الواجهة » الإسلام » كتاب في مقالة » بولس سلامة شاعر الغدير وكربلاء في الزمن الأخير
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


بولس سلامة شاعر الغدير وكربلاء في الزمن الأخير

الكتاب: بولس سلامة شاعر الغدير وكربلاء في الزمن الأخير.
المؤلّف: كمال السيّد.
الناشر: الغدير ـ بيروت.
الطبعة: الأولى ـ سنة 1425 هـ / 2004 م.

إشارة
لقد عوّدَنا الأستاذ كمال السيّد أن يكتب لنا الموضوع الجديد، وبالأسلوب الجديد، ولكلِّ جديدٍ لذّة. وقد حظي يَراعه بنكهةٍ خاصّة تقارنت مع التعبير الأدبي الذي يجذب النفوس، ومع استنباط الحقائق الذي يُقنع العقول، وينبّه الأذهان.
وكان اختياره للكتابة حول الشاعر سلامة اختياراً ينمّ عن اهتمامٍ عقائديٍّ وأدبيٍّ في الوقت ذاته، وعن همّة في بحث موضوعٍ أُهمل طويلاً لأسبابٍ يعرفها الكاتب وقد التفَتَ إليها، فكتب في ذوقٍ خاصّ ونَفَع، وجَدّد ما كان قد تُرك.. وكم تَرَك الأوائلُ للأواخر!

كلمة قبل الكتاب
تقدّم بها مركز الغدير ناشر هذا الكتاب، وقد جاء فيها: كانت الأمّة تعيش حالةً من التمزّق والاستلاب، وتعاني من أزمةٍ في الهويّة، وإذا كان الشعراء في الأمم ينظرون إلى ما وراء الضَّباب فإنّ بولس سلامة الشاعرَ المسيحي رأى في رسالة الإسلام والرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وأهل بيته ملحمةً كبرى يمكن أن تهزّ وجدانَ الأمّة العربيّة، فقدّمها خلال ستّة أشهرٍ فقط، من أجل إضاءة سراجٍ في طريق الأمّة نحو حياةٍ حرّةٍ كريمة.
بولس سلامة، ذلك الإنسان الذي صاغه الألم، وصهرته المعاناة فجعَلَت منه إنساناً وشاعراً ملحميّاً، جديرٌ بالجيل اليومَ أن يقرأه قراءةً واعية.. قراءةً لإنسانٍ بلغ من الإخلاص درجةً تُشعرِك بصدق ما يقول، فإذا هو أمامك في ضوء الشمس على حقيقته.. في آهاته وتأوّهاته، وشكواه وسخريته، في بكائه وتهكّماته، وكما قال في مقدّمة كتابه ( مذكّرات جريح ): كان الإخلاص دليلي في ما أكتب، فتجرّدتُ عن كلّ شيء إلاّ من حقيقتي العارية، وآثرتُ إبداء مقالتي على التلبّس بلباس المصانعة؛ إذ الأجدر بي أن أستجلب لَومَك مُصارِحاً من أن أنال رضاك مداجياً! ).

إلى الكتاب
في فَصلَيه، وملحق:
الفصل الأوّل ـ جاء يحمل العناوين التالية بعد العنوان الأصل ( بولس الشاعر ): حياته، مؤلّفاته، شاعريّته، ملحمة عيد الغدير.. محطّات، حادثة الغدير، محطّات من الملحمة، أهل البيت.
وقد رأينا في شيءٍ من الضرورة أن يكون اطّلاع عاجل على حياة هذا الأديب النابغ كما عرَّفَنا به السيّد كمال السيّد أنّه:
وُلد في قرية ( بتدين اللقش ) إحدى قرى جِزّين جنوب لبنان سنة 1902 م، تشرّب روح الحماسة في صباه، وتخرّج في مدرسة الحقوق، وتولّى القضاء سنة 1928 م ـ إلى سنة 1944 . تنوّعت ثقافته بين: الآداب والدين والفلسفة والتاريخ، لكونه شغوفاً بالمطالعة، وهذا ما أثرى نتاجه الأدبي.
في عام 1919 م انتُخِب شيخ صلح ولم يُدرك الثامنة عشر من عمره. وفي سنة 1936 م بدأ جسمه بالوهن بسبب هجوم الأمراض والآلام عليه، والعمليات الجراحيّة التي بلغت أربعاً وعشرين جراحة. ولكنّ الآلام التي رافقته مدّة سبعة عشر عاماً أنتجت عاطفة إنسانيّةً نبيلةً صادقة، نجدها واضحةً في مؤلّفاته التي كانت إحداها ( ملحمة الغدير ).
بعد هذا ينقلنا السيد كمال السيّد إلى رحاب شاعريّة الأديب بولس سلامة، ويذكر له قصائدَ عديدةً فاخرة، كان منها رثاؤه لأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام وهو يخاطب ليلة شهادته أو ضربته سلام الله عليه:

يا صلاةَ الخِتامَ في المسجدِ المَحْ زُونِ طِيري إلى السماء ضَراما
وأعِـدّي لـه المكـانَ رفيعـاً وافرُشي الوردَ حولَـه أكوامـا
لم يَنَلْ فـي الحيـاةِ إلاّ عذابـاً فاملَئـيـهِ هـنـاءةً وسـلامـا
لاحَ فـي مكـةٍ هـلالاً وليـداً وهوى في العراقِ بدراً تَمامـا

ومن الملحمة الغديرية لبولس سلامة، اختار لنا كمال السيّد هذه القطعة الولائيّة:

يا عليَّ العصور.. هذا بيانـي صِغتُ فيه وحيَ الإمامِ جَليّـا
أنتَ سَلْسَلتَ مِن جُمانِـك لِـلْ فُصحى، ونَسَّقتَ ثوبَها السِّحْريّا
يا أميرَ البيانِ.. هـذا وفائـي أحمَـدُ اللهَ أن خُلقـتُ وَفـيّـا
يا أمير َ الإسلامِ.. حَسبيَ فَخْراً أنّنـي منـك مالـئٌ أصغَرَيّـا
جَلْجَل الحقُّ في المسيحيّ حتّى عُدّ مِـن فـرطِ حبِّـهِ عَلَويّـا
أنَا مَـن يَعشَـقُ البطولـةَ والْ إلهامَ والعدلَ والخِلاقَ الرَّضيّا
فـإذا لـم يكـنْ علـيٌّ نَبيّـاً فلَقَـد كـان خُلـقُـه نَبَـويّـا

الفصل الثاني ـ بولس الإنسان، وعناوين هذا الفصل على هذا النحو:
خَلَجاتٌ ورُؤى، بولس الجريح، الإنسان ذلك المجهول، الموت.. القنطرة، الزمن والذاكرة، الصداقة، آلام بولس، مناجاة بولس، مختارات من مختارات، حكايات بولس.
لا لشكّ أنّ عناوين السيّد المؤلف جاءت جذّابةً مشوِّقة، وقد احترنا عند أيّها نقف، لكنّ (مناجاة بولس ) كانت الأقوى على إيقافنا عندها لنقرأ فيها هذه الكلمات والعبارات، وهو يقول:
اللهمّ ها أنا ذا أتوب إليك توبةً نصوحاً، فلا تُغلق في وجهي باب رحمتك، فآشْفِ نفسي بقدرتك، وإذا كان الألم الصارخ الذي يحزّ في جوارحي، نداءً منك للنعجة الضالّة، فحبّذا النداءُ الموصول يبلغ أعماقي، ويبعثني خَلقاً جديداً، وطالما فتحتَ بمِثلِ هذا الصوت الخفيّ قلوباً غُلفاً، وآذاناً صُمّاً..
اللهمّ اجعلني وديعاً، وبَدِّدْ كبريائي، لئلاّ أحاولَ تبرئةَ نفسي قُدّامك، فأزدادَ خطيئةً على خطيئة، وشرّاً على شرّ. وإنّما الكبرياءُ أشَدّ خطراً علَيّ مِن كلّ ما ابتدع الشيطان مِن حيل، ونصب من أشراك...
اللهمّ عليك توكّلت، فالمتّكلُ على سواك إنّما يضع قدمه في الفراغ الرهيب! فاعصِمْني بنعمتك من أباطيل الدنيا وزخرفها، فإنّها فاجرة! تفتن في ضروب الإغراء والسحر..
اللهم لئن شلَلْتَني عن الحركة، وعزلتني عن العالم الخارجي، فَشُلَّ قلبي عن الخطيئة، واعزِلْني عن السيّئات، وليكن هذا المطهِّرُ اليسير بديلاً عن مطهِّرِك العادل، فأكونَ قد أسلَفتُ في هذه الدنيا بعضَ ما يُبهظ الكاهلَ من حساب الآخرة، ولِترجَحَ كفّة الرحمة على كفّة العدل.
اللهمّ إنّي معلَّقٌ بخيطٍ فوق هذه الأبديّة، وإنّي أسترحمك يومَ إذْنٍ بانقطاعه، أن تَهُزَّني هَزّاً رفيقاً، لأرفعَ عينَيّ إلى فوق، ثمّ أُطبقَ أجفاني على آخِر قَبَسٍ من ضيائك ).

بين الإعجاب والتعجّب
إنّه لَيَحقّ لكلّ مُنصفٍ وإنسانٍ عاقل أن يُبديَ إعجابه بهذا الأديب الذي نشأ في المسيحيّة، ثمّ عاش سنواتٍ ممتدّةً في آلامٍ صعبة، فإذا هو يشدو تراتيل الإيمان والرضى عن الله تعالى، ويفيض عواطفَ طيّبة، ومشاعرَ طيّبة.. مع الله جلّ وعلا، ومع الرسول المصطفى صلّى الله عليه وآله، ومع أهل البيت عليهم السلام، فيرسم يَراعُه مشاهدَ الإسلام ووقائعه بألوان الحقيقة، وبنفسٍ مِقْدامٍ ذات شهامة، لا يريد إلاّ أن يُرضيَ ضميرَه من خلال إعلان الحقّ الذي أملاه عليه نورُ المعرفة.. فطفح حبُّه للنبيّ صلّى الله عليه وآله ولأمير المؤمنين عليه السلام، وللزهراء البتول عليها السلام، وكذا للحسن والحسين عليهما السلام، يُعرِب عن ولائه دونَ محاباة لأحد، أو خشيةٍ من أحد، لأنّ عينَيه وقلبه وضميره، كلُّ ذلك كان متّجهاً إلى الله تعالى، فلم يهمَّه ما كان يدوّي هنا وهناك.
ولقد خلّف ذلك عندنا إعجاباً يكتنفه الاحترام والإكرام، كما ترك فينا تعجّباً من كثيرٍ من المسلمين كيف لم يَحظَوا بما حَظِيَ به هذا الشاعر المسيحي، ولماذا لم يُشِيدوا به وينقلوا مواقفه ومشاعره المنظومة وهي لوحة شعّت وتعطّرت بذِكر الله تعالى وذِكر النبيّ وآله صلوات الله عليهم في عبارت التمجيد والثناء، وبيان مصائب أهل بيت الرسالة وذائل أعدائهم.. وذلك توفيق يحظى به طلاّب الحقّ، وحُجّة أخرى على أصحاب الباطل.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.