الواجهة » الإسلام » النبي وأهل البيت » اهل البيت عليهم السلام » الإمام علي عليه السلام » عنايات حكيمة.. ودلالات عظيمة
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


عنايات حكيمة.. ودلالات عظيمة

حينما نقرأ حياة الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأئمّة الطيّبين، صلوات الله عليهم أجمعين، يتّضح لنا أنّ هنالك عنايةً إلهيّةً خاصّة ترعاهم في خَلقهم ونشأتهم وأرواحهم وقلوبهم، حينما نرى أعمارهم المباركة تحفّها الكرامات والفضائل، فيكونون للناس أمثالاً مَهيبةً يُنظَر إليها بعين الإجلال والإكبار، ويصبحون على الناس حُججاً فيما يأتون به من عند الله تبارك وتعالى، وفيما يصدر عنهم من السِّير الشريفة والسُّنن الكريمة، والدعاوى الصادقة.
والإمام عليّ عليه السلام، قد وقف المؤرّخون والرجاليون وأصحاب السير عند وقائع حياته، فوجدوها في غمرة الألطاف الإلهيّة.. مِن ولادةٍ في جوف بيت الله الحرام، إلى عيشٍ نورانيّ في كنف سيّد الأنبياء والمرسلين، إلى حَبَواتٍ ربّانيةٍ فريدة توالَتْ عليه ولم تنقطع، ما يشعر بها الإنسان المنصف أنّ هذا الإنسان المثالي هو وليّ خاصّ بين أولياء الله جلّ وعلا، وأنّ الله عزّوجلّ قد أضفى عليه هباتِه السامية ومواهبَه الفاخرة، حتّى أعدّه وصيّاً وخليفة لخاتَم رسُلهِ في أكمل أديانه وأتمّ نِعَمه وأرضى شرائعه، فأصبح صلوات الله عليه حيث لا يلحقه لاحق، ولا يَفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع.
وهذه ـ أيُّها الإخوة الأعزة ـ مصاديق ذلك، أقرّت بها كتب المسلمين عن ثقات رواتها ومَرْضيّي محدّثيها..
قال الحاكم النيسابوري الشافعي في (المستدرك على الصحيحين 483:3 ـ ضمن ترجمة حكيم بن حزام القرشي ـ: قد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أميرالمؤمنين عليَّ بن أبي طالبٍ كرّم الله وجهه في جوف الكعبة.
وروى الحافظ الگنجي الشافعي في (كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب:405 ـ 406، الباب 7) بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: سألتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله عن ميلاد عليّ بن أبي طالب، فقال: لقد سألتَني عن خير مولود.. إنّ الله تبارك وتعالى خلق عليّاً من نوري وخلقني من نوره، وكلانا من نورٍ واحد. ثمّ إنّ الله عزّوجلّ نقَلَنا مِن صُلب آدم عليه السلام في أصلابٍ طاهرة إلى أرحامٍ زكيّة، فما نُقِلتُ مِن صلبٍ إلاّ ونُقل عليّ معي، فلم نزل كذلك حتّى استودعني خيرَ رَحمٍ وهي آمنة، واستودع عليّاً خير رحمٍ وهي فاطمة بنت أسد.. فلمّا كانت الليلةُ التي وُلد فيها عليٌّ أشرقت الأرض، فخرج أبوطالبٍ وهو يقول:
يا ربَّ هذا الغَسَقِ الدَّجيِّ
والقمرِ المُنبلِجِ المُضِيِّ
بيّنْ لنا مِن أمرِك الخفيِّ
ماذا ترى في إسم ذا الصبيِّ
قال: فسمع هاتفاً يقول:
يا أهلَ بيتِ المصطفَى النبيِّ
خُصِصتُمُ بالولدِ الزكيِّ
إنّ آسمَه مِن شامخِ العليِّ
عليٌّ آشتُقّ مِن العليِّ
وروى الگنجي أيضاً بإسناده عن ابن الشيرازي، عن الحاكم أبي عبدالله النَّيسابوري، قال:
وُلد أميرالمؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ بمكّة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلةً خَلَت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يُولَد قبله ولا بعده مولودٌ في بيت الله الحرام سواه؛ إكراماً له بذلك وإجلالاً لمحلّه في التعظيم. (كفاية الطالب:407 ـ الباب 7).
وكتب ابن الصباغ، المالكيّ المذهب، في كتابه (الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة:30 ـ الفصل الأوّل): وُلد عليّ عليه السلام بمكّة المشرّفة بداخل البيت الحرام... ولم يولد في البيت الحرام قبلَه أحدٌ سواه، وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها؛ إجلالاً له وإعلاءً لمرتبته، وإظهاراً لِتكرُمته..
وقال سبط ابن الجوزي، وكان حنبليّاً ثمّ صار حنفيّاً، في كتابه المعروف (تذكرة خواصّ الأمّة:10 ـ في ذكر ولادته عليه السلام): ورُوي أنّ فاطمة بنت أسد كانت تطوف بالبيت وهي حاملٌ بعليٍّ عليه السلام، فضَرَبها الطَّلْق، ففُتح لها باب الكعبة فدخلت فوضَعتْه فيها.
وروى ولادةََ أميرالمؤمنين سلام الله عليه مشاهيرُ الأعلام وأصحاب التواريخ والسِّيَر، منهم: الحمويني الشافعي في ( فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والحسنَين 425:1 ـ 426 / ح 354 ـ الباب 70)، والشبلنجي الشافعي في ( نور الأبصار:76 )، والمسعودي في ( مروج الذهب 2:2)، والحافظ الذهبي الشافعي في (تلخيص المستدرك 483:3)، ومحمّد بن طلحة الشافعي في (مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول:11)، وآخرون كثيرون. (يَحسُن بنا في هذا الموضوع مراجعة كتاب: وليد الكعبة، إعداد وتقديم: السيّد محمدرضا الجلالي الحسيني، فيما يقرب من 500 صفحة، وكتاب: الغدير، للعلاّمة الأميني 21:6 ـ 29).
وروى الحافظ الخوارزمي، الحنفي المذهب، في كتابه (مقتل الحسين عليه السلام 95:1 ـ 96) بإسناده عن أبي سلمى راعي إبل رسول الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
«ليلةَ أُسريَ بي إلى السماء قال ليَ الجليل جلّ وعلا: «آمَنَ الرَّسولُ بما أُنزِل إليهِ مِن ربِّه»، قلتُ: والمؤمنون ؟ قال: صدقتَ يا محمّد، مَن خلّفتَ في أُمّتك ؟ قلت: خيرَها، قال: عليَّ بن أبي طالب ؟ قلت: نَعَم يا ربّ، قال: يا محمّد، إنّي اطّلعتُ إلى الأرض اطّلاعةً فاخترتُك منها، فشققتُ لك اسماً من أسمائي، فلا أُذكَر في موضعٍ إلاّ ذُكرتَ معي، فأنا المحمود وأنت محمّد. ثمّ اطّلعتُ الثانية فاخترتُ عليّاً وشققتُ له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليّ.
يا محمّد، إنّي خلقتُك وخلقت عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة مِن وُلده مِن سِنخ نوري، وعرضتُ ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرض، فمَن قَبِلها كان عندي من المؤمنين، ومَن جَحَدها كان عندي من الكافرين!..».
وأخرج الشيخ سليمان القندوزي، الحنفي، في (ينابيع المودّة لذوي القُربى 306:2 / ح 873 ـ الباب 56) ـ عن: (مودّة القربى لعليّ الهمداني:25)، عن العبّاس بن عبدالمطّلب أنّه قال: لمّا وَلَدت فاطمة بنت أسدٍ عليّاً سمّته باسم أبيها (أسد)، ولم يرضَ أبو طالبٍ بهذا، فقال: هَلُمَّ نَعْلُ أبا قُبَيس (جبل مشرف على مكّة) ليلاً وندعو اللهَ تعالى، فأنشأ أبو طالبٍ شعراً:
يا ربَّ هذا الغَسَقِ الدَّجِيِّ
والفَلَقِ المبتلجِ المُضيِّ
بيّنْ لنا عن أمرِك المقضيِّ
بِما نُسمّي ذلك الصبيِّ
فإذا خشخشة من السماء، فرفع أبو طالبٍ طَرْفَه، فإذا لوح مثل زبرجد أخضر فيه أربعةَ أسطر، فأخذه بكلتا يديه وضمّه إلى صدره ضمّاً شديداً، فإذا مكتوب:
خُصِصتُما بالولدِ الزكيِّ
والطاهرِ المنتجَبِ الرضيِّ
وإسمه من قاهرِ العليِّ
عليٌّ آشتُقّ مِن العليِّ
فَسُرّ أبو طالبٍ سروراً عظيماً، وخرّ ساجداً لله تعالى، وعقّ عشرةً من الإبل، وكان اللوح معلَّقاً في بيت الله الحرام يفتخر به بنو هاشمٍ على قريش، حتّى غاب زمانَ قتالِ الحجّاجِ ابنَ الزبير.
وروى الخوارزمي في كتابه الآخر (المناقب:51 / ح 13 ـ الفصل 4)، بإسناده عن محمّد بن إسحاق (المؤرّخ)، قال:
كان أوّلُ ذَكَرٍ من الناس آمَنَ برسول الله صلّى الله عليه وآله وصلّى وصدّق بما جاء به من عند الله، عليَّ بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين يومئذٍ، وكان مِمّا أنعَمَ الله على عليٍّ أنّه كان في حِجر رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل الإسلام.
كذلك روى الطبري في (تاريخه 538:1 ـ 539) بإسناده عن مجاهد، قال: كان مِن نعمة الله عزّوجلّ على عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام وما صنع الله له وأراد به من الخير، أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالبٍ ذا عيالٍ كثير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله للعبّاس ـ وكان أيسرَ بني هاشم ـ: «يا عباس، إنّ أخاك أبا طالبٍ كثيرُ العيال، وقد ترى ما أصاب الناسَ من هذه الأزمة، فانطلقْ بنا فَلْنُخفّف عنه من عياله، آخذُ من بيته واحداً وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه»، فقال العبّاس: نعم.
فانطلقا حتّى أتَيا أبا طالبٍ فقالا له: إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً فضمّه إليه... فلم يزل عليٌّ مع رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى بعثه الله نبيّاً، فاتّبَعَه عليٌّ عليه السلام فأقرّ به وصدّقه. (نقل ذلك أيضاً: ابن أبي الحديد المعتزلي في: شرح نهج البلاغة 251:3 ـ الخطبة 90، الطبعة ذات المجلّدات الأربع).
وبإسناده عن الإمام عليٍّ عليه السلام، روى ابن أبي شيبة الكوفي في (المصنَّف 368:7 / ح 32061) أنّه عليه السلام قال: «كنتُ إذا سألتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله أعطاني، وإذا سَكَتُّ ابتدأني» (روى قريباً من ذلك: أحمد بن حنبل في: فضائل الصحابة 647:2 / ح 1099، والترمذي في: سننه 300:5 / ح 3806، والحاكم النيسابوري في: المستدرك على الصحيحين 135:3، وأبو نعيم في: حلية الأولياء 68:1).
وعن أبي سعيد سعيد الخُدري، روى البلاذري في (أنساب الأشراف 98:2 / ح 25) أنّه قال: كانت لعليٍّ من رسول الله صلّى الله عليه وآله دخلةٌ لم تكن لأحدٍ من الناس.
ـ وبإسناده عن محمّد بن عمر قال: قيل لعليّ: ما بالُك أكثر أصحاب النبيّ حديثاً ؟! فقال: «لأنّي كنتُ إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأَني» (أنساب الأشراف 98:2 / ح 26).
وفي خطته المباركة المعروفة بـ (القاصعة)، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «وقد عَلِمتُم موضعي مِن رسول الله صلّى الله عليه وآله بالقرابةِ القريبة، والمنزلةِ الخَصيصة. وضَعَني في حِجره وأنا ولَدٌ، يَضُمُّني إلى صدره، ويَكنُفُني في فراشه، ويُمِسُّني جسدَه، ويُشِمُّني عَرفَه. وكان يَمضَغَ الشيءَ ثمّ يُلقِمُنيه. وما وَجَد لي كَذْبةً في قول، ولا خَطْلةً في فعل... ولقد كنتُ أتَّبِعُه آتّباعَ الفصيلِ أَثَرَ أُمّه، يرفعُ لي في كلِّ يومٍ من أخلاقهِ عَلَماً ويأمرُني بالاقتداءِ به..» (نهج البلاغة / الخطبة 192).
وروى الطبراني في (المعجم الأوسط 89:3 ـ 90 / ح 2178) بإسناده عن الصحابي عمّار بن ياسر رضوان الله عليه، قال: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لعليّ:
إنّ الله تبارك وتعالى زيّنك بزينةٍ لم يُزيّنِ العبادَ بزينةٍ مِثلِها. إنّ الله حبّب إليك المساكينَ والدُّنُوَّ منهم، وجعلك لهم إماماً ترضى بهم، وجعلهم لك أتباعاً يرضَون بك. فطُوبى لِمَن أحبّك وصدّق عليك، وويلٌ لمَن أبغضك وكذّب عليك: فأمّا مَن أحبّك وصدّق عليك فَهُم جيرانك في دارك، ورفقاؤك في جنّتك، وأمّا مَن أبغضك وكذّب عليك فإنّه حقٌّ على الله عزّوجلّ أن يُوقِفَهم موقفَ الكذّابين» (روى ذلك أيضاً: ـ أبو نعيم في: حلية الأولياء 71:1، والگنجي في: كفاية الطالب:191 ـ 192، الباب 46، والديلمي في: الفردوس بمأثور الخطاب 319:5 / ح 8311، والخوارزمي في: المناقب:116 / ح 126، والهيثمي الشافعي في: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 121:9، والجويني في: فرائد السمطين 136:1 / ح 100، وابن الأثير في: أُسد الغابة في معرفة الصحابة 23:2، والهيثمي نور الدين في: تقريب البُغية في شرح الحِلْية 102:3 / ح 3307).
بعد هذا.. ألا يُفهَم من خلال هذه الألطاف الربّانية الخَصيصة والفريدة، أنّ الله تعالى فضّل عليّاً عليه السلام على الصحابة، أراده إماماً للمسلمين ينجون به، إذ يَدُلّهم على المحجّة البيضاء، ويأخذ بهم إلى مرضاة الله عزّ شأنه، قبل يتخبّطوا في ظلمات الجهل والجدال السقيم والآراء المنطلقة من الأهواء والنزعات الضالّة، فقد أبى الله عزّوجلّ أن يترك دينَه بلا ضوابط، أو يُسلّمه ـ بعد جهودٍ عظيمةٍ بَذلَها رسوله المصطفى صلّى الله عليه وآله ـ إلى حَبّابي الرئاسات، والمتعصّبين إلى عشائرهم وأقوامهم دون مراعاةٍ لمحكم الآيات، ولا لوصايا النبيّ في أوصيائه من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ما دامت الأرضون والسماوات.

Copyright © 1998 - 2019 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.