الواجهة » الإمام الرضا » ادبياته » تحيّةً يا ضامن الغزالة
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


تحيّةً يا ضامن الغزالة

قبل القصة
فداء لعَينيك يا نبعَ الرحمة والحنان.
فداء لعينيك يا إمام الرأفة والأمان.
يا سيدي ومولاي يا أبا الحسن يا علي بن موسى الرضا.
هي ذي ـ يا مأوى الغُرَباء ـ واقعة يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.. عن غزالة أسيرة بائسة التجأت إليك. ولقد آوَيتَ الغزالة وحَقّقتَ لها من الأمن ما تريد، وزِدتَها برأفتك فوق ما تأمل وتريد.
لم أقرأ واقعتها هذه في مرجع من مراجع الحديث أو التاريخ. ولكنّ كثيراً مِثلَها قد وقع ووثّقَته كتب الحديث.
كثير مِثلها حدث في أيام جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله ممّا تذكره المراجع. وكثير مِثلها حَدَث في أيام آبائك الأطايب الهادين: علي بن الحسين السجّاد زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق عليهم السلام. ونظيرها حَدَث كذلك في أيامك المباركة (1)، وما يزال يَحدُث.
هذه الوقائع ـ يا مولاي ـ كما تحكي مَظهراً من مظاهر الرحمة والرأفة التي تفيض من وجودكم القُدسي على كلّ الخليقة، هي أيضاً مظهر من مظاهر علمكم بكلّ شيء. ومن هذه الأشياء علمكم المحيط بلغات الكائنات، ومعرفتكم بألسنة المخلوقات. وقد صرّحتم بهذا أكثر من مرّة لمن لا يعرفون، وطمأنتُم أكثر من مرّة مَن يرتابون ويُشكّكون. وقد عَجِب مُعاصِرُك أبو الصَّلت الهَرَوي مِن معرفتك بكل اللغات ـ على تنوّعها ـ معرفةً مقرونة بالفصاحة العالية، فقلتَ له: يا أبا الصَّلت، أنا حجّة الله على خلقه، وما كان لله لِيَتّخِذ حجّة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم. أوَ ما بَلَغَك قولُ أمير المؤمنين عليه السلام: « أُوتينا فَصْلَ الخِطاب » ؟! فهل فَصلُ الخِطاب إلاّ معرفة اللغات ؟! (2)
ومِن قبلُ قال جدّك السجّاد عليه السلام: عُلِّمنا منطقَ الطير وأُوتينا كلَّ شيء، وقال ولده الباقر عليه السلام مِثل هذا القول، ثم صَدَر مِثله من ولده الصادق صلوات الله عليه (3).
وقبل هذا وذاك.. ألم يَقُل جدّك أمير المؤمنين علي عليه السلام لعبدالله بن عبّاس: يا ابن عباس، عُلِّمنا منطقّ الطير... ومنطقَ كلّ دابّة في بَرّ أو بحر ؟! (4)
وأنتم.. شاء الله تبارك وتعالى لكم يا مولاي، أن تكونوا غَوث الخلائق وضامِنِي المُهَج والأرواح، ومَلاذ المضطرّين الحائرين، ومأوى الشُّرَداء المُغتَربين.. تُؤمنون مَن قَصَدكم في حصنكم الحصين، وتُدخِلون مَن اختاركم في رحاب الطمأنينة والنجاة والأمان.
يَروي القاضي أبو الفضل عِياض اليَحصُبي المالكي ( المتوفّى سنة 544 هـ )، عن أمّ سَلَمَة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يوماً في صحراء، فنادَته ظَبْيَة ( وهي أمّ الغزال ) كانت واقعة في حَبائل صياد من الأعراب قائلة: إنّ هذا الأعرابي قد صادها، ولها خِشفان ( أي وَلَدان ) في ذلك الجبل، وتَرَجّت رسولَ الله أن يُطلِقها لتذهب فتُرضِع ولَدَيها ثم تعود فأطلقها رسولُ الله، فذهبت ثمّ رجعت وتنبّه الأعرابيّ فقال: يا رسول الله، ألَك حاجة ؟ فقال صلّى الله عليه وآله: تُطلِق هذه الظَّبيَة. فأطلَقَها، فخرجت تَعدو في الصحراء وتقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله.. (5).
بل إنّ المُحدِّث الشهير الشيخ الصدوق ( المتوفّى سنة 381 هـ ) يَروي أنّ غزالة طارَدَها فَهدُ صياد، بعد استشهاد الإمام الرضا عليه السلام بِعُقُود طويلة، فما زال الفهد يَتبَع الغزالة حتى التجأت إلى مَزار الرضا عليه اللام فوقفت، ووقف الفهد في مقابلهالا يجرُؤ على الاقتراب منها، رغم أنّ الصياد كان يَحثّ الفهد ليأخذ الغزال ومتى حاولت الغزالة الابتعاد عن موضع المزار قَصَدَها الفهد لأخذها، فإذا عادت مُلتَجئة إلى المزار رجع الفهد (6). وهكذا فازت الغزالة بالنجاة ببركة قبر مولانا الرضا عليه السلام بعد استشهاده بأكثر من قرن.
وثمّة واقعة أصرَح من هذه وأدنى إلى الرواية المشهورة أشار إليها بوضوحٍ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندرانيّ من مَعاريف علماء الإماميّة في القرن السادس، إذ روى أنّ الإمام الرضا عليه السلام « أتَته ظَبية فلاذَت به ». وسجّل هذه الواقعة أبو الحسن عليّ بن حمّاد العَدَويّ العَبديّ ( من علماء ومُحدِّثي وشعراء الإماميّة في القرن الرابع ) في شعر له قال فيه (7):

الـذي لاذّت بـه الظَّبـْ ـيَةُ، والقـومُ جُلـُوسُ
مَن أبوه المرتضى.. يَز كُـو ويَعلُـو وَيـرُوسُ

إنّ هي الواقعة وأمثالها ليست وقائع عجائبيّة نادردة الحُدوث، بل هي بعض مظاهر الرحمة والرأفة الغامرة التي هي فيض مستمرّ من فيوضات أهل البيت صلوات الله عليهم.. الذين هم رحمة الله للعالَمين.
وإذا كانت هذه صوراً من رحمتهم بحيوانات تأوي إليهم ـ وهم حُجَج الله على الخلق أجمعين ـ فما الذي يَلقاه الإنسان إذَن ـ وهو أشرف المخلوقات ـ من الخير والفرح والأمان.. إذا التجأ إليهم واستغاث بهم في كلّ ما يهمّه ويَعنيه ؟!
فِداء لبَسمَة عينك الجميلة المُشرقة بالرضا، الفيّاضة بالرأفة، الدَّفيئة بالحنان.. يا أنيسَ النفوس يا سيّدي يا علي بن موسى الرضا صلوات الله عليك.

* * *

هذه القصة
هذه القصة التي نقدّمها اليوم لأعزائنا اليافعين من زائري الإمام الرضا عليه السلام ومُحبّيه.. هي صورة من صور الأدبيات الرضوية المتنوّعة التي كُتبت شعراً ونثراً على مدى قرون طويلة، وبلُغات متعددة. وقد جاءت لتعبّر عن مضمون لقب « ضامِن الغَزالة » الذي عُرف به الرضا من آل محمد عليهم السلام في هذه الأدبيات.
وقصة « تحيّةً يا ضامنَ الغزالة » هذه ترجمة لقصة بالفارسية عنوانها « آهُو نامه » (8)، أي « كتاب الغزالة » أو « حكاية الغزالة ». وقد نقلناها إلى العربية بعد إجراء تعديل في مواضع منها وإضافة عناصر جديدة جَعَلَتها أوفر ارتباطاً بالرأفة الرضوية وأصرح في التعبير. نرجو أن يجد فيها أحبابُنا اليافعون ـ والبالغون أيضاً ـ ما يُؤنس القلوب، ويفتح العقول على مزيد من نوافذ الاتّصال المعنوي بجمال الإمام الرضا عليه السلام.

إ. رفاعة


* * *

تحيّةً.. يا ضامن الغزالة!
[1]
في زمان مَرّ.. كان صياد يعيش هو وأُسرتُه على صَيد الغِزلان وبيعها في السوق. رجل طويل القامة.. كبير الوجه، خشن العِظام، ذو صدر عريض وساعد مفتول، وله نظرات حادّة نافذة. يكفي أن ينظر ولدُ الغزالة إلى هذا الرجل ليرتجف خوفاً منه. وشارباه الغليظان يزيدان منظرَه هيبةً ووحشة.
تعوّد إذا اراد الخروج إلى الصيد أن يحمل خلفه قوسَه الكبيرة، ويعلّق على متنه جَعبَة السِّهام.. ثمّ يضع قدمه في رِكاب فَرَسِه ويُعدِّل جلسته على السَّرج ويمضي بفرسه الجامح المُتمَرِّ صوب المَرْج (9).
يضرب الفرسُ الأرض بحافِره، يَصهَل، لا يستقرّ.. يقف على قدَميه، وعيناه السَّوداوان تلتمعان تحت ضوء الشمس. عندها يجري بقوائمه الأربع، والريح تَعبَث بشَعر رقبته الطويل. يجري وكأنّه في سباق مع الريح باتّجاه المَرج. إنّه يجري كعاصفة تُثير الغُبار، ويَطِنّ في أُذن المَرج صوتُ سَنابِكه التي تنهب الأرض بطَقطقَة شديدة مُرعِبة.
تسمع حيوانات المَرج ضَوضاء سنابك الفرس. إنّ خطراً كبيراً يقترب! تُطلِق الحيوانات سِيقانَها للفرار، ويحتمي كلٌّ منها في أيّ ثقب قريب، أو تزحف إلى أوجارها لتأمَن من أذى الصياد الذي يسحق ـ عندما يُلاحِق صَيدَه ـ كلَّ شيء تحته.
إنّ الحياة في الأسْر والقيود لا قيمة لها إطلاقاً بالنسبة إلى حيوانات المَرج، والحرية هي التي تَحكُم كلَّ شيء. ويومٌ في الحرية لا تُساويه مِئة سنة من الحياة في أسر القيود. ولهذا تَقبَع هذه الحيوانات في جُحورها وأوجارها إذا ما أحسّت بحُضور الصياد، حابسةً أنفاسَها حَذَراً منه.
في ذلك اليوم خرج الصياد كعادَتِه للقَنْص.. راكباً فرسَه السريع، وتوجّه صوبَ السهل. وكانت زوجته الخيّرة ـ وقد ضَمّت إليها ولَدَيها الصغيرَين ـ تُحَدِّق في الغُبار الذي أثاره في الهواء جَرْيُ الفرس، ولا يَدَعُها ترى الصياد بوضوح.
الشمس مُتألّقة في زُرقَة السماء الواسعة، والطيور المُغرِّدة تُحَلِّق مُفرِدَةً أجنحتَها أو تطير بين أغصان الشجر الخُضر وتَصدَح بأنغامها الجذّابة.. كأنّها ألحانٌ جميلة عَذبة تُؤنِس القلب في هذا الصباح الرائق الجميل.
تمتزج تَرانيمُ ينابيع الماء والجداول بهَمَسات النسيم المُطرِبة، فتتراكض فِئرانُ المرج وأرانُبه بين الأعشاب، وتقف أحياناً على قدمَيها لتَتطلّع بعيونها النافذةِ البصر إلى ما حولها، وتملأ صدرها بالهواء النقي.
تطير الفَراشات بأجنحتها الملوّنة مُتَنقِّلة بين الأزهار، والنحلُ الذهبي يمتصّ رَحيق الأزهار الحُلو.. وأزيزُ أجنِحَتِها يَطِنّ في المكان. وتَهُبّ نسمة بين الأعشاب، فتَتَمايل الأزهار بدلال.
إنّه يومٌ ناعم رَغْد، كان السهل يتفرّج فيه بدهشة على هذا الجَمال الرائع وعلى هذه البهجة السارّة. الغِزلان متجمّعة حول نبعِ ماءٍ نقيّ كأنّه مِرآة صافية تنعكس فيه صورتُها. غِزلان جميلة حمراء اللون مُنقّطَة بدوائر سُود صغيرة. كان بعضُها قد حَنى رأسَه على النبع ليشرب لمّا سَمِع المرجُ فَجأةً قَعقَعَةَ سنابك فرس الصياد.. وكأنّما هو نَذيرُ الموت!
فَزَعَ المرج خوفاً، ونظر إلى الغِزلان عند النبع قلقاً عليها. وسمعت الغزلان قَعقَعة السَّنابك هذه التي جاءت في وقتٍ غير مناسب، فجَفَلَت وتَراكضَت هنا وهناك. ارتَجفَت سِيقانُها الدقيقة النحيلة خوفاً من الوقوع في أسر الصياد وحِبالِه، وجرى الرُّعب في عُروقِها مَجرى الدم، وقلوبُها الصغيرة تَدُق كطُبول كبيرة.
تَفرّقَت الغِزلانُ بارتباك، والفرس يَعدُو خلفها أسرَعَ ما يستطيع. الصياد واضِعٌ سهمَه في القوس ليَرمي إحدى الغزلان. كانت طيورُ السماء قد خَفَضَت مَناقِيرَها خوفاً، فلا يُسمَع إلاّ صوتُ سنابك الفرس الرهيبة، وصوتُ هُبوب الريح.
تأخّرت غزالةٌ خائفةٌ عن قطيعها الذي فَرّ مُتفَرِّقاً. لم تَستَطيع أن تَلحَق به، وأخذت تَتَراكَض يميناً ويساراً. ورآها الصياد فشَخّصها هدفاً له، وراح يُلاحِقُها بأسرعَ من الريح. ثَبّت الصياد سهمَه في قوسه صائحاً:
ـ لابُدّ أن أُمسِك بكِ وأنتِ حيّة يا غزالةَ حظّي! أنتِ أسرع غزالة في هذا المرج. سأربِطُك.. لن تستطيعي النجاة من حبالي. أُركُضي إذاً وأنا أركُض.. وسنرى!
أسرعت الغزالة البائسة.. وأسرع خلفَها الصياد. في تلك اللحظة الحَرِجَة انفَتَحَ قلبُها على الله بِمُناجاة: « أيُمكِن لي يا ربِّ أن أنجُو ؟ هل أرى عيون أطفالي البريئة مرّةً أُخرى ؟ أُريد يا ربّ أن أكون خَيمَة فوقَ رؤوسِهِم ».
لكنّ المُؤسِف أنّ الحادثة التي تُريد أن تقع تقول شيئاً آخَر، فيه رائحةُ الفراق، رائحةُ البُعد عن الوطن، رائحةُ الغياب عن الولد، رائحة الوِحدة والأسْر والألم.
كانت الغزالة تَعْدُو مُضطَرِبة حينَ تَأوّهت: « وَداعاً يا أيامَ الحرية الجميلة! وَداعاً يا أياماً كنتُ أختالُ فيها خلالَ المَرج وأجري مع النسيم. وَداعاً يا أيام الشُّرب من منبع الماء العَذب. أقضِم العُشب في ظلال الأشجار بمَرَح لا حدّ له، وأنظُر إلى صغاري يَتَقافَزُون ويلعبون، والنسيم يُنشِد لي أنشودة الحياة. وداعاً.. فإنّ أياماً أُخرى قادمة، يقول قلبي إنّها أيام شُؤم. أيام لا أرى فيها شروق الشمس في عيون صغاري الجميلة. أيام طافحة بالحزن، مليئة بالسُّقم والألم.. أيام أتمنّى فيها الموت ».
بدأت الغزالة تبكي. نزلت قطرات دمع من عينها الوسيعة البرّاقة. ورأى النسيم دموعَ الغزالة فتَوجّع لها قلبُه، وهَبّ هبّةً شديدة. نادى الغزالةَ صائحاً:
ـ إهرُبي.. اهرُبي أيتها الغزالة. لا وقتَ للتردّد والتأخّر. أنتِ تَقدِرين أن تَنجي. فكّري بأطفالك. عيونهم على الدرب..
لا تَدَعيهم ينتظرون. اهرُبي، اقفِزي.. أسرَع، وأسرَع. اذهبي أيّتها الغزالة.. أيتُها الأُمّ.. أيّتُها الحَنُونة.
ضَعُفَت أنفاس الغزالة. وفقدت قُدرتَها على الجَري. ارتَجَفَت ساقاها الرقيقتان، ومن المحتمل أن تَنكَسِرا في أيّة لحظة.
اشتَدَّت العاصفة، وزاد ثَوَران الغبار.. وصَعُبَت الرؤية على الصياد القاسي القلب. صَهَل الحصان في الهواء. ركَّزَت الغزالة كلّ طاقتها في يَدَيها ورجلَيها راكضة. تأوّهَت من عُمق روحها: « ماذا لو لم يكن هذا الصياد الطامع بأرواح الغِزلان ؟! رجُل قلبُه مصنوع من حَجَر.. لا رحمةَ له. قلبه البارد العَبُوس لا يتأثّر لدموع وآهاتِ خِشْف (10) لا أمّ له! تَعْساً للصياد الحَقُود، تَعْساً للأسْر والخوف، تَعساً للفِراق والحِرمان، تَعساً لهذه اللحظات الرهيبة، تعساً لـ... ».
أظلَمَت عَينا الغزالة، ودارَ رأسُها. انحَنَت ساقُها كغصن رقيق، وأخذت تَنزَلِق مُتَدَحرِجة على الأرض. طَلَعَت مِن داخِلها آهة: « الوَداع! الوَداع يا صغاري، الوداع... ».
شعرت الغزالة بزَفير أنفاسِ الحصان الحارّة المُتسارعة تَصل إلى ساقها مِن خلفها، وسَمِعَت صوتَ الحبل المُلتفّ فوق رأسها بشكل حَلقَةٍ تدور في الهواء، مثل صقر كبير يكاد يَخطَفُها بمَخالِبِه الحادّة القويّة. إنّ كلّ وجودها الآن ذائب في الألم، وكلّ عيونها دموع.
حَثّتها الريح:
ـ إنهَضي أيتُها الغزالة السريعة الخفيفة الساقَين. انهَضي وأفلِتي من الأسر. ما يزال هناك أمل. فكّري في صغارك المُتَلهّفين لعَودتك.
وفي لحظة تَخَيَّلَت الغزالة أطفالَها الصغار. كانت على وَشك الاستسلام للأسر عندما فَجَّر كلامُ الريح شرارةَ الأمل في داخلها. نهضت واقفة، وفَرَّت بسرعةِ الخيال قبل أن تصل إليها يدُ الصياد. مرّةً أخر حَثّ الصياد فرسَه بوجهٍ مُحمَرّ من الغضب. ما كان يظنّ أن تحتالَ الغزالة عليه وتَفِرّ منه ـ بعد أن تصوّر أنّ الأمر قد انتهى ـ مُبتَعِدة عنه كلَمحِ البَصَر، فانطلق وراءها يُطارِدُها بعناد.
تَحَيّرَت الريح من هذه المُطارَدة ومن هذا الفرار. هبّت الريح مع مَجرى سِيقان الغزالة، ودَعَت لها من صميم قلبها الرحيم أن تجد طريقاً للخلاص، وتصل إلى صغارها المُتَشرِّدين.
ركضَ الفرسُ بعزمٍ راسخ، فإذا هو يزداد قُرباً من الغزالة في كلّ لحظة. إنّ رجاء الغزالة هو أن تنتهي هذه اللُّعبة الرهيبة لمصلحتها، لكنّ الصياد كان عازماً عزماً بَدا معه أنّ الخلاص منه نوع من الخيال!
الغزالة تَتَقافَز ميناً ويساراً.. تركض حائرةً مذعورة. كانت تبحث عن مَأوى تلجأ إليه حين امتلأ قلبُها فَجأةً بالنور وغَمَرَها السرور، فاستعادت ساقاها شيئاً من العزيمة: « آه.. يا رَبّ! ما الذي أراه هناك ؟! ». الغزالة تَعدُو بسرعة مُذهِلة جعلت الفرس يَتَخلّف عنها قليلاً. هَمَسَت مع نفسها: « ذلك الرَّجُل! ذلك الرجُل البَهيُّ الوجه.. الرجل الرؤوف..! ». اتّخَذَت طريقَها صوب الرجل لتصل إليه قبل أن يلحق بها الصياد. الغزالة هَمَسَت للريح:
ـ ذلك الرجل الذي تَطُوف حوله الفَراشات.. هو رسول الحرية.
هَبّت الريح قائلة:
ـ إنّه كما تقولين.. ولكنْ أسرِعي.
وأسرعت الغزالة تارِكةً الريحَ تجري من ورائها.

* * *

[2]
الرجل الذي يَرتدي عَباءة كأنّها الحرير، وذو القامة المَديدة، وعلى رأسه عمامة خضراء، وتُحيط به هالة من النور، وتُحَلِّق حوله الفَراشات المُلَوّنة.. كان يمشي بين عدد من أصحابه بطَمأنينة ومحبّة. يتكلّم معهم ويُصغي جيّداً إلى ما يقولون. وربّما وقف أحياناً يستمع إلى كلامِ أحدِهم، فيُجيبُه ويبتسم، ثمّ يُعاوِد المَسير. سَكِرَت الأزهار بعطرِ حُضُور هذا الرجل النوراني البهي، وقد ظَلّلَته قطعة من السَّحاب فُضّيّة تَحجُب عنه حرارة الشمس.
أدركت الغزالة أنّ نجاتها في اللُّجوء إلى هذا الرجل الذي هو ـ بدون شكّ ـ سَلِيلُ أُسرةٍ أصيلة كريمة طاهرة، والذي يفوح من جسمه ومن ثِيابه عبير الربيع. نظراتُ الرجل كأنّها نبعٌ للرأفة والحنان. نظرات تَبُثّ حياةً جديدة مدهشة في هذا المرج الفسيح. كانت الغزالة تَعدُو بسرعة لمّا خاطَبَت الرجلَ الرؤوف:
ـ يا صاحِبَ النَّجابة والشرف، أدرِكْني!
تَراقَص الأمل في قلب الغزالة كقِندِيل من نور، وولّى ظلامُ اليأس. قالت:
ـ أدري أنّ صَكّ حُريّتي سيُكتَب بطُهرِ يَدَيك.
ثَبّتَ الصيادُ قدمَه في رِكاب الحصان، وزاد من سرعته. المسافة بين الغزالة والرجل الذي هو ملجؤها الآمِن أقلُّ من مِئة خطوة. ونظر الرجل الطاهر إلى الغزالة والصياد الذي يُطارِدُها، فأشفَق من قلبه على الغزالة.
تَوقّفَت طيور السماء عن أغاريدِها وهي تراقب الغزالة في هذه اللحظات الحَرِجَة. الغزالة في آخِر مُحاولاتِها للإفلات من الأسر. وعينُ الرجل الرؤوف على الغزالة. المسافة بين الفرس والغزالة ليست أكثر من عدّة خُطوات. هَمَس الرجل الطاهر الرؤوف: « إقفِزي يا غزالتي السريعة.. اقفِزي ». أصحاب الرجل الرؤوف وقفوا جنبَهُ يُتابعون نظراته. قفزت الغزالة قفزةً طويلة تَعَجّبَت منها الريح. والتَجأت إلى الرجل الرؤوف مُحتَمِيةً خلفه، ثمّ وقعت.
يداها ورجلاها ترتجف، وقد غطّى العَرَق جلدَها المُنَقَّط اللامع، وأنفاسُها تَلهَث.
تَوقّف الفرس عن الجَري. نزل الصياد من فرسه مُغتاظاً، جاء يركض على عَجَل. قال:
ـ هذه الغزالة غزالتي.
قال الرجل الطاهر بابتسامةٍ وُدّيّة:
ـ الغِزلان غِزلان مَرجِ الله.
انفعل الصياد من هذا الجواب الذي سَمِعَه. قَطّب حاجِبَيه. ونفخ صدرَه:
ـ ماذا قُلت ؟! سَلِّمني الغزالة وإلاّ أخذتُها بالقوّة!
قال أحد أصحاب الرجل الرؤوف البهي وقد غاظَه كلامُ الصياد:
ـ ما هذا الكلام يا صياد ؟! أتدري أنّك مع مَن تتكلّم ؟! أنتَ تتكلّم مع أبي الحسن الرضا.. ألاَ تَعرِفُه ؟!
قال الصياد بجَبَرُوت:
ـ لا يُخيفُني أن أتَكلّم مع مَن يكون!
قال آخَر:
ـ ألَيس من الأفضل أن تُراعي الأدب ؟
قال الصياد بوجهٍ مُحمَرّ من الغضب:
ـ كأنّكم تُريدون العِراك معي! إعلموا أنّي لست من الذين ينسحبون من ميدان القتال!
قال الرجل الرؤوف دون أن يتأثّر بأسلوب الصياد الفَظّ الغليظ:
ـ الحِدّة لا تَليق بالرِّجال.
ثمّ التفت إلى أصحابه قائلاً:
ـ هذا الرجل نَظيرُنا في الخَلق وأخونا في الدِّين. دَعُوهُ يقول ما يريد.
أحسّ الصياد بشيء من الخجل في مُقابل هذا التَّلَطُّف، فهَدَأ ولانَ. طَأطَأ رأسه إلى الأرض، قال:
ـ منذ مُدّة وأنا أركض وراء هذه الغزالة.
قال الرجل الرؤوف:
ـ أعلَم.
قال الصياد:
ـ إنّها مُتميّزة عن غِزلان هذا المرج. مُحال أن أدَعَها.
لمّا سَمِعَت الغزالة هذه العبارة ازدادت كراهِيَتُها للصياد، والتصقت بعباءة الرجل الرؤوف.
لقد حَمَى الرجلُ الرؤوف هذه الغزالة حِماية بحيث لا يقدر أيُّ صياد أن يأخُذَها بالقوّة. شعرت الغزالة بالطمأنينة والأمان في حِمى هذا الرجل الذي لا يَخطُر في بالها أن ترى مثلَه، تساءلت في نفسها: « مِن أين جاء هذا الرجل ذو المُرُوءة الفريدة ؟! ما الذي جاء به في هذه الساعة ؟! وما الذي يفعله هنا ؟! كأنّه ما جاء إلاّ لحِمايتي ونجاتي! ».
أحسّت الغزالة إحساساً غريباً لم تُجَرِّبه قبل اليوم. ما هو مِثل الرَّعي وقَضْم النَّبت، ولا مِثل عُذُوبة ماء الينابيع، ولا مثل دِفء الشمس، ولا مثل الجَرْي مع النسيم، ولا مثل نظرها الحنون إلى زوجها، ولا مثل طعم العُشب اللذيذ، ولا مثل حَمْلها بجنينها، ولا هو مثل إحساس الولادة. فما هو إذاً هذا الإحساس الغريب ؟! ما هو هذا الاطمئنان العجيب الذي فازت به ؟! ربّما هو بسبب هذا الأمان المُدهِش الذي تشعر به في حِمَى الرجل ذي المُرُوءة الرؤوف.
قال الرجل الطاهر الرؤوف للصياد:
ـ دَع الغزالة في المَرج.. لأجل الله. دَعْها تعيش. مِن حقّها أن تعيش.
قال الصياد:
ـ ومن حقّي أنا أيضاً أن أعيش!
قال أبو الحسن الرؤوف:
ـ بِسَفكِ دم غِزلان المرج ؟!
أجاب الصياد:
ـ هي مِهنَتي.
هزّ أبو الحسن الرضا رأسَه تأسُّفاً، وقال:
ـ مِهنّة القتل والإبادة لغزلان المرج!
قال الصياد:
ـ إنّه قَدَر الغزلان الذي كتبته لها الطبيعة!
قال الرجل الرؤوف بمرارة:
ـ إنّه الظلم الذي يقع عليها من الصيادين.
قَطّب الصياد وقد ضاقَ صدرُه، قال:
ـ ما لَنا ولهذا الكلام ؟! سَلِّمْني الغزالة لينتهي الموضوع!
قال الرجل الرؤوف:
ـ الغزلان ينبغي أن تعيش طَليقة في المرج، ترعى العُشب.. تجري.. تَرشِف ماء النبع وتُناغيها الشمس. كم هومنظرٌ مُعجِب جميل منظرُ الغزلان وهي تأكُل العشب! ألَيس مُؤسِفاً أن يَخلُو المرج من الغزلان الرقيقة الرشيقة بسِهام الصيادين القاسية ؟!
قال الصياد بوجهٍ عَبُوس وقد بلغ به الضِّيقُ مُنتَهاه:
ـ لا تَظُنَّ أنّي أكُفّ عن صيد الغزلان بمَواعِظِك ونصائحك هذه، وأُغيّر رأيي في أخذ الغزالة!
قال الرجل الوَدُود:
ـ أُطلُبْ منّي ما تشاء، ما عدا الغزالة.
قال الصياد بوَقاحة:
ـ لا أريد غير الغزالة!
قال الرجل الرؤوف:
ـ لا يمكن أن أسلّمَك الغزالة، حتّى لو كان الثمن حياتي.
اشتعلت عَينا الصياد ناراً، وبحركةٍ سريعة سحب خِنجَراً من حِزامه، وهو يقول:
ـ أُريقُ دماً إن استَدعى الأمر. الصيادون لا يَتحَرّجُون من إراقة الدِّماء!
ظهرَ العُنف واضحاً في صوت الصياد ونظراته. وقَلِقَت الغزالة على الرجل الرؤوف؛ خَشيةَ أن يُصيبَه الصياد بأذى.. فقَرّرتَ فَجأةً أن تَتَقَدّم لِتُسلّم نفسَها للصياد، دَفعاً للخطر عن الرجل الرؤوف. ولكن.. إن استَسلَمَت للصياد فماذا يكون مصير أطفالها؟! أوجَعَها قلبُها لهذا الخاطر، وتَلألأت قطرةُ دمع في طَرَف عينها. تأوّهَت: « يا رَبَّ الغِزلان! يا صاحبَ المَراعي الوسيعة الخضراء! هذه الحياة التي خَلَقتَها في مُنتهى الجمال.. كم تكون مُرّة كئيبة من ظلم الظالمين وجَور الصيادين، فيَرجِف القلب وتبكي العيون! ». وامتلأت الغزالة إلى عُمق وجودِها بحُزنٍ مُعَذِّب كأنّه الأشواك.
قال الرجل الرؤوف:
ـ أُعطيكَ ما تُريد في مقابل الغزالة، اذكُرْ ما تريد ثَمناً لها.
قال الصياد بأنانيّة وتكبّر:
ـ لا أنوي بَيع الغزالة.
قال أصحاب الرجل الرؤوف:
ـ إذاً ما الذي تنوي أن تصنع بها ؟! لابدّ أنّك تَقصد بَيعها في السوق بالثمن الذي تَهواه! من الخير أن تبيعها لمولانا أبي الحسن الرضا، واعلَمْ أنّ هذا مصلحتك.
وقال آخر:
ـ لو عَرَفتَ مولانا الرضا لَقَدّمتَ له الغزالة على الفَور.
قال الصياد بوجهٍ مُتَجَهِّم:
ـ لا شُغلَ لي بمولاكم، لِيَكُن مَن يكون! أنا أُريد غزالتي.
قال الرضا الرؤوف:
ـ الغزالة استجارت بي في مِحنَتِها، ورجاؤها أن تنال حُريّتَها.
قَهقَهَ الصياد ضاحكاً، وقال:
ـ عَبَثاً ما تُحاوِل! مَن سَمِعَ أو رأى أنّ غزالة استجارت برجل ؟!
قال أصحاب الرجل الرؤوف:
ـ وا أسَفاه! أمَا ترى بعينك ؟! كيف تتجاهل إذاً ما تراه ؟!
أطرَقَ برأسِه لحظة، ثمّ تَطَلّع إلى عينَي الرجل الهاشمي الرؤوف. نظرات صافية مُشرِقة تَنفُذ إلى الأعماق، كأنّما لها سلطة على القلوب. أحسّ الصياد أنّه قصير ضئيل أمام هذا الرجل الذي قالوا إنّه أبو الحسن الرضا. كان يَختَلِس النظرَ إلى وجه الرجل الهاشمي المُكلَّل بالبهاء. قال مُتَحيِّراً:
ـ لا أدري.. رُبّما كان الحقّ معكم، ولكن.. كيف...
لم يَستَطِع أن يُواصِل الكلام. أطرقَ إلى الأرض مرّةً أُخرى. شعر أنّه لا يَقْوى على الثَّبات أمام هاتَين العينَينِ النَّفّاذَتَين. فكّر في نفسه: « أحقّاً أنّ الغزالة قد استجارت بهذا الرجل الوَدود ؟! ». لم يخرج من حَيرَتِه. تأمّلَ قليلاً، ثمّ خَطَر له خاطر أعاده إلى الوراء: « حتّى لو التجأتْ هي إليه فلن أتخلّى عنها. إنّها أفضل غزالة رأيتُها إلى الآن في هذا المرج. عُنُق طويل، وساق سليمة، وجِلد أحمر تُزيِّنُه نُقَط سُود، وعينان برّاقتان. يجب أن آخُذها إلى بِلاط الخليفة، وسأُعَو َّض عن هذه الهديّة بدنانير من الذهب. صُرَّة من دنانير الذهب الأحمر! ». اشتعلت في داخله نار الطمع، وتَخَيَّل أنّه سيكون ذا ثروة ذهبيّة، فتَوَرّد خَدّاه سروراً.
تَرَك عِنانَ فرسه يسقط من يده، وتقدّم خُطوةً قائلاً:
ـ لا أقدِر أن أتحَمّل أكثرَ من هذا. هاتِ الغزالة قبل أن يقع شرّ لا تُحمَد عاقِبَتُه!
قال الرجل البهي الرؤوف:
ـ إنّ الغضب يُزيل العقل يا رجُل! إصبِرْ قليلاً.
ثمّ قال للغزالة التي كانت قد رَفَعت رأسَها تنظر إليه:
ـ يا غزالتي المُستَجيرة الوضعُ كما تَرَين.. وليس لي إلاّ أن أعرض على الصياد رأياً آخر.
وقال في داخله: « ما أشَدَّ ما في عيون هذه الغزالة من حُزن! كلّ وجودها يضطرم بنارِ التوسّل والرجاء ». ثمّ وضع فمها الرَّطيب بين كفَيَّه.
أحسّت الغزالة بعبير الرحمة يَنفُذ إلى داخل كيانها، وتَدَفّقت في قلبها ينابيعُ نور.. فتَلألأت عيناها بِبَريق مُذهِل. قال الرجل الرؤوف للصياد:
ـ أمَا وقد امتَنَعت عن إطلاق سراح الغزالة وعن بيعها، فإنّ لي رجاء آخَر.
قال الصياد:
ـ لِنَرَ ما هو هذا الرجاء!
قال الرجل الهاشمي الرؤوف:
ـ لهذه الغزالة أطفال صِغار.. عيونهم على الدرب تنتظر أُمَّهم. هم الآن يَتَقلُّون لفراقها. دَعْها في الأقلّ تذهب لرؤيتهم، وتُوَدِّعهم الوَداعَ الأخير.
قال الصياد باستغراب:
ـ أتظُنّ أنّي أبلَه ليُطلَب منّي هذا الطلب ؟!
قال الرجل الرؤوف:
ـ لا أقصد هذا الذي قُلتَ على الإطلاق.
قال الصياد:
ـ بهذه الحيلة تُريد أن تُهَرِّب الغزالة ؟! يا لَهُ من خيال!
قال أبو الحسن الهاشمي الرؤوف:
ـ صَدِّقْ أيّها الفتى، ليس في الأمر حيلة. أنا لا أقول كذباً، ولا أغشّ أحداً.
قال الصياد:
ـ إذاً.. ماذا ؟!
قال الرجل الرؤوف:
ـ قلتُ لك.. للغزالة أطفال صغار، تأمل أن تراهم مرّة أخرى.
حين جرى ذِكرُ صغارها شعر قلب الغزالة بالدِّفء وببسمة الحياة. حضرت في ذهنها صورةُ رَوضةٍ مليئة بالنبت والأزهار.. فلَملَم الغَمُّ وجودَه من قلبها وارتحل. بَلَغَت رائحةُ صغارها رأسَها، كما بَلَغَته رائحةُ روضات العشب، وتلألأت في خيالها قطرات النَّدى في أوّل الصباح.
فَتَل الصياد طَرَفَ شارِبَيه قائلاً:
ـ مِن أين علمتَ أنّ صغارها بانتظارها ؟!
ـ يمكنك أن تقرأ ذلك في عينيها.
قال الصياد:
ـ متى أطلَقتُ الغزالة لترى صغارَها أفلَتَت من يدي.. ألاَ تُفلِت ؟!
قال الرؤوف:
ـ أنا أضمَن رجعةَ الغزالة.
قال الصياد:
ـ ما هذا الكلام الذي لا يُصَدَّق ؟!
قال الرجل الهاشمي:
ـ إنْ لم تَرجِع كنتُ أنا غرامة الغزالة.
قال الصياد:
ـ وما تُفيدُني أنت ؟!
قال الرجل الرؤوف بنبرة ليِّنة:
ـ أكون عبداً لك.
أهتَزّ الصياد في داخله عند سَماعه هذه العبارة. لم يُصَدِّق أنّ رجلاً مثله مستعدّ لتكبيل يده بالقَيد من أجل حريةِ غزالة! فَكّر: « ماذا يقول هذا الرجل ؟! أيكون لحرية الغزالة كلّ هذه الأهميّة عنده ؟! آه.. مَن هو هذا الرجل الذي يَنطِق برأفة ومحبّة دون أن يُثير كلامي غضبَه حتّى لحظةً واحدة ؟! ».
نظر إلى وجه الرجل الرؤوف يتأمّلُه: في وجهه ملامحُ عَظَمَة تُمازِجها المَوَدّة، وفي عينيه عِزّة تفيض حناناً. إنّ الرجل الرؤوف يبدو عازماً على ما قال بلا تردُّد.
مرّة أخرى فكّر الصياد: « مَن هو هذا الرجل الذي يَعرِف لغةَ الغزلان، ولا يتردّد في ضمانها ؟! مِن طريقة تعامله يبدو أنّه من أهل بيت أصيل شريف. ما أوضحَ الرُّجُولة في وجهه، وما أكرمَ تعامُلَه! لا يمكن أن أُجادله أكثرَ ممّا فعلت، وأن أظلّ مُصِرّاً على العناد ».
إنّ نجمةً قد التَمعَت في قلب الصياد، فبَدّد نورُها ما في داخله من ظلمات. شعر أنّه فاقد للاختيار، وما له إلاّ أن يوافق على ما أراد الرجل الهاشمي. قال:
ـ حَسَناً.. أوافق. ولكن.. ماذا لو لم تَرجِع...؟
قال الرجل الرؤوف وقد أشرقت من فمه ابتسامة:
ـ قلتُ لك، أنا ضامن الغزالة.. وإن لم ترجع فاصنَعْ بي ما شئت.
لم يَنطِق الصياد بحَرف، فكان سكوته علامة لرضاه. مسح أبو الحسن الرضا على رأس الغزالة، وانحنى ليَهمِس في أُذنها:
ـ إذهبي يا غزالتي السريعة.. اذهبي. أطفالك بالانتظار.
أحسّت الغزالة بعبير الحرية. إنّها تستطيع الآن أن تبتعد عن المكان بقفزة واحدة وتنجو من الصياد.. لكنّ قلبها لم يُطاوِعها أن تُفارق الرجل الرؤوف وتَدَعَه وحده. هَزّت رأسَها بحزن. رَمَشت عيناها. سحبت رِجلها، ثمّ مسحت فمها بعباءة أبي الحسن. قالت في قلبها: « لا، لن أذهب! ليكن ما يكون. أطفالي لهم الله ».
ابتسم أبو الحسن لِعَين الغزالة:
ـ ما الذي يُؤخِّرك ؟! أنتِ حُرّة.. يُمكنكِ الذَّهاب لرؤية صغارك.
والواقع أنّ قلب الغزالة مُتعلّق الآن بصغارها، ولم تَبقَ لها طاقة على تَحمُّل البُعد. استجابت لما قال لها الرجل الرؤوف، وقفزت راكضةً مع الريح:
ـ آه.. ما ألذّ طعم الحرية!
هَبّ النسيم رَخِيّاً.. وجَرَت الغزالة. قال المرج بفرح:
ـ ما كنتُ أتصوّر أن تكون النهاية هكذا!
قال النسيم:
ـ مهما يكن.. فإنّ القضيّة قد مرّت بسلام.
وقالت الغزالة:
ـ مرّت بخير ولا شكّ بفضل كبير من الرجل الرؤوف.
قال المرج:
ـ إنّه رجل لا مثيلَ له.
قال النسيم:
ـ الناس في البَلدات القريبة والبعيدة، صغاراً وكباراً، مُتَنعِّمون بلُطفِه.
وَجَّهَت الغزالة وجهّها صَوبَ الأجَمَة (11).. ومرّت مسرعة كالريح.

* * *

[3]
كان الخُشُوف الصغار قد اضطربوا من تأخُّر الأُمّ. بحثوا عنها فيما حولهم من الأجَمَة.. وربّما بَكَوا دونما اختيار؛ خَشيَةَ أن يكون حادث قد وقع لأُمّهم.
قال أحدُهم بقلق:
ـ لابُدّ أنّ أمّنا قد حَدَثَت لها مشكلة مع صياد.
قال خِشْف آخَر.
ـ لا سمح الله.. اسكُتْ!
قال الثالث، وهو أصغرهم:
ـ إذاً لماذا تأخّرت أُمُّنا إلى الآن ؟!
قال الأوّل:
ـ إنّه تقصيرنا، لَم نستيقظ من النوم مُبكِّرين.
بكى ثالثهم قائلاً:
ـ أُريد أُّمي...
أشفَقَ قلبُ المَرج على بكاء الخِشف وقال له بحنان:
ـ ماذا جرى يا صغيري ؟! لماذا تبكي ؟!
قال الخِشف وقد انتحب باكياً:
ـ أمّنا.. ما جاءت، لابُدّ أنّها قد ضاعت!
قال الثاني:
ـ ربّما حدث لها شيء.
قال المرج بنبرة حميمة:
ـ لا.. أمُّكُم ما ضاعت، ولا حدث لها شيء.
قال الخِشف الأوّل الذي هو أكبر من الثاني.. قال على عَجَل:
ـ إذاً لماذا لم تَرجِع إلى الأجَمَة حتّى الآن ؟!
قال المرج:
ـ اشكُروا الله على أنّها قد تجاوزت مرحلة الخطر. اصبروا قليلاً وستأتي إليكم عن قريب.
فاجأ الخُشُوفَ هذا الخبر، فسيطر عليهم الانفعال، قال الخِشف الثالث للمرج بقلق:
ـ ربّما تقول لنا هذا لتُطَمئنَ قلوبَنا.
وقال الخِشفان الآخَران بتَردُّد:
ـ أصحيح ما تقول ؟!
قال المرج:
ـ أنا لا أكذِب أبداً.
عندئذ هتف الصغار بمرح:
ـ لِتَحيا أُمُّنا.. لتَحيا!
ثمّ تَصايَحُوا بأصوات رخيمة وراحُوا يتقافَزُون ويَقضِمون العشب. كان الفرح طافحاً في قلوبهم الصغيرة وهم يَعُدُّون اللحظات بانتظار عودة الأمّ.
قال لهم المرج:
ـ لماذا لم تُفِيقوا من النوم صباحاً لمّا نادتكم؟
قال الخِشف الثاني بخجل:
ـ نوم الصباح لذيذ، لم نُحبّ أن نقعد!
ثمّ مَضَوا وهم يتحادثون فيما بينهم، وراحوا يركضون بين الأعشاب.
فَرِح المرج وهو يرى الخُشوف الصغار يلعبون مَرِحِين. وقد عَبَروا على الفور لحظات القلق والبكاء، وأخذ يفكّر في المصير المجهول الذي ينتظرهم.
قال لهم المرج:
ـ الحياة لا تَخلُو أبداً من المَخاطر. في كلّ لحظة يمكن أن يَحدُث أيّ شيء ويتغيّر الحال. ليس المهمّ أنّ الحادثة تَقلِب لحظات الحياة، المهمّ أن نكون في الحوادث الصعبة ثابتِين مُقاوِمين. واذكروا أنّ النجاح يكون دائماً من نصيب الخُشُوف الذين يَثبُتون أمام حوادث الحياة.
لم يفهم الخُشوف جيّداً ما قاله المرج من كلام غريب، ولم يدركوا لماذا قال لهم هذا الكلام أصلاً!
ودون أن يفكّروا في كلام المرج راحُوا يتقلّبون على الأعشاب الناعمة التي كانت تهتزّ برِقّة مع النسيم، وهم يضحكون. لا شيءَ أطيَب من أن تكون أمّهم إلى جانبهم، فيُحوِّل حنانُها ليلَهم المظلم إلى صبح رائق بهيج.
عندما تكون أُمُّهم إلى جانبهم مُتّكئة على الأزهار والأعشاب.. تحكي لهم عن أنواع الألعاب. وحين ترعى الحشائش في الأجَمَة باطمئنان وتُنشِد لهم ترنيمة جميلة اللحن.. يشعرون بالنَّشوَة في صوتها الدافئ الحبيب.
في الليالي المُقمِرة تحت السماء العالية المُنقَّطة بالنجوم... يَتَطلّعون في جوار أمِّهم إلى اسِتدارة القمر الأبيض كأنّه كاسَة من الحليب. تقول لهم الأُمّ إنّها تُحبّ الليالي المُضيئة، ولا تشبع من النظر إلى القمر الخَلاّب.
وتحت المطر.. يَغسِلون ـ قُربَ أمِّهم ـ رؤوسهم وأجسامهم، أو يَنزِلون في الصباحات إلى بِركة الماء الصافي، وأُمُّهم تُنَظِّفهم.. كما هي عادتُها في كَثرة اهتمامها بالنظافة. إنّهم لا يُبَدّلون هذه اللحظات الطيّبة، اللحظات التي لا تُنسى، اللحظات الطافحة بالمحبّة.. لا يُبَدّلونها بالدنيا كلّها. وهم يسألون الله دائماً أن يَحفَظ أمَّهم العَطُوفة من كلّ الأخطار.
ما أصعَبَ أن تُفارق الأُمّهاتُ صغارَها! وفكّرت الغزالة: « كيف تتحمّل فِراق صغارها وتبقى على قيد الحياة ؟! أيُمكن لغزالة أن تُطيق البُعد عن صغارها ؟! لا بُورِك مثل ذلك اليوم ». تأوّهت من الألم: « لا كان صباح اليوم الذي أُفارق فيه أطفالي ». أخَذَها البكاء، بكت بكلّ وجودها: « ما أفعَلُ يا زماني.. أطفالي من ناحية، ومن ناحية أخرى ذلك الرجل ذو المُروءة الرؤوف الذي تَكَرّم علَيّ فضَمِنَني لدى الصياد! إن رجعتُ إليهم فقدتُ حُريّتي وفقدتُ أطفالي. وإن بَقِيتُ مع أطفالي صار الرجل الرؤوف خادماً للصياد كما تَعَهّد هو بذلك، وهذا ما لا أُريد. ماذا أفعل إذاً ؟! وماذا أقَرِّر ؟! يا لَهُ من اختيار صعب! ».
وكان صوت الغزالة يُفَتِّت الصخر، ويَهُزّ قلب المرج.
استَدارَت الريح لتصل إلى الغزالة:
ـ أهذا وقت البكاء ؟! لا تَجزَعي. عليكِ أن تُفَكّري بعملٍ ما بدل البكاء. لن تصنعي شيئاً بالبكاء.
هَبّت الريح مع مَجرى سِيقان الغزالة، وقالت:
ـ ما الآن وقت بكاء، ولا وقت شكوى. لقد حدث ما حدث. ومن الخير أن لا يَراكِ صغارُكِ وأنتِ باكية العين مَوجُوعة القلب. لكلّ لحظة شأنُها. أنتِ غزالة مُجرّبة، ذُقتِ حُلو الزمان ومُرّه، وتعلمين أنّ تحت كلّ حادثة حكمة ربّما لا نفهمها نحن.
هدأ قلبُ الغزالة بكلام الريح، ولانَ. قالت:
ـ أنتِ صديقة طيّبة، صديقة تشارك صديقتها دائماً الأحزان والأفراح. الحقّ معك. البكاء لا يصنع شيئاً. علَيَّ أن أفكّر في طريقةٍ ما. لابدّ أن أعمل شيئاً وأن أقَرّر ما هو الأصحّ. لا شكّ أنّ كلماتك كلّها حِكم.. كلّها ثمينة. لكن قلب الغزالة ليس من صخر.. فكيف لي أن أختار أحد الطريقَين ؟!
قالت الريح:
ـ كلّ شيء مرتبط بعَزمِكِ أنت. الضمير والوِجدان من جهة، والعاطفة من جهة ثانية. استشيري في هذا قلبك، أنظُري ما يقول لك قلبُك.
قالت الغزالة:
ـ لا تَعرِفين كم هو قلبي مُشتاق إلى أطفالي!
كان قلبُها يَدُقّ في قفص صدرها بصوت مسموع. إنّه صوت الحياة الذي يَطِنّ في أُذن المرج.

* * *

[4]
الشمس تَتَألّق ساطعةً في السماء، والطيور تَخِفّ مُحلِّقة في الفضاء الأزرق. وعلى غصون الشجر يُغَرِّد بعضها بأصواتٍ عذبة. الساقية تَمُرّ في وسط المرج الأخضر الوسيع وتمنح الجوّ نَداوَة طريّة وهي تترنّم بأنغام الحُبّ كأنّها أمّ حَنون تُهَدهِد طفلَها لينام. وتتدفّق نَبضات الحياة مُجَدَّداً.. فتتذوّق الغزالة مرّةً أُخرى طعمَ الحرية اللذيذ. قال النسيم:
ـ الحرية جوهر غالية.
وقال متأسّفاً:
ـ واحَسرَتاه! إنّها تتعرّض للخطر دائماً بسبب أنانيّة الإنسان.
هَبّ النسيم.. فتَمايَلَت الأغصان، وانتَشَر في الجوّ عِطرُ الرَّياحين. ركضت الغزالة بلا انقطاع.. وكانت الأرض تَمُرّ من تحتها بسرعة فائقة.
مِن بعيد.. لَمَحَت صغارَها يتقافَزُون في الأجَمَة. صاحت تُناديهم:
ـ يا أولادي..!
سمع الخُشُوف صوت أمّهم الدافئ الذي يعرفونه كأنّه نغمةُ قَطَرات المطر المُطرِبة، فأسرعوا يَركضون إليها صائحين بفرح:
ـ أُمُّنا جاءت..!
اشتَمل عليهم أُنس لا حدّ له، وأحسّوا كأنّ قلوبهم تريد أن تطير من السرور. وما إن وصلوا إلى أُمِّهم حتّى طاف في الفضاء مِن حولهم عِطرُ حُضُور الأُمّ. لحظات زاخرة بالقُبَل والضحكات المُتَلاحقة والاحتضان، ودموعُ الشوق تُمطِر من عيون الصغار. أخذت الغزالة تشمّهم واحداً واحداً، وتُقبّلُهم بِمُناغاة وحنين. كأنّما الزمان قد توقّف عن الحركة! ما أسعَدَها من لحظة تُفتَح فيها بينهم نوافذ القلب في لقاء رائع جديد!
المرج بكلّ مشاعره.. يَتَطلّع إلى هذا المشهد الذي لا يُنسى. فكَّرَ في نفسه: « ما أصعَبَ اللحظة التي تفوح منها رائحة الفراق، رائحة الدموع والآهات..! ». ثمّ لم يَقدِر على مُواصلة هذا التفكير الحزين الذي شَغَل ذهنَه في تلك اللحظة. هَمَس في أُذُن النسيم:
ـ أقَرّرَت الغزالة البقاء مع خُشوفها، أم أنّها تنوي الوفاء بالعهد ؟
همس النسيم في أذن المرج بصوتٍ خفيض:
ـ لا أدري ماذا قرّرت.
قال المرج:
ـ قرار صعب! ساعِدْها يا ربّ.
قال النسيم:
ـ في كثير من الأوقات نَقِف بين مُفتَرَق طريقَين، وعلينا أن نختار أحد هذَين الطريقين.
قال المرج:
ـ الاختيار بالنسبة إليّ شيء صعب دائماً.
قال النسيم:
ـ الواقع أنّنا إذا اختَرنا فقد رَسَمنا مصيرنا.
دَعَت الغزالة صغارَها أن يأتوا إلى ظلّ شجرة كبيرة، وجلست قُربَهُم على العشب الأخضر، قالت لهم:
ـ عندي كلام، ينبغي أن أقوله لكم.
سكتت الغزالة، وأخذ الخُشُوف ينظرون إلى أمِّهِم. فكّرت الغزالة: « إنّه وقتُ إخبار صغارها بالحقيقة ». انقَبَضَ قلبها لهذه الفكرة، وعاوَدَها الهمّ. انطفأت في داخلها شعلة السرور، وأحسّت ببردٍ لا سع بدأ يتسلّل إلى وجودها في العُمق، وأخذ جسمها يَنمُل. صَعّدت آهةً من عُمق وجودها العاجز المسكين. قالت في نفسها: « أصحيح أنّ علَيّ العودة مرّة أُخرى ؟ ».
ثمّ راحت تُكرّر بحزن وحَيرة وهي تَهمِس: « أطفالي كيف يقدرون على العَيش بدوني ؟! ».
تعجّب الخُشوف من صمت أُمّهم المُفاجئ:
ـ ما الذي حدث لك يا أُمّاه ؟! لماذا تتكلّمين مع نفسك ؟!
إنّ « شيئاً » قد خَطَر في بالِ كلّ واحد من الصغار، فأخافَهُم بطريقةٍ خفيّة. ومرّ في خاطر الغزالة: « فراق أطفالي غير ممكن! ». نظرت إلى صغارها بعين حزينة، وسألت نفسَها « إن لم أرجِع إلى الموعد فما الذي سيُصيب ذلك الرجل الرؤوف ؟! أليس من غير الإنصاف أن يَدفَع هو ثمن خيانة الغزالة ؟! لقد قَدَّم لي إحساناً.. فهل أُجازيه بالإساءة ؟! لو كانت أُمور الدنيا تجري هكذا لَما وَضَع أحدٌ حجراً على حجر، ولَما قامت الحياة! فما الذي علَيَّ أن أفعله إذاً ؟! ». كانت الغزالة غارقة في دَوّامة من الأفكار التي لا تستطيع الخلاص منها. لم تَعرِف ما الذي يجب أن تفعله. أصدَرَت آهة، والتَفَتَت إلى صغارها الذين لَفّهُم الصمت. قالت لهم:
ـ ما أُريد أن أُخبِركُم به يَصعُب علَيَّ قوله. لا أدري من أين أبدأ بالكلام.
احتَبَسَ نَفَسُها ولم تستطع النُّطق.. وازداد ضَرَبان قلبها:
ـ أوَدّ أن تستمعوا إلى ما أقوله جيّداً، وأن تَحفَظُوه.
أحسّ الخُشوف إحساساً غريزيّاً أنّ هناك خطراً لم يقدروا على معرفته. قلوبهم تَدُقّ بسرعة سَلَبَتهم حتّى القُدرةَ على رَمْش العيون. ما الذي تريد أُمُّهم أن تُخبِرَهم به ؟! لم يفهموا شيئاً، وأخذوا يُحَدِّقون بأُمِّهم حائرين!
قالت الغزالة:
ـ في وُدّي، بعد أن تسمعوا ما أقول، أن تُثبِتوا لي أنّكم قد صِرتُم كباراً يمكن أن تتحمّلوا أيّ حقيقة حتّى لو كانت مُرّة!
ترى.. ما الذي وراء هذه المقدّمة الغريبة ؟! لابدّ أنّه أمر مهمّ لكي تُمَهِّد له هذا التمهيد. أنفاسُهم تصعد بصعوبة من شدّة الارتباك، وربّما شعروا بالدَّوار. قَشعَرِيرة سَرَت في جلودهم، وأحسُّوا وهم تحت الشمس ببرودة خفيفة، فبدأوا يرتجفون.
الريح ساكنة لا تَهُبّ، ولا تتمايل الأغصان. توقّفت الطيور عن التغريد، وامتنع ماء الساقية عن تَرانيمِه، وانقَبَض قلب المرج. قالت الغزالة:
ـ الحياة فيها كثير من العَقَبات والمَطَبّات، والدهر يُخبّئ أنواعاً من البلاء. أحياناً تَحدُث حوادث لا مَفرَّ منها.
فَقَدَ الصغار قُدرَتَهُم على التحمّل، قالوا:
ـ ماما.. ما حقيقة الأمر ؟! ما الذي تريدين قولَه ؟! كلامُكِ ليس فيه رائحتُه التي نعرفها!
انحدرت الدموع على خدّ الغزالة النجيبة رغماً عنها، فاحترقت قلوب الأطفال:
ـ آه.. لماذا تبكين يا ماما ؟!
هبّت الريح مبتعدة لكي لا ترى هذه اللحظات الباكية المُؤلمة، ولكي يخلو الجوّ للغزالة أن تحكي مع صغارها كما تريد. وكان صعباً على المرج أيضاً أن يتحمّل كلّ هذا القلق والاضطراب الذي اشتعل في قلوب الخشوف الصغار.
لقد اتّخَذَت الغزالة قرارَها، وعزمت أن تذهب إلى الميعاد. لا تستطيع أن تتناسى الرجل الرؤوف. قلبها لا يُطاوِعُها على البقاء هنا، قلبها يكره الغدر.
قال لخُشُوفها:
ـ أدري أنّ تصديقه صعب عليكم، لكن يجب منذ اليوم أن تتعوّدوا على العَيش بدوني، وأن تعتمدوا على أنفسكم. عليكم مواجهة مشاكل الحياة!
فَجأةً.. شعروا أنّ الدنيا قد انهارَت على رؤوسهم، وأنّ قلوبهم توقّفت عن الضَّرَبان، واحتَبَسَت أنفاسهم في صدورهم، وصار طعم أفواهِهِم مُرّاً كنبات العَلقَم. قالوا غير مُصَدِّقين:
ـ تريدين أن تتركينا ؟!
قالت الأُمّ بتأوّه يزداد ثِقلُه على قلبها لحظةً بعد لحظة:
ـ نعم.. وإلى الأبد!
بكى الصغار. حاولت الأُمّ أن تتغلّب على انفعالها، وأن تُهدّئ مشاعر الصغار. ليس سهلاً أن تُسيطر على أعصابها في هذه اللحظة الملتهبة، لكنّها حاولت أن تَضبِط عواطفَها الهائجة بأقصى ما تستطيع. دَعَت صغارَها إلى السُّكوت، ثمّ قالت تحكي لهم:
ـ كنتُ أشرب الماء عند النبع مع قطيع الغزلان لمّا دَوّى صوتُ سنابك فرسِ الصياد فتفرّقنا مذعورين. من سوء حظّي أنّ الصياد قد اختارني من بينهم هدفاً له. مرّت مدّة ثقلية من المُطارَدَة والفرار المُرهِق. كنتُ على وَشك أن أقع في يد الصياد عندما رأيتُ رَجُلاً طيّباً، فاستَجَرتُ به لاجئةً إليه.
رجُل كلّه رأفة ومحبّة وحنان. أجارَني الرجل الرؤوف، وحاول إرضاءَ الصياد بكلّ وسيلة لشراء حريّتي. ورَفَضَ الصياد بوَقاحة وعناد. رفض تَخلِيَتي، ورفضَ بيعي. عندئذ طَلَب منه الرجل الرؤوف أن يأذَن لي بالمَجيء إليكم لأراكم للمَرّة الأخيرة وأُوَدّعَكُم. ولإقناع الصياد بهذا الاقتراح تَعَهّد الرجل الرؤوف أن يكون هو خادماً للصياد عِوَضاً عنّي، إذا أنا لم أرجِع إليه.
كان الخُشوف الصغار يستمعون إلى حكاية أُمّهم بدموع وآهات. ارتَعَبُوا خائفين من فكرةِ أنّ أُمَّهم تريد أن تُفارِقَهم، واشتدّ في داخلهم الهَيَحان. إنّه شيء يُشبه عاصفة تريد أن تُهاجِم المرج.. فتُدمّر الأعشاش، وتَقتَلِع الأشجار.
تأوّهت الغزالة وقالت:
ـ قُولُوا لي إذاً.. كيف أقدر أن أخُون الرجلَ الرؤوف وأغدِر به ؟!
قال الخشوف ببكاء وهَيَجان:
ـ لكن.. كيف سنكون نحن يا أمّاه ؟! أنتِ غير مضطرّة أن تذهبي إلى هناك. أنتِ حُرّة طَليقة، أنت معنا الآن. لا شيء يقدر أن يَجبُركِ على الذَّهاب.
قالت الغزالة:
ـ أجَل، شيء واحد يَجبُرُني على أن أذهب.
سأل الصغار:
ـ ما هذا الشيء يا أُمّاه ؟!
قالت الغزالة:
ـ الوفاء بالعهد.
وَقَع الخُشوف يُقبِّلون يدَ أُمِّهِم ورِجلَها. استَعطَفوها ببكاء أن لا تذهب. غير أنّ الغزالة كانت قد اتّخذَت قرارَها، وكان نَحيبُ الأطفال مِثل سهم يَختَرِق قلب المرج.
قالت الغزالة وهي تُحاول أن تُهدّى خُشُوفَها وتَجبُر خاطرَهم:
ـ لقد فاتَ الأوان.. يجب أن أذهب. عليكم أن تتعلّموا كيف تَقِفُون على أرجُلِكم بأنفسكم، وأن تعملوا بفكر وتدبير.
كانت دموع الصغار مثل مطر الربيع، وجَزَعُهم يزداد لحظةً بعد لحظة. قَبَّلَت الغزالة أطفالها بقلب محزون، وصوتُ بكاء الصغار يَهُزّ المرج، وكانت تبكي عليهم طيورُ السماء.
أوصَت الغزالة أطفالَها بقلب يُمزّقُه الفراق:
ـ أُريد منكم أن يُحافظ كلٌّ منكم على الآخَر جيّداً، ولا تَتركوا أحَدكُم وحيداً مهما حدث. وأُريد منكم أن لا تَتَخَلَّوا عن المُعاملة الطيّبة والقَول الحَسَن في أيّ وقت، وأن تكونوا دائماً مُدافِعين عن الخير. واعلَموا أنّ قلبي معكم على الدوام.
إنّ قلبي إذا يَنبِض فمِن أجلكم يَنبِض، وبِذكراكُم أتَحمّل الأسر في الغُربة.
قال أصغرهم باكياً:
ـ لكن.. لكن يا ماما.. إذا لم تكوني معنا.. أنا.. أنا أخاف من الظُّلْمَة!
قَبَّلَته أُمُّه مرّة أخرى، وأخَذَت تَشمُّه. لاطَفَته، وقالت
ـ أنتَ لستَ وحيداً يا بُنَيّ. أنا معكم. أعيش في قلوبكم الصغيرة. قلوبكم الطيّبة تَدُقّ من أجلي ليلاً ونهاراً. سآتيك كلّ ليلة في المنام، أُنشِد لك تَرنِيمَة، وأحكي لك قصّة. أحكي لك عن الأيام التي كنّا فيها معاً، حكاية يوم ولادتك التي لا تَغيب عن بالي. كم كنتُ فرحانة بولادتك! لم أملِك نفسي من الفرح!
قال المرج للغزالة:
ـ أولادُكِ صاروا كباراً، وعليهم أن يَتكيَّفُوا مع ظروف الحياة.
قال الغزالة:
ـ صحيح.. كما تقول.
قال خِشف:
ـ ما قيمة الحياة بدونك ؟! بقربكِ يا ماما يمكن أن نَظَلّ على قيد الحياة، وأن نعيش.
قالت الغزالة:
ـ حياة كلّ غزال وغزالة لابدّ أن تنتهي في يومٍ ما. لكنّ الموت ليس آخر شيء. الحياة تظلّ مستمرّة، حتّى بدون غزلان المرج. إنّها تجري كالنهر المُتدَفّق. علينا أن نحيا بكلّ وجودنا ما دُمنا أحياء، وأن نستثمر لحظاتنا لتحسين وضع الدنيا التي نَعبُر فيها. الحياة جميلة، كالعسل اللذيذ الذي يجد حلاوتَه كلُّ فم.. غيرَ أنّ الحياة فيها صعود وفيها هبوط. أحياناً تصير الحلاوة مرارة، وفي أحيان أخرى تتحوّل المرارة حلاوة. لكن يجب أن لا ننسى أنّ الخشوف الذين يَتغَلّبُون على مَصاعِب الحياة وينجحون هم الذين يعيشون ظروف حياتهم بواقعيّة. قلوبهم مُستعدّة لتقبّل واقعيّات الحياة، وهم يحصلون في الحوادث على تجارب جديدة نافعة.
اقترب النسيم منهم وقال:
ـ مِثلَما يأتي الربيع بعد الشتاء فتكون الأرض خِصبَة مُثمِرة بنور الشمس ومطر الربيع، وتُنسى أيّام الشتاء الباردة ولياليه.. فكذلك تأتي ـ بعد أيّام الضِّيق ـ أيّام فرح وسرور. المسألة تحتاج فقط إلى صبر وتحمّل.
تحرّكت الغزالة ماشية، فجَزِع الصغار. اعترضوا طريق أمّهم.
قالت لهم الغزالة:
ـ إحلِفوا لي أنّكم لن تَتْبَعُوني. أخاف عليكم من الأخطار؛ فذلك الصياد له قلب من حجر.
لكنّ الخُشوف لم يَتَخلّوا عن أمّهم، ولم يُصغُوا إلى ما قالت.
انفَطَر قلب الريح من بكاء الصغار. الريح لا تستقرّ.. التَفَّتْ حول نفسها وهبَّتْ صاخبة، وثار في المرج غُبار ناعم. خافت طيور السماء، وظنّت أنّ السماء قد انقلبت. نظرت السماء إلى المرج. لا يُرى في المرج شيء. كلّ شيء يلفّه الغبار. دفعةً واحدة انتبهت الريح، وأخذت تَلُوم نفسَها: « ما الذي تفعلين ؟! هُبوبُكِ العاصفُ هذا سيُوقِع الأعشاش من الأغصان، وسيَقلَع الأشجار الصغيرة! ». عاد الهدوء.. وعاد كلّ شيء إلى ما كان عليه، فلا يُسمَع غير بكاء الخُشوف الصغار.
رغم هذه المُعاناة.. اتّخَذت الغزالة طريقها، تاركةً صغارَها وراءها، وراحت تبتعد عن الأجَمَة.. وتبتعد.
في الطريق.. بكت الغزالة بدون إرادتها، وجَرّها الحزن الذي تَغَلغَل في كلّ وجودها إلى النَّحيب. الريح هابّة مع الغزالة تُوصِيها بالصبر. تأوّهت الغزالة بعيون تُبلّلها الدموع، وقالت:
ـ أيّتها الريح، يا رفيقةَ دربي، لا تُهمِلي صغاري. إحمِلي لي أخبارَهُم كلّ صباح، وأوصِلي لهم رسالتي. أملي ـ بَعدَ الله ـ فيك.
وَعَدَتها الريح بذلك، وطَمأنَتها أنّها لن تغفل عن الصغار. كانت الغزالة تتكلّم مع الريح لمّا سَمِعَت فَجأةً صوتَ أطفالها من بعيد، وهم يَلحَقون بها مسرعين، ويقتربون منها اضطرّت الغزالة للتوقّف. نظرت وراءها. صغارُها يركضون إليها بأقصى سرعتهم وهم يُنادُونها. رَجَف قلب الغزالة. مرّة أخرى طاوَعَت عواطفَها. إنّ عواطفها هذه يمكن أن تمنعها من الذَّهاب!
وصل الصغار إلى أمّهم بأنفاس مُتقَطِّعة، والتَفُّوا حولها. قالت لهم الغزالة:
ـ أمَا وَعَدتُموني يا أولاد ؟!
قال الخِشف الأكبر:
ـ لا نستطيع أن نَدَعكِ وحيدة في هذا الظرف القاسي يا أمّاه.
توسّلت إليهم الغزالة:
ـ خَطَرٌ هناك. مكان لا أمان لكم فيه!
قال الخُشُوف بإصرار:
ـ نحن لا نريد الراحة. نريدكِ أنتِ، نريد أن نَظَلّ معك!
لم ينفع الغزالةَ توسُّلُها. الصغار عازمون على ما يريدون. لقد وَطَّنوا أنفُسَهم على خَوض المخاطر من أجل أن يكونوا مع أُمّهم.
أدركت الأُمّ ذلك، فأخذت تتوسّل إلى الريح:
ـ قُولِي شيئاً يا ريح!
قالت لها الريح:
ـ توكّلي على الله، فرُبّما كان في هذا مصلحة.
قالت الغزالة لأطفالها:
ـ أسرِعوا إذاً؛ فقد تأخّر الوقت كثيراً.
سار الصغار وأُمُّهم مسرعين مع الريح صوبَ المصير المجهول؛ فمِن الممكن أن تتعرّض حريّتهم في أيّ لحظة للخطر. ورغم هذا أحسّوا بالعَظَمة لأنّهم مع أمّهم التي لم يَتركوها تُواجِه مِحنَتها بمُفردِها. شعروا كأنّ قاماتِهم قد طالت، في الوقت الذي كانت فيه قلوبهم في قلق من الآتي الغامض الذي لا يعرفونه. وكانت الغزالة تدعو في قلبها أن لا يُصاب صغارُها بأذى.
عَبَروا مُنعَطفات وطُرُقاً مُتَعجرِّجَة طويلة، وهم يَتَصبَّبون عَرَقاً تحت الشمس. عَطَشَ الصغار.. وما من نَبعِ ماءٍ في الطريق. قلوبُهُم تضطرب في صدورهم من شدّة الهَيَجان ومن كثرة الجَرْي.. وضَعُفَت أرجُلُهم عن المشي. قالت لهم الغزالة:
ـ لم يَبق من الطريق شيء، إذا تَحمّلتُم قليلاً، وصلنا سريعاً إلى الميعاد.

* * *

[5]
طفَح صبرُ الصياد، وبَدا عابِس الوجه.. لا يَكُفّ عن التَّمتَمَة: « أدري أنّ الغزالة لا تعود! ». أوصاه أبو الحسن الرضا بالصبر. وأبو الحسن الرضا يعلم أنّ الغزالة في الطريق وأنّها ستأتي وأطفالُها معها. كان أصحابه قد يَئِسوا من عودة الغزالة. وكان الصياد يلوم نفسَه على أنّه قد تَساهَل فجعل الغزالة تُفلِت من يده! قال يخاطب نفسه: « أرأيتَ كيف صِرتَ أُضحُوكة للناس ؟! ».
فجأةً.. صاح أحدُ أصحاب أبي الحسن الرضا، وهو ينظر إلى الأُفُق واضِعاً كفّه على جبهته يُظلّل لعَينَيه من الشمس، صاح:
ـ انظروا.. الغزالة.. الغزالة!
التَفَت آخَر إلى حيثُ أشار الأوّل، وقال:
ـ نعم.. ها هي الغزالة آتية!
ونظر جميع أصحابه إلى تلك الجهة، وتَطلّع الصياد إلى هناك، فقال مُندَهِشاً:
ـ ليست وحدَها! يَتبَعُها عدد من الخُشوف!
قال أبو الحسن الرضا للصياد بابتسامة:
ـ حتّى الغزلان تلتزم الوفاءَ بالعهد.
هزّ الصياد رأسَه كَمَن يستيقظ من نوم ثقيل, وهو يُعايِن هذه الحادثة العجيبة، قال:
ـ هذه الغزالة.. هذه الغزالة علّمتني درساً.
وأضاف:
ـ فَتَحَت عيني على حقيقة ما كنتُ أراها، يا أبا الحسن.
قال أبو الحسن الرضا:
ـ الحياة بدون الفضائل والأخلاق تُمسي شاقّة مَشقّةً يتمنّى معها الإنسانُ الموت.
وصلت الغزالة لاهِثةَ الأنفاس من طُول الطريق، ووصل معها صغارها. دُهِش الجميع، ثمّ التَفُّوا حولها وحول صغارها بإعجاب وترحيب.
رَفَعت الغزالة رأسَها أمام الرجل الهاشمي البهي تَتطَلّع من عُمق كيانها إليه. تَشَرّبت روحُها بعطرِ حُضُور أبي الحسن الرؤوف. ومرّةً أُخرى عاوَدَها الإحساس الغريب الذي جَرَّبَته عندما التَقَت لأوّل مرّة بالرجل الرؤوف. وشعرت بالأمن والنَّشوَة في هذا العطر الذي يَعبَق من مَحضَرِه. وفي لحظة انتبهت الغزالة إلى شيء كانت غافلة عنه! شعرت أنّ هذا الرجل الهاشمي الوَدُود كأنّما هو يَعرِفُها ويُداريها منذ آلاف السنين، وأنّها هي أيضاً تعرفه.. كأنّما صميمُ وجودِها مرتبط به! ترى.. لماذا كانت غافلة عنه كلّ هذه الغفلة ؟!
وبهُدوء.. انحنى الرضا صلوات الله عليه وأحاط فمَ الغزالة الرَّطيب بكَفَّيه، وأخذ ينظر إلى عين الغزالة الوفيّة المُشرِقَة الجمال. كانت عيناها تَلمَعان تحت الشمس مِثلَ فِصَّي عقيقٍ أزرق. قال لها الرضا الرؤوف:
ـ ما في عَينَيك غير النَّجابة أيّتها الغزالة الوفيّة. ما كنتِ مضطرّة أن تأتي إلى هنا وتُلقي بنفسك إلى التَّهلُكة.
تَرَقَرقَت الدموع في عيون أصحاب الرجل الرؤوف، وقلوبُهم تَخفِق من هذا الذي رأوه. اقترب الصغار من الرجل الطيّب، وأحَسُّوا بعطرِ وجودِه العَذب يَمُوج في الهواء. اختَفَى من داخلهم الخوف الذي كان يُعذِّبهم، وأمِنَت قلوبُهم الصغيرة رغم وجود الصياد قريباً منهم.
لاطَفَهُم أبو الحسن الرؤوف واحداً واحداً. وخَطَر في قلوب الصغار: « ما أعذَبَ الحنان في هذه اليد، وما أكثَرَه! ». نظرت عيونهم إلى عينَي أبي الحسن الرؤوف.. فامتلأوا رحمةً ورأفة.
تَقَدّم الصياد ـ وقد تَبدَّلت نفسيّته ـ وقال لأبي الحسن الرضا باحترامٍ ظاهر:
ـ يا ضامنَ غزلان المرج! يا مأوى الغزلان الحائرة! يا كهفَ الأمن والأمان.. مَن أنتَ لتكون لك كلّ هذه الكرامة ؟! رأفَتُك تُغري الغزلان الهاربة أن تعود باختيارها إلى الأسر! فَضلُك يَجري في القلوب مثل ينبوع النور. أنت الكمالُ بعضٌ منك أيّها الهاشمي البهي يا واهب الرحمة. جَمالُك هذا المُحَيِّر.. أين منه جَمال يوسف الصدّيق ؟! جمالُك يُلَيّن القلوب الحجريّة، ويجعلها طَيّعةً كالشمع. أسَرَتني هذه المعجزة التي رأيتُها منك، وجَعَلَتني طَوعَ يديك. بقلبي أراك الآن أيّها الرجل الإلهي.. يا مَظهَر النَّجابة والإنسانيّة والإيمان. مُرْني يا سيّدي بما تُريد، فأنا في خدمتك.
أضاف الصياد بمَوَدّة وخضوع:
ـ من أجل عَينَيك سأُطلِق سَراح الغزالة، وسأتخلّى منذ اليوم عن قوس الصيد وسِهامه لتعيش الغزلان في أمان. سأجِدُ مِهنة أخرى أكسِب منها الرزق. أترُك الصيد والقَنْص لكي لا تُسفَك دماء الغزلان الرقيقة البريئة.
جَثا على رْكبَتَيه تأدُّباً. وضع القوسَ والسهمَ والجَعبَة على الأرض، وقَبّل طرفَ عباءة الرجل الهاشمي الكريم، ثمّ قام واقفاً وحَنى رأسَه بخشوع.
مَدّ أبو الحسن الرؤوف يديه، فاحتضن الصياد ضاغطاً على صدره بصدره. أحسّ الصياد بعُذوبة مُدهِشة تَسري في كلّ ذرات وجوده، ووجد نفسه خفيفاً يكاد يطير.. كأنّه ليس من لحم ودم! كأنّ قلبه في عالَم شفّاف ليس من عالَم الأرض. طَبَع قُبلة على كتف مولاه الرضا، وهو يَوَدّ أن لا يرفع رأسه عن هذه الكتف الحَنُون، وكأنّه طفل صغير يريد أن يغفو على كتف أبيه الشفيق.
أخيراً.. رفع الصياد رأسه، وابتسم له الرضا مرّةً أُخرى، ثمّ عَوَّضه عن ثمن الغزالة باكثرَ مِمّا يَتَوقّعُه. وتَقبّلَها الصياد هديّة ثمينة من يد الرجل الإلهي المُبارك السَّخي.
هَبّتَ نَسائم الريح رَخِيّةً لَيّنة.. فعَبَق في الفضاء عطرُ الأزهار والرَّياحين. خَفَضَت الأزهار رؤوسها، وأطلَقَت الطيورُ مَناقيرَها بأجمل التَّغريد. كأنّ معزوفة ربيعيّة كبيرة تَعزِف الآن في مِهرَجان الحُبّ والرأفة والوفاء.
المرج ـ طِيلَة عُمره المَديد ـ لم يَرَ مثلَ هذا المنظر المُحَبَّب الجميل. وهو لا يذكر إطلاقاً أنّ صياداً قد ألقى عُدّة القَنْص على الأرض ليَهجُر صيدَ الغزلان إلى الأبد. الأمن والحرية يَمُدّان ظِلالَهما الفسيحة على المرج، وقطيعُ الغزلان العَطشى يتجمّع حول النبع، والنسيم يَقُصّ بحرارةٍ قصّة الغزالة التي تَفَضّل عليها بالحرية الرجلُ الهاشمي الطاهر.
هَمَس أبو الحسن الرضا في أُذُن الغزالة:
ـ أنتِ طليقة.. أنتِ حُرّة لللأبد. يمكنكِ أن تذهبي مع صغارك إلى حيث تشائين.
لا تدري الغزالة كيف تَذكّرَت فَجأةً الحكاية. أشرَقَت ذاكرتُها وهي تَستَعيد بسرعةٍ خاطفة حكاية الغزالة القديمة. سَمِعَتها هي من أُمِّها.. يَتَناقلُونها بافتخار جِيلاً بعد جيل. غزالة من أجدادِهِم وَقَعَت يوماً في أسر صياد من الأعراب.. تماماً كما وقعت هي أسيرة هذا الصياد. في ذلك اليوم كان النبي يمرّ من هناك. استجارت به الغزالة مُتوَسِّلَة به أن تذهب فتُرضِع وَلَدَيها وتعود. ضَمِنَها النبي.. فرَضَعَت طفليها ورجعت. وكما حدث لها هي.. أطلَقَ النبي تلك الغزالة الوفيّة. ويذكرون أنّها عاهَدَت النبي في ذلك اليوم على محبّة الغزلان له ولأهل بيته. إنّ النبي الذي حَرّر تلك الغزالة هو جَدُّ هذا الرجل الهاشمي الحبيب الذي أجارَها وأهدى لها الحرية. قالت في قلبها: « إنّي عاجزة عن شُكرِه ». ثمّ نظرت إليه بابتسامة كلّها اعتراف بالجميل.
حَطّت فَراشاتٌ مُلَوّنة زاهية على كتف الرجل الطاهر الوَدُود. وألقَت الغزالة نظرةً أخيرة على ضامنها العزيز. وبعد لحظات من التأمُّل خَفَضَت رأسَها أمامه، ثمّ التَفَتَت إلى حيثُ النبع.. وسارت يَتبَعُها أطفالُها الصغار، وهم يتراكضون فَرَحاً ومَرَحاً، وفي وِجدانهم انطبعت إلى الأبد صورة الرجل الهاشمي الرؤوف.
أطلَقَت الطيور أغاريدَها العذبة، وتراقصت أغصان الشجر بِهَبّةٍ هادئة من النسيم، فاهتَزّت الأعشاش كالمَهد. وكانت الشمس في سمائها العريضة تُهدي لأهل الأرض أنوارَها الجميلة.. وعادت الحياة إلى أرجاء المرج الأخضر الوسيع.
كانت الغزلان بانتظار وصول الغزالة المُحرَّرة لاستقبالها بحرارة، وللاحتفال معها بهذا النصر.. والعصافيرُ تُزَقرِق بين الغصون، وتُنشِد معاً أُنشُودة الصداقة والمحبّة.
وصلت الغزالة إلى النبع، ووجدت نفسَها وسط نظرات الغزلان الناطقة بالمدح والثَّناء. الجميعُ يَرَون أنّ هذه الغزالة قد باركَتها رأفةُ الرجل الطاهر الذي أنقذها وأكرمها بالحرية تُحفةً لا تُقَدَّر بثمن.

1 ـ لاحظ مثلاً: بصائر الدرجات، الجزء 7، الباب 15، الأحاديث:3 ، 4، 5، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 14، والباب 14، الحديث 19، وبحار الأنوار 88:49، الحديث 8.
2 ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام 228:2؛ بحار الأنوار 88:49، الحديث 3.
3 ـ بصائر الدرجات، الجزء 7، الباب 14، الأحاديث:2، 3، 17، 18.
4 ـ نفسه، الحديث 12.
5 ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى 191:1، طبعة دار الكتب العلميّة، بيروت 1420 هـ / 2000 م، الطبعة الأولى. وأورد مثيلاً لهذه الحادثة النبويّة سليمان بن أحمد الطَّبرانيّ في كتابه « المعجم الأوسط » 358:5، وأحمد بن الحسين البيهقيّ في « دلائل النبوّة » 34:6 ـ 35.
6 ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام 285:2 ـ 286؛ بحار الأنوار 333:49، الحديث 12.
7 ـ مناقب آل أبي طالب 377:4، طبعة دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1412 هـ / 1991 م.
8 ـ هذه القصّة من تأليف القاصّ حسين زاهدي النامقي، نشر مجمع البحوث الإسلاميّة سنة 1429 هـ / 2008 م.
9 ـ المَرج: الأرض الواسعة الكثيرة النَّبت والأعشاب.
10 ـ الخِشف: وَلَد الظَّبْيَة ( الغزالة )، وجمع الخِشف: خُشُوف.
11 ـ الأجَمَة: مكان فيه شجر كثير مُلتَفّ.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.