الواجهة » الإسلام » النبي وأهل البيت » اهل البيت عليهم السلام » الإمام علي عليه السلام » ليلة المبيت..
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


ليلة المبيت..

بسم الله الرحمن الرحيم: فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقةٍ مِنهُم طائفةٌ لِيتَفَقَّهوا في الدِّينِ ولِيُنْذِروا قومَهُم إذا رَجَعُوا إليهم لَعلَّهُم يَحْذرون [ سورة التوبة:122 ].
قال المفسّر المرحوم السيّد محمّد حسين الطباطبائي في ( الميزان في تفسير القرآن ) في ظلّ هذه الآية الشريفة: « يظهر أنّ المراد بالتفقّه هو تَفهُّم جميع المعارف الدينيّة، من: أصولٍ وفروع، لا خصوص الأحكام العمليّة، وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرّعة. والدليل على ذلك قولُه تعالى: لِيُنذِروا قومَهم ؛ فإنّ ذلك أمرٌ يتمّ بالتفقّه في جميع الدين ».
فالفقه هو الفهم، والمطلوب من فهم الدين لا ينحصر في الأحكام الشرعيّة، وإنّما يعمّ العقيدة والأخلاق، وجميع ما يرتبط به؛ ليكون المسلم على بيّنةٍ من أموره. وتاريخ الإسلام الذي بين أيدينا يحمل وقائع كثيرة وأحداثاً مهمّة، لا يُكتفى بمطالعتها مطالعةً سطحيّة عابرة، فإنّ وراءها عِبَراً وفي طيّاتها نداءاتٌ لمواقفَ اعتقاديّةٍ خطيرة.
وعلى سبيل المثال.. روى المفسّرون والمحدّثون، وأصحاب السِّير والتواريخ، حادثة هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله من مكّة إلى المدينة، واستخلافه عليّاً عليه السلام في مكانه، ودعوته إلى المبيت على فراشه، مع علمه صلّى الله عليه وآله أنّ قريشاً تنوي قتلَه غيلةً بالهجوم على داره والانقضاض عليه في نومه، فماذا يُفهَم مِن ذلك لو أُريد منّا أن نقرأ مثل هذه الحادثة التاريخيّة ببصيرةٍ وتفقّه ؟!
التساؤل المتحيّر الذي طرحه التاريخ هو: لماذا أُهمل أمر مبيت الإمام عليّ على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله ليلة الهجرة، إهمالاً يُراد به الابتعاد عن متطلّباته ومقتضياته؟! لقد كان أمر المبيت محنةً عظيمة، وهو في الوقت ذاته كان فضيلةً شريفة، ولو أجال المؤمن فكره في تلك الفضيلة لَتفرّعت له منها فضائلُ عديدة ومناقبُ متعدّد.
هكذا ذُكرت الواقعة: لمّا استقرّ الخبر عند المشركين أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أجمع على الخروج من بينهم والهجرة إلى غيرهم، قصدوا إلى معاجلته، وتعاقدوا على أن يغتالوه في فراشه، وأن يضربوه بأسيافٍ كثيرة كلُّ سيفٍ ينتمي إلى قبيلةٍ من قريش، ليضيع دمه الشريف بين القبائل، فلا يقوى أهل عشيرته على المطالبة بدمه.
ولمّا علم رسول الله صلّى الله عليه وآله عن طريق الوحي الأمين بذلك، دعا أوثقَ الناس عنده، وأمثَلَهم في نفسه، وأبذلهم في ذات الله لمهجته، وأسرعهم إجابةً إلى طاعته، وهو عليّ ابن أبي طالب وهو في عمر الشباب وفتوّة الحياة، فقال له: « إنّ قريشاً قد تحالفت على أن تُبيتَني هذه الليلة، فامضِ إلى فراشي، ونَم في مضجعي، والتَفَّ في بُرديَ الحضرمي؛ لِيَروا أنّي لم أخرج، وإنّي خارجٌ إن شاء الله تعالى » ( ينظر: السيرة النبويّة لابن هشام 334:3، تاريخ الطبري 101:2، البداية والنهاية لابن كثير 217:3 ).
نعم، دعاه إلى أن يعرّض نفسه المقدّسة لأشفار السيوف التي تحملها أيدي الحَنَق والغيظ على الرسول والرسالة، فأجاب عليه السلام إلى ذلك سامعاً مطيعاً، طيّبةً بها نفسُه، ونام على فراشه صابراً محتسباً، واقياً له بمهجته، موطّناً نفسه على القتل.
ولا نعلم فوق بذل النفس درجةً يلتمسها صابر، أو يبلغها طالب، والجودُ بالنفس أقصى غاية الجود، ولولا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عَلِم أنّ عليّاً سلام الله عليه أهلٌ لذلك لَما أهّلَه لذلك.. وقد قال العلماء: إنّ فضيلة عليٍّ عليه السلام تلك الليلة، لا نعلم أحداً من البشر نال مِثلَها، فإنّه ما تلكّأ ولا تَتعْتَع، ولا تغيّر لونه ولا اضطربت أعضاؤه. ولا يصبر على ثقل هذه المحنة أو يتقدّم نحو هذا الموقف إلاّ مَن خصّه الله تعالى بالصبر على مشقّة ذلك والفوز بفضليته، وله من جنس ذلك أفعالٌ كثيرة. ( يراجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 258:13 ـ 261 ).
أمّا أهل التفسير فكانت لهم بيانات وتعليقات، ففي ظلّ قوله تعالى: ويَمكُرون ويَمكُر اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين [ الأنفال:30 ] قال الطبري في ( جامع البيان في تفسير القرآن ): هذه كناية في عليٍّ عليه السلام. ثمّ ذكر أنّ مكرهم هو توزيع السيوف على بطون قريش، أمّا مكرُ الله فهو منام عليٍّ على فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وروى المفسّرون كلّهم أنّ قوله تعالى: ومِنَ الناسِ مَن يَشري نفسَه ابتغاءَ مَرضاةِ الله [ سورة البقرة:207 ] نزل في عليٍّ عليه السلام ليلةَ مبيته على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد ثبت بالتواتر حديث المبيت عند الجميع. ( يراجع: شرح نهج البلاغة 261:13 ـ 262 ).
بعد هذا، إذا تَدبّر الأمرَ مُنصفٌ عَلِم يقيناً أن رسول الله صلّى الله عليه وآله ما كان يُؤهِّل للأمور العظام إلاّ أخاه عليّاً عليه السلام، وهذا يُشير إلى أنّ عليّاً عليه السلام هو الذي كان يقوم مقامَ النبيّ صلّى الله عليه وآله في عظائم الأمور، فهو خليفته في حياته وبعد وفاته، فلِمَ لا يُذكر ذلك ويُستنتج من مواقف رسول الله هذا الاعتقاد الواضح ؟! ولمَ يُتكلّف لغير الإمام عليّ عليه السلام ما يرفعهم إلى مقاماتٍ لا يستحقّونها وليسوا لها أهلاً ؟!
وكان من مواقف الاستخلاف والاستيصاء أيضاً: إبقاء النبيّ عليّاً صلوات الله عليهما في مكّة بعد هجرته، وذلك لتأدية أماناته صلّى الله عليه وآله.. كتب ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو جعفر ( المدائني ): والمعروف المنقول أنّه صلّى الله عليه وآله قال لعليٍّ عليه السلام: « إذهب واضطجع في مضجعي، وتَغَشَّ بِبُرديَ الحضرمي، فإنّ القوم سيفقدونني ولا يشهدون مضجعي، فلعلّهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتّى يُصبحوا، فإذا أصبحتَ فلتَقُم في أداء أمانتي ». ( شرح نهج البلاغة 263:13 ). وكتب ابن أبي الحديد بعد ذلك: قال محمّد بن إسحاق في كتاب ( المغازي ): لم يُعلِم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله أحداً من المسلمين ما كان عزم عليه من الهجرة إلاّ عليَّ بن أبي طالبٍ وأبا بكر، أمّا عليٌّ عليه السلام فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخبره بخروجه، وأمره أن يبيت على فراشه يخادع المشركين عنه؛ لِيَرَوا أنّه لم يبرح، فلا يطلبوه حتّى تَبعُد المسافة بينهم وبينه، وأمره أن يتخلّف بعده بمكّة حتّى يُؤدّيَ عن رسول الله الودايع التي عنده للناس، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله استودعه رجالٌ من مكّة ودايع له؛ لما يعرفونه من أمانته. ( شرح نهج البلاغة 303:13 ).
والذي يخرج به المسلم الواعي من تفكّره في هذه الوقائع من نتائج، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان عليٌّ سلام الله عليه له أوثقَ أحدٍ من الناس، وأقربَ مِن كلّ أحدٍ من الناس، وأكثرَ اعتماداً عليه من جميع الناس، فجعله خليفتَه في حياته، وأوصى أن يكون خليفته مِن بعده عَقِب وفاته، فهو الأعلم والأتقى والأعبد، وهو الأوّل والسبّاق إلى كلّ فضيلةٍ وخيرٍ وعملٍ صالح، وهو أوّل مناصرٍ للرسول والرسالة مع أبيه أبي طالبٍ رضوان الله تعالى عليه، وهو موضع مدائح الله تعالى في كتابه المجيد في عشرات الآيات البيّنات، وكم من مواقف لم يَقُم مقامَ رسول الله صلّى الله عليه وآله إلاّ عليّ، لا سيّما في المواقف المصيريّة التي كان بها حياة الإسلام وعزّة المسلمين، فذاك موقفه يومَ الإنذار وسط عشيرته تَقدّم مرّاتٍ مستجيباً لدعوة رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يكون نصيراً ووصيّاً له، وذاك موقفه يوم عرّض نفسه للفداء لرسول الله عند مبيته في فراشه فواجه المشركين بمفرده، وذاك موقفه يوم الأحزاب والخندق، يوم تحدّى عَمرُو بن عبد وَدٍّ العامريّ جميعَ المسلمين، فتقدّم عليٌّ فصرعه، وخَلَف رسولَ الله صلّى الله عليه وآله في تبوك على المدينة، وفي تبليغ سورة براءة إلى اليمن، وفي بعض الصلوات، وكم سُمِعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله أحاديث نَقلَتْها الأفواه والأقلام أنّ عليّاً خُصّ دون المسلمين بأجلى الفضائل وأسماها، وأنّه وصيُّه وخليفتُه مِن بعده، فماذا يقول صلّى الله عليه وآله بعد ذلك لئلاّ يُدفَع عليٌّ عليه السلام عن مقامه، ولئلاّ يُظلمَ ويُقتلَ في محراب عبادته ؟!

Copyright © 1998 - 2019 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.