الواجهة » الإسلام » شذرات » شَذراتٌ نورانيّة (94)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شَذراتٌ نورانيّة (94)

التسليم
التسليم لله تبارك وتعالى يعني الاعتقاد الراسخ والتصديق بما أتى به رسوله المصطفى صلّى الله عليه وآله مِن عند الله جلّ وعلا، كما يعني التسليم احتراماً للعقل الذي أقرّ أنّ الدين ضامنٌ للكرامة الدنيويّة والسعادة الأبديّة الأُخرويّة. كذلك يعني التسليم فيما يعنيه الراحة من الشكّ والريبة والحيرة، ومن التخبّط والتيه والضلالة، فهو اطمئنان للقلب والنفس والروح والضمير، وسلامة من الآفات والعواقب الوخيمة!
والتسليم ـ بعدُ ـ أمرٌ إلهي، وهل يصحّ من العبد أن لا يأتمر بأمر معبوده، أو يتمرّد مخلوق لا حول له ولا قوّة على خالقه، أو يتنكّر أمرؤٌ مُنعَمٌ عليه على مَن أنعم عليه ؟! إنّه لا يصحّ وهو يسمع أو يعلم أنّ الله جلّ وعلا قال:
ـ «يا إيُّها الذينُ آمَنُوا صَلُّوا عليهِ وسَلِّموا تسليماً» [سورة الأحزاب:56].
كذلك لا يصحّ منه وهو يتلو أو يُتلى عليه قوله عزّ من قائل:
ـ «فَلا وربِّك لا يُؤمنون حتّى يُحكّموك فيما شَجَرَ بينَهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهم حَرَجاً مِمّا قَضَيتَ ويُسَلِّموا تَسليماً» [سورة النساء:65].
فالتسليم من أدب العبوديّة وواجباتها وأحد دلائل الإيمان، وقد تأكّد في النصوص المباركة الشريفة عقيدةً وخُلقاً وعبادةً قلبيّة، وتوفيقاً يحظى به المؤمن الصادق الذي جعل هواه فيما يريد الله تعالى ويقضيه:
ـ أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «تُريد وأُريد، وإنّما يكون ما أُريد، فإن سلّمتَ لِما أريد كفَيتُك ما تريد، وإن لم تسلّم لما أُريد أتعَبْتُك فيما تريد، ثمّ لا يكون إلاّ ما أريد» (بحار الأنوار 136:82 / ح 22 ـ عن: مسكّن الفؤاد للشهيد الثاني).
ـ وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «يا عبادَ الله، أنتم كالمرضى، وربُّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب وتدبيره به، لا في ما يشتهيه المريضُ ويقترحه، ألاَ فسلِّموا لله أمرَه تكونوا من الفائزين» (تنبيه الخواطر:357).
ـ وعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «إنّا لَنُحبّ أن نُعافى فيمَن نحبّ، فإذا جاء أمرُ الله سلَّمْنا فيما يُحبّ» (بحار الأنوار 301:46 / ح 44 ـ عن: الكافي 226:3 / ح 14).
ـ كما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: «إذا أردنا أمراً وأراد اللهُ أمراً، سلَّمْنا لأمر الله» (بحار الأنوار 103:82 / ح 51 ـ عن: مشكاة الأنوار للطبرسي عليّ بن الحسن 44:1 / ح 56).
ـ وقال عليه السلام: «لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لشيءٍ قد مضى: لو كان غيرُه!» (تنبيه الخواطر:417).
ـ وعنه سلام الله عليه كذلك، قال: «كلُّ مَن تمسّك بالعروة الوثقى فهو ناجٍ»، فسُئل: ما هي ـ أي العروة الوثقى ـ ؟ قال: «التسليم» (بحار الأنوار 204:2 / ح 87 ـ عن: المحاسن للبرقي).
ـ كذلك سُئل: بأيّ شيءٍ عُلم المؤمن أنّه مؤمن ؟ فأجاب عليه السلام قائلاً: «بالتسليم لله، والرضى بما ورد عليه من سرورٍ وسخط» (بحار الأنوار 205:2 / ح 91 ـ عن: المحاسن).
ـ وفيما رُوي عنه أيضاً أنّه عليه السلام قال: «العبد بين ثلاث: بين بلاء، وقضاء، ونعمة. فعليه للبلاء من الله الصبرُ فريضة، وعليه للقضاء من الله التسليمُ فريضة، وعليه للنعمة من الله الشكرُ فريضة» (بحار الأنوار 129:82 / ح 7 ـ عن: المحاسن: 6 ـ 7 / ح 17).
ـ وحول العبارة القرآنية الشريفة: «قد أفلَحَ المؤمنون» قال الإمام الباقر عليه السلام لكامل التمّار: «أتدري مَن هم ؟! » قال: أنت أعلم، قال: «قد أفلح المؤمنون المثسلِّمون، إنّ المسلّمين همُ النجباء» (بحار الأنوار 204:2 / ح 84 ـ عن: المحاسن).
ـ وقال الإمام الصادق عليه السلام لأبي الصبّاح الكِناني: «يا أبا الصباح، إنّ المسلِّمين هم المنتجَبون يومَ القيامة، هم أصحاب النجائب» (بحار الأنوار 204:2 / ح 86 ـ عن: المحاسن).
ـ وفي ظلّ قوله تعالى: «صَلُّوا عليهِ وسَلِّموا تسليماً» قال أبوعبدالله الصادق سلام الله عليه في بيانه: «الصلاة عليه، والتسليم له في كلِّ شيءٍ جاء به» (بحار الأنوار 204:2 / ح 88 ـ عن: المحاسن).
ـ أمّا في ظلّ قوله جلّ وعلا: «ثمّ لا يَجدوا في أنفُسِهم حَرَجاً ممّا قضَيتَ ويُسلِّموا تسليماً» قال الإمام محمّد الباقر عليه السلام: «التسليم: الرضى والقنوعُ بقضائه» (بحار الأنوار 204:2 / ح 89 ـ عن: المحاسن).
وفي بيانٍ أورده العلاّمة المجلسي قال: «ويسلّمُوا تسليماً» أي: ينقادوا لك ـ يا رسول الله ـ انقياداً بظاهرهم وباطنهم. (بحار الأنوار 205:2).
بقي أن نتعرّف بدقّة على معنى التسليم، ولو أنّنا نفهمه بشكلٍ عام، من الطاعة والأخذ والقبول والرضا والقناعة، إلاّ أنّ هنالك معنىً أعمق، حيث يقول أميرالمؤمنين عليٌّ عليه السلام: «التسليم أن لا تَتَّهِم» (غرر الحكم:25، عيون الحكم 296:5).
ولكن مَن عسى يا ترى أن يَتّهم، وكيف، ومَن يريد الإنسانُ أن يتّهم ؟
ـ جاء في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ موسى الكليم عليه السلام سأل ربَّه عزّوجلّ: يا ربّ، أيُّ خَلقٍ أبغضُ إليك ؟ قال: الذي يتّهمني. فسأل موسى متعجّباً: ومِن خَلقِك مَن يتّهمُك ؟! قال: نعم، الذي يستخيرني فأخير له، والذي أقضي القضاءَ له وهو خيرٌ له، فيتّهمني (بحار الأنوار 142:71 / ح 38).
وفي روايةٍ أخرى: سُئل الإمام الصادق عليه السلام: مَن أبغضُ الخَلق إلى الله ؟ فقال: «مَن يتّهم اللهَ»، قيل له: أحَدٌ يتّهم الله ؟! قال: «نعم، مَن استخار اللهَ فجاءته الخيرة بما يكره، فيَسخَط، فذلك يتّهم الله!» (بحار الأنوار 247:78 / ح 72 ـ عن: تحف العقول).
وهنالك أخبارٌ تعرّف غير المسلّم أنّه يتّهم اللهَ سبحانه وتعالى في قضائه، فيعترض ويسخط ويُخطّئ، وقد حذّر من ذلك أميرُ المؤمنين عليٌّ عليه السلام حيث قال ناهياً: «لا تجعلَنَّ ذَرَبَ لسانك على مَن أنطَقَك، وبلاغةَ قولك على مَن سدَّدَك» (نهج البلاغة / الحكمة 411. والذَّرب: هو الحدّه، والتسديد: هو التقويم).
ثم ماذا يكون لو لم يسلّم المرء لأمر الله وقضائه وقَدَره ؟! أيستطيع ـ وهو المخلوق الذي جُلّ ملاكه ضَعف ـ أن يغيّر المشيئة الإلهيّة، أو يتصرّف في الإرادة الربّانيّة ؟! أيَحسُنُ منه أن يتخبّط في سخطه ظانّاً أن يحصل على شيءٍ غيرِ الذي قُدّر له ؟! أم يتخيّل أن يجنيَ غير سَورة الغضب وعذاب الآخرة!
أمّا المؤمن فهو مسلِّم مطمئنّ، وهو في الوقت ذاته يدعو اللهَ تعالى ويرجو رحمته وهي قريبٌ من المحسنين، فيعيش في الدنيا هادئ البال بتوكّله وحسن ظنّه بربّه ورضاه بقضاء الله عزّوجلّ، ثمّ يُقْبل على الله تعالى مرحوماً مغفوراً له، وربّما قُضِيت له بتسليمه حاجات، ودُفعت عنه بلاءات، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «إذا قال العبد: لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله، قال الله عزّوجلّ للملائكة: استسلَم عبدي، أُقضُوا حاجته» (بحار الأنوار 189:93 ـ 190 / ح 23 ـ عن: المحاسن: 42 / ح 53).

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.