الواجهة » الإمام الرضا » كتبه » الرسالة الذهبيّة المعروفة بـ « طبّ الإمام الرضا عليه السلام »
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الرسالة الذهبيّة المعروفة بـ « طبّ الإمام الرضا عليه السلام »

مقدّمة: بقلم المحقّق الشيخ محمّد مهدي نجف
محتوى الرسالة
أراد المأمون معرفة أصول حفظ صحة المِزاج، وتدبيره بالأغذية والأشربة والأدوية مستقاةً من منبعها العَذْب، فطَلَب من الإمام الرضا عليه السلام بيان ذلك، وكرّر الطلب، فكتب إليه هذه الرسالة، فلمّا وصلت إلى المأمون أمر بأن تُكتب بماء الذهب.
ولعل أهمّ ما يطوف في ذهن القارئ حول أهميّة هذه الرسالة وما تَعنيه دِلالتها التاريخية أنها تمثّل مرحلةً تاريخية تتعلّق بفنّ الطبّ وتطوّره في العصر الإسلاميّ الأول، فهي تكشف للمعنيّين بالطب وتاريخ تطوّره عبر العصور عن شيءٍ من غزارة علمه عليه السلام، وسعة اطّلاعه.
ومن خلال هذا المنطلق أمكنني تقديم دراسة مسهبة للرسالة الذهبية، مقسّماً إيّاها إلى عدّة فصول.
جاءت هذه الرسالة بمجموعةٍ من النصائح والإرشادات الطبيّة العامة القيمة، التي كانت قطرة من بحار علمه عليه السلام مضافاً إليها ما رواه عن آبائه عليهم السلام، من أقاويل القدماء أيضاً. كما أشار إلى ذلك بقوله عليه السلام في مستهل رسالته: « عندي من ذلك ما جرّبتُه، عرفت صحته بالاختبار ومرور الأيام، مع ما وقَفَني عليه مَن مضى مِن السلف ممّا لا يسع الإنسانَ جهلُه، ولا يُعذَر في تركه ».
ففي الفصل الأول: نرى الإمام عليه السلام قد سبق علماء الطبّ في العصر الإسلامي في العديد من الآراء والاكتشافات التي أصبحت الأساس الرئيس في التجارب الطبّية، بل يمكن القول بأنها النواة الأولى لآراء الأطباء فيما بعد.. فكان عليه السلام أوّلَ مَن شبّه جسم الإنسان بالمملكة الصغيرة المتكاملة، فقال: « إن هذه الأجسام أُسِّست على مثال المَلِك. فمَلكُ الجسد هو ما في القلب، والعمّال العروق في الأوصال والدِّماغ، وبيت المَلك قلبه، وأرضه الجسد، والأعوان: يداه ورجلاه وعيناه وشفتاه ولسانه وأذُناه. وخزائنه: مَعِدته وبطنه وحجابه وصدره ».
في هذا الوصف الرائع التشبيه بالمَلك والمملكة، الأهمّ هو دلالة هذا التشبيه على معرفته عليه السلام بتشريح أعضاء الجسم الرئيسة، وفسلجة كلّ عضو منها.
فاستهل عليه السلام بتشبيه القلب وما فيه بمثابة المَلِك في رعيته، فكما أنّ الملك هو الشخص الأول والحاكم الرئيس في تسيير أمور المملكة، كذلك جعل القلب وما فيه الأساسَ في بقاء الحياة الإنسانية، فمتى توقّف القلب عن العمل توقّفت الحياة في سائر الجسد.
ومثّل عليه السلام المجموعة المتكاملة من الشرايين والأوردة والشُّعَيرات الدموية، والتي أسماها بالعروق، ومن جميع الأوصال وما يصير سبباً لوصل مفاصل البدن، وبها تتم الحركات الإرادية واللإرادية المختلفة، ومن الدماغ الذي يُعتبر المركزَ الأوّل للإحساس في الجسم، مثل عليه السلام مثل هذا وذاك بالعمّال لإدارة شؤون هذه المملكة، وهم الجنود الأمناء الأوفياء لها، فهم يحافظون على المملكة بجميع أجزائها من المؤثّرات الخارجية.
كما شبّه الجسدَ بكامل أعضائه وأجزائه بأرض هذه المملكة. ثم أوضح عليه السلام بتمثيله الرائع فسلجة كل عضو من أعضاء الجسم، وما يقوم به من الوظائف المهمة، فأشار إلى اليدين ووصَفَهما بأعوان المَلك: « يقرّبان ما يريد، ويبعّدان ما يرفض. وإن الرجلين ينقلانهِ من مكان لآخر حسب رغبته، وطوع إرادته ». كما وصف العينين بالسِّراج، حيث لا يمكن النظر بدون سراج، فبهما ينظر القريب والبعيد. أمّا الأُذُنان فهما المصدر المهم لاستقبال المعلومات من الخارج، كما أنّ اللسان بمعونة الشفتَين والأسنان، هو الأداة المعبِّرة عن إرادة المَلك.
ثم استطرق عليه السلام في تشبيه جوف الإنسان وما يحويه من صدر ومعدة وأمعاء وتوابعهما بالخزانة، فمنها يتزود بالغذاء والمواد الحيوية الأخرى، فما أعظم هذه المملكة الصغيرة المحتوى، العظيمة التكوين!! فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
وفي نهاية هذا الفصل أوضح عليه السلام تأثير الفرح والحزن وغيرهما من العوارض الخارجية على الوجه، وبيان مركز كلٍّ منهما.
وفي الفصل الثاني جاءت إرشاداته عليه السلام في كيفية تناول الغذاء والشراب من حيث الكيف والكم، كل ذلك حفاظاً على صحة البدن، فأبدى نصحه في تناول الغذاء: كلٌّ حسب طاقته وقدرته ومزاجه، مع مراعاة الزمان والمكان، لغرض استمراء الغذاء بصورة صحيحة، والاستفادة منه على النحو الأفضل؛ لأنّ الإخلال بالمأكل والمشرب سواءً كان بزيادة أم نقصان يكون السببَ في العديد من الأمراض، كما في الحديث الشريف: « المَعدةُ بيتُ الداء، والحِمْيةُ رأسُ الدواء ».
أمّا في الفصل الثالث فقد أشار عليه السلام بصنع نوعٍ خاص من الشراب، كثير الفوائد، سهل الهضم، لاستعماله بعد الأكل لكلِّ مَن أراد الحفاظ على صحته.
وقد احتوى هذا الشراب على القيمة الغذائية العالية، لما فيه من العناصر المهمّة: من سُكّريّات ونشَويّات ومُغذِّيات، وغيرها من المواد الرئيسة المولِّدة للطّاقة، مع مراعاة الشروط الصحيحة والأساسية في تحضيره.
ويمكن القول بأنّ إمامنا الرضا عليه السلام قد سبق العلماء في تعريف الماء العَذْب، فعرّفه بأجمل تعريف، وأوجز وصف بقوله: « ماءً أبيضاً برّاقاً خفيفاً، وهو القابل لما يتعرّضه على سرعةٍ من السخونة والبرودة، وتلك الدلالة على صفاء الماء ».
كما سبقهم أيضاً في تعريف أضرار الغليان على العديد من العناصر الغذائية، كإتلاف بعض الفيتامينات، وطيران بعض العناصر السريعة البتخّر من الغذاء والشراب.
وجاء تأكيد الإمام عليه السلام في الفصل الرابع على عدم الإفراط في استعمال الشراب بعد الطعام، مبيِّناً ما يترتّب عليه من أضرار على المعدة، وبالتالي على سائر الجسد.
ولم يكتفِ عليه السلام بذلك، بل أكّد على تأثير الإفراط في تناول بعض المواد الغذائية وأضرارها أيضاً، فقال: « وكثرة أكل البيض وإدمانه يُورث الطِّحال ورياحاً في رأس المعدة، والامتلاءُ من البيض المسلوق يُورث الرَّبْو والابتهار، وأكلُ اللحم النِّيءِ يُورث الدود في البطن، وأكل التين يُقمل الجسد إذا أدمن عليه ». ثمّ قال: والإكثارُ من أكل لحوم الوحش والبقر يورث تيبّسَ العقل، وتحيير الفهم، وتلبّد الذهن، وكثرة النسيان ».
وقد استهلّ الإمام عليه السلام الفصل الخامس في بيان الوقاية من الأمراض التي قد تحدث من تغيير الهواء المفاجئ ـ كما يحدث ذلك في الحمّام ـ فقال عليه السلام: « وإذا أردتَ دخول الحمّام، وأن لا تجدَ في رأسك ما يُؤذيك، فابدأْ عند دخول الحمام بخمس حَسَواتِ ماءٍ حارّ، فإنّك تَسْلم بإذن تعالى من وجع الرأس والشَّقيقة ».
وجاء تقسيمه لبيوت الحمّام بأوجز تقسيم، ووصَفَه بأحسن وصف، بقوله: « البيت الأول بارد يابس، والثاني بارد رطب، والثالث حارّ رطب، والرابع حارّ يابس ».
ثم أشار عليه السلام إلى منفعة الحمّام للجسد من الناحيتَين: التشريحية والفسلجية، فأبدى نصحه في استعمال الأدهان والعقاقير قبلَ وبعدَ دخول الحمّام لترطيب وتلطيف الجسد والأعضاء، لأنّ للجلد أهميةً عظمى في التخلّص من عددٍ لا يُستهان به من المواد السامّة، فتنقية الجلد وفتح مسامّه وتلطيفه من الأمور المهمّة للإنسان.
وقد جاءت تعليماته ونصائحه الطبية القيّمة العامة في الفصل السادس حفاظاً على صحة وسلامة الأجهزة الداخلية بصورة عامة، فنصح بعدم حبس البول والمنيّ، وعدم إطالة المكث على النساء وقايةً للجهاز التناسلي ممّا قد يعرض عليه بسبب ذلك من أخطار. ثم كرّر النصح بالعناية التامة بالفم وملحقاته، لأهمية موقعه الحسّاس.
كما نصح بعدم استعمال الماء بين الطعام، لتأثيره ضعف المعدة بقوله: « ومن أن لا تُؤذيَه معدته فلا يشرب بين طعامه ماءً حتى يفرغ، ومن فعل ذلك رَطِب بدنُه، وضَعُفت معدته، ولم تأخذ العروق قوّةَ الطعام، فإنّه يصير في المعدة فَجْأ إذا صَبَّ الماء على الطعام ».
وأوضح كيفية الاستلقاء عند النوم رعايةً للجهاز الهضمي.. كما اهتمّ عليه السلام أيضاً بالجهاز العصبي، لأهمية ذلك، فأبدى النصح لمن أراد الزيادة في قوة الحافظة بأن يأكل الزبيب وغير ذلك.
ثم جاءت إرشاداته عليه السلام في الفصل السابع من هذه الرسالة الذهبية للمسافر خاصة، فأوصى بالاحتراز من بعض الأمور التي تَضطرّه طبيعة السفر إليها، كاختلاف المأكل والمشرب وغير ذلك.
فنصح بالاحتراز من السير في الحرّ الشديد وهو ممتلئ الجوف، مؤكّداً أضراره على الجسم. كما نصح بمزج ماء كل بلد يسافر إليه بماء او طين بلده الذي وُلد فيه، موضِّحاً فوائد ذلك. ثمّ كرّر نصائحه باستعمال المياه العذبة، وفرّق بين المياه العسرة والثقيلة في الاستعمال.
ثمّ اختصّ الفصل الثامن بقوى النفس، وأنها تابعة لمزاجات الأبدان، ومزاجات الأبدان تابعة لتصرف الهواء، فإذا برد مرّة وسخن أخرى تغيّرت بسببه الأبدان.
فالإمام عليه السلام قسّم جسم الإنسان إلى طبائع أربع: « الدم، والمُرّة الصفراء، والمرّة السوداء ». ثم خصّ الأعضاء الرئيسة بالجسد، كلّ عضو بواحد من هذه الطبائع الأربع، فقال عليه السلام: « إنّ الرأس والأُذنَين والعينين والمنخرين والأنف والفم من الدم » مشيراً إلى أنّ الرأس هو محلّ الإحساس والادراك، وأنّه مركز العروق والشرايين المؤدّية إلى أجهزة الجسم، لغزارة الدم في دورتها، فقد وصفها بأنّها مركز العروق والشرايين المؤدّية إلى أجهزة الجسم، لغزارة الدم في دورتها فقد وصفها بأنّها من الدم. كما خصّ البلغم والريح بالصدر، لاجتماع البلاغم فيه من الدِّماغ وسائر الأعضاء، ويكثر الريح فيه بالاستنشاق المستمرّ. وخصّ الشراسيف ـ وهو الجهاز الهضمي وتوابعه ـ بالمُرّة الصفراء لقربها من الصفراء، أو لأنّها داخلة في تكوينه.
وأخيراً خصّ أسفل البطن بالمرّة السوداء إشارةً إلى سواد الطِّحال. وهو يشمل أيضاً الكلى والمجاري البولية والتناسلية، وغيرها.
واهتم عليه السلام في الفصل التاسع براحة الإنسان وفق قوله تعالى: « قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُون » ( القصص:72 )، ليأخذ المخلوق فيه قسطاً من الراحة في جوٍّ هادئ، وليعوّض قواه المفقودة في عمله.
فجاءت نصائحه في كيفية النوم، حين يستلقي الإنسان على فراشه، وبه يكون سكون الحواس الظاهرة، وبه يستكمل هضم الطعام، والأفعال الطبيعية للبدن.
وكرّر عليه السلام في الفصل العاشر اهتمامه بصحّة الأسنان، وأوضح بعض التعليمات الضرورية في الحفاظ عليها من المؤثّرات الخارجية، والنصح بعنايتها والاهتمام برعايتها، فأوصى باستعمال بعض المواد النافعة للأسنان والمجلية لها.
وقد قسّم إمامنا عليه السلام في الفصل الحادي عشر أحوال الإنسان وقواه الجسميّة حسب الفترات الزمنية أربعة أقسام: الأولى فترة الصِّبا، وتكون في الأعوام الخمسة عشر الأُوَل، تليها فترة الشباب حتّى يبلغ سنَّ الخامسة والثلاثين، فيكون بعدها سنّ الشيخوخة حتّى يُتمّ الستين من العمر، تليها فترة الهرم والذبول ويكون الجسم فيها في إدبار وانعكاس ما عاش.
ثم أوضح فوائد الحِجامة، وأوقاتها، وشروطها الصحية، وذلك في الفصل الثاني عشر، مشيراً إلى مواضع الفَصْد، والحجامة في البدن، ومبيّناً العوامل المساعدة في تخفيف آلامها، وطرق عملها، كما أكّد في ختام بيانه في هذا الفصل على بعض الأضرار والأعراض التي قد تحدث من استعمال بعض المضادات أثناء الحجامة أو الفصد، وكيفية الوقاية منها.
وقد أشار إمامنا عليه السلام في الفصل الثالث عشر إلى عدم توافق تراكيب بعض المواد كيمياويّاً، مما يعرّض البدن لاجتماعها في بعض الأحيان إلى مخاطر وأضرار قد تؤدّي نتائجها إلى الهلاك.. فقد أشار في بعض فقرات هذا الفصل إلى أسباب بعض الأمراض التي قد يكون أحد أسبابها التضادّ في اختلاطات الأمعاء وتعفّناتها.
واختتم عليه السلام هذه الرسالة الذهبية بآداب الجماع، مشيراً إلى الشروط الصحية الواجب اتّباعها، والتي قد يؤدّي إهمالها إلى أمراض أو علل غير سهلة، موضِّحاً أهميّة التوافق والانسجام بين الجنسين، وضرورة الملاطفة قبل الجُماع، مشيراً إلى أحد المراكز الحسّاسة والمؤثّرة في إثارة الغريزة الجنسية عند المرأة، لكي يُحرِز كلٌ منهما نصيبه من هذه العملية المهمّة والحسّاسة. كما حذّر من مجامعة النساء في فترة الحَيض، كما في قوله تعالى: «وَيَسألُونَكَ عَن الْمَحِيض قُلْ هُوَ أذىً فَاعْتَزلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ». ( البقرة: 222 ).
وكانت لمساته الأخيرة في إبداء نصحه بالالتزام بهذه الإرشادات والتعليمات والتحذير من إهمالها.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.