الواجهة » الإسلام » شذرات » شذرات نورانيّة (110)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شذرات نورانيّة (110)

«الشكر»
هو أدب العبد مع المعبود، والمخلوق مع الخالق، والمرزوق مع الرازق.. يعيش في فطرة الإنسان ويكون تلبيةً للواجب الذي ذكّر به الله تبارك وتعالى عباده إذ طالما يغفلون، فقال لهم: «وآشكُروا لي ولا تكفرُونِ» [سورة البقرة:152]. وبالشكر يستريح الضمير ببقاء النعمة ومزيدها، قال أميرالمؤمنين عليه السلام في تعريف الشكر:
ـ «الشكرُ زينة الغِنى» (بحار الأنوار 422:77 / ح 40 ـ عن: الإرشاد للشيخ المفيد).
ـ «الشكر عصمةٌ من الفتنة» (بحار الأنوار 53:78 / ح 86).
ـ «شكر النعمة أمانٌ من نزول النقمة» (غرر الحكم:195).
ـ «شكر النعمة أمانٌ من تحويلها، وكفيلٌ بتأييدها» (عيون الحكم 219:6).
وقبل ذلك يكون الشكر أداءً لواجب، ذلك ما يلحّ على الوجدان، ويصدر من الفطرة، ويؤكّد الحريّة الإنسانيّة في العبادة، فقد رُويت هذه الكلمات عن الإمام عليّ عليه السلام، قوله:
ـ «إنّ قوماً عبدوا اللهَ شكراً، فتلك عبادة الأحرار» (بحار الأنوار 69:78 / ح 18 ـ عن: المناقب لابن الجوزي).
ـ «لو لم يتواعد الله عبادَه على معصيته، لكان الواجب ألاّ يُعصى؛ شكراً لنِعَمِه» (المصدر السابق ـ وقد أخذ هذا المعنى شاعر فقال:
هَبِ البعثَ لم تأتِنا رُسْلُهُ
وجامحةَ النارِ لم تُضرَمِ
أليس مِن الواجبِ المستحقّ
حياءُ العبادِ مِن المنعمِ ؟
ـ «أقلُّ ما يُلزِمُكم لله ألاّ تستعينوا بنِعمِه على معاصيه» (نهج البلاغة: الحكمة:33).
ـ «أوّلُ ما يجب عليكم لله سبحانه، شكرُ أياديه، وابتغاء مراضيه» (غرر الحكم:98).
ثمّ ماذا نفهم من قوله عزّوجلّ:
ـ «ومَن شَكَرَ فإنّما يَشكُرُ لِنفسِه» [سورة النمل: 40].
ـ «ومَن يَشكُرْ فإنّما يَشكرُ لِنفسِه» [سورة لقمان:12] ؟
لعلّ كلمة أميرالمؤمنين عليه السلام ترتبط بهذا المعنى، حيث يقول: «إنّ مَكرُمةً صنَعْتَها إلى أحدٍ من الناس، إنّما أكرمتَ بها نفسَك، وزَيَّنتَ بها عِرضَك، فلا تطلبْ مِن غيرك شكرَ ما صنعتَ إلى نفسك» (عيون الحكم 85:6).
وكذلك الشاكر ربَّه جلّ وعلا، إنّما يستديم النعمَ ويستزيدها بشكره، فيعود شكره عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.. ومِن لطف الله تعالى أن دعا عباده إلى شكره، ليعود عليهم بالخيرات والبركات والسعادات، فقال جلّ وعلا مخاطباً نبيَّه موسى عليه السلام: «يا موسى إنّي آصطفَيتُك على الناس برسالاتي وبكلامي، فَخُذْ ما آتَيتُك وكنْ مِن الشاكرين» [سورة الأعراف:144]. وقال سبحانه مخاطباً حبيبَه المصطفى صلّى الله عليه وآله: «بَلِ اللهَ فآعُبدْ وكنْ مِن الشاكرين» [سورة الزمر:66]. ومَدَح خليلَه إبراهيم عليه السلام، فقال في وصفه: «إنّ إبراهيمَ كان أُمّةً قانتاً للهِ حنيفاً ولم يَكُ من المشركين * شاكراً لأَنْعُمِه..» [سورة النحل:120 ـ 121].
وذلك في خير العبد وصلاحه، في دنياه وأُخراه، حيث رُويَ عن الإمام الهادي عليه السلام قوله: «الشاكرُ أسعدُ بالشكر منه بالنعمةِ التي أوجَبَتِ الشكر؛ لأنّ النِّعم متاع، والشكرَ نِعَمٌ وعُقبى» (بحار الأنوار 365:78 / ح 1 ـ عن: تحف العقول).
ولكن.. أين الناس من هذه المعاني السامية والفضائل العالية! وهذا كتاب الله يذكر عاتباً:
ـ «إنَّ اللهَ لَذُو فضلٍ على الناسِ ولكنَّ أكثرَهم لا يَشكُرون» [سورة يونس:60].
ـ «إنّ اللهَ لَذُو فضلٍ علَى الناسِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَشكُرون»[سورة غافر:61].
وتلك أُمنيّة أوّل العصاة في الخلق، ذلك إبليس وقد توعّد مخاطباً اللهَ جلّ وعلا:
ـ «قالَ فَبِما أَغْوَيتَني لأَقْعُدَنّ لهم صِراطَك المستقيم * ثمّ لآتِيَنَّهم مِن بينِ أيدِيهِم ومِن خَلفِهِم وعن أيمانِهم وعن شَمائِلِهم، ولا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين» [سورة الأعراف:16 ـ 17].
فإذا ذهب الكثير فقد بقيَ القليل، حيث قال تعالى: «وجَعَلْنا لكُم فيها مَعايشَ قليلاً ما تشكُرون» [الأعراف:10].. وقد رُوي في (مصباح الشريعة) عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: « لو كان عند الله عبادةٌ يتعبّد بها عبادُه المخلصون أفضلَ مِن الشكرِ على كلّ حال، لأطلق لفظه فيهم من جميع الخَلق بها، فلمّا لم يكن أفضل منها خَصَّها من بين العبادات، وخَصَّ أربابها، فقال: «وقليلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُور»» (بحار الأنوار 52:71 / ح 77. والآية في سورة سبأ:13].
هذا مع أنّ المزيد في الرزق والنعمة والخير مُتأتٍّ عن الشكر، وعلى ذلك وعَدَ اللهُ عزّوجلّ، فقال: «ومَن أصدَقُ مِن اللهِ قِيلاً»، «لَئِنْ شَكرَتُم لأزِيدَنَّكم» [سورة إبراهيم:7].. وفي ظلّ هذا روايات شريفة:
ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «ما فَتَح اللهُ على عبدٍ بابَ شكرٍ فخَزَن عنه بابَ الزيادة» (بحار الأنوار 23:71 / ح 2 ـ عن: الكافي 94:2).
ـ وقال الإمام عليّ عليه السلام: «ما أنعَمَ اللهُ على عبدٍ نعمةً فشكرها بقلبه، إلاّ استوجب المزيد فيها قبل أن يظهَر شكرها على لسانه» (بحار الأنوار 53:71 / ح 83 ـ عن: أمالي الطوسي 192:2).
وقد سُئل الإمام الصادق عليها السلام: أرأيتَ هذه النعمةَ الظاهرة علينا من الله، أليس إن شكرناه عليها وحَمِدناه زادَنا، كما قال الله في كتابه: «لَئن شكرتُم لأزيدنَّكُم» ؟ فأجاب عليه السلام قائلاً: «نعم، مَن حَمِد اللهَ على نِعمهِ وشكَرَه، وعَلِم أنّ ذلك منه لا مِن غيرِه» (بحار الأنوار 53:71 / ح 81 ـ عن: تفسير العيّاشي في ظلّ الآية الشريفة).
وفي المقابل قال عليه السلام: «إنّ الله عزّوجلّ أنعَمَ على قومٍ بالمواهب فلم يشكروا، فصارت عليهم وَبالاً، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة» (بحار الأنوار 41:71 / ح 31 ـ عن: أمالي الصدوق:249 / ح 4 ـ المجلس 50).
ـ وعن الإمام الجواد عليه السلام قال: «نعمةٌ لا تُشكرَ كسيّئةٍ لا تُغفَر!» (بحار الأنوار 364:78 / ح 4 ـ عن: الدرّة الباهرة من الأصداف والطاهرة للشهيد الأوّل:40).
هذا في الوقت الذي لو شكر العبد مهما شكر لم يُؤدِّ حقَّ الشكر، إلاّ بالإذعان أنّه لم يُؤدِّ حقَّ الشكر. جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه: «أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى اشكُرْني حقَّ شكري، فقال: يا ربّ، كيف أشكرك حقَّ شكرك، وليس مِن شكرٍ أشكرُ به إلاّ وأنت أنعمتَ به علَيّ ؟! فقال: يا موسى شكرتَني حقَّ شكري حين عَلِمتَ أنّ ذلك منّي» (بحار الأنوار 351:13 / ح 41 ـ عن: قصص الأنبياء).
وعنه عليه السلام قال: «تمام الشكر اعتراف لسان السرّ خاضعاً لله تعالى بالعجز عن بلوغ أدنى شكره؛ لأنّ التوفيق للشكر نعمةٌ حادثةٌ يجب الشكرُ عليها..» (بحار الأنوار 52:71 / ح 77 ـ عن: مصباح الشريعة)، وما أجملَ ما جاء في مناجاة الشاكرين على لسان زين العابدين وسيّد الساجدين، عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث قال يخاطب الله جَلّ وعلا: «إلهي أذهَلَني عن إقامةِ شُكرِك تَتابُعُ طَولِك، وأعجَزَني عن إحصاءِ ثَنائِك فَيضُ فضلِك، وشَغَلَني عن ذِكرِ محامدِك تَرادُفُ عوائدِك، وأعياني عن نشر عَوارفِك تَوالي أيادِيك... إلهي تصاغَرَ عند تعاظُمِ آلائِك شُكري، وتَضاءَلَ في جَنْبِ إكَرامِك إيّايَ ثنائي ونشري، جَلَّلَتنْي نِعمُك مِن أنوار الإيمانِ حُلَلاً، وضَرَبَت عَلَيَّ لطائفُ بِرِّك مِن العِزِّ كِلَلاً، وقَلّدَتْني مِننُك قلائدَ لا تُحَل، وطوّقَتْني أطواقًا لا تُفَلّ، فآلاؤُكَ جَمّةٌ ضَعُف لساني عن إحصائها، ونَعماؤُك كثيرةٌُ قَصُرَ فهمي عن إدراكها، فضلاً عنِ استقصائِها، فكيف لي بتحصيلِ الشكر، وشُكري إيّاك يفتقرُ إلى شُكر، فكلّما قلتُ: لك الحمد، وَجَبَ عَلَيَّ لذلك أن أقولَ: لك الحمد..» (بحار الأنوار 146:94 ـ المناجاة السادسة / مناجاة الشاكرين).

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.