الواجهة » الإسلام » عقائديات » في ذي الحجّة الحرام
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


في ذي الحجّة الحرام

في هذا الشهر سنة (148) هجريّة.. تُوفّي الفقيه زُرارة بن أَعين رحمه الله بعد شهادة الإمام جعفر الصادق عليه السلام بشهرين أو أقلّ، وكان على فراش المرض أيّام شهادة الصادق سلام الله عليه (رجال الكشّي: 142 - 143)، وكان رجلاً فقيهاً متكلّماً، شاعراً أديباً، والمشهور أنّه من أوائل فقهاء أصحاب الأئمّة عليهم السلام.
اسمه: عبد ربّه، وكنيته: أبو الحسن، وربّما كَنَّوه بأبي عليّ، وبنوه: حسن وحسين ورومي وعبيد وعبد الله ويحيى. وكان رجلاً جميل المُحيّا، آتاه الله بسطةً في الجسم والعقل، وهيبةً في القلوب، ظهرت عليه آثار العبادة، وكان الناس يجتمعون لرؤيته، ويزدحمون عند عودته إلى بيته (منتهى الآمال، للشيخ عبّاس القمّيّ 2: 269 - 270، وفيه: وجلالته وعظمة قدره أكثر من أن تُذكرا، فقد جُمِعت فيه الخصال الحميدة من: العلم والفضل والفقه، والديانة والوثاقة. وهو مِن حَواريّي الصادقَين (الباقر والصادق) عليهما السلام. وقد نقل عنه يونس بن عمّار حديثاً عند الإمام الصادق عليه السلام في باب الإرث، وكان أخَذَه زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام، فقال الصادق عليه السلام: «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، فلا يجوز أن تَرُدّه!»: اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي 1: 346 / الرقم 211. كما رُوي أنّ أبا عبد الله الصادق عليه السلام قال للفيض بن المختار: «فاذا أردتَ حديثَنا فعليك بهذا الجالس»، وأومأ بيده المباركة إلى زُرارة بن أعيَن رحمه الله. كما رُويَ أنّه عليه السلام قال: «لولا زرارة لَظننتُ أنّ أحاديث أبي [أي الإمام الباقر] عليه السلام ستذهب!»: (اختيار معرفة الرجال 1: 345 / الرقم 210).
وقال عليه السلام له يوماً: «فإنّما أَعيبُك؛ لأنّك رجلٌ اشتهرتَ بنا وبمَيلِك إلينا،.. فأحببتُ أن أَعيبك ليحمدوا أمرك في الدِّين بعيبك ونقصك..»، وشبّهه بالسفينة التي عابها الخضر عليه السلام لكي تسلم من الملك الغاصب، ودعا عليه السلام لولديه: حسنٍ وحسين بالحفظ بصلاح أبيهما كما حَفِظ الغلامين (بحار الأنوار للشيخ المجلسي 2: 247 - عن رجال الكشّي).
وسأل إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ الإمامَ الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله، أخبرني عن زرارة، هل كان يعرف حقّ أبيك [الكاظم] عليه السلام [أي إمامته]؟، فقال عليه السلام: «نعم»، فسأل: فَلِمَ بعث ابنَه عبيداً ليتعرّفَ الخبرَ إلى مَن أوصى الصادق جعفرُ بن محمّدٍ عليه السلام؟ فقال: «إنّ زرارة كان يعرف أمر أبي عليه السلام، ونصَّ أبيه [أي الصادق] عليه السلام عليه، وإنّما بعث ابنه ليعرف من أبي عليه السلام: هل يجوز أن يرفع التقيّة في إظهار أمره ونصِّ أبيه عليه؟ وإنّه لمّا أبطأ عنه ابنه طُولب بإظهار قوله في أبي عليه السلام، فلم يحبّ أن يُقْدم على ذلك دون أمره، فرفع المصحف وقال: اَللّهمَّ إنّ إمامي مَن أثبت هذا المصحفُ إمامتَه، مِن وُلد جعفر بن محمّد عليه السلام» (كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق: 75 - عنه: بحار الأنوار 47: 338 - 339 / ح 18).
ونُقل عن ابن أبي عمير أنّه قال: قلت لجميل بن درّاج: ما أحسنَ محضرَك، وأزينَ مجلسَك! فقال: إي والله، ما كنّا حول زرارة بن أعيَن إلّا بمنزلة الصبيان في الكتّاب حول المعلّم! (اختيار معرفة الرجال 1: 346 / الرقم 213).
وفي (رسالة أبي غالب الزراريّ: 136): رُويَ أنّ زرارة كان وسيماً جسيماً.. وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجّادةٌ وفي يده عصا، فيقوم له الناس سماطين ينظرون إليه لحُسن هيئته، فربّما رجع عن طريقه. وكان خَصِماً جَدِلاً لا يقوم أحدٌ لحجّته، إلّا أنّ العبادة أشغلته عن الكلام.. ويقال: إنّه عاش سبعين سنة. ولآل أعيَن من الفضائل ما رُوي فيهم أكثر من أن يُكتَب، وهو موجود في كتب الحديث.

* * *

وتنقضي الأعمار.. ويرحل الناس عن هذه الدنيا مخلّفين فيها عند الاحتضار حسراتٍ حرّى، إذ قَضَوا حياتهم باللهو والغفلات الطويلة، ثمّ رحلوا بلا عودةٍ يستدركون فيها ما فاتهم، أو يعوّضون ما ضيّعوه من بين أيديهم، فتبخّرت السنوات، وبقيت الأعمال ماثلة أمام العيون، لكنّ بعض الناس كانوا موفّقين بصحبة أهل البيت عليهم السلام ومرافقتهم، والاستفادة من علومهم، والأخذ بسننهم، وترويج معارفهم، وبثّ رواياتهم وعلومهم.. وكان منهم زرارة بن أعيَن، وقد جمع إلى العلم عبادة، وإلى العبادة معرفة، وإلى العلم والعبادة نشر العقائد الحقّة، والأحكام الإلهيّة، ومكارم الأخلاق.. من خلال الصحبة المباركة لأئمّة الهدى عليهم السلام، ثمّ من خلال الأخذ عنهم بعد التمسّك بولايتهم، والرحيل إليهم، والانتفاع من فضائلهم.. ورحم الله الشاعر الأديب حيث يقول في محمّد صلّى الله عليه وآله:
إليهم.. وإلّا لا تُشَدّ الركائبُ
ومنهم.. وإلّا لا تَصحُّ المواهبُ
وفيهم.. وإلّا فالحديثُ مُزخرَفٌ
وعنهم.. وإلّا فالمحدِّثُ كاذبُ

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.