الواجهة » الإسلام » تربويات » طرائف.. وظرائف » طرائف.. وظرائف (44)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


طرائف.. وظرائف (44)

الغرائب، وكذا العجائب، كثيرة قد تستهوي الناس، ولكنّ بعضهم يرى فيها موعظة وإن كانت طرافتها وظرافتها أحياناً تُنسي السامعَ أو القارئ أن يستفيد عِبرتَها، وأن يتجنّب خطأَها وخطلها مع أن تكون مؤنسة تُدخل على النفس راحةً وفرحاً للطافتها.
ومن الحكايات الغريبة: ما حدث في الموصل سنة 1646 م حين أصاب الناسَ مرض الخناق فمات منه كثيرون، فزعمت امرأة أنّها رأت في منامها امرأةً من الجنّ تُكنّى (أمّ عنقود) قالت لها: إنّ ابني عنقوداً مات في البئر الفلانية في المكان الفلاني ولم يُعَزِّني فيه أحدٌ منكم، فلهذا أخنقكم!
فلمّا شاع خبر هذه الرؤيا قصد الناس البئر وأقاموا هنالك العزاء على عنقود ينادون أمَّه:
يا أُمَّ عُنقودٍ ألا آعذُرينا
قد مات عنقودٌ وما دَرينا
لمّا درينا كلُّنا قد جِينا
لا تغضبي منّا فتَخنقينا
وألقى الناس في تلك البئر الكثير من الثياب والحُليّ والأموال والحلوى، وأشعلوا عندها الشموع، حتّى استنكر العقلاء ذلك، وعمدوا إلى البئر فسدّوها.
إنّ الجنّ حقيقة وردت في ثقافة الأديان، وسورة الجنّ في القرآن الكريم يقرؤها المسلمون ويؤمنون بتفاصيلها، ولكن ليس كلّ ما ينسبه الناس إلى الجنّ له واقع وأثر. ثمّ على الإنسان ـ وهو متوكّل على الله تعالى، ومتوسّل إليه بمحمّدٍ وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ أن يسعى في أخذ العلاج لكلّ مرض وهو معتقد أنّ هذا ابتلاء يُراد
له جِدّ وعمل وصبر ودعاء، وفي كتبنا من الأدعية والتعويذات ما تشمل كلَّ حالةٍ وخطر وداء.
وأخطر من الأمراض البدنية الأمراضُ الروحيّة والنفسيّة والأخلاقيّة، ومنها الحسد الذي يأكل القلب، ويُردي حالة المرء، ويُدنيه من الكفر لأنّه اعتراض على قِسَم الله في عباده حيث يمتحنهم بالغنى والفقر، والصحّة والمرض، والقوّة والضعف، وهو جلّ وعلا يَسأل ولا يُسأل، وهو الحكيم والعليم والرحيم.
والحسد داءٌ خطير، يُمرض في الدنيا ويُركس في الآخرة، قيل لرجلٍ طاعنٍ في السنّ قد تجاوز المئة من عمره: بِمَ طال عمرُك ؟ قال: بترك الحسد. فتركُه عافية في الدنيا وسلامة في الآخرة، هذا يُقال للحسود، أمّا ما يُقال للمحسود فقد أدلى به أبو تمام الطائي بهذين البيتين:
إصبرْ على مَضضِ الحسود
فإنّ صبرَك قاتلُهْ
كالنارِ تأكلُ بعضَها
إن لم تَجِد ما تأكلُهْ
وإنما المحبوب الغِبطة، أن يفرح المؤمن بما يصل مِن خيرٍ لإخوانه، ويرجوَ اللهَ تعالى أن يرزقَه مِثلَ ما رزقهم، وهو القادر المقتدر وبيده خزائن السماوات والأرض، والقائل في مُحكم تنزيله المجيد: «إنّ اللهَ هو الرزّاقُ ذُو القُوّةِ المَتين» [ سورة الذاريات: 58 ].
كان الكتّاب والأدباء يُلزمون أنفسهم بما لا يَلزَم، ويتكلّفون السجع والمحسِّنات البديعيّة الأخرى يتكلّفونها تكلّفاً، ويحمّلونها في كلامهم وعلى أقلامهم تحميلاً، حتّى طغى الاهتمام باللفظ على الاهتمام بالمعنى، وإن كان الشاعر أبوالعلاء المعرّي متمكّناً حتّى استطاع أن يأتيَ بالمعاني البليغة في قوافٍ التزمت أكثر من حرفٍ واحد، بل بلغت أحياناً ثلاثة حروف، سُمّيت قصائده تلك بـ « اللُّزوميات ».
لكنّ الكثير ممّن انجذب إلى اللفظة والعبارة والسجع ضيّع شيئاً ممّا هو أهم، حتّى حُكي أنّ أحد الوزراء عزل قاضيه في ( قمّ ) لا لذنبٍ ارتكبه، ولا لغاية في نفس الوزير أرادها، وإنّما أعجبته نغمة هذا البيت:
أيُّها القاضي بـ « قُمّْ »
قد عَزَلناك فَقُمْ!
فترك القاضي عمله، وذهب ضحيّة هذا البيت.
وقيل: إنّ وزيراً كتب إلى عامله: إلزمْ ـ وفّقك اللهُ ـ المنهاج، واحذْر عواقب الاعوجاج، واحملْ إلينا ما أمكنك مِن الدَّجاج! ولم يكن الوزير محتاجاً إلى الدجاج، ولكنّ السجع أعجبه ورأى فيه طُرفةً لو كتب العبارة الأخيرة، فكتبها، فبعث عامله المسكين إليه عدداً كبيراً من الدجاج تلبيةً إلى دعوة الوزير ( ما أمكنك! )، وكان شاكّاً في الأمر، فكتب إلى وزيره: هذا دجاج وفّرْتُه لبركة السجع!
إن صحّت الحكاية وتوثّق الخبر، فإنّ الذي جرى عبَثٌ بأموال المسلمين واستخفاف بأمورهم وشؤونهم، وكأنّ الناس عبيدٌ لهم، وكأنّ الأموال من ممتلكاتهم، يعبثون بها، وغداً يُسألون عنها!
والبخل داء يُردي صاحبه، فهو: أوّلاً ـ حرمانٌ من رزق الدنيا، وثانياً ـ حرمانٌ من ثواب الآخرة، وثالثاً ـ جالب لمقت الناس ومقت الله تبارك وتعالى، ورابعاً ـ مُوهِنٌ لشخصية البخيل، إذ هو جبنٌ نفسي عن الإنفاق، فضلاً عن سوء ظنٍّ بالله تبارك وتعالى.
ـ قال أميرالمؤمنين عليٌّ عليه السلام: « البُخلُ بالموجود سوءُ ظنٍّ بالمعبود » ( غرر الحِكم للآمدي:27، عيون الحِكم للواسطي 260:5 ).
ـ وقال سلام الله عليه: « البخيلُ شُجاع الوجه » ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 290:20 / الحكمة 26 ).
وقد جعل بعض الشعراء البخيلَ موضعَ سخريتهم، فقال الشاعر المعروف ابن الروميّ في رجلٍ بخيل اسمه ( عيسى ):
يُقتِّر عيسى على نفسِهِ
وليس بباقٍ ولا خالدِ
ولو يستطيع ـ لتقتيرِهِ ـ
تَنفَّسَ مِن مَنخِرٍ واحدِ!
وممّا استوقف النّحْويّين واللُّغويين قولُه تبارك وتعالى على لسان بني إسرائيل في موسى وهارون عليهما السلام: « إنْ هذانِ لَساحِرانِ » [ سورة طه: 63 ]. فـ (إنْ) مخفّفة (إنّ) وهي تنصب اسمها، فيُظَنّ أن يُقال: إنّ هذَينِ لَساحران. لكن قيل في تعليل ذلك: (إنّ) هنا بمعنى: نَعَم، لدخول اللام في الخبر ( لَساحران )، فالمعنى يكون: نعم لَهذانِ ساحران. كذلك قيل: إنّ هاءً مضمرةً محذوفة، وتقدير الجملة هكذا: إنّه هذانِ لَساحران، وهو قول حسَنٌ لولا اللام في الخبر.
ولعلّ الرأي الأوّل أصحّ، فيكون التعبير القرآني بليغاً وجميلاً في الوقت ذاته.
(يراجع: مُشكل إعراب القرآن، تأليف: مكّي بن أبي طالب القيسي ـ ت 437 هـ ، ج 2 ص 70 )

Copyright © 1998 - 2018 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.