الواجهة » الإسلام » عقائديات » الأول من ذي القعدة
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الأول من ذي القعدة

في مثل هذا اليوم سنة (6) هجرية كان صُلح الحُدَيبيّة.. لماذا؟
لأنّ الإسلام هو دين السلام، ودين الدعوة إلى حقائق التوحيد ومكارم الأخلاق، وهدفه الأكبر هداية الناس إلى طريق الحقّ والخير والفضيلة، وقد لا يحصل ذلك أمام السدود التي يضعها له أعداؤه، وفي وجه الحِراب التي يشهرونها عليه، فيقتضي الأمر أن يدافع الإسلام عن نفسه وعن أتباعه بردّ الحجر مِن حيث جاء أوّلاً، وأن يفسح المجال لكي ينشر شريعته في الآفاق ثانياً.
فإذا أمِنَ الشرور سالَمَ وصالح وفق شروطٍ وعهودٍ ومواثيق؛ لأنّ الإسلام لا يحبّ القتال أبداً إلّا في جهاد المتجاوزين عليه وعلى الحرمات، ولأنّ السلام أدعى له أن ينشر معارفه وفضائله، ويحمي مَنِ استظلّ به ويُؤْمنه.
ومن هنا – إخوتنا الأعزّاء – كان صلح الحديبيّة، وكانت فيه عزّة الإسلام والمسلمين، كما كان فيه الأمان والتضمين في المعايشة السلميّة، حتّى تتسنّى الفرص لبناء المجتمع الإسلاميّ اعتقاديّاً واقتصاديّاً وأخلاقيّاً وعسكريّاً، وحتّى تتهيّأ الأجواء المناسبة للعقول الجاهلية لكي تتفهّم مقاصد الدين الحنيف وخيراته وعوائده الطيّبة، لعلّها تؤوب إلى رشدها، فتنزل عن مكابرتها.

* * *

ولمّا أقدم رسول الله صلّى الله عليْه وَآلِه على الصلح بأمرٍ من الله عزّ وجلّ، ولمنافع تعود على الأمّة، دخل المسلمون في امتحانٍ جديدٍ آخر، كان قبله خوض المعارك، ثمّ جاء تكليف التسليم لِما أراد الله جلّ وعلا، فبعد أن تمّت المصالحة أظهر بعض الصحابة انزعاجهم بل واعتراضهم، فقال أحدهم لرسول الله صلّى الله عليه وآله: لماذا نُعطي الدنيّة في ديننا ونرضى بهذه المصالحة؟! وكأنّه يتغاير على الإسلام أكثر من رسول الله! فأجابه صلّى الله عليه وآله بأنه لم يفعل ذلك إلّا بما أمره ربّه عزّ وجلّ. وتساءل آخر: يا رسول الله، ألم تقل لنا أنّا ندخل المسجد الحرام (الكعبة) ونحلّق مع المُحلّقين؟ سأله صلّى الله عليه وآله: «أمِن عامنا هذا وعَدْتُك؟!»، قال: لا. فذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله له أنّه سيدخل مكّة ويطوف هناك، وتصديقه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [سورة الفتح: 27]، وقد نزلت هذه الآية المباركة على رسول الله صلّى الله عليه وآله حين رجوعه إلى المدينة. (منتهى الآمال، للشيخ عبّاس القمّي 1: 158).

* * *

هذا موقف، وهنالك موقف عُرِف بالتسليم والتصديق والامتثال، وذلك لمّا اتّفق الطرفان على كتابه عهد الهدنة، دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام، فأخذ أديماً أحمر فوضعه على فخذه وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم..»، فقال سُهيل بن عمرو الذي كان يمثّل زعماء قريش: هذا كتابٌ بيننا وبينك يا محمّد، فافتتِحْه بما نعرفه، واكتب: باسمِك اللّهمّ، فقال صلّى الله عليه وآله لعليٍّ عليه السلام: «أُكتبْ: باسمك اللّهمّ، وامحُ ما كتبت»، فقال عليه السلام: «لولا طاعتك يا رسول الله لَما محوت»، فقال النبيّ له: «أُكتبْ: هذا ما قاضى عليه محمّدٌ رسول الله سُهيلَ بن عمرو»، فقال سهيل: لو أجبتُك في الكتاب إلى هذا لَأقررتُ لك بالنبوّة! فامحُ هذا الاسم واكتب: محمّدُ بن عبد الله، فقال عليّ عليه السلام لسهيل: «إنّه واللهِ لَرسولُ الله على رغم أنفك!»، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «إمْحُها يا عليّ»، قال: «يا رسولَ الله، إنّ يدي لا تنطلق تمحو اسمَك من النبوّة»، قال: «فَضَع يدي عليها»، فمحاها رسول الله صلّى الله عليه وآلهِ بيده.. وكتب الإمام عليه السلام عهد الهدنة على هذه الصيغة: «هذا ما قاضى عليه محمّدُ بن عبد الله بن عبد المطّلب ومَن معه من المسلمين، سهيلَ بن عَمرٍو ومَن معه من أهل مكّة: على أنّ الحرب مكفوفة، فلا إغلال، ولا إسلال، ولا قتال. وعلى أن لا يُستكرَهَ أحدٌ على دِينه، وعلى أن يُعبَد اللهُ بمكّة علانية، وعلى أنّ محمّداً ينحر الهَدْيَ مكانه، وعلى أن يُخلّيَها له في قابلٍ ثلاثةَ أيّام فيدخلها بسلاح الراكب، وتخرج قريشٌ كلُّها مِن مكّة إلّا رجلٌ واحد من قريش يخلفونه مع محمّدٍ وأصحابه. ومَن لَحِقَ محمّداً وأصحابَه من قريش فإنّ محمّداً يردّه إليهم، ومَن رجع من أصحاب محمّدٍ إلى قريش بمكّة فإنّ قريشاً لا تَردّه إلى محمّد» (إعلام الورى بأعلام الهدى، للطبرسي 1: 204 – 205، عنه بحار الأنوار للمجلسي 20: 362).

* * *

ويمرّ عام.. فيكثر المسلمون في مكّة، وحَسَب بنود الهدنة لا يلتحقون بالمدينة، فبقَوا يبلّغون الإسلام هناك ويتكاثرون، ويحجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد ذلك مع أصحابه في موسمٍ مَهيب ظهرت فيه عزّة الإسلام وعزّة رسول الإسلام، وأُجريت المناسك، وكُسِرت القيود أمام دعوة الدين الحنيف، وتشجّع الناس على الإقبال عليه، ثمّ كانت الفتوحات والانتصارات، والمفاخر والدعائم والتوسّعات.

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.