الواجهة » الإسلام » كتاب في مقالة » تنزيه الأنبياء
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


تنزيه الأنبياء

الكتاب: تنزيه الأنبياء.
المصنّف: الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسويّ ( 355 ـ 436 هـ ).
الناشر: الشريف الرضيّ ـ قمّ المقدّسة.

بارقة
من الحالات الخطيرة التي تعيشها الأُمّة في كثيرٍ من أفرادها أنّهم لم يستوعبوا معارف الدين، ولم يُسلّموا لحقائق رسالة ربّ العالمين. ومع هذينِ النقصينِ الكبيرين نَجِدُهم مَرّةً يعترضون، ومرّةً أخرى يُشكّكون، ومرّةً ثالثة يُخطّئون أو يُؤوّلون بغيرِ هُدىً ولا علمٍ ولا كتابٍ منير.. فَيَضِلّونَ ويُضِلّون، ويقدحون ولا يُنزِّهون، فلا هُم أحاطوا بحِكَم الله تعالى وشؤونه في عباده، ولاهُم تريّثُوا حتّى يفهموا، ولا هُم سَلّمُوا حتّى يعلموا، ولا هُم جاؤوا أهلَ الذِّكْر فسألوا.. بل تَعجّلوا وارتأَوا واقترحوا، وسَلّموا إلى ما اختلط في عقولهم من الوساوس والاحتمالات المُتَحيَّلة التي يرتع فيها الشيطان ويُملي ويُسوّل لهم! فبَلَغَت بهم الجرأةُ مبلغاً تجاوزوا على حُرَم الأنبياء عليهم السّلام فقالوا بعدم عصمتهم أبو بوقوعهم بما يَذهب بها!
وقد ظَهَرت من أئمّة أهل البيت النبويّ الطاهر غَيرةٌ على حُرَم الله سبحانه وحُرَمِ أنبيائه عليهم السّلام، ما ردّوا به كلَّ شُبُهات الضالّين المُضلّين، وأجابوا على كلّ تساؤلاتِ الحائرين المتسائلين، وأوضحوا حقائقَ كبرى لطلاّب الحقّ والمُستَفهِمين.
وكان من ذلك ما رواه أبو الصلت الهرويّ من ردّ الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام على أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وسائر أهل المقالات، ومنهم عليُّ بن محمّد بن الجَهْم، الذي سأله: يا ابن رسول الله، أتقول بعصمة الأنبياء ؟ فأجابه عليه السّلام: نعم. فتساءل عن معصية آدم وغضبِ ذي النون وهِمّةِ يوسُف عليهم السّلام وغيرِهم، بما يراه أنّ ذلك قادحٌ ـ حاشاهم ـ بعصمتهم صلَواتُ الله عليهم.
فقال له الإمام الرضا سَلام الله عليه: وَيْحَكَ يا عليّ! إتَّقِ اللهَ ولا تَنسِبْ إلى أنبياء الله الفواحش، ولا تَتأوَّلْ كتابَ الله برأيك؛ فإنّ الله عزّوجلّ قد قال: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ والرّاسِخُونَ فِي العِلْم ( آل عمران: 7 ). وأمّا قولك عزّوجلّ في آدم عليه السّلام: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( طه: 121 ) فإنّ الله عزّوجلّ خَلَق آدمَ حُجّةً في أرضه، وخليفةً في بلاده، لم يخلقه للجنّة، وكانت المعصيةُ مِن آدم عليه السّلام في الجنّة لا في الأرض، وعِصمتُه يجب أن تكون في الأرض لِيَتمَّ مقاديرُ أمر الله، فلمّا أُهبِط إلى الأرض وجُعِل حُجّةً وخليفةً عُصِم بقوله عزّوجلّ: إنَّ اللهَ آصطَفى آدمَ ونُوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ عَلَى العالَمين ( آل عمران: 33 ).
وأمّا قولُه عزّوجلّ: وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيه ( الأنبياء: 87 )، وإنّما الظَّنُّ بمعنى استَيقَن أنّ الله لن يُضيِّقَ عليه رِزقَه، ألا تسمعُ قولَ الله عزّوجلّ: وأَمّا إذا مَا آبتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَه ( الفجر: 16 ) أي ضَيّق عليه رزقَه، ولو ظنّ أنّ الله لا يَقْدِر عليه لكان قد كفر. وأمّا قوله عزّوجلّ في يوسف عليه السّلام: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ( يوسف: 24 )، فإنّها هَمَّت بالمعصية وهَمَّ يوسُفُ بقتلها إن أجبَرَتْه؛ لِعِظم ما تَداخَلَه، فصَرَف عنه قتلَها والفاحشة، وهو قوله عزّوجلّ: كذلِكَ لِنصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاء ( يوسف: 24 )، يعني القتلَ والزِّنا. ( عيون أخبار الرضا عليه السّلام للشيخ الصدوق 192:1 ـ 195 / ح 1 ـ الباب 14، و 195:1 ـ 204 / ح 1 ـ الباب 15 ذكر مجلس آخر للرضا عليه السّلام عند المأمون في عصمة الأنبياء عليهم السّلام ).
وقد جاء في هذا الخبر تأثّر الإمام الرضا عليه السّلام ممّا سمعه في نسبة الفواحش إلى الأنبياء عليهم السّلام، حتّى أنّه ضربَ بيده على جبهته وقال: إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون!!

عِبر الأجيال
وتمضي هذه الغَيرةُ الشريفة من أهل البيت عليهم السّلام إلى أصحابهم، ثمّ إلى رُواة أحاديثهم، والمتعلّمين منهم على سبيل النجاة، والآخذين منهم والمسلّمين لمعارفهم.. حتّى إذا بلَغَ ذلك الشريفَ المرتضى، وهو أحدُ ذَراريهم وأبنائهم البارّين الغَيارى، جرّد يراعه لنقل علومهم ومناظراتهم واحتجاجاتهم في تنزيه الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، في كتاب هو ثمرة تصنيفه وتأليفه الموفَّق، ذاكراً في مقدّمته سبب تدوينه، حيث كتب يقول مُوجِّهاً خطابَه إلى أحدهم:
سألتَ ـ أحسَنَ اللهُ توفيقَك ـ إملاءَ كتابٍ في تنزيه الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام عن الذنوب والقبائح كلّها، ما سُمِّيَ منها كبيراً أو صغيراً، والردّ على مَن خالف في ذلك على اختلافهم وضروب مذاهبهم، وأنا أُجيب إلى ما سألتَ على ضيق الوقت وتشعّبِ الفِكر، وأبتدئ بذِكر الخلاف في هذا الباب، ثمّ بالدلالة عل المذهب الصحيح مِن جملة ما أذكره من المذاهب، ثمّ بتأويل ما تعلّق به المخالف من الآيات والأخبار التي اشتبه عليه وجهُها، وظنّ أنّها تقتضي وقوعَ كبيرةٍ أو صغيرةٍ من الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام، ومِن الله تعالى أستمدّ المعونة والتوفيق، وإيّاه أسأل التأييد والتسديد.

المنهاج
ثمّ ابتدأ السيّد الشريف المرتضى رضوانُ الله عليه كتابه بهذه العبارة: اختلف الناس في الأنبياء عليهم السّلام، فقالت الشيعة الإماميّة: لا يجوز عليهم شيءٌ من المعاصي والذنوب، كبيراً كان أو صغيراً، لا قَبل النبوّة ولا بعدها، ويقولون في الأئمّة مِثلَ ذلك. وجوّز أصحابُ الحديث والحَشويّةُ على الأنبياء الكبائرَ قبل النبوّة، ومنهم مَن جَوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما يتعلّق بأداء الشريعة، ومنهم مَن جوّزها كذلك في حال النبوّة بشرط الاستسرار دون الإعلان، ومنهم مَن جوّزها على الأحوال كلّها!!
وبعد استعراضٍ للآراء الضالّة، يأخذ الشريف المرتضى في الردّ عليها في بحثٍ علميّ مُنْطَوٍ تحت عنوان: تنزيه الأنبياء عن الصغائر والكبائر، وتنزيه الأنبياء عن الذنوب كافّة.. ثمّ يبدأ بتنزيه آدم عليه السّلام، ويمضي مع الأنبياء عليهم سلام الله، إلى أن يبلغ إلى تنزيه رسول الله المصطفى محمّد صلّى الله عليه وآله عن كلّ ذنبٍ ومعصيةٍ ووِزر، مُصَحِّحاً ما تداخَل بعض الأفهام من سُوءِ فِكر أو وسوسةٍ إبليسيّة، أو روايةٍ إسرائيليّة.
مِن ذلك ما فُسِّر خطأً أو عمداً أنّ عتاباً مُرّاً جاء في عَبَسَ وتَولّى يُقصَد به النبيّ صلّى الله عليه وآله، فردّ على ذلك بأنّ الخطاب كان للنبيّ والمراد به أُمّتُه، إذ رُويَ عن ابن عبّاس أنّه قال: نزَلَ القرآنُ بإيّاكِ أعني واسمعي يا جارة! وإن كان ذلك مرويّاً عن غيره، مع وجود روايةٍ أنّ آيات السورة أرادت رجلاً من بني أُميّة صَدرَ منه الذي بيّنته الآيات الشريفة. وهكذا أخذ الشريف المرتضى في تنزيه رسول الله صلّى الله عليه وآل في الآيات النازلة، والأحاديث الصادرة، والمواقف المرويّة.. إلى أن بلغ تنزيه الأئمّة عليهم السّلام إلى الإمام المهديّ المنتظر صلوات الله وسلامه عليه، مُحلِّلاً ومُستدِلاًّ، ومُبرهِناً بالعقل والنقل على نزاهتهم عن كلّ عَيبٍ وسوءٍ وباطل؛ إذ طهّرهم الله وعصَمَهم عن كلِّ فاحشةٍ ورجس، كما أذعن لذلك المفسرون حين فسّروا قولَه تعالى: إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُم تَطْهيراً ( سورة الأحزاب:33 ). فمَن اتّهم النبيَّ أو أهلَ بيته فقد اتّهم اللهَ تعالى في إرادته من تطهيره لهم، وكذلك ردّ كلامَ الله عزّوجلّ.

فجزى اللهُ العلماءَ الغيارى، والذينَ تبّصروا ووعَوا،
ودَوَّنوا المعارفَ عن مَعينها الصافي المتّصل بأنوار الحق
تبارك وتعالى، فانتفعوا ونفعوا، واستناروا وأناروا، فللّهِ دَرُّهم، وعلى الله أجرُهم.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.