الواجهة » الإسلام » شذرات » شذراتٌ نورانيّة (76)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شذراتٌ نورانيّة (76)

السبّ
في الغالب هو جُهد العاجز ولغة الفاسقين، حيث يتعدّى السابّ في الغالب على غير المذنب، فيطعن في أصله ونسبه، وهو ـ بلا شكّ ـ محرّمٌ بين المؤمنين ومستوجب للفسق. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « سِبابُ المؤمن فُسوق، وقتالُه كفر، وأكلُ لحمه من معصية الله » ( بحار الأنوار 148:75 / ح 6 ـ عن: ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للصدوق:160، والكافي 255:2 ). وعن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: « سِبابُ المؤمن فِسق، وقتالُه كفر، وحرمةُ ماله كحرمة دمه » ( تحف العقول: 212 ).
ويبلغ الأمر أنّ الله تعالى حرّم سبَّ المشركين، لأنّ دين الإسلام دين المنطق والدليل والبرهان، يتنزّه عن الشتم والسبّ والتهم الباطلة كما يفعل أعداؤه، ولهذا جاء قول الله عزّوجلّ في محكم تنزيله المجيد: « ولا تَسُبُّوا الَّذين يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بغيرِ عِلمٍ.. » [ سورة الأنعام:108 ].
قال السيّد الطباطبائي في ( الميزان ) في ظل هذه الآية الكريمة: الآية تذكر أدباً دينيّاً تُصان به كرامة مقدّسات المجتمع الديني، وتتوقّى ساحتها من أن تتلوّث بدرن الإهانة والإزراء بشنيع القول والسبّ والشتم والسُّخرية، فإنّ الإنسان مغروزٌ على الدفاع عن كرامة ما يقدّسه، والمقابلة في التعدّي على مَن يَحسَبه متعديّاً إلى نفسه، وربّما حَملَه الغضب على السبّ.. فلو سبّ المؤمنون آلهة المشركين حمَلَتهم عصبيّةُ الجاهلية على أن يعارضوا المؤمنين بسبِّ ما له عند المسلمين كرامة الأُلوهيّة، وهو الله عزّ اسمه، ففي سبّ آلهتهم نوعُ تسبيبٍ إلى ذكره تعالى بما لا يليق بساحة قدسه وكبريائه.
وقد سَمِع أميرالمؤمنين عليه السلام قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام، فقال: « إنّي أكره أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وَصَفتُم أعمالَهم، وذكرتم حالَهم، كان أصوَبَ في القول وأبلغَ في العُذر، وقلتُم مكانَ سبّكم إياهم: اللهمَّ أحقنْ دماءَنا ودماءَهم.. » ( شرح نهج البلاغة 21:11).
وقال عليه السلام لقنبر خادمه وقد رام أن يشتم شاتمه: « مهلاً يا قنبر! دَعْ شاتمَك مُهاناً تُرضي الرحمان، وتًُسخِط الشيطان، وتعاقب عدوَّك، فَوَالذي فَلَق الحبّة وبرأ النَّسَمة، ما أرضى المؤمنُ ربَّه بمِثل الحِلم، ولا أسخَطَ الشيطانَ بمِثل الصمت، ولا عُوقب الأحمقُ بمِثل السكوت عنه » ( بحار الأنوار 424:71 / ح 64 ـ عن: مجالس الشيخ المفيد:77 ).
وقد سبق عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله: « لا تَسبُّوا الناسَ فتكسبوا العداوة بينهم » ( بحار الأنوار 163:75 / ح 34 ـ عن: الكافي 360:2 ).
وهنالك سبّ رائج بين الناس وهو من الخطورة بمكان، لا ينتبه له العوام، وقد نُهيَ عنه:
ـ قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: « لا تَسُبّوا الدهر؛ فإنّ الله هو الدهر » ( تفسير نور الثقلين 4:5 / ح 12ـ عن: مجمع البيان للطبرسي ).
ـ ورُويَ عنه أنّه صلّى الله عليه وآله قال: « لا تسبّوا الدهر؛ فإنّ الله يقول: أنا الدهر، لي الليل أجدّه وأَبليه.. » ( كنز العمّال / خ 8141 ).
ـ وكذلك رُوي عنه قوله صلّى الله عليه وآله: « لا تسبّوا الشيطان وتَعوَّذوا بالله مِن شرّه » ( كنز العمّال / خ 2120 ).
فإنّه يُجيب سابَّه بالسبّ وشاتمه بالشتم، ولكنْ يُلعَن ويُتعوَّذ بالله تعالى مِن شرّه ووسوسته.
ـ كما جاء عنه صلّى الله عليه وآله هذا النهي كذلك في قوله: « لا تَسُبّوا الرياح فإنّها مأمورة، ولا تسبّوا الجبالَ ولا الساعاتِ ولا الأيّام ولا الليالي فتأثموا وتَرجِعَ عليكم » ( بحار الأنوار 9:60 / ح 8 ـ عن: علل الشرائع:577 / ح 1 ـ الباب 383 ).
والتسابّ حالة مشتركة بين اثنين، وقد تتعدّى إلى فئتين، يتبادل فيها الطرفان كلمات لا تخلو من البذاءة والتهمة وسيّئ القول والعبارات الفاحشة، حتّى يتساقطا:
ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « مِن أكبر الكبائر أن يسبَّ الرجل والدَيه »، قالوا: يا رسول الله، صلّى الله عليك، وكيف يسبّ الرجل والدَيه ؟! قال: « يَسبّ الرجلُ أباه، فيسبّ الآخَرُ أباه! » ( تنبيه الخواطر:111 ).
وقال عياض بن حمّاد: قلت: يا رسول الله، صلّى الله عليك، الرجل من قومي يسبّني وهو دوني، فهل علَيّ بأسٌ أن أنتصر منه ؟ فقال: « المتسابّانِ شيطانان، يتعاوَيانِ ويتهاتران » ( تنبيه الخواطر: 11 ).
وعن أميرالمؤمنين عليه السلام: « ما تَسابَّ اثنانِ إلاّ غَلَب ألأمُهما! » ( غرر الحكم:310، عيون الحكم 24:6 ).
ورأى الإمام الكاظم عليه السلام يوماً رجلَينِ يتسابّان، فقال: « البادي أظلَم، ووِزرُه ووزرُ صاحبه عليه ما لم يَتَعدَّ المظلوم » ( بحار الأنوار 324:78 / ح 20 ـ عن: تحف العقول )، وفي روايةٍ أخرى: « ما لم يعتذرْ إلى المظلوم » ( بحار الأنوار 163:75 / ح 35 ـ عن: الكافي 360:2 ).
وعنه سلام الله عليه قال: « ما تَسابَّ اثنانِ إلا آنحطَّ الأعلى إلى مرتبة الأسفل » ( بحار الأنوار 333:78 / ح 8 ـ عن: الدرّة الباهرة:35 ).
وأخيراً هنالك سبّ عظيمٌ ذنبُه، شديدةٌ عقوبته، ذلك هو سبّ الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم جميعاً، الذين جاؤوا للبشريّة بأسباب الهداية والسعادة، وأوصلوا شرائع الله تعالى إلى الأجيال، فَهُم أَولى أن يُشكَروا ويُقدَّروا ويكرَّموا ويُجَلُّوا ويُقدّسوا ويُوقّروا، ويكونوا للناس وسيلةً شافعةً إلى الله جلّ وعلا، لا أن يُسبُّوا كما يفعل الكفرة والمشركون والساقطون، فأولئك إنّما يسبّون الله عزّوجلّ، فَهُم بذلك يستحقّون إقصاءهم عن الحياة.
ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « مَن سبّ نبيّاً مِن الأنبياء فاقتلوه، ومَن سبّ وصيّاً فقد سبّ نبيّاً ». ( بحار الأنوار 221:79 ).
ـ وسُئل الإمام الصادق عليه السلام عمّن شتم رسول الله صلّى الله عليه وآله، فأجاب: « يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يُرفع إلى الإمام » (وسائل الشيعة 554:8 ).
وهنالك ضوابط وشرائط لهذه المسألة الحسّاسة والخطيرة، تُبحث في محلّها، ويُخرَج منها موضوع التقيّة، حيث أنبأ أميرالمؤمنين عليه السلام عن زمنٍ يُقتَل فيه مُحبّوه على ولائه، فقال: « ألا وإنّه سيأمرُكم ـ لعلّه يشير إلى معاوية ـ بسبّي والبراءةِ منّي، فأمّا السبُّ فَسُبُّوني ( أي باللسان تقيّةً )، فإنّه لي زكاة، ولكم نجاة.. » ( نهج البلاغة: الخطبة 57 ).

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.