الواجهة » الإسلام » شذرات » شذرات نورانيّة.. (123)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


شذرات نورانيّة.. (123)

«الصَّديق»
من العلاقات الحميمة بين المؤمنين الصداقة، فيها الصِّدق والوفاء، والمحبّة والإخاء، وربّما طالت وتعمّقت فصارت قرابة، بل ربّما امتدّت بعد الوفاة وإلى يوم القيامة، حيث شفاعة المؤمنين لإخوانهم. إذن، فهذه رابطة مهمّة تقوم على أصولٍ أخلاقيّة، تُراعى فيها الحرمات، والحقوق والواجبات.. فلا يَظنّنّ ظانّ أنّها علاقة عابرة فُرِضَت ثمّ لا تلبث أن تُهمَل وتُترك استخفافاً بها وبصاحبها.
جاءت هذه الأقوال الشريفة عن الإمام أميرالمؤمنين عليٍّ عليه السلام تعرّف الصديق هكذا:
ـ «الصَّديق أقرب الأقارب» (عيون الحكم 305:4).
ـ «الصَّديق أفضل الذُّخرَين» (غرر الحكم:39).
ـ «الأصدقاء نفسٌ واحدة في جسومٍ متفرّقة»(عيون الحكم 325:5).
ـ «الصديق إنسانٌ هو أنت، إلاّ أنّه غيرُك» (غرر الحكم:46).
ـ «الصديق أفضل عُدّة، وأبقى مودّة» (غرر الحكم:40).
ـ أما عن الإمام الصادق عليه السلام فقد جاء قوله: «لقد عَظُمت منزلة الصديق حتّى أهل النار لَيستغيثون به، يَدْعون به في النار قبل القريب الحميم، قال الله مُخبِراً عنهم: «فَما لنا مِن شافعين * ولا صَدِيقٍ حميم» (تفسير نور الثقلين 60:4 / ح 61 ـ عن: أمالي الشيخ الطوسي. والآيتان في سورة الشعراء:101، 102).
وأهميّة الصداقة وخطورتها في الوقت ذاته، أنّ لها تأثيراً كبيراً على النفس والروح والاعتقاد والأخلاق، فربّما كان الصديق صالحاً فيُصلح، وربما كان فاسداً فيُفسد.. ومن هنا نبّه رسول الله صلّى الله عليه وآله بقوله: «المرء على دِين خليله، فَلْينظُرْ أحدكم مَن يُخالِل» (بحار الأنوار 192:74 / ح 12 ـ عن : أمالي الطوسي 132:2).
بل وجُعل الصديق علامةً للمرء في شخصيّته، فإذا أُريد أن يُعرَف أو يُعرَّف قيل هو صديق فلان، أو أصدقاؤه فلانٌ وفلان.. حتّى ورد عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله: «إختبِروا الناسَ بأخدانهم، فإنّما يُخادِن الرجلُ مَن يُعجبه نحوُه» (تنبيه الخواطر:474). ورُوي عن سليمان النبيّ عليه السلام أنّه قال: لا تحكموا على رجلٍ بشيء حتّى تنظروا إلى مَن يصاحب، فإنّما يُعرَف الرجل بأشكاله وأقرانه، ويُنسَب إلى أصحابه وأخدانه) (بحار الأنوار 188:74 / ح 17 ـ عن: كنز الفوائد للكراجكي).
وفي كتاب الله العزيز نقرأ هذه الآيات الشريفة ، قوله تعالى:
ـ «قالَ قائلٌ مِنهم إنّي كان لي قَرين * يقولُ أإنّك لَمِن المُصدِّقين * أإذا مِتْنا وكُنّا تُراباً أإنّا لَمَدِينون * قالَ هل أنتُم مُطَّلِعُون * فاطّلَعَ فرآه في سَواءِ الجحيم * قالَ تاللهِ إن كِدْتَ لَتُرْدِين * ولولا نعمةُ ربّي لَكنتُ مِنَ المُحْضَرين» [سورة الصافات:51 ـ 57].
ـ «هذا وإنّ للطاغين لَشَرَّ مآب * جَهَنّمَ يَصْلَونَها فِبئسَ المِهاد * هذا فَلْيَذوقُوه حميمٌ وغَسّاق * وآخَرُ مِن شَكْلِه أزواج * هذا فَوجٌ مُقتَحِمٌ معكُم لا مَرحباً بهم، إنّهم صالُوا النار * قالوا بل أنتُم لا مَرحَباً بكم أنتُم قَدَّمتموه لنا فبِئسَ القَرار * قالوا ربَّنا مَن قَدَّمَ لنا هذا فَزِدْه عذاباً ضِعفاً في النار * وقالوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشرار * أَتَّخَذْناهم سِخْريّاً أم زاغَت عنهمُ الأبصار * إنَّ ذلك لَحقٌّ تَخاصُمُ أهلِ النار» [سورة ص: 55 ـ 64].
ـ «إذْ تَبرّأَ الذينَ آتُّبِعُوا مِنَ الذينَ آتَّبَعُوا ورأَوُا العذابَ وتَقَطَّعَت بِهِمُ الأسباب * وقالَ الذينَ آتّبَعُوا لو أنّ لنا كَرّةً فنَتَبّرأَ مِنهم كما تَبَرَّؤُوا مِنّا، كذلك يُريهِمُ اللهُ أعمالَهم حَسَراتٍ علَيهِم وما هُم بخارجِينَ مِن النار» [سورة البقرة:166 ـ 167].
ـ «ويومَ يَعَضُّ الظالمُ على يَدَيه يقولُ ياليتَني آتّخَذتُ مِعَ الرسولِ سبيلاً * يا وَيلَتى ليَتني لم أَتَّخِذْ فُلاناً خليلاً * لَقَد أضَلَّني عن الذِّكْر بعدَ إذ جاءني، وكان الشيطانُ للإنسان خَذُولاً» [سورة الفرقان:27 ـ 29].
وهذه بعض كلمات الإمام عليٍّ عليه السلام في هذا الموضوع تحمل حقائق على غاية الأهميّة:
ـ «النفوس أشكال، فما تَشاكل منها اتّفق، والناس إلى أشكالهم أَمْيَل» (بحار الأنوار 92:78 / ح 100 ـ عن: كنز الفوائد للكراجكي:194).
ـ «الصاحب كالرقعة، فاتَّخِذْه مُشاكِلاً. الرفيق كالصديق، فاتّخِذْه موافقاً» (غرر الحكم:26، شرح نهج البلاغة 309:20 / الحكمة 37 وفيه: الصاحب كالرقعة في الثوب..).
ـ «فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء. والخَلق أشكال، فكُلٌّ يعمل على شاكلته. والناس إخوان، فمَن كانت أُخوّته في غير ذات الله فإنّها تحوز عداوةً، وذلك قوله تعالى: «الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتّقين» (بحار الأنوار 82:78 / ح 78 ـ عن: كشف الغمّة 136:3 والآية في سورة الزخرف:67).
ـ «لا تَصَحبِ الشرّير؛ فإنّ طبعك يَسرِق من طبعه شرّاً وأنت لا تعلم» (شرح نهج البلاغة 272:20 / الحكمة 16).
ولم تكتفِ الآيات ولا الروايات أن حذّرت ونبّهت ونَهَت عن مصاحبة المفسدين والمُرْدين، بل أرشدت إلى مَن هم أَولى بالصداقة لما فيهم من الخير والصلاح والتوفيق، فقال تعالى يخاطب رسولَه الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ـ «واصبِرْ نفسَك مع الذين يَدْعون ربَّهم بالغَداةِ والعَشِيِّ يُريدونَ وَجْهَه..» [سورة الكهف:28].
ـ «ولا تَطرُدِ الذين يَدْعون ربَّهم بالغداةِ والعَشيِّ يُريدونَ وجهَه..» [سورة الأنعام:52].
وهذه ـ أيّها الإخوة الأعزّة ـ باقة عاطرة من الأحاديث الشريفة تنصح وتعيّن وتُرشد:
ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أسعدُ الناس مَن خالَطَ كرامَ الناس» (بحار الأنوار 185:74 / ح 2 ـ أمالي الصدوق:14).
ـ وقال أميرالمؤمنين عليه السلام: «صاحبِ الحكماء، وجالسِ الحُلماء، وأعرِضْ عن الدنيا، تَسكُنْ جنّةَ المأوى» (غرر الحكم:202).
«صاحبِ العقلاء، وجالس العلماء، واغلِبِ الهوى، تُرافِقِ الملأَ الأعلى» (غرر الحكم:202).
«قارِنْ أهلَ الخير تكن منهم، وبايِنْ أهلَ الشرّ تَبِنْ عنهم» (قانون دستور معالم الحِكم:92).
«عَجِبتُ لِمَن يرغب في التكثّر من الأصحاب كيف لا يَصحَب العلماءَ الألبّاء الأتقياء، الذين يَغنَم فضائلَهم، وتُهذّبه علومُهم، وتُزيّنه صُحبتُهم» (غرر الحكم:219).
«مَن دعاك إلى الدار الباقية، وأعانك على العمل لها، فهو الصديق الشفيق» (عيون الحكم 368:6).
ـ وللإمام الصادق سلام الله عليه كلماته في هذا الموضوع، هذا بعضها:
«مَن غَضِب عليك من إخوانك ثلاث مرّاتٍ فلم يَقُل فيك شرّاً، فاتّخِذْه لنفسك صديقاً» (بحار الأنوار 173:74 / ح 2 ـ عن: أمالي الصدوق:532 / ح 7 ـ المجلس 95).
«لا تَعتدَّ بمودّة أحدٍ حتّى تُغضِبَه ثلاث مرّات» (بحار الأنوار 239:78 / ح 5 ـ عن: تحف العقول).
«إذا أردت أن تعلم صحّةَ ما عند أخيك فأغضبْه، فإن ثَبتَ لك على المودّة فهو أخوك، وإلاّ فلا» (تحف العقول:262).
«لا تُسَمِّ رجلاً صديقاً، سَمِّه معرفةً حتّى تَخْتَبِرَه بثلاث: فتنظر غضبُه يُخرِجه من الحقّ إلى الباطل ؟ وعند الدينار والدرهم، وحتّى تسافر معه» (بحار الأنوار 180:74 / ح 28 ـ عن: أمالي الطوسي 260:2، مصادقة الإخوان للصدوق:50 / ح 1 ـ الباب 32).
ـ ومن موعظة بليغةٍ للإمام الحسن المجتبى عليه السلام لجُنادة، وهو عليه السلام على فراش الشهادة في يومه الأخير:
«إصحَبْ مَن إذا صَحِبتَه زانك، وإذا خدمتَه صانك، وإذا أردتَ منه معونةً أعانك، وإن قلتَ صدّق قولك، وإن صُلتَ شدَّ صَولك، وإن مَدَدتَ يدك بفضلٍ مَدَّها، وإن بَدَت عنك ثُلْمةٌ سَدَّها، وإن رأى منك حسنةً عَدَّها، وإن سألتَه أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك، وإن نزَلَت إحدى المُلمّات به أسِيَ لك» (بحار الأنوار 139:44 / ح 6 ـ عن: كفاية الأثر للخزّار:226).
وفي المقابل مَن أراد أن يكون صديقاً لأحد، لابدّ أن يتحلّى بهذه الصفات، ولابدّ أن تكون منه هذه المواقف والأخلاق تجاه صديقه، لتنعم صداقته معه بالوفاء والإخاء والتعاون والتكافل، والانسجام والوئام والدوام، ولتكون سبباً للأعمال الصالحة الخيّرة في الدنيا، وللآثار المحبوبة المُفرحة في الآخرة.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.