الواجهة » الإسلام » شذرات » شذرات نورانيّة.. (56)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شذرات نورانيّة.. (56)

الرضا
هذه الكلمة من أحبّ الكلمات وأطيبها إلى الله تبارك وتعالى، حتّى جعلها لقباً لأحد أوصياء حبيبه المصطفى وخلفائه، ذلكم عليُّ بن موسى الرضا، الإمام الرؤوف العطوف صلوات الله وسلامه عليه.
والرضا من أخصّ صفات المؤمنين ومن معالي درجات الإيمان، إذا تحلّى بها العبد، وكان راضياً عن الله تعالى وراضياً بقضائه، فتلك علامةُ خاصّةِ عباد الله عزّوجلّ، وهو القائل عزّ مِن قائل:
ـ « أُولئك كتَبَ في قُلوبِهِمُ الإيمانَ وأيّدَهُم بِرُوحٍ مِنه ويُدخِلُهم جَنّاتٍ تجري مِن تحتَِها الأنهارُ خالدِين فيها، رضيَ اللهُ عَنْهم ورَضُوا عنه، أولئك حزبُ الله، ألا إنّ حزبَ اللهِ همُ المفلحون » [ سورة المجادلة:22 ].
ـ « إنّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ أُولئك هُم خيرُ البَرِيّة * جَزاؤُهم عندَ ربِّهم جنّاتُ عَدْنٍ تَجري مِن تحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها أبداً رضيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنه، ذلك لمَن خَشِيَ ربَّه » [ سورة البيّنة: 8 ].
والرضا حالة عُرفت عند رسول الله وآله، صلوات الله وسلامه عليه وآله، رغم ما جرى عليهم من النوائب والمصائب والآلام والأذى.
ـ قال الإمام الصادق عليه السلام: « لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لشيءٍ قد مضى: لو كان غيره! » ( الكافي 63:2 ).
ـ وقال عليه السلام أيضاً: « إنّا قومٌ نسأل اللهَ ما نحبّ فيمن نحبّ فيعطينا، فإذا أَحَبَّ ما نكره فيمَن نحبّ رَضِينا » ( بحار الأنوار 133:82 / ح 16 ـ عن: دعوات الراوندي ).
وقد لا يتصوّر الكثير أنّ الرضا هو طاعة لله تعالى، بل هو من العبادات القلبيّة التي تقرّب العبدَ إلى ربّه تبارك وتعالى:
ـ قال الإمام الصادق عليه السلام: « رأس طاعة الله الصبرُ والرضا عن الله فيما أحبَّ العبد أو كَرِه، ولا يرضى عبدٌ عن الله فيما أحبّ أو كره إلاّ كان خيراً له » ( مشكاة الأنوار للطبرسي أبي الفضل علي بن الحسن 71:1 / ح 134 ).
وأمّا من جهة درجة الرضا، فيبيّن ذلك الإمام علي بن الحسين عليهما السلام في
ـ قوله: « الرضا بالمكروه أرفعُ درجاتِ المتّقين » ( بحار الأنوار 134:82 / ح 17 ـ عن: دعوات الراوندي ).
ـ وقوله عليه السلام: « أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا.. » ( الكافي 62:2 ).
ـ وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: « الرضا بمكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين » ( تحف العقول: 200 ).
ذلك لأنّ الرضا مرتبط بالإيمان، ومن خصائص الإيمان الرضا:
ـ يقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: « كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قِسَمَه ؟!.. » ( بحار الأنوار 351:43 / ح 25 ـ عن: الكافي ).
ـ وفي ظلّ قوله تعالى: « فَلا وربِّك لا يُؤمنون حتّى يُحكِّموك.. » [ سورة النساء:65 ]، قال الإمام الباقر عليه السلام في معنى ذلك: « التسليم والرضا، والقنوع بقضائه » ( مشكاة الأنوار 40:1 / ح 51 ].
ـ كذلك جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: « إعلموا أنّه لن يؤمن عبدٌ من عبيده حتّى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به، على ما أحَبّ وكَرِه، ولن يصنع الله بمَن صبر ورضيَ عن الله إلاّ ما هو أهلُه وهو خيرٌ له، ممّا أحبّ وكرِه » ( بحار الأنوار 217:78 / ح 93 ـ عن: الكافي ).
ـ وقد سبقت هذه الكلمة من أميرالمؤمنين عليه السلام، خيرَ علامةٍ وبيان، حيث قال: « أجدرُ الأشياء بِصِدق الإيمان: الرضا والتسليم » ( غرر الحكم:95 ).
وأمامنا ـ بعد هذا ـ ثلاث قضايا في الرضا، يحسن بنا التعرّف عليها:
الأولى: ما معنى الرضا ؟ سأل النبيُّ صلّى الله عليه وآله ـ وهو العارف ـ جبرئيلَ عليه السلام وهو الملقِّن من الله تعالى: « ما تفسير الرضا ؟ ».
فقال جبرئيل: الراضي لا يَسخط على سيّده، أصاب من الدنيا أم لم يُصب، ولا يرضى لنفسه باليسير من العمل. ( بحار الأنوار 20:77 / ح 4 ـ عن: معاني الأخبار:260 ).
والثانية: ما الذي يُورِث لنا الرضا ؟ يجيبنا على ذلك أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله:
ـ « الرضا ثمرةُ اليقين » ( غرر الحكم:19 ).
ـ « أصل الرضا حسنُ الثقة بالله » ( عيون الحكم 27:6 ).
ـ « كيف يرضى بالقضاء مَن لم يَصْدق يقينُه ؟! » ( عيون الحكم 304:6 ).
والثالثة: ما هي يا تُرى ثمرات الرضا ؟ هي كثيرة وعظيمة، تبيّنها هذه الروايات الشريفة الحكيمة:
ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « إذا أحبّ اللهُ عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضيَ اصطفاه » ( بحار الأنوار 142:82 / ح 26 ـ عن مسكّن الفؤاد للشهيد الثاني ).
ـ وقال صلّى الله عليه وآله: « أعطُوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب الله تعالى يومَ فقركم والإفلاس » ( مستدرك الوسائل 138:1 ).
ـ كذلك قال صلّى الله عليه وآله ناصحاً مرشداً: « إرضَ بِقِسَم الله تكن أغنى الناس » ( بحار الأنوار 368:69 / ح 4 ).
ـ و ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله: « مَن رضيَ بالعافية ممّن دونه رُزِق السلامة ممّن فوقه » ( بحار الأنوار 52:75 / ح 7 ـ عن: عيون أخبار الرضا عليه السلام 54:2 / ح 204 ـ من الباب 31 ).
وأخيراً، فإنّ الرضا عن الله تعالى في كلّ ما يقضي هو خيرٌ على كلّ حال للعبد، يَحفَظ به إيمانه، ويعلو به في يقينه، ويتثبّت معه بثقته بالله جلّ وعلا، ويكون منه ما يُرضي اللهَ تعالى عنه، ويعوّضه عنه كلَّ خيرٍ وسعادة.. ثمّ لو لم يكن المرء صابراً راضياً بقسمة الله وقضائه، ماذا عساه أن يفعل ؟! هكذا يتساءل الشاعر:
سأصبرُ حتّى يقضيَ اللهُ ما قضى
وإن أنَا لم أصبرْ فما أنَا صانعُ ؟!
فالصبر والتسليم والرضا خير ما يملكه العبد قبال القضاء الإلهيّ إذا نزل به فرأى فيه بلاءً ومصيبة، فبذلك وحده تكون له الراحة، فضلاً عن الثواب. جاء في غرر كلمات الإمام عليّ وحكمه عليه السلام قوله:01
ـ « مَن رضيَ مِن الله بما قسم له استراح بدنه » ( الخصال:632 / ح 10 باب الأربعمئة ).
ـ « إرضَ تَستَرِح » ( غرر الحكم:60 ).
ـ « الرضا ينفي الحزن » ( غرر الحكم: 31 ).
ـ « إنّ أهنأ الناس عيشاً مَن كان بما قسم اللهُ له راضياً » ( عيون الحكم 58:6 ).
ـ « نِعم الطاردُ للهَمّ الرضا بالقضاء » ( غرر الحكم:320 ).
ـ ورُوي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: « الرَّوحُ والراحة في الرضا واليقين، والهمُّ والحزن في الشكّ والسَّخط » ( مشكاة الأنوار 72:1 / ح 138 ).
هذا بعد السعي وإسقاط التكليف، والعمل بما يُريد الله تعالى ويرضاه، فإذا نزل القضاء فالتسليم لله، والرضا بقضاء الله، وحسن الظنّ بالله، والثقة بالله.. نِعمَ ما يكون من العبد إن صدَقَت عبوديّته.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.