الواجهة » الإسلام » تربويات » طرائف.. وظرائف » طرائف.. وظرائف (56)
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


طرائف.. وظرائف (56)

العلم موضوع لذيذ، وهو في الوقت ذاته نافعٌ مفيد، فيه الأنس العقلي والنفسي، وفيه تطبيقات عمليّة حياتية، وفيه نور المعرفة وهداية القلب، ومن نتائجه حسن العمل واستقامة السلوك والتصرّف، والسلامة والعافية وخدمة الناس.
ـ ومن هنا شجّع الإسلام على التزوّد بالعلم، وجعله حياة الإنسان السليمة، وأنشد فيه الشعراء أبياتاً، كان منها قول أحدهم:
العلمُ في الصدر مِثلُ الشمسِ في الفَلَكِ
والعقلُ للمرءِ مِثلُ التاجِ للمَلِكِ
فآشدُدْ يَدَيك بحبلِ العلمِ معتصماً
فالعلمُ للمرءِ مِثلُ الماءِ للسَّمَكِ
وقال شاعر آخر يجمع بين الجدّ والهزل:
لا تنقلوا الأقدامَ إلاّ إلى
مَن لكمُ مِن عندِه فائدة
إمّا لعلمٍ تستفيدونَهُ
أو لكريمٍ عندَه مائدة!
وهناك شاعر ينبّه ويصوّر في الوقت ذاته، فيقول:
خُذْ مِن علومي ولا تَنظُرْ إلى عملي
واقصِدْ بذلك وجهَ الخالقِ الباري
إنّ العلومَ كأشجارٍ لها ثمرٌ
إجنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للنارِ
شفاءُ العمى طولُ السؤال، وإنّما
تمامُ العمى طولُ السكوتِ على الجهلِ
ـ والعلم يُنال بوسائل: مرّةً بالمطالعة، ومرّةً بالاستماع، وأخرى بالتفكّر والتأمّل، ورابعة بكثرة السؤال لاستحصال الأجوبة المرشدة الشافية، يقول أحد الشعراء:
ويأتي شاعر آخر يتذمّر من معاشرة الناس، ثمّ يحدّدها بأمرين فيقول:
لقاءُ الناس ليس يُفيد شيئاً
سوى الهَذَيانِ مِن قِيلٍ وقالِ
فأَقْلِلْ مِن لقاءِ الناسِ إلاّ
لأخذ العلمِ أو إصلاحِ حالِ
ـ ومن العلم ـ أيُّها الإخوة الأعزّة ـ تعلّم اللغات، لا سيّما إذا احتاجها الإنسان واضطُرّ إليها، ليتفاهم أو ليبلّغ أموراً أو ليقرأ بها علماً، أو لينشر من خلالها مفاهيمَ نافعة، وفي ذلك قال الشاعر صفيّ الدين الحلّي:
بِقَدْرِ لغاتِ المرءِ يكثُر نفعُهُ
وتلك له عندَ الشدائدِ أعوانُ
فبادِرْ إلى حفظِ اللغاتِ مسارعاً فكلُّ لسانٍ بالحقيقةِ إنسانُ
ـ والعلم ـ إخوتَنا الأفاضل ـ يُحفَظ في القراطيس، لأنّ الأذهان تنسى وتتوهّم وتُخلّط أحياناً، فكم جاءت المنقولات اللسانية بأمورٍ تباينت مع ما قيل وعُرِف، ولكنّ الأوراق حَفِظت لنا النصوص، من الآيات الكريمات، والأحاديث الشريفات، وكلمات أهل البيت عليهم السلام، والأشعار والقصص والعلوم والبحوث والمصنّفات والسِّير والتآريخ، ومن هنا أكّد الإسلام الحنيف على التدوين، ففي القرآن الكريم يأتي الأمر الإلهيّ في أطول آيةٍ فيه، وهي الآية (282) من سورة البقرة، وتسمّى «آية الدَّين»، يقول الله تعالى في مستهلّها: «يا أيُّها الذين آمَنُوا إذا تَدايَنْتُم بدَينٍ إلى أَجَلٍ مُسمّىً فاكتُبُوه، ولْيَكتُبْ بينَكُم كاتبٌ بالعدل، ولا يَأْب كاتبٌ أن يَكتُبَ كما عَلَّمه اللهُ فَلْيَكتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذي علَيهِ الحقُّ ولْيَتَّقِ اللهَ ربَّه..».
وقد رُوي عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «قَيِّدوا العلمَ بالكتاب»، كما رُوي عن حفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: «اكتُبوا ما سمِعتُم مِن الأحاديث، فإنّكم لا تَحفَظون حتّى تكتبوا»، وقال سلام الله عليه أيضاً: «القلب يتّكل على الكتابة»، وعنه صلوات الله عليه رُوي قوله للمفضَّلِ بن عمر: «اكتبْ وبثَّ علمك في إخوانك، فإن مُتَّ فأورِثْ كتبَك بَنيك؛ فإنّه يأتي على الناس زمانُ هَرْجٍ لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم».
وقد قال أحد الشعراء:
الخطُّ يبقى زماناً بعدَ كاتبِهِ
وصاحبُ الخطِّ تحت الأرضِ مَدفونُ
ـ وهنا يأتي التأليف، جمع النصوص والأخبار والحقائق والآراء، بل وهنا تأتي خطورة الأمر، حيث لابدّ من: الاستعداد والدقّة والتقوى والتثبّت والأخذ من المنابع الصافية والتريّث والحذر والمراجعة والاستشارة، والاستجابة للضرورة، واجتناب الأهواء، وحسن النيّة، وقد أحسن الشاعر حين قال:
وما مِن كاتبٍ إلاّ سيَفنى
ويبقى الدهرَ ما كتَبَت يداهُ
فلا تكتُبْ بخطِّك غيرَ شيءٍ
يَسُرُّك في القيامةِ أن تَراهُ
قد يكتب المرءُ شيئاً حسناً، ولكنّه بعد ذلك يغزو قلبَه: الغرورُ والعُجب والتكبّر وحبّ الشهرة والسمعة، وجمع المال، والرياء والمراء، وينسى أن يشكر الله تعالى على ما أنعم عليه من المواهب، بل ينسى أنّه لم يكتب إلاّ بعد أن مكّنه الله عزّوجلّ من التعلّم والحفظ والبيان، فلِلّهِ المِنّة والفضل أوّلاً وآخراً، ثمّ ينسى أنّ الله جلّ وعلا لو لم يُنعم عليه لأخذ يتخبّط في الضلالات، ولانحرف عن الصراط المستقيم، وتحمّل بإضلاله الناسَ أخطرَ إثمٍ عظيم!! فَلْيَحذرْ، ولْينسبِ الخير كلَّه إلى المنعم الكريم، وليعلم أنّه ما يزال صغيراً مهما كبر، كما يقول الشاعر متواضعاً:
وما أنَا إلاّ قطرةٌ مِن سَحابةٍ
ولو أنّني ألّفتُ ألفَ كتابِ
ـ وهنا بلغ الحديث بنا إلى الكتاب، وُجودُه عند الناس نعمة، فإذا اجتمعت منه أعداد كوّن بستاناً فيه لذةٌ وأنسٌ واستفادة، وقد كان للشعراء حوله أبيات، منها:
ولكلِّ طالبِ لذّةٍ مُتَنَزَّهٌ
وألذُّ نُزهةِ عالِمٍ في كُتْبِهِ
ما تطعّمتُ لذّةَ إذا العيشِ حتّى
صِرتُ للبيتِ والكتابِ جَليسا
نعِمَ الأنيسُ إذا خَلَوَتَ كتابُ
تَلهو به إن خانك الأحبابُ
لا مُفْشِياً سِرّاً إذَا استودَعتَهُ
وتُفاد مِنه حكمةٌ وصوابُ
ومن هنا أخذ بعضُهم يجد في نفسه حرصاً على الكتاب، يحفظه ويعاتب من لا يعتني بأهميّته، حتّى كتب أحد أهل العلم على كتبه هذه العبارة: الكتاب أمانة، وهو حقيقٌ بالصيانة. وكتب آخر على كتبه: كتابي أعزُّ شيءٍ علَيّ، وإحسانُك له إحسانٌ إليّ.
هذا لأنّ الكتاب يضمّ علماً أو علوماً يحتاجها الإنسان، فيقبح احتكاره أو حبسه عن الآخرين الذين يطلبون الاستفادة منه، فقال أحدهم لمستعيرٍ كتاباً منه:
ماذا جناه كتابي فاستحقَّ بهِ
سجناً طويلاً وتَغييباً عن الناسِ ؟!
فآطلقْه نسألْه عمّا كان حلَّ بهِ
في طولِ سجنِك مِن ضُرٍّ ومن باسِ
يريد تذكيره بردّ الأمانة وأدائها إلى أهلها، فيما قال آخر ربّما تذمّر من عدم إرجاع كتبه فامتنع:
ألا يا مُستعيرَ الكُتْبِ أَقصِرْ
فإنّ إعارتي للكتبِ عارُ
فمحبوبي من الدنيا كتابي
فهل أبصرتَ محبوباً يُعارُ!
حيث يقطع بعض المستعيرين سبيل الخير، بسبب إحراجهم لأصحاب الكتب، وعدم مراعاة شعورهم وحاجتهم لكتبهم، لا سيّما إذا كانوا من أهل المطالعة والمراجعة والتأليف والتبليغ!
ـ ويأتي زمان يموج بالفتن والمشاكل، فيجد بعض الناس ضرورة العُزلة، حفاظاً على دِينهم وأخلاقهم وأُسرهم حيث خطورة الاختلاط المفرط مع الآخرين، وكثرة المحاذير والمشاغبين. وفي العزلة عادةً فراغ يعانيه المرء، فلابدّ من إملائه، مرّةً باللهو البريء، وأخرى بالعبادة، وثالثة بالمطالعة والاستئناس بالكتب، على ألاّ ينتهي الأمر إلى بُغْض الآخرين واحتقارهم ونموّ العقد النفسية في بواطن الإنسان، والانغلاق المطبق، حتّى يقول القائل:
أنَا مَن بدّلَ بالكُتْبِ الصِّحابا
لم أجِدْ لي وافياً إلاّ الكتابا
إلاّ مِن باب إشغال الوقت معظمه في طلب العلم عن طلب اللهو والمعاشرة المُضرّة، أو من باب تفضيل الاستئناس بالكتاب في حال فقدان الأخ المناسب للصداقة، كما يقول شاعر:
إن خانني الأصحابُ
فصاحبي الكتابُ
أو كما يقول الآخر مسليّاً نفسه:
نِعمَ الإنيسُ الكتابُ إن خانك الأصحابُ
ـ وهنا ملاحظات: إحداها أهميّة وضرورة اختبار الكتاب النيّر الذي يأتي بالعلم المفيد، ويضيف إلى عقولنا وقلوبنا ما نزداد به هدىً وخُلقاً فاضلاً.
وإحداها أيضاً أن نعلم أن ليس كلّ العلم والمعرفة والنور والبصيرة في الكتاب، فهناك وسائل أخرى لبلوغ درجات العلم، فإذا حصر المرءُ معرفته بالكتب ربّما كانت عليه حجاباً عمّا خارجها. ثمّ أين نحن من التجارب والممارسات، وتطبيقات العلم التي تأتي بعلومٍ جديدة، كما ورد في الأثر أنّ مَن عَمِل بما يعلم أورثه الله علمَ ما لم يعلم.
ولكنّ الكتاب أحد وسائل التعلّم والتلقّي، وهو الحافظ للجهود الفكريّة والتجارب العلميّة، لتكون أوّلياتٍ لمن يريد أن يواصل في درجات سلّم المعارف. وكم مِن علمٍ تأتّى عن تجارب عمليّة أو اجتماعية، وكم من علمٍ تولّد عن مباحثاتٍ ومناظراتٍ وحواراتٍ تريد التوصّل إلى حقائق، وكم من علمٍ أثمر عن تفكّرٍ عميق وتأمّل دقيق، واعتبارٍ بالعِبر الوفيرة التي نسمع عنها أو نراها بأعيننا، وكم مِن علمٍ ينحصر في العقول ولكنّ علوماً أخرى تسري إلى القلب والنفس والروح والضمير، فتُشرق عن توحيد الله وعبادته وطاعته، ونوال مرضاته، وعن تقوى تمنع من الذنوب والآثام والموبقات وتفيض أخلاقاً حسنةً فاضلة، وعن شوقٍ لتطبيق شرائع الإسلام ومناهجه المباركة، وعن لهفةٍ للصلة برسول الله صلّى الله عليه وآله وبأهل بيته الميامين صلوات الله عليهم أجمعين، بذِكر فضائلهم ومناقبهم وسيرتهم الطاهرة ومعارفهم النيّرة، وبزيارة مراقدهم الشريفة الزاكية.

Copyright © 1998 - 2018 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.