الواجهة » الإسلام » النبي وأهل البيت » اهل البيت عليهم السلام » الإمام علي عليه السلام » هكذا رووا.. وهكذا فهِمنا
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


هكذا رووا.. وهكذا فهِمنا

فائدة بلاغيّة
تنقسم علوم البلاغة ثلاثة أقسام: علم المعاني، وعلم البديع، وعلم البيان.. الذي ينقسم ثلاثة أبواب: 1. الاستعارة، 2. الكناية، 3. التشبيه: وهو في اللغة يُعرَّف على هذا النحو:
التشبيه: هو الدلالة على مشاركةِ أمرٍ لآخَر في معنىً معيَّن، وأركانه أربعة: المشبَّه، المشبَّه به، وجه الشَّبَه، آلة التشبيه. مثال: هاشمٌ كالأسدِ في شجاعته.
وقد أمتازت اللغة العربية ـ من بين لغات العالم على امتداد أجياله ـ بالجمال الفنّي الفائق، والرونق الأدبيّ الفاخر، لِما تتضمّنه من عناصر بلاغيّةٍ في الألفاظ والمعاني، في الجملة والصورة والأسلوب.
والبلاغة ـ بمفهومها الاصطلاحي ـ هي بلوغ القصد وإبلاغ المعنى إلى الضمير والعقل والحسّ بوضوح الدلالة وحُسن الإشارة، مع إيجازٍ غير مُخِلّ. ومن وسائل إيضاح الدلائل: التشبيه الذي يكون عَقْدَ مماثلةٍ بين أمرَين، لاشتراكها في صفةٍ أو أكثر، بأداةٍ مذكورةٍ أو مقدَّرة، لغرضٍ يتوخّاه القائل، كبيانٍ أو تزيينٍ أو تقريبٍ يُعين على التعبير، ويُبلغ المعنى إلى السامع في صورةٍ واضحةٍ وجميلةٍ ومؤثّرة معاً.
فالتشبيه إذن.. يحمل قيمتَين: علميّة، وجمالية. ويحتلّ موقعاً مهمّاً في ساحة البلاغة العربيّة؛ إذ به تُبعَث الصور إلى الأفهام والأذهان، وتتجلّى المعاني إلى الحالة الحسّية مؤيَّدةً بالبرهان المقنع، حتّى قيل: بالتشبيه تُعرَف البلاغة، وعلى بابه يتفاضل الشعراء والبلغاء.
ومن هنا.. رأينا أبلغَ الكتب السماويّة (القرآن الكريم، المتحدّي المُعجِز)، وأبلغَ الأنبياء وقد أُوتيَ جوامعَ الكَلِم ( النبيَّ المصطفى صلّى الله عليه وآله)، وأبلغَ الخطباء البلغاء صاحب نهج البلاغة (أميرَ المؤمنين عليّاً عليه السلام).. قد أخذوا بالتشبيه في أفضل مواضعه وحالاته، في صِيغٍ تألّقت بتراكيبها ومعانيها وصورها.
وبين أيدينا ـ أيّها الإخوة الأعزّة ـ باقة عاطرة من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، روتها كتب علماء أهل السنّة، تناولت تشبيه الإمام عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام بمجموعة من الأنبياء والرسل عليهم السلام.
هكذا رَوَوا.. وهكذا دوّنوا
روى الديلمي في ( الفردوس بمأثور الخطاب 368:4 / ح 7068) بإسناده إلى أبي ذرّ مرفوعاً، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «والذي نفسي بيده، إنّ فيكم لرجُلاً يقاتل الناسَ مِن بعدي على تأويل القرآن كما قاتلتُ المشركين على تنزيله، وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله، فيَكبُر قتلُهم على الناس حتّى يطعنوا على وليّ الله تعالى ويسخطوا عملَه كما سَخِط موسى أمرَ السفينة والغلام والجدار، وكان كلُّه رضىً لله» (رواه أيضاً: الگنجي الشافعي في: كفاية الطالب في مناقب عليّ بن ابي طالب: 334 ـ الباب 94، والخوارزمي الحنفي في: المناقب:88 / ح 78 وجاء في آخره: أراد بالرجل عليَّ بن أبي طالبٍ عليه السلام).
وفي الرواية تشبيه أميرالمؤمنين عليه السلام بالخضر عليه السلام من جهاتٍ عديدة: منها اشتراكهما في مسألة التأويل، ومنها مجابهة القوم الذين لم يُدركوا علمَهما، ومنها تحمّل الطعن والتهمة والاعتراض والسخط مِن قِبل الناس، ومنها أنّهما لم يفعلا إلاّ ما أمرَهما الله تبارك وتعالى، وقد كان مِن جواب الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام قوله تعالى على لسانه: « وما فَعَلْتُه عن أمري، ذلك تأويلُ ما لم تَسْطِعْ عليهِ صَبراً » [سورة الكهف:82].
فما لم يُسلِّمِ الناسُ أمرَهم إلى وليّ الله لم يُصبحوا مِن أهل الإيمان، بهذا صرّحت الآية المباركة التي خاطب اللهُ عزّوجلّ بها حبيبَه المصطفى صلّى الله عليه وآله: « فَلا وربِّك لا يؤمنونَ حتّى يُحكِّموك فيما شَجَرَ بينَهم ثمّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسليماً » [سورة النساء:65].
وروى الكبراني في ( المعجم الكبير 93:11 / ح 11152) بإسناده إلى ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «السُّبَّقُ ثلاثة: فالسابقُ إلى موسى يُوشَعُ بن نون، والسابق إلى عيسى صاحبُ ياسين، والسابقُ إلى محمّدٍ عليُّ بن أبي طالب» (ورواه أيضاً: ابن كثير في: تفسير القرآن العظيم 284:4 ـ خاتمة الآية المباركة: « والسابقون السابقونَ * أُولئك المُقرَّبون » الواقعة:10 ـ 11، وابن حجر المكّي الشافعي في: الصواعق المحرقة:125 ـ الباب 9 / الفصل الأوّل ).
كذلك روى الطبراني عن سلمان الفارسي أنّه قال: قلتُ لرسول الله صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، لكلِّ نبيٍّ وصيّ، فمَن وصيُّك ؟ فسكتَ عنّي، فلمّا كان بعدُ رآني فقال: « يا سلمان»، فأسرعتُ إليه وقلت: لبّيك، قال: «تعلمُ مَن وصيُّ موسى ؟» قلت: نعم، يوشع بن نون، قال: «لِمَ ؟» قلت: لأنّه كان أعلمَهم، قال: «فإنّ وصيّي وموضعَ سرّي وخيرَ مَن أترك بعدي ويُنْجِز عِداتي ويقضي دَيني: عليُّ بن أبي طالب» ( المعجم الكبير 221:6 / ح 6063، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي الشافعي 113:9 ـ 114) . وقد ورد أنّ الشمس رُدّت على يوشَعَ بنِ نون، وكذلك رُدّت مرّتين على أميرالمؤمنين عليٍّ عليه السلام (روى ذلك: الحافظ ابن عساكر الدمشقي الشافعي في: ترجمة الإمام عليٍّ عليه السلام من تاريخ دمشق 287:2 ـ فصل ردّ الشمس، والگنجي الشافعي في: كفاية الطالب:382 ـ فصل في الحديث المرويّ في ردّ الشمس).
فكان الشَّبَه في صورٍ وحالاتٍ وسماتٍ متعدّدة، منها: أنّ كلاهما وصيٌ لنبيِّ زمانه، وكلاهما سبق إلى نبيّ زمانه، وكلاهما أعلمُ أهل زمانه، وكلاهما صاحب معجزةٍ علامةً بيّنةً على وصايته. فماذا يُراد أوضحَ من هذا دليلاً على الخلافة الحقّة للإمام عليّ عليه السلام، لأفضليّته وأسبقيّته، والوصيّة الصريحة فيه ؟!
وروى الديلمي في (الفردوس 319:5 / ح 8309) بإسناده إلى الإمام عليٍّ عليه السلام مرفوعاً أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال له: «يا عليّ، مَثَلُك مَثَلُ عيسى بن مريم، أبغضه اليهودُ حتّى بهَتَت أُمَّه! وأحبّته النصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة التي ليس به!» (وروى الزرندي الشافعي في كتابه: نظم درر السمطين:92 ـ عن ربيعة بن ماجد قال: سمعتُ عليّاً رضي الله عنه يقول: « فِيَّ نزلت هذه الآية: «ولَمّا ضُرِبَ آبنُ مريمَ مَثَلاً إذا قومُك مِنهُ يَصِدُّون»» (سورة الزخرف:57).
وقد ظُلِم عيسى بن مريم عليهما السلام من صنفَين: من الحاسدين والجاهلين فبهتوه بالبهتان العظيم! وكذلك ظُلم أميرالمؤمنين عليه السلام فاتّهموه ثمّ لم يكتفوا حتّى قتلوه، ثمّ لم يكتفوا حتّى قتلوا أبناءه وسبَوا عياله وتعقّبوا مُريديه حبساً وتشريداً وقتلاً. وظُلم من قِبل الغلاة والمبالغين حتّى ألّهوه وجعلوه ثالث ثلاثة مع أمّه مريم سلام الله عليها، فضَلُّوا وأضلُّوا! وكذلك ألّه قوم عليّاً صلوات الله عليه، فاستتابهم كراراً فلم يتوبوا، فأعدّ لهم حفيرة النار وألقاهم فيها، تحصينًا للتوحيد، وإثباتًا لعبوديّته سلام الله عليه وهو أعبد الناس لله جلّ وعلا.
وروى أحمد بن حنبل إمام الحنابلة في (المسند 185:1 / ح 1611) باسناده عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقّاص قال: سمعتُ رسول الله يقول له ـ أي لعليٍّ عليه السلام وقد خلّفه في بعض مغازيه على المدينة ـ: « يا عليّ، أما تَرضى أن تكون منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي »..
كذلك روى أحمد بن حنبل في كتابه الآخر (فضائل الصحابة 663:2 / ح 1131) عن محدوج بن زيد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله آخى بين المسلمين ثمّ قال: « يا عليّ، أنت أخي، وأنت منّي بمنزلة هارون مِن موسى، غيرَ أنّه لا نبيَّ بعدي »، فما هي يا تُرى منزلة هارون من موسى، وقد شُبّهت بها منزلة عليٍّ من رسول الله صلّى الله عليه وآلهما ؟
الجواب: هي الخلافة، حيث كان هارون عليه السلام خليفةَ أخيه موسى عليه السلام في غَيبته وهو حيّ، وقد تُوفّي هارون قبل أخيه موسى، فكان خليفة موسى بعد ذلك يوشع بن نون، فإذا كان لموسى عليه السلام خليفةٌ في غيبته وغيابه ـ كما صرّح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى على لسان موسى: «وقالَ مُوسى لأخيهِ هارونَ آخْلُفْني في قَومي وأَصلِحْ ولا تَتَّبِعْ سبيلَ المفسدين» [ سورة الأعراف:142 ] ـ فالأَولى أن يكون لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خليفةٌ بعد وفاته ورحيله ليُصلح، وهذه الضرورة بيّنها النبيُّ الأكرم صلّى الله عليه وآله مِن خلال تشبيه منزلة الإمام عليٍّ منه بمنزلةِ هارون مِن موسى، وهي منزلة الإمامة والخلافة في الأُمّة، مع استثناءٍ أن لا نبيَّ بعد محمّدٍ النبيّ، صلّى الله عليه وآله، فإن كان خليفة موسى هو هارونَ النبيّ، فإنّ خليفةُ محمّدٍ النبيّ هو عليٌّ الوصيّ، صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما الميامين.
وروى الحافظ الحاكم الحسكاني الحنفي في كتابه ( شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 103:1 / ح 117 ) بإسناده عن أبي الحمراء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « مَن أراد أن ينظرَ إلى آدمَ في علمِه، وإلى نوحٍ في فَهمِه، وإلى إبراهيمَ في حِلمِه، وإلى يحيى في زُهده، وإلى موسى في بطشه، فَلْيَنظُرْ إلى عليّ بن أبي طالب » (ومِمّن رواه باختصار: محبّ الدين الطبري الشافعي في مؤلَّفه: ذخائر العقبى في مناقب ذوي القُربى:93 ـ 94، والخوارزمي الحنفي في: المناقب:309 / ح 131، والجويني الشافعي في: فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين 170:1 / ح 131، وابن عساكر في: ترجمة الإمام عليٍّ عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق 280:2 / ح 811، والشيخ سليمان القندوزي الحنفي في: ينابيع المودّة لذوي القربى 183:2 ـ الباب 56 / ح 527، وابن أبي الحديد في: شرح نهج البلاغة 168:9 / الخطبة 154 ). فيما روى الحافظ ابن المغازلي الشافعي في ( مناقب عليّ بن أبي طالب:212 / ح 256 ) بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « مَن أراد أن ينظر إلى عِلمَ آدمَ وفقهِ نوح، فَلْينظرْ إلى عليّ بن أبي طالب »، وأخرج المحبّ الطبري في ( ذخائر العقبى:94 )، والقندوزي في ( ينابيع المودّة 183:2 ـ الباب 56 / ح 528 ) عن ابن عبّاس مرفوعاً قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « مَن أراد أن ينظر إلى إبراهيمَ في حِلمِه، وإلى نوحٍ في حُكمِه، وإلى يُوسُفَ في جمالهِ، فَلْينظرْ إلى عليّ بن أبي طالب ».
وهنا أمران:
الأوّل ـ أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قد اجتمعت عنده أشرف خصال الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، بل توفّرت لديه وقد تفرّقت في غيره، ولم نسمع مِثل ذلك تشبيهاً لأحدٍ غير الإمام عليٍّ عليه السلام، لا في الأولياء ولا في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
والأمر الثاني ـ أن التشبيه لا يعني دائماً أنّ المشبَّه به هو أفضلُ مِن المشبَّه، وإنّما التشبيه إشارة إلى وجه شَبهٍ مشترك بينهما، وإلاّ فهناك تفاضل وأفضليّة بينهما في الكليّة، فحين نقول: قصيٌّ كالأسد في شجاعته، فإنّ قصيّاً أسمى من الأسد أوّلاً، وهو في بعض المواقف أشجع من الأسد، وإنّما كان التشبيه للتقريب والبيان لا لِلمِثْليّة.
بنص آية المباهلة، وبنصّ الكلمة القرآنيّة المقدّسة « وأنْفُسَنا » [ سورة آل عمران: 61 ]، وبإجماع المفسّرين والرواة من جميع المذاهب، أنّ المقصود به هو عليٌّ عليه السلام، وبما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هو أشرف الخَلق في جميع الوجود، فنفسه ـ وهو عليّ بن أبي طالبٍ ـ هو كذلك، وهما ـ بروايات الخاصّة والعامّة ـ من نورٍ واحد، فهما صلوات الله عليهما وآلهما الأفضلُ والأقدس والأجلّ والأسمى.
والحمدُ لله ربِّ العالمين

Copyright © 1998 - 2019 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.