الواجهة » العالم الإسلامي » الهاشميون » من ثمار الشجرة المباركة » العمامة الخضراء بتونس
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


العمامة الخضراء بتونس

من الأزياء التونسية، انتشار العمامة الخضراء المتوِّجة لرؤوس الكثيرين من الشيوخ، كناية على التحاقهم بالنسب الزكي، وعنواناً على ثبوت شرفهم في نظر العامة.
أوّل ظهور العمامة الخضراء كان بمصر على عهد الملك الأشرف أبي المعالي زين الدين شعبان بن حسين بن حمد بن قلاوون. وكانت في البداية عبارة عن مجرّد علامة خضراء تضاف لعمائم الأشراف. قال في ( بدائع الزهور ) للمؤرّخ محمد بن إياس: « ثمّ دخلت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وفيها رَسَم السلطان ( شعبان بن حسين ) بأن السادة الأشراف قاطبة يجعلون في عمائمهم شطفات خُضر حتّى يمتازوا عن غيرهم، وتعظيماً لقدرهم، فنودي لهم في القاهرة بذلك، فامتثلوا أمره المتدارك ». وفي ذلك يقول الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن المزيّن الدمشقي:

أطـرافُ تيجانٍ أتت من سُنُدسٍ خُـضرٍ كـأعلامٍ على الأشرافِ
والأشرفُ السلطانُ خصّصهم بها شَـرَفاً لـنعرفهم من الأطرافِ

وقال الشيخ بدر الدين بن حبيب:

عـمائم الأشراف قد تميّزت بخضرةٍ رقّتٍ وراقت منظرا
وهــذه إشـارة أنّ لـهم في جنّة الخُلدِ لباساً أخضرا

لا سيما وأنّ اللون الأخضر ممّا تنشرح له الصدور، وهو في عرف أهل أوربا يرمز للرجاء وآمال الخير، وعندنا معشر المسلمين أنّه من لبوس أهل الجنان، قال تعالى: عالِيَهم ثيابُ سندسٍ خُضرٌ ( سورة الإنسان:21 ).
وممّن لم يستحسن مشروعية هذه البدعة عند ظهورها الشيخ شهاب الدين بن جابر الاندلسي، وفي ذلك يقول:

جـعـلوا لأبـناء الـنّبيّ عـلامةً إنّ الـعلامةَ شـأنُ مَـن لم يُشهَرِ
نـورُ الـنّبوةِ فـي كريمِ وجوهِهم يُغني الشريف عن الطرازِ الأخضرِ

وممّا لا خلاف فيه أنّ العمامة الخضراء كانت كثيرة الانتشار بتونس وأعمالها في القرن الثاني عشر، ولا سيما بالمدن المعروفة بكثرة الأشراف، كبلد مساكن، وعلى قياسها بلد صفاقس التي لم يزل لها تعلّق وثيق بالعمامة الخضراء لهذا الزمان. أمّا في أواسط القرن الثالث عشر، فكانت العمامة الخضراء بتونس من الأشياء المستلفتة للأنظار بكثرة انتشارها بين الناس، وبالتالي أخذ أمرها في التقاصر والتراجع إلى أن صارت من اللبوس النادرة حتى في الأوساط المعروفة بصحة النسب الزكي، بحيث إنّ حامليها بتونس كانوا يعدّون على الأصابع في مبادئ هذا القرن الرابع عشر.
ومن أشهر بيوت الشرف لهذا الزمان بهذه الديار، هم آل بيتَي الشريف ومحسن: أئمّة جامع الزيتونة. وكان سلفهم ممّن يعتمّ بالعمامة الخضراء، وكلّهم من ذرّية الشريف الشيخ حسن الهندي الذي كان نقيباً للأشراف بتونس في سنة 1023 هـ / 1614م، وفيهم يقول القاضي الشيخ أحمد بن الخوجة الأول:

ألا إنّ نــورَ اللهِ بـعد مـحمّدٍ بنو بنتهِ الأطهارُ من وصمةِ الحقدِ
وكـلّـهمُ سـيفٌ فِـرَندُهُ لامـعٌ ولـكنّما الأسيافُ أشرفُها الهندي

ويروي لنا التاريخ أنّ الفقيه أبا السعود العمادي ممّن استحسن ابتداعها ـ أي العمامة الخضراء ـ ولقد سُئل في ذلك فأجاب بما يعتمد في الموضوع مع الفتوى بصحّة الشرف من جهة الأمّ، وإليك نص السؤال والجواب:
السؤال ـ هل ثبوت الشرف من جهة الأمّ صحيح أم لا ؟ وهل هو بمنزلة الشرف من جهة الأب أم لا ؟ وهل لمن شرفه من جهة الأمّ أن يضع العلامة ( العمامة الخضراء ) التي يتميّز بها عن العامّة أم لا ؟ وما دليله وما تعليله ؟ أفتونا مأجورين.
الجواب ـ نعم ثبوت الشرف من جهة الأمّ صحيح مُعتدّ به شرعاً، واجب قبوله شرعاً وعرفاً، فإن ثبت لامرأة أنّها شريفة صحيحة النسب كان أولادها لبطنها ذكوراً أو إناثاً أشرافاً ثابتاً شرفهم من قبلها، مع قطع النظر عن آبائهم وإن كانوا أرقّاء أو عُتَقاء لا يضرهم ولا يمنعهم من ثبوت سيادته من جهة والدتهم، ويثبت لهم من السيادة ما ثبت لها، وتعيّن تمييزهم على غيرهم ممّن لا شرف لهم بوضع العلامّة خوفاً من انتقاصهم وعدم احترامهم بين العامّة. فمن كان أمه شريفة ثبت الشرف له ولأولاده ونسله وعقبه، وانتظم في سلك الأشراف. والأدلّة على ذلك كثيرة يضيق عنها المقام، ويكفي الإشارة إلى بعضها، وهو أنّ جميع الأشراف الموجودين الآن ( المائة العاشرة ) في مشارق الأرض ومغاربها إنّما ثبت لهم الشرف من جهة والدتهم فاطمة الزهراء من جهة السيّدين الجليلين، الحسن والحسين، وهما إنّما ثبت لهما الشرف من جهة والدتهما رضي الله عنها لا من جهة سيّدنا عليّ وإلاّ كان أولاده من غيرها كابن الحنفية أشرافاً، فليس خفيّاً أنّ علماءنا جعلوا في ذلك قياساً منطقياً من الضرب الأوّل من الشكل الأوّل مركّباً من صغرى وكبرى، وبيان صغراه من عشرة أوجه، وأما كبراه فلم تَحتَج إلى بيان، وتحرير نظمه أنّ الولد بضعة من الأمّ من عشرة أوجه، وأما كبراه فلم تَحتَج إلى بيان، وتحرير نظمه أنّ الولد بضعة من الأمّ والأمّ بضعة من أبيها، فكيف لا يثبت له ما ثبت لها ؟! ولهذا حكمنا بشرف الحسن والحسين (1).

( الشيعة في شمال افريقيا: جاسم عثمان مرغي، ص 598 ـ 600 )


1 ـ صفحات من تاريخ تونس، ص 231، 232 لمحمد بن الخوجة.
Copyright © 1998 - 2020 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.