الواجهة » الإسلام » التاريخ الإسلامي » سَفَرٌ.. عَبرَ التاريخ
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


السفر العاشر
الهام ها ؟! ما لي أراك واجماً يا أخي كالمحزون ؟! أحَدثَ شيء يُقلِقُكَ ويؤذيك ؟
أحمد ( متفاجئاً ): لا.. لا، لم يَحدُث شيء!
الهام ولكن.. لماذا هذا الوجوم والسُّهوم ؟!
أحمد الحقيقة.. الحقيقة أنّ قلبي مغمور بالهمّ! منذ يومين والحزنُ جاثم على صدري لا يُغادره!
الهام وفيمَ هذه الأحزان يا أخي ؟! أبْعَدَ اللهُ عنك كلَّ سوء!
احمد حزني ليس حزناً عاطفياً يا إلهام.. ولكنّي حزين على ما أرى في حياة الناس! كلُّ ما في هذا الجيل يُثير في قلبي الأحزان، ويُقيم المآتم والمناحات!
الهام إلى هذا الحدّ ؟!
أحمد إلى هذا الحدّ وأكثر.. بل إلى حيث لا حدود! إنّ قلبي لَيبكي. يبكي على الإنسان!
الهام الإنسان ؟! وماذا حَلّ بالإنسان ؟! إنه يعيش على سطح هذا الكوكب كما كان يعيش أسلافُه الغابرون.. أمْ ترى أنّ شيئاً لا أعرفه قد حَدَث على الأرض ؟!
احمد كلاّ! لم يحدث جديد.. ولكن فكري هو الذي يغور في أعماق حياة الإنسان على الأرض، ويكتشف ما لم أكن أتفطّن إليه وأهتمّ به مِن قبل!
الهام عفواً! وما هو هذا الجديد الذي تفكّر فيه يا أخي ؟! يَعني هل..
احمد إنّه الصراع يا إلهام! الصراع الوجودي الكبير.. الرهيب.. الساحق الماحق.. الذي تنغمر فيه البشرية منذ ولادتها حتّى فنائها المخيف!
الهام حسبيَ الله! ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم! ما كنتُ أظنّ أنّ مشاعرك يا أحمد مُرهَفة ومرهفة إلى هذا الحدّ!
احمد لستُ مبالغاً ولا متكلّفاً.. لكنّ الصراع الذي تضجّ به الأرض هو الذي بدأ يدخل في وعيي، وهو الذي جعلني أستيقظ على الحقيقة المرّة لهذا الصراع المصيري الرهيب! ليست حياةُ الإنسان غيرَ الصراع، وليست الأرضُ كلّ الأرض إلاّ ساحةَ حربٍ خفيّة أو ظاهرة بين الخير والشر، بين صوت الحق وصوت الشيطان!
أفهمتِ إذاً لماذا أنا مغموم ومهموم ؟! أليست الأرض مأتماً عريضاً لهذه الضحايا التي تتساقط هنا وهناك في كل يوم، بل في كل لحظة وأوان ؟!
إلهام ( واجمة محزونة ): ها.. ؟! إنك لَتُثير في أعماقي مشاعرَ الحزن يا أخي! أشعر أنّ ما تقوله صحيح.. ولكنه يثير القلقَ والأحزان!
احمد لأنّ حقيقةَ هذا الصراع رهيبة مُحزِنة! ليس في الموضوع ذرّة من الهَزْل. ومَن يغفل عن هذا الصراع.. تَطوِه الأيام طيَّ الكائنات التافهة التي ليس لها وزن!
الهام ولكنّ الغَلَبة.. الغلبة لأبناء النور دائماً، أليس كذلك ؟
احمد أعرفُ ذلك وأُوقِن به. أعرف أن كلمة الله هي العُليا وكلمة الذين كفروا السُّفلى، وأعرف أن صوت الحق هو الغالب إلى يوم القيامة.. ولكن الذي يحزنني هو هذه الضحايا البشرية التي تَدوسها سَنابِكُ الزمن بغير مُبالاة. أنا أبكي هذه الأعمارَ البشرية التي تَذهب هَدراً. أبكي فُرَصَ العمل الصالح التي تَضيعُ سُدىً. أبكي حقيقةَ الإنسان العليا التي تَخنَسُ ذليلةً في وحول المعاصي والشهوات والإعراض. أبكي...
إلهام ( مُقاطِعةً برفق ): لك الحقُّ في ذلك كلّه يا أخي. ولكن.. ألاَ ترى أنّ الإنسان يختار بنفسه طريقَ المنزلَق والسقوط، أو يختار مَرقى السموّ والصعود ؟
احمد ومَن يَشُكّ في ذلك ؟! ولكنّ منظر هذه الملايين البشرية التي تَغرَق كل يوم في مستنقعات الظلام.. ألاَ يُثير الرأفة الإنسانيةَ والشَّفَقة ؟! ألاَ يَأسىَ الإنسانُ لهذه الفواجع اليومية وهي تُدمِّر الحياةَ البشرية التي أراد لها ربُّها سبحانه أن تكون صافيةً متألّقة بِجمَال التوحيد، وبنور الطاعة والعبادة والاستقامة على الصراط ؟!
الهام إنّ ما تقوله صحيح يا أخي، وقد بدأتُ أُدرك مشاعرك..
احمد أوَ ما رأيتِ كيف يُنادي القرآن الكريمُ الحسرةَ على العباد التائهين؟! الحسرة على الذين يخسرون أنفسَهُم في كل يوم..
الهام لعلّك تعني آيةَ سورة يس: يا حَسرةً على العِبادِ: ما يأتيهم مِن رسولٍ إلاّ كانوا به يَستهزئون ؟!
احمد وصلتِ إذَن إلى ما وصلتُ إليه.. فمِن حقّ المرء إذَن أن يأسى ويغمره الحزن ويَسكنه الغمّ.. أليس كذلك ؟
الهام هو كذلك.. وهو واقعيّ جداً.
احمد وإنّ ربَّنا الرحيم لَيَفرش الطريقَ أمامَ الإنسان ويُمهّده له.. ليتقدم ابنُ آدم نحو الخير والنور والجمال. وما يزال سبحانه وتعالى يحثّ البشرية أن تخطو في الطريق الأخضر المُفضي إلى جمال الحق وروعة الكمال، منذ بَعَث في الناس رسُلَه، وجَعَل بينهم أولياءه، وبثّ فيهم كتُبَه الهادية. لكنّ الإنسان ـ وا أسفاه على الإنسان! ـ كثيراً ما تستهويه الشهواتُ العاجلة، وتجذبه إليها همومُ النفس والجسد الرخيص!
الهام والفاجع في المسألة أن الإنسان يَعرف بالتجربة أنّ لذة الشهوة النفسية والجسدية سُرعانَ ما تَنقلب غُصّةً ليس له منها غير الذكرى المريرة!
احمد واضَيعَتَك يا أخي الإنسان! ويالَلغفلةِ التي تُريقُ دمَ القلب على مذابح الأوهام.. حتّى تَستنزِف كلَّ قطرةٍ فيه، ثم يلاقي الموتَ والحساب والعقاب!
الهام ربَّنا لا تُؤاخِدنا أن نَسِينا أو أخطأنا، واعفُ عنّا واغفِرْ لنا وارحَمْنا، أنتَ مولانا.. فانصُرْنا على القوم الكافرين..
احمد والآن.. أتريدين أن نواصل هذا السفرَ العامَّ في واقع الإنسان طيلة تاريخه الطويل، أم تريدين أن نرحلَ رِحلاتٍ محدودة بحثاً عن الأوائل كما هي عادتُنا في كل سفر من الأسفار ؟
الهام البحث عن الأوائل شيءٌ مُغْرٍ ومفيد. ولكنْ ما رأيكَ لو نستجلي ما بدأناه في هذا اللقاء أكثر فأكثر ؟
احمد كما تُحبّين. المهم أنّ لقاءنا يكون مفيداً وذا نفع. ومن هنا أودّ أن أدخل معكِ في موضوع قوة الإنسان، وضعف الإنسان! أي: متى يكون قوياً غالباً في الصراع، ومتى يكون ضعيفاً من المخذولين!
الهام هذه خطوة جديدة صالحة على الطريق.. حبّذا لو نمضي فيها قُدُماً إلى الأمام!
احمد من الوجهة العقائدية ـ كما هو من وجهة تجارب تاريخ الإنسان ـ أنّ المرء يفوز في صراعه الكبير المستمر متى تمكّن في قلبه الإيمان، وغدا هذا الإيمان أعلى وأغلى شيء لديه.
الهام هذا صحيح جداً يا أخي. وهذا شأن الأُمم، كما هو شأن الأفراد.
احمد أجَل.. إنّ الأمة المؤمنة الصالحة المتماسكة هي الغالبة في الصراع عاجِلاً أم آجِلاً. والهزيمة الماحقة لابدّ أن تكون من نصيب الباطtل وأبناء الظلام؛ لأنّ الباطل زائل مُضمحِلّ، ليس له من وجودٍ حقيقيّ في الحياة.
الهام نَطَقتَ بالحكمة والصَّواب!
أحمد ( مواصلاً ): وهذا الجيل الذي نحن منه.. يستطيع أن يكون غالباً مظفّراً مسعوداً، كما يمكن أن يكون بائساً مهزوماً. وهذه مسألة ـ من الوجهة النظرية ـ في غاية البساطة والوضوح!
الهام تعني أن التمسّك بالحق ومغالبة الشهواتِ ووساوسِ الأشرار هي السبيل إلى القوة القوية الكامنة في الإنسان ؟
احمد وأعني أيضاً أنّ العكوف على المعاني المادية المتهافتة والخوف من دخول الصراع هو أساس الوَهْن والخَوَر في قلب الإنسان. كُن قويّاً في أخذ الحق تكن قوياً في الصراع. كن متمسّكاً بعروة الله الوثقى تَتساقَطْ مِن حولك مكائدُ الشيطان تافهةً ميّتة.. كما تتساقطُ أوراق الخريف. هي هي ـ يا أُختاه ـ الحقيقة المنقذة في صراع الإنسان والشيطان.
الهام إذَن.. ليتَ أبناء البشر يَفقهون هذه الحقيقة ولَيتَهم بها يتمسّكون!
احمد هناك حكاية تختصر الموضوع! حكاية حدثت في التاريخ، أو هي ممّا يمكن أن يَحدُث في التاريخ!
الهام حكاية ؟! وهل سنُبحِرُ عبر موجات الزمان لنطّلع على هذه الحكاية ؟
احمد سوف أقصّها بعد لحظات. وهي حكاية ـ كما قلتُ ـ تُلخِّص جوهرَ الصراع بين الإنسان والشيطان، وتلخِّص مصدرَ القوّة التي يمكن أن يمتلئ بها بنو آدم.. فتكون لهم الغَلَبة والظَّفَر المبين.
الهام كُلّي شوق لسماع حكايتك يا أخي.. إذَن هاتِها الآن!
احمد لكنّ المهمّ أن يكتشف المرءُ الخبل المنقذَ في هذه الحكاية ليصل به إلى نهاية الشوط في معاناة الحياة.
الهام اللهمّ أعِنّا على أنفسنا، وعلى حبائل الشيطان الطَّريد الرجيم.
احمد إذَن.. ها نحن أولاء مع الحكاية!
احمد اتّخذَ قومٌ شجرةً، صاروا يَعبدونها من دون الله، وزيّن لهم الشيطان أعمالَهم، فصَدّهم عن السبيل. وسمع بذلك ناسك مؤمن بالله.. فحمل فأساً وذهب إلى الشجرة ليقطعها.
الهام هذا عملٌ من الناسك رائع وحيويّ!
احمد ولكنّ الناسك لم يَكَد يقترب من الشجرة المعبودة حتّى ظهر له إبليس، وحال بينه وبين الشجرة وهو يصيح به:
إبليس: مكانَكَ أيها الرجل! لماذا تريد قطعَها ؟!
الناسك: لأنها تُضِلّ الناس.
إبليس: وما شأنك بهم ؟ دَعهم في ضلالهم.
الناسك: كيف أدَعُهم ؟! مِن واجبي أن أهديَهُم.
إبليس: من واجبك أن تترك الناسَ أحراراً، يفعلون ما يُحبّون.
الناسك: إنهم ليسوا أحراراً، إنهم يُصغون إلى وسوسة الشيطان.
إبليس: أوَ تُريد أن يُصغوا إلى صوتك أنت ؟!
الناسك: أريد أن يُصغوا إلى صوت الله.
إبليس: لن أدَعَك تقطع هذه الشجرة.
الناسك: لابدّ لي أن أقطعها.
احمد في تلك اللحظة.. أمسك إبليسُ بخِناق الناسك، وقَبَض الناسك على قَرن الشيطان، وتصارَعا طويلاً.. إلى أن انْجَلَت المعركةُ عن انتصار الناسك؛ فقد طرحَ الشيطانَ على الأرض، وجلس على صدره، وقال له:
ـ هل رأيتَ قوّتي ؟!
إبليس ( بصوتٍ مخنوق ): ما كنتُ أظنّ أنّ لك هذه القوة! دَعْني وافعَلْ ما شئتَ!
احمد وخلّى الناسكُ سبيلَ الشيطان. وكان الجهدُ الذي بذَلَه قد نالَ منه، فرجع إلى صَومعتِه، واستراحَ ليلتَه. فلمّا كان اليومُ التالي حمل فأسَه، وذهب يُريد قطعَ الشجرة.. وإذا إبليس يَخرُج له مِن خلفه صائحاً:
ـ أعُدتَ اليومَ أيضاً لقطعِها ؟!
الناسك: قلتُ لك لابدّ لي مِن قَطِعها.
إبليس: أوَ تَظنُّكَ قادراً على أن تغلبني اليومَ أيضاً ؟
الناسك: سأظَلّ أُقاتِلُكَ.. حتّى أُعليَ كلمةَ الحق.
إبليس: أرِني إذَن قدرتَك!
احمد وهذه المرة أيضاً.. أمسكَ بخناقه، فأمسك الناسكُ بقَرنه، وتَقاتَلا وتَصارَعا.. إلى أن أسفَرت الموقعة عن سقوط الشيطان تحت قدمَي الناسك، فجلس على صدره، وقال له:
ـ ما قولُكَ الآنَ في قوّتي ؟
إبليس: حقّاً إنّ قوّتَك عجيبة! دَعني وافعَلْ ما تُريد..
احمد لَفَظها الشيطان بصوته المتهدِّج المخنوق، فأطلق الناسكُ سَراحه.. وذهب إلى صومعته، واستلقى من التعب والإعياء.
احمد وحين مضى الليل وطلع الصبح.. حَمَل الناسكُ فأسَه، وذهب إلى الشجرة.. فبَرَز له إبليس صائحاً فيه:
ـ ألَن تَرجع عن عزمِك أيها الرجل ؟
الناسك: أبداً.. لابدّ مِن قَطع دابِر هذا الشرّ.
إبليس: أتَحسَبُ أني أتركُكَ تَفعلُ ذلك ؟
الناسك: إنْ نازلتَني في الصراع فاني سأغلبُك.
احمد عندئذٍ فكّر إبليسُ لحظة، ورأى أنّ النِّزال والصراع مع هذا الرجل لن يُتيحَ له النصرَ عليه؛ فليس أقوى من رجل يُقاتِلُ من أجلِ عقيدته وإيمانه. ما مِن بابٍ يستطيع إبليسُ أن يَنفُذَ منه إلى حصن هذا الرجل المنيع غيرَ بابٍ واحد: هو الحيلة. وعندئذٍ تَلَطّف إبليس للناسك، وقال له بلهجة الناصح المُشفِق: ـ أتعرفُ لماذا أُعارضكَ في قطع هذه الشجرة ؟ إنّي ما أُعارضُك إلاّ خشيةً عليك ورحمة؛ فإنك بقطعِها ستُعرِّضُ نفسَك لسخط الناس مِن عُبّادها! ما لكَ وهذه المتاعب تَجِلبُها على نفسِك ؟ أُترُكْ قَطعَها وأنا أجعلُ لك في كلّ يومٍ دينارَين.. تستعينُ بهما على نفقتك، وتعيش في أمنٍ وطمأنينة وسلامة!
الناسك ( متعجّباً ): دينارين ؟!
إبليس: نعم، في كل يوم.. تَجدهما تحت وسادتك.
احمد عندئذٍ أطرقَ الناسكُ مَليّاً يفكّر.. ثمّ رفع راسَه وقال لإبليس:
الناسك: ومَن يَضمَنُ لي قيامَك بالشرط ؟
إبليس: أُعاهدُك على ذلك، وستعرف صِدقَ عهدي..
الناسك: سأُجرِّبُك.
إبليس: نعم، جَرِّبْني..
الناسك: إتَّفقنا.
احمد ووضع إبليسُ يده في يد الناسك.. وتعاهَدا. وانصرفَ الناسكُ إلى صومعته.
احمد ومنذ ذلك الوقت صار الناسك يستيقظ كلّ صباح، ويَمُدّ يده، ويَدُسُّها تحت وسادته.. فتُخرِج دِينارين. وفي صباح أحد الأيام مدّ الناسك يده ـ كالعادة ـ تحت الوسادة.. فخرجت فارغة! لقد قَطَع إبليسُ عنه دنانيرَ الذهب! وعندئذٍ غَضِب الناسك، ونهض وأخذ فأسَه، وذهب إلى قطع الشجرة.. فاعترضه إبليس في الطريق، وصاح فيه:
ـ مكانَك.. إلى اين ؟!
الناسك: إلى الشجرة.. أقطعُها.
إبليس ( يُقَهقِهُ ساخراً ): تَقطعُها لأني قطعتُ عنك الذهب ؟!
الناسك: بل لأُزيل الغَواية، وأُضيءَ مِشعلَ الهداية!
إبليس: أنت ؟!
الناسك: أتَهزأ بي.. أيها اللعين ؟!
إبليس: لا تُؤاخِذْني، منظرك يثير الضحك!
الناسك: أنت الذي يقول هذا أيها الكاذب المُخاتِل ؟!
احمد وانْقضّ الناسكُ على إبليس، وقَبَض على قَرنه.. وتَصارَعا لحظة، وإذا المعركة تنجلي عن سقوط الناسك تحت حافِر إبليس؛ فقد انتصر وجلس على صدر الناسك مَزهُوّاً مُختالاً، يقول له:
ـ أين قوّتُك الآنَ.. أيها الرجل ؟!
الناسك ( بصونٍ مقهور كأنّه الحَشرجة ): أخبِرْني.. كيف تغلّبتَ، أيها الشيطان ؟!
إبليس: المسألة بسيطة في غاية البساطة: لمّا غَضِبتَ لله غَلَبتَني، ولمّا غَضِبتَ لنفسكَ غََبْتُك؛ لمّا قاتلتَ لعقيدتك صَرَعتَني، ولمّا قاتلتَ لمنفعتِكَ صَرَعتُك!
الهام إنّ حكايتك هذه ذات دلالات مُوحية يا أخي.. ثمّ هي تكشف للإنسان عن أوثقِ عُرى القوة في صراعه مع رموز الشرّ في حياة البشر..
احمد ألاحظتِ يا إلهام كيف تتحوّل معاني القوة، إذا انقطعت عن الله، إلى ضَعفٍ مُتخاذلٍ بَئيس ؟! بمجرّدِ أن يَفُكّ الإنسان قبضتَه عن قوة الإيمان.. يظلّ وحده مستوحداً في فراغٍ أجوَف، وسُرعان ما تهوي به الريح إلى مكانٍ سحيق!
الهام إنّه حقّاً لَصراعٌ شديد عنيف، ثمّ هو صراعٌ له رهبة وله جلال! ولكنّ الصدق في الإيمان حَصانةٌ للمرء من عوامل الضعف والإغراء والسقوط.
احمد هذا صحيح يا أُخَيّه.. والآن: ما رأيُكِ ؟
الهام بماذا ؟ ماذا تقصد ؟
احمد نطّلع على البذرة الأولى لشجرة الإيمان في الوجود، وعلى البذرة الأولى لأشواك الشر في حياة الإنسان!
الهام اقتراح جيّد ووجيه.. ثمّ إننا قد استغرقنا هذه السياحة كلَّها أوجُلَّها في حديث الصراع، ولم نُبحِر عَبرَ عُباب الزمن فنقفَ عند البدايات كما هو دَأْبنا في هذه الأسفار!
احمد ربّما يَشفع لنا في ذلك أننا تحدّثنا حديثاً مُوطِّئا للسفر نحو أولِ مَن آمنَ في التاريخ، وأول مَن كفر!
الهام هل قلتَ: أول مَن آمن في التاريخ ؟!
احمد أوَلَسنا نتابع البواكير وأصحابَ البدايات في التاري ؟!
الهام بلى.. ولا شك.
احمد ولكننا سوف نصل في سفرنا هذا إلى ما قبل التاريخ.. إلى ما قبل الخليقة على هذه الأرض، وهناك نلتقي بأول مَن أجاب دعوة الإيمان!
الهام إنك تحيّرني يا أخي! فمن هو الذي آمَن أولاً قبل الخلق، وقبل التاريخ ؟!
احمد إنّه محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله..
الهام ولكنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ليس أوّلَ إنسان خُلق ـ وفق التسلسل الزمني!
احمد هذا صحيح من الوجهة الزمنية، فهو صلّى الله عليه وآله آخِرُ الأنبياء والمرسلين.. ولكنّي قلت لكِ إنّه صلّى الله عليه وآله أوّلُ مَن آمن قبل الخلق والخليقة.. لمّا كانت الكائنات في ضمير الغيب، هنالك في العالَم الأسبق الأعرق الذي يُسمّى عالَم الذَّرّ، أو عالَم العهد والميثاق.
الهام وكيف ذاك ؟! زِدْني وضوحاً.. بارك الله فيك!
احمد في البَدء.. كان المعنى المحمّدي العظيم.. كانت الكلمة الإلهية الأولى. ورسول الله صلّى الله عليه وآله نفسُه يكشف لنا عن هذه الحقيقة المُوغِلة في القِدَم؛ ففي الخبر أنّ بعض قريش قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله: بأيّ شيء سَبَقتَ الأنبياءَ وأنتَ بُعِثتَ آخِرَهم وخاتمهم ؟ فقال صلّى الله عليه وآله: إني كنتُ أولَ مَن آمنَ بربّي، وأولَ مَن أجاب حين أخذ الله ميثاقَ النبيّين، وأشهَدَهم على أنفُسِهم: ألستُ بربّكم ؟ فكنتُ أنا أولَ نبيّ قال: بلى، فسَبَقتُ بالإقرار بالله.
الهام صدق رسولُ الله صلّى الله عليه وآله.. الفاتحُ لخط الإيمان في الوجود والحياة.
احمد ثمّ إنّ القرآن الكريم يَدُلّ على هذه الحقيقة أيضاً، لمّا قال على لسان النبيّ صلّى الله عليه وآله: «.. فأنا أوّلُ العابدين ».
الهام صلّى الله عليك يا رسول الله، يا مَن بدأ بك الإيمان، ومِن شجرتك العظيمة بَزَغت أقمار الهدى وشموس التوحيد في سماء الوجود.
احمد ثمّ ذاك هو أول الكافرين.. إنّه إبليس اللعين!
الهام لا شكّ عندي أنّ كفرَ إبليس حَدَث في متأخِّر الزمان.. أي بعد الإقرار بالتوحيد.
احمد هو كذلك.. فالإيمان أصلٌ في الوجود، والكفر عارِض طارئ غير أصيل. الكفر محاولة متمرّدة لنفي التوحيد من الذهن لا نفيه من الوجود؛ لأنّ الوجود قائم في جوهره على التوحيد.
الهام أتعني أنّ إبليس ـ وهو أبو الانحراف ـ قد كفر.. أمْ أنّه قد أشرك بالله ؟
احمد بدأ ذلك الطَّريد بأول معصية وأكبر معصية، وهي الكفر بالله عزّوجلّ. كان في أول أمره كافراً فَسَق عن أمر ربّه، وكان مَزهُوّاً بنفسه مختالاً فَخوراً.
كانت « الأنا » لديه هي محورَ أفكاره وأعماله.. أي أنّه جعل نفسه ربّاً من دون الله، وهذه « الأنا » المُستعلية الذميمة هي التي طُرِد بسببها عن الحضرة الإلهية المقدسة، فأمسى منبوذاً يائساً من الخير.
الهام ولكنّ الشرك..! أليس إبليس وراء شرك المشركين ؟!
احمد بلى.. إنّه لكذلك. ابتدأ أمره كافراً من غير شرك، ثمّ أدّاه سقوطُه وحقده أن يغري البشر بأنواع الشرك؛ لأنّه لم يستطع أن ينتزع الإيمان بالله من أعماق الفطرة، فمالَ بالناس إلى الإيمان بأوثانٍ تُعبَد مع الله تعالى.
الهام لعلّ من هذه الأوثان: أوثان الشهوات، والمال، والجاه، والتسلّط.. كما أنّ منها الأوثان الحجرية الصمّاء العاجزة.
احمد هذا صحيح يا إلهام.. ومن هذا الانحراف الإبليسيّ الشائن بدأ الصراع الذي تحدّثنا عنه في أول هذا اللقاء. وأنتِ تَرَين أنّ خطّ إبليس خطّ خاسر، وأنّ التوحيد هو الغالب؛ لأنّ التوحيد هو منطق الوجود.

  «« الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 الصفحة اللاحقة »»  

1 ـ لاهُمّ: مخفّفة عن: اللهمّ.
Copyright © 1998 - 2018 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.