الواجهة » الإسلام » كتاب في مقالة » الغدير.. في الكتاب والسُّنّة والأدب
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الغدير.. في الكتاب والسُّنّة والأدب

الكتاب: الغدير.. في الكتاب والسُّنّة والأدب.
المؤلّف: الشيخ عبدالحسين أحمد الأمينيّ (ت 1390 هـ).
الناشر: دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران.
الطبعة: الثانية ـ سنة 1408 هـ.

مَن هو خادم الغدير؟
فقيه أُصولي، وعالمٌ مؤرّخ ثَبْت، ومحدّث مجتهد، ومؤلّف صاحب مآثر وآثار كبيرة، الشيخ عبدالحسين الأميني: أكمل دراسته الأوّلية في مسقط رأسه تبريز ـ بإيران ـ وهاجر عام 1336 هـ إلى مدينة النجف الأشرف فتتلمذ على أساطين عصره: كالميرزا حسين النائيني، والشيخ عبدالكريم الحائري، والمرجع السيّد أبي الحسن الأصفهاني، والشيخ محمّد حسن الكمپاني، والمرجع الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء، والسيّد حسين القمّي، والشيخ محمّد علي الغروي الأُوردُبادي، والشيخ آقا بزرك الطهراني.
وقد أظهر الشيخ الأميني نبوغاً وتفوّقاً غريباً، وجدّاً متواصلاً، فبلغ مرتبة الاجتهاد والفُتيا، غيرَ أنّه انصرف إلى التحقيق والتأليف وحمل أعباء التدقيق في التاريخ لإبطال التحريفات الواقعة فيه.. فكان مِن ثمار جهده الدَّؤوب آثارٌ قيّمةٌ نافعة، منها:
ـ تفسير سورة فاتحة الكتاب، شهداء الفضيلة، كامل الزيارات (تحقيق)، أدب الزائر لمَن يَمّم الحائر، سيرتنا وسُنّتنا، المقاصد العَليّة في المطالب السَّنيّة، رياض الأُنس، ثمرات الأسفار (وكان قد سافر إلى: الهند وتركيا وإيران وسوريا، فألقى في مجامعها الشعبيّة ومحافلها العلميّة عشرات المحاضرات)، وكتاب العترة الطاهرة في الكتاب العزيز (أو: الآيات النازلة في العترة الطاهرة).. وغير ذلك من تعليقات في الفقه وأصوله على كتابَي الشيخ الأنصاريّ: الرسائل، والمكاسب.
وهذا الكتاب القيم والموسوعةُ الكبرى (الغدير)، الذي طَبَع ملامح شخصيّته العلمية ومنَحَه شهرة واسعة في الآفاق.

وأيّ غديرٍ كان!
لقد اقترن التأليف حول الغدير باسم هذا العالم الفاضل الشيخ الأمينيّ، حيث أصبح هذا الكتاب الذي بلغ اليوم ـ بعد جمع متفرّقاته ـ إلى 14 مجلّداً، فَعُدّ من أهم المصادر العلميّة في إثبات واقعة الغدير التي انتهت بتنصيب الإمامة لأمير المؤمنين عليٍّ عليه أفضلُ الصلاة والسلام، في بحثٍ تجلّت فيه الحقائق بأُسلوبٍ بعيدٍ عن التعصّب الأعمى أو المغالطات اللفظيّة والمهاترات الفكريّة، داحضاً مِن خلاله الأقاويل الباطلة التي تُشكّك تارةً وتارةً تُحرِّف المعاني، وتُؤوّل تأويلاً متغابياً تارةً أخرى.. فكان هذا الكتاب ـ بحقّ ـ دراسةً عمليّةً تحليليّةً مُعمّقة، حتّى قرّضه العالم الأديب الفاضل السيّد محمّد جمال الهاشميّ قائلاً:

الغديرُ الغديـر.. ذلـك سِفْـرٌ خالدٌ في الحيـاةِ قُدِّسَ سِفْـرا!
دَبَّجَتْه يـراعةُ النـاقِد الفحـل فَلَـم تُبـقِ فيـه لِلُّـبٍّ قِشْـرا
أظهرَتْ ما اختَفى وأخفَتْ عُيوباً قُدِّستْ في الورى خداعاً ومَكْرا
إن يكن يَصلحُ الخلـودُ وسامـاً فالأمينيّ فيـه أولـى وأحـرى

ثمّ توارَدَت على المؤلف الكثيرُ من كتب التقاريض وأوسمة الإعجاب والفخر المُعبِّرة عن الاقتناع بما أورده هذا العالم الفاضل، ومنهم: مَراجع الدين وعلماء الأمّة، وعدد من رؤساء الدول، والشخصيّات العلميّة والأدبيّة.. الإسلاميّة والعربيّة، منهم:
ـ الميرزا عبدالهادي الشيرازي، المرجع السيّد محسن الحكيم، العالم السيّد عبدالحسين شرف الدين الموسوي، المجتهد السيّد حسين الحمّامي، السيّد حسين الهندي الموسوي، السيّد محمّد علي نقي الحيدري، الشيخ محمّد علي الغُرويّ الأُوردُبادي.
كذا قرّض (الغدير) الملك فاروق ملك مصر، حيث صدر عن ديوانه الملكي هذا النصّ: حضرة الأستاذ المفضَّل السيّد عبدالحسين أحمد الأميني؛ سلامُ الله عليكم وبركاته، وبعد: فإنّي أُبادر بإبلاغكم أنّي رفعتُ إلى صاحب الجلالة مولاي الملك المعظم الجزءَين الثالث والرابع من مؤلَّفكم (الغدير) فنالا حُسنَ القبول، وإنّي لأتشرّف بإبلاغ ذلك إلى حضرتكم مع الشكر السامي.. ولمّا كان الجزءانِ الأوّل والثاني لم يَصِلا إلينا، فإني أرجو التكرّمَ بتعريفي عن المكتبة التي يمكن الحصول عليهما منها. وتفضّلوا بقبول خالص التحيّة. قصر عابدين 28 ـ يناير / سنة 1948 م ـ السكرتير الخاصّ: حسين حسني.
هذا، فيما أرسل ملك الأردن عبدالله بن حسين برقيّة إلى الشيخ الأمينيّ صدّرها بهذه الأبيات يخاطبه بها قائلاً:

أيُّها الحَبْرُ زُرْ مَقامـاً كريمـاً وآبتَهِلْ لي مُستَغفِراً عن ذُنوبي
وآرْوِعنّي دعـاءَ عبـدٍ فقيـرٍ يشتكـي ما يَمَسُّـهُ مِن لُغُـوبِ
فدُعـاءُ المُحِـبِّ لـلآلِ يَنفـي كلَّ خَطـبٍ وكلَّ هَـمٍّ مُرِيـبِ
وآقْرَ عنّي الإمامَ أسمى سـلامٍ وآلْثُمِ الأرضَ في المَقام المَهيبِ

عمّان ـ 12 ذي القعدة 1365 هـ / الموافق 7 تشرين الأوّل 1946 م. ثمّ جاء في رسالته قولُه: ماذا عساي أن أقول في أثرٍ تصدّى لتأليفه عالمٌ نحرير في حديثٍ نبويٍّ يتعلّق بالوصيّ عليه السلام، غيرَ تكرير الشكر والرغبة الصحيحة في أن يُروَّجَ هذا الكتاب وتكثر الاستفادة منه لدى الخاصّ والعام.. ولعلّي من الآن أحُثُّ الناس على الإقبال على هذه الرسالة السامية في معناها، الغالية في غايتها، فكتابكم يَسُرّ آلَ البيت وشيعتهَم، ويَسرّ كلَّ مؤمنٍ بالله ورسول..
وكانت من ملك اليمن يَحيى عبدالحميد رسالة تقريضيّة أخرى حرّرها في 25 رجب سنة 1365 هـ، جاء فيها: حضرة العلاّمة الألمعيّ، والهمام اللَّوذَعيّ، عبدالحسين أحمد الأمينيّ، فتَحَ الله أمَدَه، وبارك فيه وله فيما خَلَّده.. لقد سَرَّنا أيَّما سرور، ما أدركناه بكلّ الحواسّ من سعيكمُ المشكور، المُودَعِ في مؤلَّفكم (الغدير)، وعَرَفْنا مدى الاهتمام المبذول، وكُنْهَ ما لحضرة المؤلِّف من طول الباع، وسَعة الاطّلاع، وفقاهةِ النَّفْس، وبلاغة النَّفَس، وشَكَرناكم أتمَّ الشكران على الإتحاف بالجزءين والعِدَةِ ببقيّة الأجزاء.. فالأنفسُ إليه مشتاقة، وإلى الوفاء بحقّه توّاقة.
ووفَدَت رسالةٌ أخرى من رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان العراقي السيّد محمّد الصدر في 11 من شهر رمضان عام 1369 هـ / 1950 م. ثم من السيّد عبدالمهدي المنتفكي بعد يومين، ثمّ تواردت كتب التقاريض على الشيخ الأميني من شخصيّات علميّة وأدبية، منهم: الدكتور صفاء خُلوصي (لندن)، الدكتور عبدالرحمان الكيالي (سوريا)، الدكتور محمّد غلاّب (مصر)، الأستاذ الشاعر بولس سلامة (لبنان)، وعدد كبير من الفضلاء والشعراء كان منهم الشاعر الأستاذ محمّد عبدالغني حسن (من مصر)، وقد كانت له مقالة بعنوان (في ظلال الغدير) وُضِعت مقدّمةً لكتاب (الغدير)، وهي جديرة بالقراءة.

ثمّ الأجدر
مطالعة المقدّمة التاريخيّة ـ الحديثيّة للكتاب بقلم مؤلّفه العالم الجليل الشيخ عبدالحسين الأميني، الذي ذكَرَ فيها سبب اهتمامه بموضوع الغدير، وسبب تأليفه لموسوعة (الغدير)، فرفَعَ بذلك عَلَماً شامخاً مِن أعلام الإسلام، وهو عَلَم الولاية الكبرى، وشهر سيفاً علميّاً احتجاجيّاً بُرهانيّاً على كلِّ مَن يُشكّك بواقعة الغدير العظمى، أو حتّى في جزئيّاتها، أو في دلائلها.. فثبّت هذا الموضوع الخطير مِن جميع جوانبه: القرآنيّة والحديثيّة، والتاريخيّة والاجتماعيّة، والكلاميّة والمنطقيّة، واللُّغويّة والأدبيّة..
لنقرأ المقدّمةَ هذه، ففيها إشاراتٌ مهمّة في العقيدة:

التاريخ الصحيح
لا يكون انبعاث أيّة فرقة من الفِرق إلى تدوين التاريخ، أقلَّ من انبعاث أخواتها إليه، فكلٌّ يتحرّى منه غاية؛ ويَرمي إلى غرض يخصّه، فإن كان المؤرّخ يريد به الحِيطة بحوادث الدهر، والوقوف على أحوال الأجيال الغابرة، فالجغرافيّ يطلبه لتحقيق القسم السياسيّ به لاختلافه بتغلّيات الدول، وانعكاف أُممٍ على خُططٍ معيّنة وانثيال أُممٍ عنها.
وإن انبعث الخطيب إلى سَبرغور التاريخ لما فيه من عِبرٍ وعِظاتٍ بالغةٍ في تدهور الأحوال، وفَناء الأجيال، وهلاك ملوك وآستخلاف آخَرين، وما انتاب أقواماً من جرّاء ما اجترحوه من السيّئات، وما فاز به آخَرون بما جاؤوا به من صالح الأعمال؛ فالدينيّ يبتغيه للوقوف على ما وُطِّدت به أُسس المُعتقَد؛ وعُلِّيَ عليها صروحه وعلاليه، وإفرازه عمّا كان حوله من لعب الأهواء، وتَرْكاض أهل المطامع.
وإذا كان الأخلاقيّ يقصد به التجاريب الصالحة في ملكات النفوس التي تحلّى بالصحيحة منها فِرقٌ من الناس فأفلحوا، وتردّى بالرديئة منها آخرون فخابوا، فيستنتج من ذلك دستوراً عامّاً للمجتمع ليعمل به متى راقه أن يأخذ؛ حَذَراً عن سقوط الفرد أو ملاشاة الجامعة، فالسياسيّ يريد به الوقوف على مناهج الأُمم التي تقدَّم بها الغابرون، ومساقط الشهوات التي أسفّت بمعتنقيها إلى هُوّة البوار والضَّعَة فغادرتهم كحديث أمس الدابر، ويريد به البصيرة فيما سلفت به التجاريب الصحيحة في المضائق والمآزق الحرجة، وافتراع عقبات كأداء، فيتّخذ من ذلك كلِّه برنامجاً صالحاً لرقيّ أمّته، وتَقدُّم بيئته.
والأديب يقتنص شوارد التاريخ؛ لأنّ ما يتحرّاه من تنسيق لفظه، وفخامة معناه، وما يجب أن يكون في شعره أو نثره من محسَّنات الأسلوب، ومقرِّبات المغزى بإشارة أو استعارة، منوطٌ بالاطّلاع على أحوال الأُمم والوقوف على ما قصدوه من دقائق ورقائق.
وإذا عمَّمنا التاريخ على مثل علم الرجال والطبقات، فحاجة الفقيه إليه مَسيسةٌ في تصحيح الأسانيد، وإتقان مدارك الفتاوى، وبه يظهر افتقار المحدِّث إليه في مزيد الوثوق برواياته، على أنّ لِفنِّ الحديث مواضيعَ مُتداخلة مع التاريخ كما يُروى من قَصص الأنبياء وتحليل تعاليمهم، حيث يجب على المحدِّث المحاكمةُ بين ما يتلقّاه وما يسرده التاريخ! أو التطبيق بينهما إن جاءا متَّفقَين في بيان الحقيقة.
والمفسِّر لا مُنتدَحَ له من التوغّل في التاريخ عندما يقف على آياتٍ كريمة تُوعِز إلى قَصص الماضين وأحوالهم، لضربِ من الحكمة، ونوعٍ من العِظة، وعلى آياتٍ أُخرى نزلت في شؤونٍ خاصّة؛ يفصِّلها التاريخ تفصيلاً؛ والباحث إذا دقّق النظرة في أيّ عِلمٍ يجد أنّ له مَسيساً بالتاريخ لا يتمّ لصاحبه غايتُه المتوخّاة إلاّ به.
فالتاريخ إذاً ضالَّة العالِم، وطَلِبة المتفنّن، وبُغية الباحث، وأُمنيّة أهل الدين، ومقصد الساسة؛ وغرض الأديب، والقول الفصل. إنّه مأرب المجتمع البشريّ أجمع، وهو التاريخ الصحيح الذي لم يُقصَد به إلاّ الحقائق على ما هي عليه؛ فلم تَعبث به أغراض مُستهدَفة، ولم يَعثُ فيه نزعاتٌ أهوائية ككثيرٍ مما أُلِّف من زبر التاريخ التي رُوعيَ في جملة منها جلبُ مرضاة القادة والأمراء؛ أو تدعيم مبدأ أو فكرِ مفكّر، أو أُريد به التحليق بأشخاصٍ معلومين إلى أَوج العظمة، والإسفاف بآخَرين إلى هُوّة الضَّعة، لِمَغازٍ هنالك تختلف باختلاف الظروف والأحوال، أو اختلط فيها الحابلُ بالنابل، بتوسّع المؤلّفين لِما حَسِبوه من أنّ الإحاطة بكلّ ما قيل توسّعٌ في العِلم، وإحسانٌ في السمعة، ذهولاً منهم عن أنّ مقادير الرجال بالدِّراية لا بالرِّواية (1)، فأدخَلُوا في التاريخ هفواتٍ لا تُحصى، غيرَ شاعرين بأنّ رواة تلك السفاسف زبائنُ عصبة، وحناقٌ على عصبة؛ أو أنّهم قصّاصون غيرَ مكترثين من الإكثار في النقل الخرافيّ أو الافتعال، إكباراً لِلسمعة، أو نزولاً على حُكْم النهمة، فتلقتَّها عنهم السذَّجُ في العصور المتأخِّرة كحقائقَ راهنة، وتنبَّه لها المنقّب فوجدها أحاديثَ خرافيَّةً فرفضها؛ غيرَ مُبالٍ بالطعن على التاريخ، فلا شَعرَ أولئك أنّها وليدة تقاليد أو مطامع؛ ولا عرف هذا أنّ الآفة عن ورطات القالة، وسوء صنيع الكَتَبة، لا في أصل الفنّ، ولو ذهبنا إلى ذكر الشواهد لهذه كلها لخرج الكتاب عن وضعه، هكذا خَفِيت الحقيقة بين مُفْرطٍ ومفرّط، وذهبت ضحيَّة الميول والشهوات.
فواجبُ الباحث أن يسبر هذا الغور، متجرِّداً عن النعرات الطائفيّة، غير متحيِّز إلى فئة، متزحزحاً عن عوامل الحُبّ والبغض، ونُصْبَ عينَيه مقياسٌ من أصولٍ مُسلَّمة، يقابل به صفحةَ التاريخ، فإن طالته أو قصرت عنه رفضها، وإن قابلَتْه مقابلة المِثل بالمِثل اعتمد عليها، على تفصيل لا يسعه نطاق البحث ها هنا.

أهمّيّة الغدير في التاريخ
لا يستريبٍ أيُّ ذي مِسكةٍ في أنّ شرف الشيء بشرف غايته، فعليه أنّ أوّل ما تكسبه الغايات أهميّة كبرى مِن مواضيع التاريخ هو ما أُسِّس عليه دين، أوجَرَت به نِحْلة، واعتلت عليه دعائم مذهب، فدانت به أُمم، وقامت به دُول، وجرى به ذِكرٌ مع الأبد، ولذلك تجد أئمّة التاريخ يتهالكون في ضبط مبادئ الأديان وتعاليمها، وتقييد ما يَتْبعها من: دعايات، وحروب، وحكومات، وولايات.. التي عليها نَسَلت الحقب والأعوام، ومضت القرون الخالية سُنّةَ اللهِ في الَّذينَ خَلَوا ولَن تَجِدَ لِسُنِّةِ اللهِ تَبديلاً . وإذا أهمل المؤرّخُ شيئاً مِن ذلك فقد أوجد في صحيفته فراغاً لا تسدّه أيّة مهمّة، وجاء فيها بأمرٍ خِداج، بُترأوّله ولا يُعلم مبدؤه، وعسى أن يُوجِب ذلك جهلاً للقارئ في مصير الأمر ومنتهاه.
إنّ واقعة (غدير خمّ) هي من أهمّ تلك القضايا؛ لِما آبتنى عليها وعلى كثيرٍ من الحُجج الدامغة، مذهبُ المُقتصّين أثَرَ آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وهم معدودون بالملايين، وفيهم العِلم والسُّؤدد، والحكماء والعلماء والأماثل، ونوابغ في علوم الأوائل والأواخر، والملوك والساسة والأمراء والقادة، والأدب الجمّ؛ والفضل الكثار؛ وكتب قيّمة في كلّ فنّ؛ فإنّ يكن المؤرّخ منهم فمِن واجبه أن يفيض على أُمّته نبأَ بدءِ دعوته، وإن يكن من غيرهم فلا يعدوه أن يذكرها بسيطةً عند ما يسردُ تاريخ أُمّةٍ كبيرة كهذه؛ أو يشفعها بما يرتئيه حول القضيّة من غميزة في الدلالة، إن كان مزيج نفسه النزول على حُكم العاطفة؛ وما هنالك من نعرات طائفته، على حين أنّه لا يتسنّى له غَمزٌ في سندها، فإنّ ماناء به نبيُّ الإسلام يومَ الغدير من الدعوة إلى مفاد حديثه لم يختلف فيه اثنان؛ وإن اختلفوا في مؤدّاه لأغراضٍ وشوائبَ غيرِ خافيةٍ على النابه البصير.
فذَكَر الواقعةَ من أئمة المؤرخين: البلاذريُّ المتوفّى سنة 279 هـ في (أنساب الأشراف)، وابن قتيبة المتوفّى 276 في (المعارف) و (الإمامة والسياسة) والطبريّ المتوفّى 310 في كتابٍ مفرد؛ وابن زولاق الليثيّ المصريّ المتوفّى 287 في تآليفه، والخطيب البغداديّ المتوفّى 463 في تاريخه، وابن عبدالبَرّ المتوفّى 463 في (الاستيعاب)؛ والشهرستانيّ المتوفّى 548 في (المِلل والنِّحل)، وابن عساكر المتوفى 571 في تاريخه، وياقوت الحمويّ في (معجم الأدباء 84:18) من الطبعة الأخيرة، وابن الأثير المتوفّى 630 في (أُسد الغابة)، وابن أبي الحديد المتوفى 656 في (شرح نهج البلاغة)، وابن خلِّكان المتوفّى 681 في تاريخه، واليافعيّ المتوفّى 768 في (مرآة الجِنان)، وابن الشيخ البلويّ في (ألف باء)، وابن كثير الشاميّ المتوفّى 774 في (البداية والنهاية)، وابن خُلدون المتوفّى 808 في مقدّمة تاريخه، وشمس الدين الذهبيّ في (تذكرة الحفّاظ) والنُّوَيريّ المتوفّى حدود 833 في (نهاية الإرب في فنون الأدب)، وابن حجر العسقلانيّ المتوفّى 852 في (الإصابة) و (تهذيب التهذيب)، وابن الصبّاغ المالكيّ المتوفّى 855 في (الفصول المهمّة)، والمقريزيّ المتوفّى 845 في (الخُطط المقريزيّة)، وجلال الدين السيوطيّ المتوفّى 910 في غير واحد من كتبه، والقرمانيّ الدمشقيّ المتوفّى 1019 في (أخبار الدول)، ونور الدين الحلبيّ المتوفّى 1044 في (السيرة الحلبيّة)، وغيرهم.
وهذا الشأن في علم التاريخ لا يقلّ عنه الشأن في فنّ الحديث، فإنّ المحدِّث إلى أيِّ شطرٍ ولّى وجهَه من فضاء فنّه الواسع، يجد عنده صحاحاً ومسانيد تُثْبت هذه المأثُرة لوليّ أمر الدين عليه السلام، ولم يزل الخَلَف يتلقّاه مِن سلفه حتّى ينتهي الدَّور إلى جيل الصحابة الوعاة للخبر، ويجد لها مع تعاقب الطبقات بلجاً ونوراً يَذهب بالأبصار، فإن أغفل المحدّثُ عمّا هذا شأنه، فقد بَخِس للأُمّة حقّاً، وحرمها عن الكثير الطيّب ممّا أسدى إليها نبيُّها نبيّ الرحمة مِن بِرّه الواسع؛ وهدايته لها إلى الطريقة المُثلى.
فذكرها من أئمّة الحديث: إمام الشافعيّة أبو عبدالله محمّد بن إدريس الشافعيّ المتوفّى سنة 204 كما في (نهاية) ابن الأثير، وإمام الحنابلة أحمد بن حنبل المتوفّى 241 في مسنده ومناقبه، وابن ماجة المتوفّى 273 في سُننه، والتِّرمذيّ المتوفّى 279 في صحيحه، والنَّسائيّ المتوفّى 303 في (الخصائص)، وأبو يَعلى الموصليّ المتوفّى 307 في مسنده، والبغويّ المتوفّى 317 في (السنن)، والدولابيّ المتوفّى 320 في (الكنى والأسماء)، والطَّحاويّ المتوفّى 321 في (مُشكل الآثار)، والحاكم النَّيسابوريّ الشافعيّ المتوفّى 405 في (المستدرك)، وابن المغازليّ الشافعيّ المتوفّى 483 في (المناقب)، وابنَ مَندة الأصبهانيّ المتوفّى 512 بعدّة طرق في تآليفه، والخطيب الخوارزميّ المتوفّى 568 في (المناقب) و (مقتل الإمام السبط عليه السلام)، والكَنجيّ الشافعيّ المتوفّى 658 في (كفاية الطالب)، ومُحبّ الدين الطبريّ المتوفّى 694 في (الرياض النَّضِرة) و (ذخائر العقبى)، والحموينيّ المتوفّى 722 في (فرائد السِّمطين)، والهيثميّ المتوفّى 807 في (مجمع الزوائد)، والذهبيّ المتوفّى 748 في (التلخيص)، والجَزَريّ المتوفّى 830 في (أسنى المطالب)، وأبو العبّاس القسطلانيّ المتوفّى 923 في (المواهب اللَّدُنيّة)، والمتّقي الهنديّ المتوفّى 975 في (كنز العمّال)، والهرويّ القاري المتوفّى 1014 في (المرقاة في شرح المِشكاة)، وتاج الدين المناويّ المتوفى 1031 في (كنوز الحقائق في حديث خير الخَلايق) و (فيض القدير)، والشيخانيّ القادريّ في (الصراط السَّويّ في مناقب آل النبيّ)، وباكثير المكّيّ المتوفّى 1047 في (وسيلة المآل في مناقب الآل)، وأبو عبدالله الزرقانيّ المالكيّ المتوفّى 1122 في (شرح المواهب)، وابن حمزة الدمشقيّ الحنفيّ في كتاب (البيان والتعريف)، وغيرهم.
كما إنّ المفسّر نُصْبَ عينيه آيٌ (2) من القرآن نازلةٌ في هذه المسألة، يرى مِن واجبه الإفاضةَ بما جاء في نزولها وتفسيرها، ولا يرضى لنفسه أن يكون عمله مبتوراً، وسعيه مُخدَجاً، فذكرها من أئمّة التفسير: الطبريّ المتوفّى 310 في تفسيره، والثعلبيّ المتوفّى 427 / 437 في تفسيره، والواحديّ المتوفّى 468 في (أسباب النزول)، والقرطبيّ المتوفّى 567 في تفسيره، وأبو السعود في تفسيره، والفخرالرازيّ المتوفّى 606 في تفسره الكبير، وابن كثير الشاميّ المتوفى 774 في تفسيره، والنَّيشابوريّ المتوفّى في القرن الثامن في تفسيره، وجلال الدين السيوطيّ في تفسيره، والخطيب الشربينيّ في تفسيره، والآلوسيّ البغدادي المتوفّى 1270 في تفسيره، وغيرهم.
والمتكلّم حين يقيم البراهين في كلّ مسألة من مسائل علم الكلام، إذا انتهى به السير إلى مسألة الإمامة فلا مُنتدحَ له من التعرّض لحديث الغدير؛ حُجّةً على المدّعي أو نقلاً لحجّة الخصم، وإن أردفه بالمناقشة في الحساب عند الدلالة: كالقاضي أبي بكر الباقلاّنيّ البصريّ المتوفى سنة 403 في (التمهيد)، والقاضي عبدالرحمان الإيجيّ الشافعيّ المتوفى 756 في (المواقف)، والسيّد الشريف الجُرجانيّ المتوفّى 816 في (شرح المواقف)؛ والبيضاويّ المتوفّى 685 في (طوالع الأنوار)، وشمس الدين الأصفهانيّ في (مطالع الأنظار)؛ والتَّفتازانيّ المتوفّى 792 في (شرح المقاصد)، والقُوشجيّ المولى علاء الدين المتوفّى 879 في (شرح التجريد).. وهذا لفظهم:
إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد جمع الناسَ يومَ غدير خمٍّ ـ موضعٌ بين مكّة والمدينة بالجُحف ـ وذلك بعد رجوعه من حَجّة الوداع، وكان يوماً صائفاً، حتّى أنّ الرجل لَيضعُ رداءَه تحت قدمَيه مِن شدّة الحرّ، وجمَعَ الرِّحال، وصعد عليها، وقال مخاطباً: «معاشرَ المسلمين، ألستُ أَولى بكم مِن أنفسِكم؟!»، قالوا: اللّهمّ بلى، قال: «مَن كنتُ مَولاه فعليٌّ مَولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصرْ مَن نصَرَه، وآخذُلْ مَن خَذَله» (3).
ومن المتكلّمين: القاضي النجم محمّد الشافعيّ المتوفّى 876 في (بديع المعاني)، وجلال الدين السيوطيّ في أربعينه، ومُفتي الشام حامد بن عليّ العماديّ في (الصلا الفاخرة بالأحاديث المتواترة) والآلوسيّ البغداديّ المتوفّى 1324 في (نثر اللآلي)، وغيرهم.
واللُّغويّ لا يجد مُنتدَحاً من الإيعاز إلى حديث الغدير عند إفاضة القول في معنى المَولى، أو الخُمّ، أو الغدير، أو الوليّ: كابن دُرَيد محمّد بن الحسن المتوفّى 321 في (الجمهرة 71:1) (4)، وابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر)، والحمويّ في (معجم البلدان) في خُمّ، والزَّبيديّ الحنفيّ في (تاج العروس)، والنَّبهانيّ في (المجموعة النبهانيّة).

 ×  1 ـ في كتاب زيد الزرّاد عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «يا بُنيَّ اعرفْ منازلَ شيعة عليّ على قدر رُوايتهم ومعرفتهم؛ فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجة الإيمان. إنّي نظرتُ في كتابٍ لعليٍّ عليه السلام فوجدتُ فيه: أنّ زِنةَ كلّ آمرئٍ وقَدْرَه معرفتُه، إنّ الله يحاسِبُ العباد على قَدْر ما آتاهم مِن العقول». وفي (غيبة النعمانيّ ص 70) في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام: «خبرٌ تَدريه خيرٌ من عشرٍ ترويه. إنّ لكلّ حقٍّ حقيقة، ولكلِّ صوابٍ نورا ً». وفي (كشف الغمّة للشعرانيّ 40:1): كان عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه يقول: «كُونواً للعلمِ وُعاة، ولا تكونوا له رُواة».
2 ـ كقوله تعالى: «اليومَ أكمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وأتْمَمْتُ عليكُم نِعمتي ورَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِيناً» في سورة المائدة، وقوله فيها: «يا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أنْزِلَ إليكَ مِن رَّبَّك» الآية. وقوله في سورة المعارج: «سَألَ سائل * بعذابٍ واقع».
3 ـ ذكرنا لفظهم؛ لكونه غيرَ مُسند، بل ذكروه إرسالَ المُسلَّم.
 ×  4 ـ قال: غدير خمّ معروف، وهو الموضع الذي قام فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خطيباً بفضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كذا في المطبوع من (الجمهرة)، وقد حكى عنه ابن شهرآشوب وغيره في العصور المتقادمة من النُّسخ المخطوطة من (الجمهرة) ما نصّه: هو الموضع الذي نصَّ النبيُّ عليه السلام فيه على عليٍّ عليه السلام، وقد حرّفَتْه يدُ الطبع الأمينة!
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.