الواجهة » خدمات » سؤال وجواب » في التوحيد
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


في التوحيد

السؤال: يتوجّه كثير من الناس إلى حب المال والجاه وأشياء أخرى دنيوية إلى حدّ العبادة.. فهل يسمّى هذا عبادة لغير الله سبحانه ؟
الجواب: وجود الإنسان واستمرار هذا الوجود في الحياة مرتبط بالحب. أي ان الإنسان لابدّ أن يحب شيئاً فيكون هدفاً له يسعى إليه، لتستمر حياته وحركته ونشاطه في الحياة الدنيا. وإذا انقطع حب الإنسان انقطع هدفه، وصارت حياته ساكنة بلا حركة ولا معنى.
من هنا تجدين كلَّ إنسان ـ في الغالب ـ يسعى إلى هدف يريد تحقيقه والوصول إليه.. على اختلاف هذه الاهداف وتنوّعها.
والضلال عادةً ما يصاحب هذه المساعي؛ لأنّ الأهداف عادةً ما تكون ضالة غير صحيحة، ولأنّ الحب ليس في موقعه ومكانه، ذلك أن الله تعالى خلق الإنسان من أجل أن يحبه ويحب انبياءه واولياءه والقيم والمبادئ الإلهية، ثمّ يسعى للوصول إليها وبلوغها، بوصفها أغلى غاية وأشرف مأمول.
والتوجه إلى الله سبحانه بالحب هو الغاية من ايجاد الإنسان، وهو الذي يحقق معنى العبودية لله، أي يحقق التوحيد الخالص.
لكن الذي نشاهده في الواقع أن اكثر الناس قد أعرضوا عن الهدف الحقيقي الكبير، وانشغلوا بأهداف أخرى وهمية وليست ذات شأن، فنجد الكثير منهم مَن جعل حبَّه متوجهاً إلى المال والثروة أو الجاه الاجتماعي أو للرئاسة والزعامة أو للشهرة أو لغيرها من الاشياء الزائلة، وجعل كل همّه وسعيه للحصول عليها. أي ان ما يتوجه إليه من هذه الأشياء قد صار هو محبوبه وهو معبوده من دون الله. وهذا يُدخل الإنسان في عبادة غير الله، أي يُدخله في الوثنية وعبادة اصنام جديدة غير الاصنام الحجرية. وفي هذا محنة للإنسان ومأساة كبيرة، لكن الإنسان يستطيع الخلاص منها متى عاد إلى الله وإلى اوليائه بالمحبة الصادقة والطاعة والتسليم.. فيكون عندئذ انساناً بمعنى الكلمة.

* * *

سؤال: أسمع بالبَداء ولا أفْهَم ما هو التصوّر الصحيح له، وهل هو من عقائد المسلمين ؟ وهل له حقيقة في القرآن الكريم ؟
الجواب: يُعتَبر موضوع البَداء من جملة المسائل الكلاميّة التوحيديّة التي بُحِثَتْ بحثاً واسعَ النطاق بين علماء الكلام.
والبَداء في اللغة هو الظهور بعد الخَفاء، قال تعالى: وبَدا لَهُم مِنَ اللهِ ما لَم يكونوا يَحْتَسِبون (1)، وقال تبارك شأنه: وبَدا لَهمُ سَيّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِم ما كانوا به يَستهزِئون (2). وهذا المعنى مستعمَلٌ في المحاورات العُرفيّة في موارد تبدّل الآراء والأهداف والمقاصد، فيقال مثلاً: كان رأيُه كذا ثمّ بدا له فيه.
وهذا البَداء عند الناس يستَبْطنُ جهلاً سابقاً وعِلْماً مُستَحدَثاً، وكلاهما مَنفيّانِ عنِ الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ علمَ الله جَلّ وعلا ذاتيّ، غير مسبوق بجهلٍ أبداً.. وهو القائل عزّ مِن قائل:
إنّ اللهَ لا يَخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء (3).
وما يَخفى علَى اللهِ مِن شَيْء في الأرضِ ولا في السماء (4).
إنْ تُبدُوا شيئاً أو تُخْفُوه فإنّ اللهَ كان بكلِّ شيءٍ عليماً (5).
ما أصابَ مِن مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسِكُم إلاّ في كتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرأها، إنّ ذلك علَى اللهِ يسير (6).
قال الإمام الباقر عليه السّلام: كانَ اللهُ ولا شيءَ غيرُه، ولم يَزَلْ عالِماً بما كَوّن، فعِلمُه به قَبلَ كونه كعِلمِه بعد ماكَوّنه (7). وقال الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في بيانٍ له حول قوله تعالى: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعندَهُ أُمُّ الكتاب (8): كلُّ أمرٍ يريده اللهُ فهو في عِلمهِ قبلَ أن يَصنَعَه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في عِلمهِ، إنّ اللهَ لا يبدو له مِن جَهْل (9).
هذه هي الحقيقة القرآنيّة التي لا يختلف عليها المسلمون، وإنّما نشأ الخلاف في مفهوم البدَاء عندما أُخِذ بمعناه اللغويّ المتنافي مع التوحيد؛ لأنّ المعنى اللغويّ ـ وهو الظهور بعد الخفاء، والعلم بعد الجهل، والرأي الصواب بعد الغفلة ـ إنّما هو مُتَصَوَّرٌ بالنسبة للإنسان، واللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلك، فيبدو له سبحانه عن علمٍ سابقٍ وعلمٍ لاحق، وهذه كلمة الإمام الصادق عليه السّلام في ذلك صريحة واضحة:
إنّ اللهَ عِلْمٌ لا جهلَ فيه، وحياةٌ لا موتَ فيه، ونورٌ لا ظُلْمةَ فيه (10). وكلمة الإمام الكاظم عليه السّلام ساطعةٌ بيّنة: لم يَزلِ اللهُ عالِماً بالأشياء قبَل أن يَخلقَ الأشياء، كعِلْمهِ بالأشياء بعدما خلَقَ الأشياء (11).
وخلاصة الأمر في مسألة البَداء هي:
أنّ البَداء ( بمعنى تبدّل الرأي والفكرة والموقف ) أمرٌ يُنَزَّه عنه الله تبارك وتعالى، ولا تقول به الإماميّة مطلقاً وهي التي تَروي عن إمامها الصادق جعفرِ بن محمّدٍ سلامُ الله قولَه:
مَن زَعَمَ أنّ اللهَ تعالى بَدا له في شيءٍ بَداءَ نَدامة، فهو عندنا كافرٌ بالله العظيم. وقولَه عليه السّلام: مَن زَعَمَ أنّ اللهَ بدا له في شيءٍ ولم يَعلَمْه أمس، فأبرَأُ منه (12).
نعم، إنّ البَداء الذي يجب الاعتقاد به هو ما عَبّرتْ عنه الآيةُ المباركة: يَمحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعندَه أُمُّ الكتاب ، فيكون غيرُ ما قد ظَهَر أوّلاً مع سَبق عِلمهِ تعالى بذلك.
ويشبه البَداءُ النَّسْخَ لأحكام الشرائع السابقة بشريعة النبيّ محمّدٍ صلَّى الله عليه وآله، حيث بدا لله تعالى فيها أنّها الأوفق والأكمل بعدما انتقلت البشريّة إلى مستوىً أعلى وحالةٍ أخرى وظروفٍ تختلف عمّا سبقتها.
كما يشبه البَداءُ النَّسْخَ الذي جاءت به شريعة الإسلام في بعض أحكامها؛ لِحكْمةٍ إلهيّة راعَتْ أموراً معيّنةً يَعلمها الله تبارك وتعالى ونجهلُها غالباً. والتسليم في مثل هذه الأمور يُمثّل حقيقة الإيمان بالله تبارك وتعالى، وقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
الإسلام هو التسليم، والتسليمُ هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل (13).
والبَداء هو ما يبدو لله تعالى أن يكون، كما في سابق علمه ولاحقه، فيكون بمشيئته سبحانه، وما على العباد إلاّ التسليم والإيمان بذلك، ومِن هنا جاءت هذه النصوص الشريفة عن أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم:
ـ ما عُبِد اللهُ بشيءٍ مِثْل البَداء. ما عُظِّم اللهُ عزّوجلّ بمِثْلِ البَداء.
ما بَعثَ اللهُ نبيّاً قطُّ إلاّ بتحريم الخمر، وأن يُقرَّ له بالبَداء.
ما بعَثَ اللهُ نبيّاً حتّى يأخذَ عليه ثلاثاً: الإقرار بالعبوديّة، وخلع الأنداد، وأنّ الله يُقدّم ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء (14).
رزقنا اللهُ تعالى هذا الاعتقاد الصحيح، بحقّ محمّدٍ وآله الطاهرين.

1 ـ سورة الزمر:47.
2 ـ سورة الجاثية:33.
3 ـ سورة آل عمران:5.
4 ـ سورة إبراهيم:38.
5 ـ سورة الأحزاب:54.
6 ـ سورة الحديد:22.
7 ـ بحار الأنوار للشيخ المجلسيّ 86:4 ـ باب البَداء / ح 23.
8 ـ سورة الرعد:39.
9 ـ بحار الأنوار 121:4 / ح 63.
10 ـ بحار الأنوار 84:4 / ح 16.
11 ـ الكافي للكلينيّ 83:1 ـ باب صفات الذات / ح 9.
12 ـ عقائد الإماميّة للشيخ محمّد رضا المظفّر 45 ـ الباب 11 عقيدتنا في البَداء.
13 ـ نهج البلاغة: الحكمة 125.
14 ـ بحار الأنوار 107:1 ـ 108، باب البداء / الأحاديث 19 ـ 26.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.