الواجهة » الإسلام » عقائديات » في ذي الحجّة الحرام
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


في ذي الحجّة الحرام

في هذا الشهر الحرام من سنة (32) هجريّة.. تُوفي الصحابيّ البارّ برسول الله صلّى الله عليه وآله أبو ذرّ الغِفاريّ رضوان الله عليه غريباً مظلوماً في (الربذة). (تاريخ الطبري 3: 354، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 66: 217، البداية والنهاية لابن كثير 7: 185. ويراجع: الغدير للأميني 8: 332). وكان رحمه الله ثالثَ مَن أسلم، أو رابعاً، وعلى قولٍ خامسَ مَن أسلم، ثمّ عاد إلى قبيلته لينشر فيها دين المصطفى الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبعد سنواتٍ رجع إلى جانب النبيّ إلى آخر عمره المبارك صلّى الله عليه وآله. وأمّا قصّة إسلامه فيذكرها الشيخ المجلسيّ بأخبارها الممتعة في (بحار الأنوار 22: 393 - 437 / 51 خبراً)، وهي تكشف عن أصالته وطيب نشأته، وحسن تصديقه، ويكفيه شرفاً مدح رسول الله إيّاه وقوله صلّى الله عليه وآله فيه:
«ما أَظَلَّتِ الخضراء، ولا أَقَلّتِ الغبراء، على ذي لهجةٍ أصدقَ مِن أبي ذرّ» (علل الشرايع للصدوق: 70، بحار الأنوار 15: 109 و22: 417، 31: 177، 36: 302).
وقد خصّه رسول الله صلّى الله عليه وآله بوصيّةٍ مباركةٍ مفصّلةٍ في مسجده الشريف، مغتنماً أبو ذرّ خلوةً فيه، فقال له: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، أوصِني بوصيّةٍ ينفعني الله بها، فقال صلّى الله عليه وآله له: نعم، وأَكرِمْ بك يا أبا ذرّ، إنّك منّا أهلَ البيت، وإنّي مُوصيك بوصيّةٍ فاحفَظْها؛ فإنّها جامعةٌ لطرقِ الخير وسُبلِه..»، ثمّ شرع صلّى الله عليه وآله يُوصي صاحبه البارّ المخلص بقضايا عديدة، اشتملت على العقائد والأحكام والأخلاق حتّى استغرقت في بعض المؤلّفات التي نقلَتْها (15) صفحة. (يراجع: مكارم الأخلاق للطبرسي الحسن بن الفضل: 458 - 473).
ذلك أَنْ كان لأبي ذرّ منزلةٌ رفيعة عند رسول الله صلّى الله عليه وآله، والمستفاد من أخبار العامّة والخاصّة أنّه لم يكن لأحدٍ من الصحابة بعد مرتبة المعصومين عليهم السلام مَن هو بجلالةِ القَدْر ورفعة المنزل كـ: سلمان الفارسيّ، وأبي ذرّ الغفاريّ، والمقداد وعمّار رضوان الله عليهم. فهؤلاء الذين آمنوا وثبتوا على إيمانهم فلم يرتدّوا - كما جاء عن الإمام الباقر عليه السلام (سفينة البحار للشيخ المحدّث عبّاس القمّيّ 2: 271)، كذلك ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام قوله: «إذا كان يومُ القيامة نادى مُنادٍ: أين حَواريّو محمّدِ بن عبد الله رسولِ الله (صلّى الله عليه وآله) الذين لم ينقضوا العهد ومَضَوا عليه؟ فيقوم سلمان والمِقداد وأبو ذرّ. (الاختصاص للشيخ المفيد: 61، الدرجات الرفيعة للسيّد علي خان المدني: 432).

* * *

وإذا كان لأبي ذرّ الغِفاريّ رضوانُ الله عليه خصائصه المتميّزة بين الصحابة، وهي عديدة، إلّا أنّ التي برزت واشتهرت ثلاث، وهي: روايته، وولايته، وشجاعته. فقد حدّث كثيراً حول سنن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونقل العديد من أقواله المباركة وأحاديثه الشريفة، لاسيّما في بيانات الآيات القرآنيّة وفضائل أهل البيت عليهم السلام، وكان منها: رواية تصدّق الإمام عليّ عليه السلام بخاتمه على مسكين وهو في صلاته، ونزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٥] (بحار الأنوار 35: 201 / ح 24 - عن: سعد السعود للسيّد ابن طاووس)، وروايته حديث السفينة «إنّ مَثَلَ أهلِ بيتي في أُمّتي كمَثَلِ سفينة نوحٍ في قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تَخلَّف عنها غَرِق! » (الاحتجاج للطبرسيّ: 83 - عنه: بحار الأنوار 23: 119 / ح 38)، هذا، وكم حدّث فيهم سلام الله عليهم وهو آخِذٌ بحلقة باب الكعبة أيّام موسم الحاج، ينادي بالحُجّاج: «أيّها الناس، مَن عَرَفني فقد عَرَفني، ومَن لم يعرفني [ومَن جَهَلني] فأنا جُندب، أنا أبو ذرّ. أيُّها الناس، إنّي سمعتُ نبيَّكم يقول:..».
وتلك ولايته، وقد امتُحِن فهُدّد بأن تذهب غُنَيماته، فما يتعيّش به؟! فأجاب: يبقى لي توحيدُ الله تعالى، والإيمان بمحمّدٍ رسول الله صلّى الله عليه وآله، وموالاةُ أخيه سيّدِ الخَلق بعدَه عليِّ بن أبي طالب، وموالاة الأئمّة الهادين الطاهرين مِن وُلدِه، ومعاداةُ أعدائهم، وكلُّ ما فات من الدنيا بعد ذلك سهل! (تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام: 26 - عنه: بحار الأنوار 22: 393 / ح 1). وفي محنته قال: أصبحتُ يومي هذا وأنا مِن أغنى الناس، تحت هذا الأُكاف الذي تَرَون رغيفا شعيرٍ قد أتى عليهما أيّام، وقد أصبحتُ غنيّاً بولاية عليّ بن أبي طالبٍ وعترته. (رجال الكشّيّ: 27 / الرقم 53).
ثمّ شجاعته التي صدعت باستنكار الظلم والأَثرة والفساد والتمييز القبليّ، والانحراف عن الكتاب والسنّة، ونهب بيت مال المسلمين، فجاهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحدّى رموز الشام والحجاز، وهتف بولاية أهل البيت وأحقّيّتهم بالخلافة النبويّة، فكانت مكافأتُه ترحيله إلى منفى (الربذة)، ليقضيَ هناك بقيّة حياته في غربةٍ وفقرٍ وعزلةٍ عن الناس، هو وزوجته وابنته، حتّى توفّاه الله تعالى كما أخبر النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وآله أنّه يموت وحدَه، ويُبعَث وحده! فجاءت قافلة من العراق فأدركته متوفّىً لِتوّه، فصلّى عليه عبد الله بن مسعود وكفّنه مالك الأشتر. (أُسد الغابة لابن الأثير 1: 302، تاريخ اليعقوبي 2: 70، تاريخ مدينة دمشق 66: 174 - 223، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 52، الغدير 8: 292 - 308).

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.