وفيها حسينية للرجال وحسينية للنساء. وحسينيات النساء مما تفردت به البحرين.
وهذه هي أشهر المآتم:
بمدينة المنامة يوجد حوالي 40 مأتماً للرجال والنساء. من أشهرها: مأتم مدن، مأتم ابن سلّوم، مأتم الصَّفافير، مأتم السَّماميك، مأتم ابن رجب، مأتم مديفع، مأتم العريض، مأتم رأس الرمّان، مأتم النعيم، مأتم الاحسائيين، مأتم زبن.
وفي البحرين توجد ثلاثة مآتم ذات قِباب هي: مأتم مدن، ومأتم السّماميك، ومأتم السّنابس.
أما بالنسبة للأماكن الشّيعية الأخرى فيوجد في المُحرّق حوالي خمسة مآتم، وفي كل قرية من القرى الشّيعية يوجد على الأقل مأتم للرجال وآخر للنساء كما قلنا. وهناك 260 مسجداً مشمولاً بسجلّ دائرة الأوقاف الشّيعية، لما لها من أوقاف يصرف ريعها على صيانة هذه المساجد. وبالاضافة إلى هذا العدد يوجد مساجد أخرى تقع تحت إشراف الدائرة ولكن لا توجد لها أوقاف.
ومن أشهر المساجد في البحرين:
مسجدالمؤمن بالمنامة، مسجد الخواجة بالمنامة، جامع جد حفص وفيه تقام صلاة الجمعة، جامع كزركان وفيه تقام صلاة الجمعة، وجوامع كل من سَماهيج، سَترة، غالي، دار كليب وتقام فيها الجمعة أحياناً.
وفي البحرين اليوم ( 1385 هـ / 1965م ) من رجال الدين كل من:
1 ـ الشّيخ باقر ابن الشّيخ خلف العصفور.
2 ـ الشّيخ منصور بن حسن السِّتري.
3 ـ الشّيخ إبراهيم بن ناصر بن مبارك.
4 ـ الشّيخ عبدالمحسن آل شهاب.
5 ـ الشّيخ أحمد ابن الشّيخ خلف العصفور.
6 ـ الشّيخ عبدالحسن بن سلمان الطفل الجَد حَفْصي.
7 ـ السيّد عَلَوي ابن السيّد أحمد.
8 ـ الشّيخ ميرزا بن محمد صالح.
9 ـ الشّيخ حسين ابن الشّيخ عباس.
وخطباء المنابر الحسينية:
الحاج الملاّ عطية بن علي الجَمري، الملاّ يوسف بن الحاج عطية الجَمري، الملاّ محمد صالح بن الحاج عطية الجَمري، السيّد صالح بن السيّد عدنان، الشّيخ أحمد بن أحمد ابن الشّيخ خلف العصفور، ملاّ محمد جعفر العرب، الشّيخ منصور بن حسن السّتري، وعدد آخر من الخطباء.

البحرين
تقع البحرين في الخليج على مقربة من سواحله الجنوبية بين ساحل الأحساء فيما سُمّي بالمملكة العربية السّعودية غرباً، وشبه جزيرة قَطَر شرقاً. وتتكون من أرخبيل مكوّن من جزيرة البحرين ( أو المنامة ) ـ التي تمتدّ أقل من خمسين كليومتراً طولاً من الشّمال إلى الجنوب، ونحو ستة عشر كيلومتراً عرضاً من الشرق إلى الغرب ـ ومن نحو ثلاثين جزيرة أصغر منها مساحة، وبعض هذه الجزر غير مأهول بالمرّة.
عندما نتحدث عن البحرين اليوم ـ أو حتّى لبضعة قرون خلت ـ فإنما نقصد « الجزر ». لكن القدامى من أخباريّي العرب وجغرافيّيهم كانوا إذا ذكروا البحرين يقصدون المنطقة السّاحلية المواجهة للجزر، والمسمّاة اليوم: الأحساء، بل كثيراً ما كان البعض يقصدون منطقة أبعد امتداداً على السّاحل شمالاً وجنوباً. ويبدو أن هذه التسمية، التي كانت تعم المنطقة، تخلّى عنها الكتّاب والمؤلّفون منذ حوالي 1300م. والكتّاب الذين استعملوا البحرين للمنطقة كانوا يسمّون الجزيرة الرئيسية باسم أُوال، وقد يطلقون على جزر البحرين أُوال.
فإذا عدنا إلى ما كنّا فيه عن البحرين ( اليوم ) قلنا: إن مساحتها هي 662 كلم مربع، تشغل جزيرة البحرين منها نحو 560 كيلومترا مربعاً. ويحيط بهذه الجزيرة جزر أصغر مساحة وأهمها: المُحَرّق وسِتْرة ( وهاتان مرتبطتان بالجزيرة الكبرى بجسرين )، والنبيّ صالح، وأم الصبّان، وأم النعسان، وجِدّة. والمجموعة الثانية من الجزر هي جزر صغيرة صخرية، يقطنها جماعة من الصيّادين والحجّارة. وهذه الجزر تبعد نحواً من عشرين كيلومتراً عن قطر.
والجزر الصّغيرة في المجموعتين صخرية منخفضة السّطح، بحيث لا ترتفع سوى بضعة أمتار فوق سطح البحر، أما الجزيرة الرئيسة فهي أكثر تنوّعاً في السّطح، فطبقات الصّخور فيها تتكون من الصّخر الكلسي والصّخر الرملي. وقد تكونت هذه في الأزمنة الجيولوجية المتوغلة في القِدم، والجزء الأوسط منها يرتفع عند تل جبل الدّخان إلى أقل من 140 متراً قليلاً، وهو صخري قاحل. والمنخفضات الجنوبية والغربية تتكون من سهل رملي تتخلله سَبخات ومستنقعات ملحية. أما المناطق الشّمالية والشّمالية الغربية فإنها تزودنا بالمنظر المختلف عن ذلك تماماً. إن هذا الجزء يكوّن نطاقاً ضيقاً نسبياً من بساتين النخيل والخضار، وترتوي الأشجار والنباتات من الينابيع الكثيرة، والآبار الارتوازية. ومن الطريف أن الماء العذب يظهر في ينابيع تحت الماء المالح إلى الشّمال من جزائر البحرين. وقد كان هذا الماء يحمل في قِرَب يملأها الغوّاصون إلى هذه الينابيع منها، ويباع في مدن الجزر وقراها.
وجوّ البحرين رطب طوال العام. ومع أن معدل الحرارة من أيار ( مايو ) إلى تشرين الأول ( اكتوبر ) يزيد عن 29 س، فإن شهري آب ( اغسطوس ) وأيلول ( سبتمبر ) تصل الحرارة فيهما إلى 44س. ويكون معدل الحرارة في أشهر الشتاء، أي من كانون الأول ( ديسمبر ) إلى آذار ( مارس )، 21س. والمطر الذي يقتصر نزوله على فصل الشّتاء يبلغ معدله 760 مليمتراً في السنة، والرياح المسيطرة هي الرياح الشّمالية الرطبة. فإذا هبّت رياح من الجنوب كانت حارة، وقد تحمل الرمال والتراب.
تنمو في الأجزاء القاحلة من البحرين نباتات وأنجم صحراوية متنوعة، قُدِّر عددها بنحو مائتي نوع. أما المناطق المزروعة فغنية بالأشجار المثمرة والخضار. وتعيش بعض أنواع الحيوانات الصّحراوية في الأجزاء الجافة كالسَّحالي واليربوع. كما أن في البحرين أنواعاً من الطّيور تثير الاستغراب لأن موطنها الأصلي أوروبة وإفريقية وآسية القصوى.
كان عدد سكان البحرين نحو 000, 182 ( في 1965 م ) وارتفع إلى نحو 000, 217 ( في 1971م ) وأصبح نحو 000, 266 ( في 1977م ).
وأكثر من أربعة أخماس السّكان من مواليد البحرين، وهناك إلى نحو 5 0/0 من أهل عُمان، ثم يكوّن الهنود والباكستانيون والإيرانيون والفلسطينيون والبريطانيون ما تبقّى.
وأكبر المدن في البحرين هي المَنامة، والمُحَرَّق، والعَوالي.
شيء من التاريخ
تاريخ البحرين، مثل تاريخ الكويت وقطر ودولة الإمارات العربية، مرتبط بتاريخ الخليج؛ فالتجارة والتجّار الذين كانوا ينقلون السّلع بين الشمال والجنوب وبالعكس، كانوا يجدون في البحرين المركز المناسب للإراحة والتبادل التجاري.
والفاتحون الأقدمون ـ على الأقل من الآشوريين إلى الفرس القدامى فالإسكندر فخلفائه ـ كان يهمهم الاستيلاء على البحرين ( منطقةٍ قديمةٍ أو جزرٍ ) كما كانوا يعنون بالاستيلاء على أي ميناء على سواحل الخليج. بل لعلّ اهتمامهم بالبحرين كان أكبر، وذلك لتوسط الجزر الطريقَ أوّلاً، ولأن البحرين كان فيها ماء عذب يمكن أن يفيد منه البحّارة والمسافرون.
على أن هناك أمرين آخرين هامين يتعلقان بالبحرين القديمة، هما: أن البحرين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة غلغامش؛ وكثرة القبور الّتي عثر عليها في جزيرة البحرين، والتي تعود إلى غابر الأزمنة.
أما فيما يتعلق بالأسطورة، فإن بطلها غلغامش، بقطع النظر عن هويته التاريخية، يُمثل الرغبة في الخلود والسعي له. ويُنصَحُ له أن يذهب إلى الفردوس ليحصل على زهرة الخلود. وتنمو الأسطورة مع الزمن فتصبح فيها إشارة، ولو بعيدة، للخليقة، وإشارة أقرب إلى الطوفان، ورحلة إلى المكان المقصود. ونحن إذا تذكرنا أن القصة سومرية الأصل، وأن المكان الذي ذهب إليه البطل هو في الخليج، فالبحرين تصبح المكان المقصود، إذ فيها توجد المياه العذبة في قاع البحر، تحت الماء المالح. ويرد في الأسطورة اسم دلمون. وسنعود إلى هذا قريباً.
أما القبور الكثيرة الموجودة في البحرين فلم يُكشَف عنها النقاب إلاّ قبل مدة يسيرة، فقد كان الناس يرون هذه القباب الكثيرة في جزيرة البحرين، في وسطها وشمالها الغربي، ويتمركز أكثرها حول قرية ( عالي ). ومع أن بعض التنقيب السّطحي قد تمّ هناك، ومع أنه عُثر على بعض القبور، فلم يعرف العالم أن المكان كان فيه آلاف من هذه القبور إلاّ لما أخذ الرفش والمعول طريقهما الجدّي إلى هذه المقابر. وقد بلغ من كثرتها أن ظن بعض الباحثين أولاً أن الجزيرة كانت مقبرة فقط لسكان المناطق السّاحلية المجاورة، وأن السّكان كانوا ينقلون موتاهم لدفنهم هناك لأن أرض الجزيرة ـ أُوال ـ هي أرض مقدسة، بحكم تكريس الإله ـ الصّنم أوال فيها.
وإذا كان لا يزال من يقبل هذا الرأي من الباحثين، فيجب أن يُعدِّله ( أو يَعدِل عنه ) بحيث يكون السّكان الذين كانوا يفدون على المنطقة والجزر ويقيمون في المكانين يدفنون موتاهم في تلك الجزيرة.
والثابت تاريخياً أن هذه المقابر ترجع إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، وهي الفترة التي كانت فيها التجارة عبر الخليج آخذة في الازدياد، بسبب حاجة المدن السومرية إلى المواد الخام المعدنية والخشبية بشكل خاص، لتنمية صناعتها. وهنا يرد عند المؤرخين اسمان هامان، بالنسبة إلى الألف الثالث والنصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، هما: ماغان ودِلْمون. ولسنا هنا في معرض سرد الآراء المختلفة حول الاسمين، ولا في سبيل مناقشة هذه الآراء، فهذان أمران ليس هنا موضعهما. ولكن الذي نريد أن نضعه بين أيدي القراء ـ وهو ترجيح لا قَطْعَ نهائياً فيه ـ هو أنّ ماغان هي عُمان، ومنها كان يُحمَل النحاس إلى السومريين عن طريق مراكز مختلفة منها إن لم يكن أهمها، البحرين. وكانت بعض الأخشاب تحمل من ماغان ( عُمان ) أيضاً، لكن الكثير من الأخشاب كان يحمل من الهند ( حوض السند! ) أيضاً.
ويبقى عندنا دلمون. وهذا الاسم مثل ماغان ( عمان ) تدور حوله آراء كثيرة، لعلّ المرء يمكن أن يلخصها بقوله إن دلمون لم تكن تعني بقعة معيّنة صغيرة، بل كانت تعني، في قيود أهل المدن السومرية، منطقةً واسعة إلى الجنوب من بلادهم، وإنّ مركز هذه المنطقة كانت مدينة في البحرين اسمها دلمون أيضاً. وليس مثل هذه التسميات غريبة على الإنسان ـ أي أن تكون اسم العاصمة والدولة
( أو المنطقة شيئاً واحداً ) بل ولقب الملك أيضاً. ( عندنا عن الأولى الجزائر ـ المدينة ـ والجزائر القُطر. وعن الثانية غانة القديمة في السّودان الغربي. فغانة كان أصلاً معناها الملك، ثم أُطلقت الكلمة على الدولة ثم على عاصمة الدولة ).
نعرف أن تجارة الخليج تراجَعَ نشاطها بين حول 1600 و 700 ق.م، وأنها عادت إلى النشاط والحركة أيام الآشوريين والكلدانيين والفرس القدامى والسّلوقيين. ونعرف أن الإسكندر حاول التعرف على أجزاء الخليج وسواحله ـ الفارسي منها مع بعثة نيارخوس، والعربي منها في بعثاته الثلاث التالية ـ وأن واحدة من هذه البعثات وصلت إلى البحرين، ولما عادت رفعت إلى الإسكندر تقريراً عن مهمتها. لكن مما يؤسف له أن أحداً من الكتّاب التالين لم ينقل شيئاً عن هذه التقارير حول السّواحل العربية للخليج.
والمهم هو أنه بين حول 300 ق.م وأيام السيّد المسيح كانت ثمة قرية ومدينة اسمها الجَرْها ارتبطت تجارتها بتجارة البحرين. والجَرْها مكانها لم يُتّفَق عليه تماماً، وإن كان ثمة شبه قبول موقت للنظرية القائلة بأن الجَرهاء هي العُقَير الحالية، في شرق ما يسمّى بالمملكة العربية السعودية. ولعلّ معنى هذا أن تجارة الخليج ـ أو أكثرها على الأقل ـ كانت تنتقل من البحرين ( أو عن طريقها ) إلى الجَرهاء، ومن هناك تنقل إلى دُومة الجَندل ( الجَوف ) فديار الأنباط ـ البتراء، لتوزّع منها على مصر وجنوب فلسطين. وقد يعود اتّباع هذا الطريق بدل طريق العراق ـ الشّام إلى حالة حرب كانت تقوم بين السّلوقيين ( أو خلفائهم ) في العراق وبين الجماعات الغرتية الّتي كانت تناصبهم العداء.
ومنذ القرن الأول للميلاد ضعفت تجارة الخليج أيضاً، وضعفت معها تجارة البحرين والجَرهاء، ويبدو أن اكتشاف هبالوس للرياح الموسمية واستعمالها في تسيير السفن ( القرن الأول ق.م)، وقيام الامبراطورية الرومانية الّتي ورثت بالاهتمام بالبحر الأحمر وتجارته مع مصر، حوّلت الطرق عن الخليج. لكن هذا لم يَدُم طويلاً، ذلك أن قيام الدولة السّاسانية في مطلع القرن الثالث للميلاد واهتمامها بتجارة الحرير البرية والبحرية، حتّم عليها العناية بطريق الخليج من جديد، فلما جاء الإسلام إلى المنطقة وجدها نشيطة في تجارتها.
أما سكان البحرين، منطقةً وجزراً، الذين استوطنوها منذ أقدم الأزمنة فهم الشّعوب المألوفة في الجزيرة العربية، وبخاصة شرقها. وذلك أن جماعات من سكان سومر وبابل في جنوب العراق، وفئات من أهل السّند والهند، الذين كانوا يتعاطون التجارة قد استقروا هناك، كما استقروا على الراجح في عُمان وسواها. لكن العنصر الذي غلب على البحرين، ( منطقة وجزراً ) هو العنصر العربي القادم إليها من جنوب الجزيرة وشمالها الغربي ـ يَمَنه وحِجازة، قحطانه وعدنانه والجماعة التي غلب اسمها في القرنين الثاني والثالث للميلاد هي قبيلة الأزد. ثم طُعِّمت بغيرها من الحِميريّين والسبئيّين، بعد تفجّر سدود اليمن، وبآخرين من نزار. وقد يصعب تفسير تنقّل فئاتٍ من العرب من جزء من الجزيرة العربية إلى جزء آخر، ولكن لابد أن لعامل المناخ وتبدّله الدور الأول في ذلك. يضاف إلى ذلك وجود إغراء في منطقة دون أخرى كالتجارة في سواحل الخليج، وصيد اللؤلؤ والأسماك في مائه.
وفي حياة الرسول صلّى الله عليه وآله: وفي السنة التاسعة للهجرة حمل العلاء الحَضرمي رسالةً إلى حاكمَي البحرين وهَجَر، ( المنذر بن ساوي التميمي وسيبخت ) من النبيّ صلّى الله عليه وآله، يدعوهما فيها إلى الإسلام. فأسلما وأسلم من معهما من القبائل العربية. ويبدو أن غير العرب من سكان البحرين ( منطقةً وجزراً ) آثروا أن يظلوا على مجوسيتهم، فدفعوا الجزية وقُبِلت منهم. وكانت الردة فارتد الكثيرون إلاّ عبدالقيس، وأرسل أبو بكر إليهم العلاء الحضرمي فقاتلهم حتّى أعادهم إلى حظيرة الإسلام. وظل الحضرمي أميراً على تلك الجهات.
ويبدو أن البحرين أصبحت مركز بعوث بحريّة إلى الساحل الفارسي وحتّى إلى السّاحل الهندي على مقربة من بومباي ولعلّها وصلت إلى جزيرة سِيلان ( سَرَنديب ).
وقد أصاب البحرينَ ( جزراً ومنطقة ) كثيرٌ مما أصاب الدولة الإسلامية المشرقية على أيدي المعارضة، فوصلت إليها من الخوارج ( في سنة 67 و 69 و 89 هـ / 686 و 688 و 707م ) حملات كان لها آثار بعيدة المدى بالنسبة إلى السّكان. ويبدو أن البحرين تأثرت بثورة الزنج، فقام في المنطقة زعيم ( 249 هـ / 863 م ) استولى على هَجَر، ثم غُلب على أمره فخرج. كما أن القرامطة كان لهم قومة وحكومة ومعارك وانتصارات وانهزامات في المنطقة بين سنتي 287 هـ / 900م و 366 هـ / 976م. وفي هذه الفترة بلغ القرامطة من القوة حداً اضطر معه الخليفة العباسي إلى عقد هدنة معهم ودفع مبلغ سنوي لهم ( 325 هـ / 936م ). كما أنهم نقلوا الحجر الأسود من الكعبة إلى بلاده، وقد ضعف أمر القرامطة بعد ذلك، ثم زالت دولتهم.
وبسبب من ضعف الحكومة المركزية ( العباسية ) أخذ أهل البحرين شؤونهم بأيديهم. وفي الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي كانت البحرية يحكمها رؤساء من أبنائها. ولعلّه من المناسب أن نتذكّر ـ ونذكّر ـ بأننا اعتباراً من حول سنة 1300م عندما نذكر البحرين، فإننا نقصد الجزر، وهذا هو المعنيّ فيما يرد من كلامنا.
عهد الاستعمار
وصل البرتغاليون الخليج في مطلع القرن السّادس عشر، وأخذوا باحتلال مدنه وسواحله. واستولوا على البحرين فيما استولوا عليه. ولما اشتط البرتغاليون في جمع الضرائب وأساؤوا إلى السّكان بصلافتهم، قامت الثورة في وجههم ( سنة 1522م )، وكانت البحرين بين المناطق التي ثارت. لكن يبدو أن البرتغاليين عادوا إلى الجزيرة بعد أن وصلتهم الإمدادات الجديدة. وظلوا فيها إلى سنة 1602م. ومع طول هذه المدة فإن البرتغاليين لم يخلّفوا في الجزيرة آثاراً تستحق الذكر ( باستثناء قلعة البحرين ).
وفي أواسط القرن السادس عشر حاولت الدولة العثمانية التدخل في الخليج، فهاجم أسطول بحري البحرين ( 1552 م ) لكنه لم يوفق في الحملة. وبعد إخراج البرتغاليين تعثّرت أمور البحرين، إذ إنها تعرضت لغزوات وظلامات كثيرة من الجيران. وظل الأمر كذلك إلى أن تولّى العُتوبُ البلادَ سنة 1783م.
ويرى الكثيرون أن تاريخ البحرين الحديث يبدأ في هذه السنة، فمن الجهة الواحدة كان للعُتوب أسطول تجاري كبير أفادت منه البحرين، ومن جهة ثانية أصبحت أغنى مَغاصات اللؤلؤ في الخليج ( البحرين ) في متناول تجار العُتوب وأسطولهم.
كانت بريطانيا قد دخلت في معاهدة مع إمارات السّاحل العُماني سنة 1820م، هي « معاهدة السلام العام ». وخلاصتها أنه لا يجوز لأيّ من المَشيَخات أن تهاجم أياً من السفن البريطانية. وقد أفادت البحرين من هذه المعاهدة، وكان ذلك طبيعياً، فإن البلد كان قد انضمّ إلى العمل القرصنيّ، وإذن فله أن يفيد من أيّ اتّفاق يحدد ذلك. وفي سنة 1847م وقّع شيخ البحرين معاهدة مع بريطانيا للقضاء على تجارة الرقيق. وفي سنة 1861م عُقِد اتفاق بين بريطانية والبحرين اعترف فيه شيخ البحرين بالاتفاقيات السابقة، ووعد بالامتناع عن الحروب والقرصنة وتجارة الرقيق بالبحر. وحصل لقاء ذلك على المساعدة البريطانية في حالة الاعتداء الخارجي. وأخيراً انضمت البحرين إلى معاهدة « الاتفاقيات المانعة » الّتي وقّعت سنة 1892م، والّتي كانت تقضي بتعهّد زعماء المنطقة كلها بعدم التعاون مع أي دولة إلاّ عن طريق بريطانيا، مهما كان نوع التعاون.
وكانت قد أُنشئت في البحرين ( 1860 م ) إدارة جمركية منتظمة ظلّت حتّى سنة 1888م تحت إدارة شيخ البحرين المباشرة. ولكنها، في تلك السنة، نُقل العمل فيها إلى أيدي ملتزمين محليين، الأمر الذي عرّض الجمارك إلى كثير من التلاعب في أمورها. ثم عادت الأمور إلى التنظيم لما أُعيدت إدارة الجمارك إلى الحكومة. وفي سنة 1904م عُيّن في البحرين وكيل سياسي بريطاني، لكنّه أخذ تدريجاً يسيطر على شؤون الإدارة الداخلية.
النّفط والصّناعة والتّجارة
ومع أن البحرين كانت أول منطقة عربية اكتُشف فيها النفط ( مُنح الامتياز 1925م واكتُشف النفط 1932م وبدأ الانتاج 1934م ) فإن الكميات المُنتَجة والاحتياطي ضئيلان بالنسبة إلى ما عرفته المناطق الأخرى فيما بعد، ولكن البحرين ـ كما سنرى ـ أفادت من هذا التقدم في التعامل مع النفط، وقامت فيها صناعة نفطية هامة.
وظلت البحرين تعتمد في مواردها الاقتصادية على الغوص على اللؤلؤ إلى أن جاء المنطقة اللؤلؤ الياباني المزروع في الثلاثينات، فأخّر هذا المورد تأخيراً كبيراً. وإن كان ثمة من يغوص على اللؤلؤ، لا في البحرين فحسب، ولكن في منطقة الخليج، فإن واردات هذه الصناعة ضئيلة جداً.
وكانت البحرين مشهورة بصناعة السّفن، بل كانت في موقع الريادة في هذه الصّناعة. فالغوص على اللؤلؤ كان يحتاجها، والتجارة البعيدة المدى لأهل البحرين وجيرانهم تتطلبها، وكانت السّفن التي تأتي البحرين من الخارج تحتاج إلى صيانة. وبسبب من التطور التجاري وتبدل أنواع السّفن المستعملة، ضَؤلت هذه الصناعة في البحرين، بحيث لم يعد يتجاوز عدد ما تصنع من السفن المائة أو يزيد، بعد أن كانت تصنع المئات منها سنوياً. إلاّ أن الصّناعة التي استمرت قوية مدة من الزمن ( ولا تزال كذلك ) هي صناعة القوارب الصّغيرة التي يُقبل عليها هواة الصّيد البحري. ويقيم أكثر صنّاع القوارب في ساحل النعيم وساحل المُحرَّق.
والبحرين مشهورة منذ أزمنة قديمة بصناعة الخزف. وقرية ( عالي ) هي المركز الأول لهذه الصّناعة. وكانت منطقة الرفاع ( ولا تزال ) تزوّد صنّاع الخزف بحاجتهم من الصَّلصال البُنيّ والأبيض. والصّناعة الّتي كانت تعتمد على اليد والدولاب الرِّجلي منذ أقدم الأزمنة، لا تزال تُمارَس على هذا الأسلوب.
وللبحرين ومنطقة الأحساء المقابلة لها في المنطقة الشرقية مما يسمّى بالمملكة العربية السّعودية شهرة قديمة في صنع النسيج؛ فقد ذكر ناصر خسرو ( القرن الخامس / الحادي عشر ) مهارة السكان في صنع الأنسجة والمَناشِف. وقد تركزت صناعة النسيج في أوائل القرن العشرين في البحرين في بني جَمرة وأبو صيبع. وما يُصنَع صالح للاستعمال الشّعبي. والنول المستعمل هو النول اليدوي. على أن هذه الصناعة أخذت تتلاشى بخاصة في اعقاب الحرب العالمية الثانية.
ولعلّ مما يمتّ إلى صناعة النسيج بصلة، من حيث الفكرة والأسلوب فقط صناعة السِّلال والأطباق القشيّة الملونة.
التّعليم
لا شك أن من أهم إنجازات البحرين في الثلث الأول من القرن العشرين جاء في التعليم؛ ففي سنة 1919م عَرَفت البحرين مدرستها الرسمية الأولى. ( وبهذه المناسبة احتفلت البحرين سنة 1969م باليوبيل الذهبي لبدء التعليم الرسمي في البحرين، وكانت بطبيعة الحال ـ على ما سنرى فيما بعد ـ قد قطعت شوطاً بعيداً في مجال التّعليم ). وفي سنة 1928م افتتحت أول مدرسة ابتدائية للبنات، كما أن أول بعثة حكومية ( تعليمية ) للخارج أُرسلت في السنة نفسها. واتخذت حكومة البحرين خطوة هامة سنة 1929م إذ وضعت المدارس تحت إشرافها المباشر. وكانت الخطوتان الأخيرتان اللتان تمّتا قبل الحرب العالمية الثانية هما الابتداء بتعليم الكبار ( 1936 م ) في سبيل إزالة الأمية، وتيسير تعليم أولئك الذين يحتاجون إلى ذلك في أعمالهم. والخطوة الثانية كانت افتتاح أول مدرسة ثانوية للبنين ( 1939 م ).
وجاءت الحرب العالمية الثانية، وشدّدت الحكومة البريطانية عن طريق المستشار بلغراف على نواحي الحياة في البحرين، بحيث إنه في أثناء تولّيه عملَه ( 1926 ـ 1956 م ) لم يساعد على فتح المدارس على النحو الذي كانت البحرين ترغب فيه.
البحرين من 1934م إلى 1971م
في سنة 1934م بدأ انتاج النفط في البحرين، وكانت بريطانية قد حصلت، بالمشاركة مع الولايات المتحدة على امتياز لاستخراجه من البحرين، إلاّ أنّ الكميات التي كانت تُستخرج من البحرين ضئيلة، إذا قوبلت بما يستخرج عند جاراتها؛ ولا تزال ضئيلة نسبياً. ( سنعود إلى الحديث عن النفط وأثره في اقتصاديات البحرين فيما بعد ).
وفي سنة 1935م أنشأت بريطانيا القاعدة البحرية في الجفير في البحرين. كما قررت بريطانية، بعد ذلك بمدة قصيرة نقل المعتمدية السياسية في الخليج من بُوشِهر إلى البحرين، ولو أن هذا النقل لم يتمّ إلاّ في سنة 1946م. والمعتمدية السياسية كانت الإدارة السّياسية التي تشرف على جميع المصالح السّياسية العسكرية والاقتصادية وشؤون المواصلات في الخليج. ومعنى قرار نقلها إلى البحرين أن هذه الجزيرة اعتُبرت المركز الرئيسي والهام لما يهمّ بريطانية. وكان ثمة وكلاء سياسيون في إمارات ومشيخات الخليج، وكلهم كانوا يتبعون المعتمدية السّياسية.
وحريّ بالذكر أن المعتمدية السياسية ( في بوشهر ثم في البحرين ) كانت تتبع حكومة الهند. ويعود السبب في ذلك إلى أن شركة الهند التّجارية الشرقية ( البريطانية ) كانت تُعنى بجميع شؤون الخليج ـ السياسي منها والحربي ـ إلى سنة 1858م. فلمّا قامت وزارة الهند بالإشراف على أمور الهند خلفاً للشركة انتقلت شؤون الخليج إلى وزارة الهند. ووزارة الهند ( في لندن ) كانت ترتبط بها حكومة الهند. ومن ثم فإن المعتمدية السّياسية في الخليج كانت تتبع التسلسل الإداري البريطاني أي أنها كانت تابعة لحكومة الهند مباشرة، وإلى وزارة الهند وساطة. وظل الأمر على ذلك حتى استقلال الهند وباكستان ( 1947م )، فانتقلت مسؤولية المعتمدية السّياسية في البحرين إلى وزارة الخارجية البريطانية. واستمر الحال على ذلك إلى سنة 1971م، سنة انسحاب بريطانيا العسكري من الخليج، واستقلال إماراته التي أصبحت دولاً مستقلة. ( الكويت كانت قد استقلت سنة 1961م ).
في عام 1953م طبّقت الحكومة البريطانية، عن طريق الوكيل السّياسيّ في تلك الجزيرة، مجموعة من القوانين البريطانية. كما أن تعيين مستشار بريطاني لحكومة الكويت كان معناه الإشراف المباشر على جميع الشؤون الداخلية. صحيح أن المستشار كان يقدم آراءه بشكل نصائح، لكن هذه النصائح كان المفروض فيها أن تقبل، سواء في شؤون الأمن أو التّعليم أو تنظيم الموازنة. وإذا تذكرنا أن شخصاً واحداً تولى شؤون المستشارية من سنة 1926م إلى 1956م، يمكننا أن ندرك مدى تمكنه من السّيطرة على الإدارة الداخلية للإمارة. إذ كان يعتبر نفسه مستشاراً مالياً وقضائياً وإدارياً وأمنياً.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية ( 1939 ـ 1945م ) شدّدت بريطانيا قبضتها على إمارات الخليج، بما في ذلك البحرين، بسبب وقوع المنطقة بأسرها على طريق الاتصال بين الحلفاء وروسيا، لإمداد الأخيرة بحاجاتها الدفاعية من الولايات المتحدة.
وفي سنة 1956م تمّ إقصاء المستشار بلغراف ( الذي ظل في منصبه من 1926م إلى 1956م )، وإنشاء مجلس إداري للبحرين ( آذار / مارس 1956م ) للإشراف على الدوائر الحكومية. وكان هذا المجلس يتكون من أعضاء الأسرة الحاكمة. واعتبر المجلس الإداري جهازاً تنفيذياً للبلاد. و « وافقت السّلطات الحكومية في البحرين على إجراء انتخابات لمجلس التّعليم والصحة »، وهو أكثر ما حصلت عليه البلاد من المؤسسات التمثيلية الديمقراطية.
كانت البحرين قد أسهمت في المفاوضات المتعلقة بإقامة اتحاد يشمل إمارات ساحل عُمان السّبع وقطر والبحرين، فحضرت اجتماع سنة 1968م واجتماع سنة 1969م، إلاّ أن اختلاف وجهات النظر بين قطر والبحرين من جهة، وإمارات السّاحل العُماني من جهة أخرى، حمل الإمارات هذه إلى إعلان قيام « دولة الإمارات العربية المتحدة » ( 18 تموز ـ يوليود ـ 1971م )، كما اتجهت البحرين إلى إعلان استقلالها في 14 آب ـ اغسطوس ـ 1971م.
وفي اليوم الذي أعلنت فيه البحرين استقلالها ألغت بريطانية المعاهدات الّتي كانت تربط البحرين بها، فتبادل الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة مع المقيم ( المعتمد ) السّياسي في الخليج ـ السّير آرثر جفري ـ المذكرات الخاصة بإلغاء كل ما سبق من معاهدات. وتخلّت بريطانية عن الحماية العسكرية التي كانت متوجبة عليها للبحرين بموجب تلك المعاهدات. واستُعيض عن ذلك جميعه بمعاهدة صداقة أساسها التشاور بين البلدين وأخلت بريطانيا القاعدة العسكرية الخاصة بها في الجفير. وفي 23 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1971م عُقدت بين البحرين والولايات المتحدة معاهدة نُصَّ فيها على قاعدة الجفير لتكون قاعدة تسهيلات الأسطول الأميركي، فحلّت قوات أميركية محل القوات البريطانية. وبموجب هذه المعاهدة، التي سمحت باستعمال القاعدة ثلاثين عاماً، منحت تسهيلات للأسطول الأميركي الذي كان بحاجة إليها بسبب عملياته في المحيط الهندي. وبالنسبة للبحرين فقد اعتبرت التسهيلات من النوع الاقتصادي لشركات مدنية أميركية. وقد كان من المتعذر على حكومة البحرين يومها « الاستفادة من الإمكانيات الشّاسعة للقاعدة ». والواقع الذي يجب ذكره هو أن ما أشير إليه بمعاهدة لم يكن سوى مذكّرات تبادلتها حكومتا الولايات المتحدة والبحرين، سُجّلت فيما بعد في الأمم المتحدة. وفي 20 تشرين الأول ـ اكتوبر ـ 1973م أصدرت حكومة البحرين إعلاناً ألغت بموجبه جميع التسهيلات التي كانت قد مُنِحت للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بسبب مساندتها لإسرائيل في خلال حرب تشرين الأول ـ اكتوبر ـ 1973م.
في 16 آب ( اغسطوس ) صدر القرار القاضي بتسمية الإمارة « دولة البحرين »، وسمّي حاكمها « أميراً ». وأصبح مجلس الدولة ( انشئ سنة 1970م ) مجلساً وزارياً. وتقدّمت البحرين بطلب الانضمام إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وقُبِل الطلب في أيلول ( سبتمبر ) 1971م، وأصبحت عضواً في المنظمتين والوكالات المتفرعة عنهما.

البحرين اليوم
في كانون الأول ( ديسمبر ) 1972م تمت الانتخابات للمجلس التأسيسي، الذي وضع الدستور ( 1973م ) الذي تمت بموجبه انتخابات المجلس الوطني ( ثلاثون عضواً منتخباً يضاف إليهم الوزراء ). والمجلس الوطني بدأ أعماله بنشاط كبير، إلا أن الاضطرابات العمالية الّتي قامت في البحرين سنة 1974م انتهت بحل المجلس الوطني سنة 1975م، وتعطلت الحياة النيابية في البلد.
الحياة الاقتصادية
احتياطي النفط في البحرين صغير، ومع أن الانتاج ضئيل فالمعروف أن هذا الاحتياطي ينتهي في سنة 1995م أو ما يقرب من ذلك. لذلك فإن سلطات البحرين أخذت هذا الأمر باهتمام منذ سنوات وأخذت تنمّي في البلد صناعات جديدة. وحريّ بالذكر أن الخبرة الصناعية الّتي اكتسبها العمال، بسبب أن صناعة النفط بدأت هناك مبكرة، والتنظيم الصناعي الذي عرفته البحرين، ساعدا في نقل الخبرات الصناعية إلى الصّناعات الجديدة وتنظيمها.
وفي مقدّمة الصّناعات المعوِّضة في البحرين تكرير النفط. وتقوم المَصْفاة في جزيرة سترة، وتبلغ طاقتها الإنتاجية 205 آلاف برميل يومياً ( 10 ملايين طن سنوياً ). وهذه الطاقة هي المُحافَظ عليها من سنة 1966م إلى 1974م، إلاّ أنها انتجت في عام 1978 ما قدره 000, 260 برميل في اليوم. وأربعة أخماس النفط المكرر في هذه المصفاة، وهي الثانية في الخليج حجماً وطاقة، تأتي من آبار النفط فيما سمّي بالمملكة العربية السّعودية، في أنابيب موضوعة تحت الماء. وحريّ بالذكر أيضاً أن البحرين تتقاسم مُناصفةً مع السّعودية آبارَ النفط البحرية في أبو صفا. وصناعة تكرير النفط تزوّد البحرين بأكثر من نصف وارداتها النفطية ( 54 0/0 ).
والصّناعة الثانية الهامة في البحرين هي صناعة الألمنيوم. وقد بدأ المصنع إنتاجه في سنة 1971م بنحو عشرة آلاف طن، والمقدّر له أن ينتج 000, 120 طن في العام. والوقود اللازم للمصنع هو الغاز الطبيعي الذي وجّهت البحرين اهتمامها نحوه منذ مدّة للإفادة منه صناعةً وتصديراً. والمصنع يمكنه أن ينتج 000, 180 طن في السنة. ومما يمتّ إلى صناعة الألمنيوم بصلةٍ مباشرة هو أن ما يتبقّى من الألمنيوم ـ بعد التّصدير إلى الخارج ـ يُستغلّ في مصنع آخر أُنشئ سنة 1973م لسحق الألمنيوم وتحويله إلى بودرة تستخدم في إنتاج الأصباغ المقاومة للصدأ وإنتاج المتفجّرات. وثمة مشروع لسحب قوالب الألمنيوم وتحويلها إلى ألواح وقضبان لتلائم أغراض البناء. أما الخامات اللازمة لصناعة الألمنيوم فتستورد من استراليا، كما أن التّصدير يتمّ إلى أوروبا الغربية وغيرها.
في سنة 1968م تأسست في البحرين مصانع بلاستيك الخليج، وبدأ الإنتاج في السنة نفسها. وفي البلاد مصنع للورق يعود تأسيسه إلى سنة 1957م.
ومما يدخل في عداد الصناعات: إنشاء الحوض الجافّ في البحرين، الذي افتُتح في سنة 1979م والذي يمكنه أن يعني بناقلات النفط إلى حمولة نصف مليون طن. وما دمنا قد وصلنا إلى الحوض الجاف والتّسهيلات التّجارية فلنذكر أيضاً تطوير « ميناء سَلْمان » الّتي لها ستة عشر حوضاً، وقد افتتح فيها ( 1977م ) حوض خاص لاستقبال السفن الكبيرة الّتي تنقل المواد القابلة للعطب.
يضاف إلى هذا صناعات أخرى مثل صناعة المواد الإنشائية اللازمة للبناء؛ فهناك عدد من المعامل تُنتج الآجر ( الطّابوق ) والبِلاط والحجارة للبناء، وفي البلد معامل لإنتاج المرطّبات. وفي البحرين معملان لهما أهمية حياتية كبيرة، إذ يقومان بتقطير المياه. وفي البحرين يعتبر صيد الأسماك من الصناعات الرئيسة وتصدّر منها كميات إلى الخارج لا سيما القريدس ( الروبيان ).
السكّان
تدلّ الأرقام على أن سكّان البحرين كانوا 000, 74 نسمة سنة 1941م، فارتفع عددهم إلى 000, 144 في العام 1959م. وفي الإحصاء الذي جرى في سنة 1965م بلغ عدد السكان 182 ألفاً، وفي 1971م ـ وهي سنة الاستقلال ـ بلغ عدد السكان ( تقديراً ) 217 ألفاً، والتقدير السكاني الآن يتراوح بين 300 و 350 ألفاً.

البحرين تاريخ البلاد وتاريخ المجتمع
إذا حاولنا التركيز على دراسة تاريخ البحرين أرضاً، علينا أن نهتم بمجريات الأحداث الّتي وقعت فيها منذ فجر التاريخ. علينا في هذا المضمار أن نبدأ بقبائل « بني شيبا وبني دادان » التي سكنت البحرين قديماً والتي يرجع نسبها إلى النبيّ نوح فرحمه وقوش وكنعان وحام.
ويُعتَقَد أن القبائل الفينيقية حلّت في البحرين بعد بني شيبا ودادان ( ولكن يشك المحققون بهذا الأمر اليوم )، ثم هاجرت إلى أرض كنعان في سوريا ولبنان وفلسطين. وكان قد سبق الفينيقيين في البحرين كلٌّ من الكلدانيين والعمالقة، وهم فرع من « عاد » المنحدر من « عمليق » بن « لوط » بن سام. وقد سيطر الهكسوس على البحرين بعد العمالقة والفينيقيين، وتبعهم السبعيون والآشوريون والحِميريون والفرس والإغريق في عام 333م. وقد انهزم الإغريق في البحرين على يد ملوك كِندة الذين ضعفوا كثيراً على أثر الحروب التي خاضوها ضد اللخميين وبذلك تمكن منهم الفرس وأخضعوهم. ولكن قبائل بكر بن وائل وعبد قيس تمكنت من الفرس وطردتهم وأقامت لنفسها حكماً في البحرين حتّى عام 629م حين اعتنقت هذه القبائل الإسلام على يد العلاء بن الحضرمي، مبعوث النبيّ محمد صلّى الله عليه وآله.
حدود البحرين
غير أن لفظة « بحرين » في ذلك الحين كانت تُطلَق على الشّاطئ الشّرقي لشبه الجزيرة العربية الممتد من الكويت في الشّمال إلى رأس قطر في الجنوب، بما فيه جزر البحرين اليوم. وكان العرب يطلقون اسم « أُوال » على الجزيرة الّتي تُعرف باسم البحرين اليوم ـ الاسم الذي أطلقه الأوروبيون على مجموعة الجزر هذه.
وحكمت البحرين بعد الفتح الإسلامي سلالات عربية مختلفة تابعة للأُمويين والعباسيين. واستولى القرامطة على البحرين خلال العصر العباسي حين أخضعوا لسيطرتهم معظم شرق الجزيرة العربية والحجاز. وبعد سقوط دولة القرامطة عام 894م وقعت البحرين تحت سيطرة أُسَر محلية مختلفة كانت تحكم تارة باستقلال تام، وطوراً عملاء إداريين تابعين للامبراطورية الفارسية أو العثمانية.
هكذا.. حتّى أوائل القرن السّادس عشر ( 1507م ) عندما دخل البرتغاليون الخليج وأسسوا مركزاً اقتصادياً قوياً في البحرين يقوم على صيد اللؤلؤ والاتجار به. وبذلك ارتبطت البحرين، بتجارة الهند الشّرقية ارتباطاً وثيقاً، وبالتالي أصبح لها شأن مهم في دنيا التجارة العالمية.
واشتد التنافس الأوروبي على البحرين بدافع السّيطرة على خطوط التجارة الشّرقية. واستمرّ هذا التنافس بين انجلترا وهولندا وفرنسا والبرتغال حوالي قرنين، حتّى استتب الأمر في النهاية لبريطانيا. وبالفعل، عندما قام آل خليفة، الأسرة الحاكمة حالياً، باحتلال جزر البحرين عام 1783م كان الخليج خاضعاً للنفوذ البريطاني دون سواه. وتعاقبت على حكم البحرين خلال هذين القرنين ما بين 1507 و 1783م عدة دول مجاورة وأسر محلية « كالجبريين » الذين سيطروا على الجزيرة ما بين عام 1698م و 1715م، و « الهُولة » الذين حكموا البحرين ما بين عام 1722م و 1753م.
وفي عام 1783م قام آل خليفة بمساعدة حلفائهم من العُتوب بغزو البحرين واحتلالها وإجبار عاملها نصر بن مذكور على التراجع إلى بُوشهر على الساحل الشّرقي للخليج. وكان نصر هذا أميراً عربياً من قبائل المَطاريش في عُمان، غير أنه كان يعمل تحت إدارة الحكم الفارسي آنذاك. ومنذ عام 1783م بقي آل خليفة أمراء البحرين حتّى يومنا هذا، ما عدا آونات متقطعة استطاع خلالها العُمانيون والوهابيّون فرضَ سيطرتهم على الجزيرة.
إننا نركز في هذا البحث على تحول بنية الحكم والسّلطة ومدى تأثير هذا التحول على العلاقات والتفاعلات بين فئات المجتمع المتنوعة. هذا يعني أن البعد الزمني أو التاريخ الذي يهمنا في هذه الدراسة هو الذي يتعلق مباشرة ببنية الحكم أو السلطة وتطوّرها مع الزمن. فإذا كان الأمر كذلك فمن الواجب التركيز على الحكم الخليفي للبحرين ووقوع هذا البلد تحت سيطرة النفوذ البريطاني في الخليج. صحيح أن هذين الأمرين تاريخيان ولكن ما زالا جزءاً لا يتجزأ من بنية الحكم والسّلطة حتّى هذا اليوم.
الحكم الخليفي وتأثيره في بنية المجتمع
إن المعلومات المتوافرة لدينا عن بنية المجتمع في البحرين ونظام حكمه قبل حكم آل خليفة ضئيلة جداً لا تتعدى كونها تصوراً ذهنياً لما قد يكون بدلاً مما هو كائن. ويقول بعض علماء البحرين في هذا المجال: إن البحرين كانت تحتوي على 330 قرية، في كل قرية شيخ ديني مسؤول عن تطبيق فرائض الشّرع فيها. وكان هؤلاء الـ 330 ينتخبون 33 شيخاً يكوِّنون المجلس الديني وعلى رأسه 3 شيوخ.
من الصّعب جداً الاعتقاد أن البحرين بمساحتها الصغيرة التي لا تتجاوز الـ 552 كيلومتراً مربعاً. من الصّعب التّصور أن هذه الجزيرة كانت تحتوي على 330 قرية، فلو أخدنا بهذا الزعم لبقيت لدينا بعض الآثار التي تدل على هذه القرى. يذكر الشيخ إبراهيم العالي في مخطوطته « حاضر البحرين » أسماء سبع قرى غير موجودة اليوم. فإذا ما أضفنا هذه إلى الـ 53 قرية المسجلة حسب المسح العقاري كان المجموع 60 قرية ودسكرة. زد على ذلك أن هذا التصور « الثلاثي » ذهني أكثر منه واقعي نظراً لما للرقم « ثلاثة » من وقع سحري في النفوس، فلا يعقل أن يكون للبحرين، التي تعرضت لغزوات وحروب عديدة، هذا النوع من التنظيم المنطقي. الأرجح أن نصر بن مذكور السّني المذهب والعماني الأصل كان قد حكم البحرين بنفس الطريقة الّتي استعملها آل خليفة من بعده في الحكم. كانت هذه الطريقة هي الأسلوب الشّائع للحكم آنذاك قبل فرض الإصلاح الإداري في البحرين في العشرينات من هذا القرن. ولكن قبل أن أدخل في تفاصيل طريقة الحكم هذه وكيفية تحولها سأورد باختصار بعض التغييرات التي طرأت على جسم المجتمع البحريني نتيجة الفتح الخليفي.
لقد أدخل الفتح الخليفي إلى البحرين عنصراً جديداً في تركيبة المجتمع ـ العنصر القبلي الذي يعود بأصله وتحالفاته إلى القبائل العربية في الجزيرة الأم. وقد تكوّن هذا العنصر عند منشئه من آل خليفة وحلفائهم من القبائل القطرية أو الخليجية كآل نعيم ومسلّم والسّادة والبنعلي وآل رميح وغيرهم من القبائل أو العائلات القبلية المعروفة. هذه المجموعات القبلية تكوّن اليوم فئة منفصلة من غيرها سياسياً واجتماعياً ومذهبياً. فهي تتبع في الشّرع الديني المذهب المالكي، وتستعمل المبادئ النسبية في عملية ضبط التزاوج، والتفاعل الاجتماعي، وتوزيع الثروة والفوائد المادية. وتمارس القبيلة سلطة قوية.. على التنظيمات العسكرية كالجيش وقوة الشّعب، والقوات الخاصة الأخرى كالحرس الأميري وغيره. وتعرف مجموعة القبائل هذه اليوم بالقطاع « القبلي » للمجتمع. كما يعرف غيرهم بالقطاع « الخضيري » الذي يضم كل من ليس من أصل قبلي بغضّ النظر عن مذهبه وأصله الاثني.
ويقسم الخضيريون إلى فئات عديدة كالشيعة العرب، والهُولة السُّنَّة الذين هم من أصل فارسي أو النجديين السنة من أصل مديني. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النجديين المدينيين يتبعون بأغلبيتهم الساحقة المذهب الحنبلي بينما تتبع الهولة المذهب الشّافعي. وتتبع الشيعة المذهب الجعفري.

طريقة الحكم وتحولاتها
نظام المقاطعات
لقد طبّق آل خليفة نظام المقاطعات القبلية في الحكم بعد أن استتب لهم الأمر في البحرين، وذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فقسمت البحرين بموجب هذا النظام إلى مقاطعات مختلفة مستقل بعضها عن بعض. وكانت هذه المقاطعات تتسع وتنقبض حسب قوة الشّيخ الخليفي المسؤول عنها. إذ إن المقاطعات كانت بأغلبيتها تُمنح إلى إخوان أو أبناء الحاكم الذي يعرف « بالشّيوخ » ( جمع شيخ ). وما زال هذا اللقب يستعمل في البحرين للدلالة على أمير البلاد حتّى اليوم.
وكان « الشّيوخ » على رأس الديوان حيث يلتئم رؤساء القبائل المختلفة والقطاعات الزراعية للتشاور يومياً في شؤون البلاد.
والمعروف أن القطاعات الزراعية ـ وأكثرها من شجر النخيل ـ كانت تحت سيطرة مشايخ آل خليفة. أما رؤساء القبائل الأخرى فكانت تسيطر على سلسلة من مراكز الغوص في الشاطئ الواقع في النصف الشمالي من الجزيرة. والسّبب في ذلك هو أن صيد اللؤلؤ كان المصدر الوحيد للعيش عند القبائل الأخرى. والجدير بالذكر في هذ ا المضمار أن إنتاج اللؤلؤ في الخليج كان بمجمله بيد القبائل العربية الأصل، السنية المذهب.
وكانت كل مقاطعة زراعية أو كل مركز من مراكز الغوص يتمتع باستقلال تام في إدارة شؤونه الداخلية، الأمر الذي ولّد منافسة شديدة بين هذه المقاطعات والمراكز. وكان يرأس المقاطعة الزراعية شيخ من آل خليفة يعاونه مجموعة من « الفداويين » الذين كانوا بأغلبيتهم من « البُلوش » السنّة أو من القبائل التابعة لآل خليفة. وكان الفلاحون وضامنو الأراضي الزراعية من الشيعة، وهم سكان البحرين الأصليّون. والمعروف أن الشيعة في البحرين كانوا يعملون في زراعة النخيل والمهن الحرفية كصنع الحلوى، والحياكة، والمراكب واللؤلؤ وغيرها، وبذلك نجد أن الكثير من العائلات الشّيعية منسوبة إما إلى قرية من قرى البحرين أو إلى حرفة صناعية.
المهم هو أن نظام المقاطعات أعطى للقبائل حرية التصرف الكامل، كلّ ضمن مقاطعتها أو مركز عملها الإنتاجي. وكانت السّيطرة للقبائل الخليجية أو العربية على هذه المصادر الإنتاجية شبه كاملة. كان لكل أمير أو شيخ قبلي مجلسه الخاص يحكم بواسطته المقاطعة أو مركز الغوص. وكان الشيخ بالتالي عضواً في مجلس الأمير، أي الشيوخ، يمثل مقاطعته أو قبيلته هناك. أما السنّة من سكان المدن أو الشيعة من سكان المدن والريف، فكانوا جزءاً لا يتجزأ من هذه المقاطعات وإدارتها القبلية. أي أنه لم يكن لهم وضع إداري أو سياسي خاص معترف به من قبل الحكم القبلي. استمر هذا النمط من الحكم حتّى أواسط العشرينات من القرن العشرين، عندما أدخل البريطانيون التّنظيم البيروقراطي في أجهزة الحكم.
التّنظيم البيروقراطي أسبابه ونتائجه الاجتماعية
إن التّنظيم البيروقراطي في البحرين مرتبط ارتباطاً تاماً بوجود المستعمر البريطاني هناك، فهو الذي فرض هذا التنظيم وأدخله بالقوة على نظام الحكم. وكان هدف البريطانيين من هذا العمل جمع شتات السّلطة تحت راية واحدة موحدة، إذ إن النظام السّابق ـ نظام المقاطعات القبلية ـ كان يولّد لهم مشاكل عديدة مع الحكم وسكان البلاد، خصوصاً بعد زيادة إنتاج اللؤلؤ أضعاف ما كان عليه في السّابق.
ففي أوائل القرن التّاسع عشر زاد الطلب العالمي على اللؤلؤ، واشتد هذا الطلب حتّى وصل إلى مستوى رفيع جداً في أواسط هذا القرن وآخره. بالفعل بدأ البريطانيون يتحدثون في تقاريرهم الحكومية عن تجارة اللؤلؤ باستمرار منذ عام 1875م. ومنذ ذلك التاريخ بدأ المعتمدون البريطانيون يكتبون القتارير السّنوية عن صادرات وواردات بلدان الخليج بالتفصيل مع بعض الملحقات لحركة التجارة والإنتاج العام. وقد قُدّر إنتاج البحرين من اللؤلؤ سنة 1891م بمليوني ليرة إسترلينية. وهذه قيمة عالية جداً بالنسبة إلى ما كان لهذه الليرة من قوة شرائية آنذاك.
إن اشتداد الطلب على اللؤلؤ وزيادة إنتاجه أدخل إلى بلدان الخليج عدداً كبيراً من العمال والتجار الأجانب، مما خلق وضعاً جديداً في الحكم هو وضع الأجنبي الشرعي في البلاد. وكان البريطانيون حتّى عام 1904م يتولّون المسؤولية الشرعية عن الأجانب، مما أوقع الحكم في حيرة في أمور عدة، فالعرب الذين هم من أصل نجدي أو خليجي أو عراقي، والإيرانيون، وبعض الشيعة المحليين، كانوا يدّعون أنهم أجانب ويطالبون بحماية بريطانية كلّما تأزّم الوضع بينهم وبين الحكم المحلي. هذه الثنائية في السّلطة ولّدت مشاكل عديدة للحكم. وجاءت الحرب العالمية الأولى لتبرهن للبريطانيين أنهم لا يحظون بالتأييد الشّعبي الذي كانوا يطمحون إليه. فأرجعوا هذا النقص في التأييد إلى موقفهم المتخاذل من الإصلاحات الإدارية، إذ إن الشيعة من سكان البلاد كانوا دائماً يطالبون بالإصلاحات الإدارية خصوصاً فيما يتعلق بحرية العمل، والضمان، والحقوق المدنية والشّرعية والملكية.
والمعروف عن البريطانيين، من الجهة الأخرى، أنهم أخذوا يظهرون اهتماماً خاصاً في تنظيم الإدارة العامة في البلاد الّتي كانوا يسيطرون عليها بعد الحرب العالمية الأولى؛ فقد كانوا قبل الحرب يهتمون بالشؤون التجارية فقط دون التعرض لكيفية الحكم الداخلي. ومن بوادر هذا الاهتمام الجديد إعدادهم نخبة خاصة متدربة في شؤون البلاد المستعمَرة، وفي اللغة، والحضارة، والتاريخ لإرسالها إلى الخارج. ولهذا نرى أن عدداً كبيراً من النخبة الإنجليزية كديكسون، وغلوب، وهولي، وغيرهم، ممن يجيد اللغة العربية وتاريخ وحضارة العرب قد أمّ العالم العربي في هذه الفترة من الزمن.
وأخذ هؤلاء تدريجياً، سلماً أو حرباً، يُدخلون ما عُرِف « بالإصلاحات الإدارية » إلى البلدان المستعمَرة. وكانت من جملة هذه البلدان البحرين التي كان نصيبها من الإصلاح الإداري إلغاء المقاطعات برمتها وإقامة حكم مركزي موحّد تحت سيطرة أمير البلاد، فألغيت المقاطعات والإمارات المستقلة، كما نظّمت الملكية، والعقود العمالية، والزراعة، والشّرطة والقضاء المدني الذي جمع بين الشّرع والقانون الجزائي.
وكانت نتيجة هذه الإصلاحات أن ظهرت فئات اجتماعية جديدة لم يكن معترفاً بها في السّابق تحت حكم المقاطعات. ومن هذه الفئات الستّة المدينيين من « الهُولة » و « نجديين » ممن كانوا في السابق جزءاً غير منفصل عن جسم الشرع الموحد الديني أو الحكم القبلي. ولأول مرة في تاريخ البحرين اعتُرِف رسمياً بوضع الدولة الشرعي الخاص، فيعين لهم قاض شافعي. كما اعترف بوضع العرب السنّة من سكان المدن فعين لهم قاض حنبلي. هذا بالإضافة إلى قضاة الشرع: جعفري للشيعة، ومالكي للسنّة. بينما كان هؤلاء جميعاً خاضعين لقاض واحد أثناء الحكم القبلي. وفي عهد عيسى بن علي ( ما بين عام 1869م و 1923 م ) كان جاسم المهزع هو القاضي الشرعي الوحيد المعترف به رسمياً في البلاد.
وبالإضافة إلى بروز فئات اجتماعية جديدة، أثّر إدخال التنظيم البيروقراطي في العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بين الفئات المختلفة، فعندما وحّد التنظيم البيروقراطي السلطة ونسّقها وأقام لها دوائر خاصة متخصصة، جعلها في الوقت نفسه خاضعة لفئة واحدة دون سواها. ومما يلاحظ أن العائلة الحاكمة لم تكن يوماً متماسكة ومتحدة كما أصبحت بعد إدخال التنظيم الإداري إلى البحرين. إذ إن تمركز السلطة وترتيبها على شكل هَرَمي متسلسل أعطاهم القدرة على التحكم بشؤون الدولة بسهولة كبيرة. ولذلك نلاحظ أن التحالفات القبلية التي كان آل خليفة يعقدونها مع القبائل الأخرى فقدت قيمتها السياسية، إذ أصبح التنظيم البيروقراطي هو الأداة الفعّالة في السيطرة على قطاعات المجتمع السياسية المختلفة.
وعندما فقدت التحالفات القبلية مغزاها السياسي فقدت أداة هذه التحالفات أهميتها أيضاً، وهي التزاوج الخارجي من القبائل الأخرى؛ فقد انخفضت نسبة تزاوج الذكور الذين ينتمون إلى العائلة الحاكمة من القبائل الأخرى من 7, 13 0/0 إلى أقل من 4 0/0 . أقول « نسبة الذكور » لأن الإناث اللواتي ينتمين إلى العائلات الحاكمة في البلاد لم يكنّ يوماً قبل إدخال التنظيم البيروقراطي ولا بعده، عاملاً من عوامل إنشاء التحالفات القبلية. إن نمط الزواج بالنسبة إلى الإناث كان ولا زال هو نمط الزواج الداخلي ضمن القبيلة الواحدة.
لقد غيّر التنظيم البيروقراطي الوجه الرسمي للحكم، وأدّى بذلك إلى تغيير العلاقات بين فئات المجتمع المختلفة دون التعرض إلى بنية النظام السياسي على الصعيد الشعبي. وظلّ هكذا.. حتّى اكتشاف النفط وتصنيعه الذي نال من الأسس الاجتماعية للسلطة، وكذلك فعل في تغيير بنية النظام السياسي.
النفط وتحوّل البنية الاجتماعية للسلطة
غيرت صناعةُ النفط النظام الاقتصادي السابق الذي كان يقوم على زراعة النخيل، وصيد اللؤلؤ والأسماك. ومن أبرز مظاهر هذا التغيير تحوّل عدد كبير من المنتجين الزراعيين والحِرفيين إلى عمّال وموظفين ذوي مَداخيل ثابتة. فإن 70 0/0 من أصحاب المداخيل في البحرين يتقاضون رواتب ثابتة بصفتهم عمالاً وفنيين وصناعيين وكتّاباً ومعلمين إلخ...
ويعمل العدد الأكبر من هذا القطاع في مؤسسات حكومية، الأمر الذي يجعل الحكم بالضرورة فريقاً في الإنتاج وليس حَكَماً. ولهذا السبب نرى أن الاحتجاجات المنظمة والتمرد السياسي منذ اكتشاف النفط كانت دائماً تستهوي العمال كفريق له مطالبه وحقوقه.
ومما لا شك فيه أن صناعة النفط قد وفّرت للبلاد رؤوس أموال كبيرة وأعمالاً كثيرة ومكنّت الدولة من بناء مؤسساتها التربوية والصناعية والعسكرية ومؤسسات الخدمات الاجتماعية. فمستوى المعيشة للفرد البحريني هو اليوم أعلى بكثير مما كان عليه قبل النفط. وما يقال عن البحرين يقال أيضاً، وبنسب متفاوتة، عن جميع البلدان المنتجة للنفط في الخليج. ولكن على الرغم من هذا الازدهار كلّه وتوافر المال والأعمال، تشهد هذه البلدان تشنّجات مهمة بين فئات المجتمع المختلفة وطبقاته. فالشعور بالغبن الطبقي والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي وبالضياع السياسي يزداد يوماً بعد يوم. صحيح أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي كان قائماً منذ زمن بعيد قبل تصنيع النفط، لكن هذا التفاوت كان أفرادياً لا يتعداه إلى الجماعة. أما الشعور بالغبن والتفاوت والضياع اليوم فهو جماعي، وهذا بيت القصيد.
وهذا ما حصل بالفعل في البحرين عدة مرات، وأهمها انتفاضة الخمسينات. المهم في هذه الانتفاضات والاحتجاجات المنظمة هي أنها تطالب بتأسيس نقابات عمالية بحريّات سياسية وتمثيل سياسي وإلغاء الميزات العشائرية وغيرها. في حين أن العصيان السياسي قبل صناعة النفط كان يركز على تبديل الحاكم للحلول مكانه.
وقد ظهرت هذه التيارات السياسية على أشدها بعد تأسيس البرلمان الذي أفسح في المجال لهذه التيارات أن تتمتع بشيء من الحرية، فكانت النتيجة أن قويت هذه التيارات واشتدت شوكتها فأُلغي البرلمان في صيف 1975م بهدف احتواء هذه التيارات والحد منها.

( دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية 69:5 ـ 97 )


1 ـ معجم البلدان 347:1، المسالك والممالك 152.
2 ـ المسالك والممالك 152.
3 ـ معجم ما استعجم 503.
4 ـ المسالك والممالك 152.
5 ـ معجم البلدان 274:1.
6 ـ معجم ما استعجم 208.
7 ـ بنو سعد: فرع معروف من تميم التي استقرّت في الأحساء منذ القرن السادس للميلاد.
8 ـ معجم البلدان 111:1 ـ 112.
9 ـ معجم ما استعجم 1346:2.
10 ـ انفرد أبو منصور بالقول إن قطر من قرى الخط، وهو أمر مستبعد بل غير وارد.
11 ـ تيم الله بن ثعلبة، فخد من بكر بن وائل القبيلة الربيعية التي استقرت في ديار البحرين منذ عصر ما قبل الإسلام، وتيم الله هو عائذ بن ثعلبة بن عمرو بن قيس بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
12 ـ معجم ما استعجم 503:1.
13 ـ معجم ما استعجم 1082:2.
14 ـ معجم البلدان 373:4.
15 ـ زيد مناة أحد البطون الرئيسية في تميم، القبيلة المضرية المعروفة.
16 ـ معجم البلدان 188:3.
17 ـ معجم البلدان 171:1.
18 ـ معجم البلدان 173:1.
19 ـ الكامل في التاريخ 78:1.
20 ـ نهاية الأرب 299.
21 ـ نهاية الأرب 191.
22 ـ الكامل في التاريخ 342:1 ـ 343.
23 ـ المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 490:4.
24 ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 490:4.
25 ـ معجم قبائل العرب القديمة والحديثة 94:1.
26 ـ نهاية الأرب 307، جمهرة أنساب العرب 299، تاريخ ابن خلدون 622:2، تاريخ الطبري 301:3 ـ 314، تاريخ اليعقوبي 1310:2، الكامل في التاريخ 368:2.
27 ـ معجم قبائل العرب القديمة والحديثة 126:1.
28 ـ صفة جزيرة العرب 249 ـ 251.
29 ـ نهاية الأرب 307، تاريخ ابن خلدون 622:2، الطبري 301:3 ـ 314، اليعقوبي 131:2.
30 ـ علمت أن بناءً جديداً قد أقيم على هذا القبر مكان القبر القديم.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.