الواجهة » الإسلام » شذرات » شذرات نورانيّة (95)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شذرات نورانيّة (95)

«الاستماع»
نعمة كبرى، وكلّ نِعَم الله كبرى، إذ عنه يكون الفهم ويتفاعل الحسّ مع المحسوس، وتكون العاطفة والجواب وتبادل الحديث والتعامل. وهذه النعمة الإلهيّة يُراد لها شكر، شكر طويل، ومِن شُكرها أن نجعلها واعيةً متفكّرةً متأمّلة، تقبل المعقول المفيد، وترفض الباطل الشرّير الضارّ المؤذي من القول، كما وصف الله تعالى بعض عباده المبشَّرين: «فبَشِّرْ عبادِ * الَّذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحسَنَه، أُولئك الذين هَداهمُ اللهُ وأُولئك هُم أُولو الألباب» [سورة الزمر:17، 18]، أو كما بيّن الإمام زين العابدين عليه السلام قائلاً: «لكلِّ شيءٍ فاكهة، وفاكهةُ السمع الكلامُ الحَسَن» (بحار الأنوار 160:78 / ح 21 ـ عن: إعلام الدين).
وهذه بين أيدينا ـ أيّها الإخوة الأفاضل ـ كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام تبيّن وتُرشد، حيث قال:
ـ «يا لَها أمثالاً صائبة، ومواعظَ شافية، ولو صادَفَت قلوباً زاكية، أو أسماعاً واعية... جَعَل لكم أسماعاً لِتَعِيَ ما عَناها، وأبصاراً لِتَجلُوَ عن عَشاها..» (نهج البلاغة / الخطبة 83).
ـ «وُقِرَ سَمْعٌ لم يَفْقَهِ الواعية» (نهج البلاغة / الخطبة 4. وُقِر: صُمَّ، الواعية: الصارخة، والمراد بها العِبرة والموعظة الشديدة الأثر).
ـ «إذا لم تكن عالماً ناطقاً، فكن مستمعاً واعياً» (غرر الحكم:141. وَعَى الشيءَ والحديث: حَفِظه وفَهِمه وقَبِله، فهو واعٍ).
ـ «رَحِم الله امرأً سمع حكماً فوعى، ودُعيَ إلى رشادٍ فَدَنا، وأخذ بحُجزةِ هادٍ فنجا» (نهج البلاغة / الخطبة 76. وعى: حَفِظ وَفهِم المراد، ودنا: قَرُب من الرشاد الذي دُعي إليه، والحُجزة: مَعقِد الإزار، والمراد به هنا الاقتداء والتمسّك).
ـ «ألاَ إنّ أبصرَ ما نَفَذ في الخير طَرْفُه، ألاَ إنّ أسمعَ الأسماع ما وعى التذكيرَ وقبِلَه» (نهج البلاغة / الخطبة 105).
ـ وعن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «وأسمعُ الأسماع ما وعى التذكيرَ وانتفع به» (بحار الأنوار 109:78 / ح 17 ـ عن: تحف العقول).
وإلاّ كانت الأسماع كأنّها قد أصابها الصمم، فهي تتلقّى أصواتاً لا تفهمها ولا تعيها، أو لا تريد أن تفهمها أو تَعيها! وهي المقصودة في الآيات الشريفة التالية:
ـ «ولَهُم آذانٌ لا يسمعون بها» [الأعراف:179].
ـ «ولا يَسمعُ الصُّمُّ الدعاءَ إذا ما يُنذَرون» [الأنبياء:45. قيل: لأنّ فيهم صمماً أو كأنّ بهم صمماً، فلا يسمعون الإنذار الوارد عن الوحي الإلهيّ الشريف].
ـ «وإن تَدْعُوهم إلى الهدى لا يَسمَعوا وتَراهُم يَنظُرون إليك وهم لا يُبصِرون» [الأعراف:198].
ـ «إنّك لا تُسِمعُ الموتى، ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوا مُدْبِرين» [النمل:80].
ـ «أَفَأنتَ تُسمِع الصُّمَّ ولو كانوا لا يَعقِلون» [يونس:42].
ـ «وقالوا لو كنّا نَسمعُ أو نَعقِلُ ما كُنّا في أصحابِ السَّعير» [المُلك:10].
وقد كان أميرالمؤمنين عليه السلام متألّماً من أناسٍ يسمعون ولا يَعُون، ويُبصرون ولا يعتبرون، ويتكلّمون ولا يفقهون ما يقولون، حيث غلب على الناس الجهل والعناد والصدود عن الحقّ والحقيقة، فأخذ عليه السلام يعرّف وينبّه، قائلاً:
ـ «ما كلُّ ذي قلبٍ بلبيب، ولا كلُّ ذي سمعٍ بسميع، ولا كلُّ ناظرٍ ببصير» (نهج البلاغة / الخطبة 88).
ـ «إضربْ بطَرْفِك حيث شئتَ من الناس، فهل تُبصِر إلاّ: فقيراً يكابد فقراً، أو غنيّاً بدّلَ نعمةَ الله كُفراً، أو بخيلاً اتّخذ البخلَ بحقّ الله وَفْراً، أو متمرّداً كأنّ بأُذُنهِ عن سمعِ المواعظ وَقْراً ؟!» (نهج البلاغة / الخطبة 129. الوَفْر: الغِنى).
ولأنّ الاستماع نعمة، فينبغي أن يكون لها شكر، ومِن شكرها أن تُستعمَل في طاعة الله، وفي ما يحبّه الله ويرتضيه سبحانه وتعالى، وفي ما ينفع الانسانُ به نفسه في الدنيا والآخرة. قال أميرالمؤمنين عليه السلام:
ـ «عَوِّدْ أُذُنَك حُسنَ الاستماع، ولا تُصغِ إلى ما لا يَزيدُ في صلاحك استماعُه، فإنّ ذلك يُصدِئ القلوب، ويُوجِب المَذامّ»(غرر الحكم:217، عيون الحكم 261:6).
ـ «مَن أحسَنَ الاستماع، تَعجَّل الانتفاع» (غرر الحكم:301، عيون الحكم 392:6).
والاستماع السيّئ مسؤولية يجرّها الإنسان إلى نفسه، لا يدري ما هي عاقبتها، لأنّ الإمام عليّاً عليه السلام يقول: «السامع شريك القائل» (غرر الحكم:32)، ويقول سلام الله عليه أيضاً: «سامعُ هُجرِ القول شريك القائل» (غرر الحكم:191).
ـ «سامع الغِيبة أحد المغتابَين» (عيون الحكم 211:6)، «سامع الغيبة شريك المُغتاب» (غرر الحكم:192).
إذن فالاستماع مسؤولية، يتوجّه به الإنسان أحياناً إلى المحرَّمات فيجني ندماً وألماً، وقد يتوجّه بذلك الاستماع إلى الواجبات والمستحبّات فينعم باطمئنان القلب وراحته، ومرضاة الله وجنّته. لذا يتوهّم مَن يظنّ أنّ السمع معذور عمّا يُقال أو عمّا يُطلقه الآخرون، لأنّ الله جلّ وعلا يقول في محكم تنزيله الحكيم:
«إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أُولئك كان عنه مَسؤولاً» [سورة الإسراء:36)، كذلك يقول تبارك وتعالى: «وقَد نَزَّل عليكُم في الكتابِ أنّ إذا سِمِعتُم آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بها ويُستَهزَأُ بها فلا تَقعُدوا معهم حتّى يَخُوضوا في حديثٍ غيرِه» [النساء:140].
ـ وروى الشيخ الصدوق في (مَن لا يحضره الفقيه) أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال في إحدى وصاياه: «فَفَرض على السمع أن لا تصغى به إلى المعاصي، فقال عزّوجلّ: «... فلا تَقعُدوا معهم حتّى يَخوضوا في حديثٍ غيرهِ، إنّكم إذاً مِثلُهم»» (عنه: تفسير نور الثقلين 564:1 / ح 628).
ـ كذلك روى الطبرسي في (مجمع البيان) في ظلّ الآية المباركة نفسها قولَ الإمام الرضا عليه السلام: «إذا سمعتَ الرجل يجحد الحقَّ ويكذب به ويقع في أهله، فقُمْ مِن عنده ولا تُقاعِدْه» (عنه: تفسير نور الثقلين 564:1 / ح 629).
ـ وكان الإمام الصادق عليه السلام قد سُئل حول الآية، فقال: «إنّما عنى بهذا الرجلَ يجحد الحقَّ ويكذب به ويقع في الأئمّة، فقُم مِن عنده ولا تُقاعِدْه كائناً مَن كان!» (الكافي 377:2 / ح 8 ـ الباب 163).
ـ وفي حديث آخر جاء فيه قوله سلام الله عليه: «وفرَضَ على السمع أن يتنزّهَ عنِ الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُعرِض عمّا لا يَحلّ له ممّا نهى الله عزّوجلّ عنه، والاصغاءِ إلى ما أسخط اللهَ عزّوجلّ..» (الكافي 34:2 / ح 1 ـ الباب 18، عنه: تفسير نور الثقلين 563:1 ـ 564 / ح 625).
وهنا لابدّ للمرء أن يستحضر تقواه، لا هواه.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.