الواجهة » الإسلام » كتاب في مقالة » الردّ على المتعصّب العنيد
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الردّ على المتعصّب العنيد

الكتاب: الردّ على المتعصّب العنيد
المؤلّف: الحافظ أبو الفرج عبدالرحمان بن علي بن محمد بن علي، الشهير بـ « ابن الجوزي » ( ت 597 هـ )
المحقّق: الشيخ محمّد كاظم المحمودي ـ سنة 1403 هـ / 1983 م، الدكتور هيثم عبدالسلام محمّد ـ سنة 1426 هـ / 2005 م
الناشر: دار الكتب العلميّة ـ بيروت

مَن هو ابن الجوزيّ ؟
جمال الدين عبدالرحمان بن علي القرشي التَّيمي البكري البغدادي الحنبلي، المعروف بـ « ابن الجوزي » نسبةً إلى مشرعة الجوز ( من محلاّت بغداد )، أو إلى جوزة ( محلّة بالبصرة ). وُلِد ببغداد سنة 510 هـ، نشأ فيها وتفقّه على عددٍ من الشيوخ، ثمّ روى عنه خَلْق. برع في العلوم الشرعيّة المختلفة، وكان له مؤلّفاتٌ عديدة، وتفرّد بفنّ الوعظ حتّى حُسِد فوُشيَ به، فألقت السلطات القبضَ عليه وأرسلته إلى واسط ليقضي في سجنها خمسَ سنين. تُوفّي في بغداد سنة 597 هـ، ودُفن بباب حرب ( الجانب الغربي من بغداد ) قرب قبر أحمد بن حنبل.

سبب تأليف الكتاب
لمّا كان ابن الجوزي واعظَ بغداد، وله حاسدون من فِرَقٍ مختلفة، كان محلَّ سؤال، فسُئل مرّةً عن الأفضل: أبو بكر أم الإمام عليّ عليه السّلام، فأجاب بنحوٍ من الغموض المُؤوَّل لصالح كلّ فريق: خيرُهما الذي تحته ابنتُه. فإن أُوِّل الضمير ( الهاء ) وأعيد إلى الأفضل قيل: هو أبو بكر، وإن أُعيد الهاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله قيل: هو الإمام عليّ عليه السّلام، فقال كلُّ فريقٍ منهم: صاحبُنا أفضل. ( وَفَيات الأعيان لابن خَلِّكان 141:3 ).
وكان من جملة الأسئلة مسألة لعن يزيد بن معاوية، فسُئل ابن الجوزي عن جواز لعنه، فقال: السكوتُ أصلح، فقالوا له: نعلم أنّ السكوت أصلح، ولكن هل يجوز لعنُه ؟ فقال: ما تقولون في رجلٍ وَلِيَ ثلاثَ سنوات: ـ في السنة الأُولى قتل الحسين، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها ؟! فقالوا: نلعن ؟ فقال: فَالْعَنُوه! فلعَنَه ابنُ الجوزي على المنبر ببغداد بحضرة الخليفة العبّاسي الناصر لدين الله وأكابرِ العلماء، وقام جماعةٌ من الحُفاة من مجلسه فذهبوا فقالوا: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُود ( تذكرة خواصّ الأمّة لسبط ابن الجوزي ص 291 ).
فتصدّى للردّ على ابن الجوزي عبدُ المغيث الحنبليّ، فألّف كتاباً في فضائل يزيد! فقام ابن الجوزي فردّ عليه بتأليفه ( الردّ على المتعصّب العنيد، المانعِ مِن ذمّ يزيد )، مستنكراً عليه ما جاء في كتابه الركيك الذي قال فيه:
ابن الأثير: أتى عبدُ المغيث فيه بالعجائب! ( الكامل في التاريخ 562:11 ).
وقال ابن كثير: أتى فيه بالغرائب والعجائب، وقد ردّ عليه ابنُ الجوزي فأجاد وأصاب. ( البداية والنهاية 328:12 ).
وقال الذهبي: أتى فيه بالموضوعات. ( العِبر في خبر مَن غبر 249:4 ).
وقال أيضاً: أتى عبدالمغيث بعجائبَ أوابِد، لو لم يؤلّفه لكان خيراً له! ( سِيَر أعلام النبلاء 160:21 ).
وكان قد حصل خلافٌ بينهما في صلاة النبيّ صلّى الله عليه وآله خلف أبي بكر، فادّعى عبدُ المغيث ذلك، وخالفه ابن الجوزي مؤلِّفاً كتاباً في ردّه سمّاه ( آفة أصحاب الحديث، والردّ على عبدالمُغيث ). ( الذيل على: طبقات الحنابلة، لعبدالرحمان بن شهاب الدين، ابن رجب 357:1 ).

المسألة على بساط البحث
باختصار، روى الشيخ الصدوق في كتابه ( عيون أخبار الرضا عليه السّلام ) بسندٍ ينتهي إلى الإمام محمّد الباقر عليه السّلام أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ موسى سأل ربَّه فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارونَ مات، فاغفِرْ له. فأوحى الله إليه: يا موسى، لو سألتَني في الأوّلين والآخِرين لأجبتُك، ما خلا قاتلَ الحسين بن عليّ؛ فإنّي أنتقم له مِن قاتله.
وروى الخوارزمي الحنفي في ( مقتل الحسين عليه السّلام 163:1 ـ 164 ) أنّ الحسين لمّا أتَت عليه من مولده سنتان كاملتان، خرج النبي في سفر، فلمّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودَمِعَت عيناه، فسُئل عن ذلك فقال: هذا جبريل يُخبرني عن أرضٍ بشاطئ الفرات يُقال لها: « كربلاء »، يُقتَل فيها ولدي الحسينُ ابن فاطمة، فقيل: مَن يقتله يا رسول الله ؟ فقال: رجلٌ يُقال له « يزيد » لا بارك اللهُ في نفسه!.. ( وفي رواية ابن عربي في ( الفتوحات المكيّة 216:4 ـ 219 ): إلى أن قال صلّى الله عليه وآله: فلعنةُ الله على قاتله وخاذله إلى آخر الدهر ).
وأمّا أقوال العلماء فيه:
فقد نقل ابن خلّكان في ( وفيات الأعيان 287:3 ) عن الكيا الهراسي الفقيه الشافعي قولَه: لمالِك قولان في يزيد تلويحٌ وتصريح، ولأبي حنيفة تلويح وتصريح، ولنا قول واحد هو التصريح ( أي باللعن ) دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد، والمتصيّد بالفهود، ومُدمن الخمر ؟!
وكتب أبو شامة في ( الذيل على الروضتين ص 23 ): سُئل ابن الجوزي عن لعن يزيد فقال: قد أجاز أحمد بن حنبل لعنتَه، ونحن نقول: ما نُحبُّه؛ لِما فعل بابن بنت نبيّنا ( أي الحسين عليه السّلام )، وحَملِه آلَ الرسول صلّى الله عليه وآله سبايا إلى الشام على أقتاب الجِمال، وتجرّئه على الله ورسوله، فإن رضِيتُم بهذه المصالحة في قولنا: ما نُحبُّه، وإلاّ رجعنا إلى أصل الدعوى، يعني جواز لعنته. وقال ابن الجوزي أيضاً: لا تُدنّسوا وقتَنا بِذِكر مَن ضرب بالقضيب ثنايا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يُقبّلُها، جعَلَها يزيد غرضاً لبلوغ غرضه!
وكتب القرطبي في ( التذكرة 643:2 ) بعد أن ذكر حديث النبي صلّى الله عليه وآله: هلاك هذه الأُمّة على يَدَي غُلمةٍ مِن قريش!: وكأنّهم ـ واللهُ أعلم ـ: يزيد، وعبيدالله بن زياد، ومَن تنزّل منزلتهم مِن أحداث ملوك بني أُميّة..
وقال الذهبي في ( ميزان الاعتدال 440:4 ) في يزيد: مقدوحٌ في عدالته، ليس بأهلٍ أن يُروى عنه.
وقال التفتازاني في ( شرح العقائد النسفيّة ص 180 ـ 181 ): والحقّ أنّ رضاء يزيد بقتل الحسين عليه السّلام واستبشاره بذلك، وإهانتَه أهلَ بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله، ممّا تواتر معناه، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنةُ الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه!
وقال الآلوسي في تفسيره ( روح المعاني 73:26 ): وأنا أقول: الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث ( يزيد ) لم يكن مصدِّقاً برسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيّه صلّى الله عليه وآله وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقةٍ من المصحف الشريف في قَذَر... وأنا أذهب إلى جواز لعن مِثله على التعيين، ولو لم يُتصَوَّر أن يكون له مِثل الفاسقين، والظاهر أنّه لم يَتُب..
وقال محمّد رشيد رضا في (تفسير المنار 367:6): ومِن هذا الباب خروجُ الإمام الحسين سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله على إمام الجور والبغي، الذي وليَ المسلمين بالقوة والمكر، يزيد بن معاوية خذله الله وخذل مَن انتصر له من الكرّاميّة والنواصب.
وهكذا اتّفق العلماء على فسق يزيد ( كما جاء في: الصواعق المحرقة لابن حجر ص 220 )، وذهب كثيرٌ إلى كفره كابن عقيل والآلوسي ( يراجع: تذكرة خواصّ الأُمّة ص 260، وروح المعاني 73:26 )، كما ذهب كثيرٌ إلى جواز لعنه، منهم: أحمد بن حنبل، والقاضي أبو يعلى وابنه أبو الحسين، والخلاّل وغلامه عبدالعزيز، والكياالهراسي، وابن الجوزي وسبطه، والاسفراييني وابن محبّ الدين الحنفي، والتفتازاني، والسيوطيّ، وغيرهم. ( يراجع: وفيات الأعيان 286:3، وتذكرة الخواص 286، وشرح العقيدة النسفية ص 180، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 207، ومطالب أُولي النهى في شرح غاية المنتهى لمصطفى السيوطي 658:5.. ).

لماذا الردّ ؟
لكي لا تضيع الحقائق ولا تُخفى ولا تُزوَّر ولا تُحرَّف، انبرت الأقلام لتعريف الأجيال بالشخصيّات التي تقمّصت رداء الإسلام فحاربت النبيَّ صلّى الله عليه وآله في رسالته حتّى شوّهتها، وحاربته في عترته حتّى قتّلتها، ثمّ يأتي مَن يتظاهر بالتّقى فيتردّد في ذمّ المُؤذِين لرسول الله صلّى الله عليه وآله في كتابه ودينه وذريّته، والله تعالى يقول في صريح آياته:
والَّذينَ يُؤْذُونَ رسولَ اللهُ لَهُم عذابٌ أليم ( سورة التوبة:61 ).
إِنَّ الَّذينَ يُؤْذونَ اللهَ ورسُولَه لَعَنَهمُ اللهُ في الدنيا والآخرةِ وأَعَدَّ لَهُم عذاباً مُهيناً ( سورة الأحزاب:57 ).
وأُثِر في الحديث الشريف أنَّ مَن تَأثّمَ في لعنِ مَن لَعَنَه الله، فعَلَيه لعنةُ الله! فتوقّف الغزالي وتحيّر في لعن قاتل الإمام الحسين عليه السّلام كثيراً في كتابه (إحياء علوم الدين ج 2 ص 276 )، وكتب عبدالمغيث كتاباً في فضائل قاتل الإمام الحسين عليه السّلام، ونطف هزّاع الشمّري سُمومَه في كتيّبه ( حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ) وقد نُقل عن عمر بن عبدالعزيز أنّه كان يضرب عشرين سوطاً مَن سمّى يزيد بأمير المؤمنين ( الصواعق المحرقة ص 221 ).
لذا انبرى السمهودي الشافعيّ إلى ذمّ يزيد في كتابه ( جواهر العقدين وفضل الشرفين ـ شرف العلم العلي والنسب النبوي ) فدافع عن الإمام الحسين عليه السّلام ضمن تمجيده لأهل البيت ولعنه لقتلتهم والمؤذين لهم. وكتب إبراهيم الإشكناني ردّاً علميّاً على هزّاع في مؤلّفه ( كربلاء بين الحقائق والأوهام )، وألّف الأستاذ أحمد المكّي كتاباً مدعوماً بالأخبار والروايات الموثّقة لدى المسلمين أسماه ( يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة في القرآن )، نكتفي بذكر هاتين الرواتين منه:
عن عمر بن الخطّاب في قوله تعالى: « ألَم تَرَ إلى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمةَ اللهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قومَهم دارَ البوار * جَهَنّمَ يَصْلَونَها وبِئْسَ القَرار » (سورة إبراهيم:28 ـ 29 )، قال: هما الأفجران مِن قريش: بنو المُغيرة، وبنو أُميّة! ( كنز العمّال للمتّقي الهندي ج 1 ص 252 ).
وروى الهيثمي الشافعي في ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج 9 ص 190 ) عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال يوماً: يزيد، لا بارك اللهُ في زيد! ثمّ ذرفت عيناه بالدموع، فقال صلّى الله عليه وآله: نُعِيَ إليّ الحسين وأُوتيتُ تُربتَه، وأُخبِرتُ بقاتله. ثمّ قال: واهاً لفراخِ آلِ محمّدٍ مِن خليفةٍ مُستَخْلَفٍ مُترَف، يقتل خَلَفي وخَلَفَ الخَلَف!

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.