الواجهة » الإسلام » التاريخ الإسلامي » سَفَرٌ.. عَبرَ التاريخ
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


السفر الثاني عشر
إلهام: ترى.. أيَّ عصر بَلَغْنا الآن ؟! لعلّنا قد طَوَينا اكثر من عشرة قرون بالقياس إلى عصرنا في القرن الهجري الخامس عشر! أترانا قد دخلنا في موجة القرن الهجري الثالث ؟!
أحمد: أحسب أننا في القرن الأول، وها هي مَشاهدُ هذا القرن تمرّ خاطفة.. أما تَرَين إلى الأرض مِن تحتنا تَعبرُ خَطْفاً حتى لا نكاد نميّز شيئاً ممّا نرى ؟!
إلهام: ولكني أميّز من بين هذه المشاهد لوناً أخضر، لوناً أخضر ضارباً إلى السواد.. لابدّ أن تكون هذه أرضُ خصب وزرع!
أحمد: الأمر كما تقولين، فها هي أرض السواد.. وها نحن في العقد الرابع من القرن الأول.
إلهام: ولكن.. أيَّ حادث نريد أن نشهد الآن ؟! وأيَّ بداية من بدايات التاريخ نُوشِك أن نرى ؟! عسى أن تكون الحادثة الأولى التي نَلقاها في هذا السفر عبر الزمن من البَواكير الصالحة والأعمال الخيرّة..
أحمد: سوف نرى! فها نحن أُولاء أمامَ معركة.. وها هو غبار الحرب يكاد يغشى الأفق. وصهيل الخيول! أما تسمعين صهيلَها المتعالي ؟!
إلهام: بلى، بلى.. لقد سمعتُ ورأيت. وها أنَذي أميّز بين جيشين يتقاتَلان في حالة حرب.
أحمد: أظنّ يا إلهام أنّي قد عَرَفتُ!
إلهام: وماذا عرفتَ يا أخي ؟
أحمد: نحن الآن.. أمام معركة النَّهرَوان!
إلهام: آه..!! النهروان! وما أدراك ما النهروان!
أحمد: النهروان هي الواقعة الفَصل التي سَجّلت النهاية الواقعية لفئة الخوارج، بعد أن تمرّدوا فقاتَلَهم أميرُ المؤمنين عليّ عليه السّلام.
إلهام: الخوارج ؟! أولئك الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليه السّلام ووقفوا ضدّه في ختام معركة صِفّين، بعد أن كانوا في ضمن جيشه!
أحمد: تماماً.. إنّهم هُم! لقد تَحلَّلوا من بيعة الإمام الشرعيّ بسبب قِصَر نظرهم، وبسبب نظرتهم السطحيّة للأمور. ثمّ لم يَكفُّوا عن خروجهم على طاعة وليّ الأمر الحقيقي، بل حملوا السلاح ضدّه، واعتدَوا وأفسدوا، فاضطُرّ الإمام عليه السّلام إلى مقاتلتهم في منطقة النهروان شماليّ العراق. وكانت هذه الحرب هي التي أغلقت باب الخوارج كقوة قوية إلى الأبد، بعد هزيمتهم المنكرة يوم النهروان، حتّى أنّه لم يُفلِت منهم عشرة، ولم يُستشهَد من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام عشرة.
إلهام: وهل سجّل التاريخ أسماء الشهداء الذين لَقَوا الله عزّوجلّ وهم تحت راية الوصيّ عليه السّلام ؟
أحمد: سوف نرى أول مَن هَوى شهيداً.. أوّل من سُفك دمه في سبيل الله خلال هذه المعركة. إنّه « يزيد بن نُوَيرة »، وهو رجل من الأنصار.
إلهام: يا لَها من بداية كريمة! أوّل من افتتح باب الشهادة يوم النهروان! رحمَ الله ابن نُويرةَ هذا، ورحم الله ثمانيةَ الشهداء الآخرين الذين طَوَوا الطريق سِراعاً نحو الله.
أحمد: ومن الطريف أنّ ليزيد بن نُويرة حكاية مُعجِبة؛ فقد شَهِد له رسولُ الله صلّى الله عليه وآله بالجنة ـ قبل ذلك مرتين!
إلهام: هل قلتَ: شَهد له رسول الله بالجنة مرتين ؟! ولكن.. كيف ؟! وأين ؟!
أحمد: في واقعة أُحُد.. تلك المعركة العصيبة.
إلهام: أوَ شَهِد ابنُ نُويرةَ هذا أُحُداً ؟! إنّه إذَن لَمُقاتلٌ في سبيل الحق عَريق!
أحمد: ألَم أقُل لكِ إنّه كان من الأنصار ؟!
إلهام: صحيح.. صحيح، ولكنْ ما خبرُ هاتين الشهادتين ؟
أحمد: كانت معركة أُحد على أشدّها حين قال النبيّ صلّى الله عليه وآله لأصحابه: مَن جازَ التلَّ فله الجنّة.
إلهام: ولابدّ أنّ اجتياز التلّ يعني أن يخوض غمار المعركة ويقاتل الأعداء، فيخترق صفوفهم حتّى يبلغ ما وراء التلّ.. أليس كذلك ؟
أحمد: إنّه كما تقولين يا إلهام. ولمّا سمع ابنُ نُويرة قول النبيّ قال: إنما بَيني وبين الجنّة هذا التلّ! فاشتدّت عزيمتُه وأخذ سيفَه، فضارَبَ الأعداء.. حتّى جازَ التلّ.
إلهام: رائع.. إنها بطولة نابعة من إيمان بالغَيب عميق، نالَ صاحبُها شهادةَ رسول الله له بالجنة. ولكن.. هذه شهادةٌ نبوية واحدة، فأين الثانية ؟
أحمد: لمّا اجتاز يزيد بن نويرة إلى ما وراء التلّ، قال ابنُ عمٍّ له: يا رسول الله، اجعَلْ لي ما جعلتَ لابن عمّي! فقال صلّى الله عليه وآله: نَعَم. عندئذٍ حَمَل ابنُ عمّه سلاحه، وقاتَلَ أعداء الله حتّى جاز التلّ.
إلهام: رائع.. رائع!
أحمد: ثمّ أقبَلا ـ أعني: يزيد بنَ نُويرة وابنَ عمّه ـ في قتيلٍ من الأعداء قَتَلاه، فقال لهما النبيّ صلّى الله عليه وآله: كِلاكُما قد وَجَبَت له الجنة، ولك يا يزيد على صاحبك درجة.
إلهام: لعلّها درجة نالها الرجل بسبب مبادرته الخيّرة في الظرف العصيب.
أحمد: لعلّها.. فللمُبادرين إلى الخير فضيلة ليست لسواهم من الناس؛ لأنّهم يخترقون الظرفَ الصعب نحو العمل الصالح، ثم إنهم يكونون قدوة طيبة للآخرين، سواء كاانوا معاصرين لهم، أو كانوا ممّن يلحقون بهم عبر الأجيال والقرون.

* * *

أحمد: ما دُمنا قد مررنا بحرب، وما في الحرب من أسلحة ومُعدّات وأدوات.. فما رأيكِ أن نخطف خطفة عاجلة، فنطّلع على أوليّات التصنيع الحربي، أعني: البدايات الأولى لأنواع من السلاح الحربي القديم ؟
إلهام: لا بأس.. لا بأس، إذا كنتَ راغباً في ذلك يا أحمد.
أحمد: إذَن.. هيّا بنا نشهد الأسلحة في طفولتها الأولى..
إلهام: وأنا معك..
أحمد: هو ذا السيف في أول صنعة له.. هو كما تَرَينه: بدائيّ الصنع.
إلهام: ومَن عسى أن يكون أول من صنع السيف.
أحمد: يقال: إن جَمشِيد هو أول من أمر بصنع السيوف.
إلهام: وهذا رُمح.. إنه بدائيّ أيضاً..
أحمد: يقال: إن الملك كشتاسَب هو أول مَن عَمِل الرماح الحربية.
إلهام: وهذا رمح أيضاً، ولكنّ له في طَرَفه سِناناً حادّاً.. أظنّ أنّ هذا السِّنان مصنوع من الحديد، أو من معدن آخرَ صُلب.
أحمد: إنه سنان حديدي، ولكن أتعرفين أول من اتّخذ أسِنّة الحديد ؟
إلهام: لا.. وأود أن أعرف.
أحمد: أول من اتّخذ للرماح أسنّةَ الحديد هو « ذو يَزِن »، مِن حِميَر. ونُسب الرمح ذو السِّنان بعدئذ إلى ذي يَزِن هذا، فقيل: يَزِنيّ، وأزَنيّ، ويَزَنيّ.
إلهام: ولكن.. كيف كانت أسنّة الرماح عند العرب قبل هذا الرجل الحِميَري ؟
أحمد: سؤال في محلّه! إذن أنتِ تودّين أن تعرفي شيئاً عن تطور صنعة السلاح عبر التاريخ.
إلهام: ذلك ما أبغي.
أحمد: كانت أسنّة الرماح عند العرب تُتّخذ من قُرون البَقَر!
إلهام: مِن قرون البقر ؟!
أحمد: نعم.. نعم، وفي ذلك يقول شاعرهم وهو يصف رمحاً يُهَزهزه صاحبُه في ساحة الحرب:

يُهَزهِزُ صَعْدةً جَرداءَ فيها نَقيعُ السمّ، أو قَرنٌ مَحيقُ

والقرن المحيق هو المَدلوك.

* * *

إلهام: انظُرْ.. انظُرْ يا أحمد! مَن هذا الرجل الذي عليه سيماء الملوك ؟! يبدو من زِيِّه أنّه من قُدامى الملوك!
أحمد: إنّه جُذَيمة الأبرش.. من ملوك ما قبل الإسلام.
إلهام: أكان جُذيمة هذا من ملوك العرب، أم من ملوك الـ...
أحمد: ( مقاطعاً ): نعم.. نعم، من ملوك العرب في جاهليتهم. وجذيمة هذا كان من نمطٍ خاص!
إلهام: وكيف ؟ كيف كان الأبرش ذا نمط خاص ؟
أحمد: كان جُذيمة الأبرش مغروراً، شديدَ الإعجاب بنفسه، مَزهُوّاً!
إلهام: ما أسوأ ابنَ آدم حين ينفخه الوهم!
أحمد: ومن أمارات تِيه هذا الحاكم وغروره أنّه كان لا يرى أحداً كُفْءً لمنادمته ومُسامَرته في الليل، ولا أحد يليق بصحُبَته!
إلهام: عجيب! هذا من أشدّ الغرور!
أحمد: ولذلك لمّا كان يسهر على مائدة الشراب الحرام، كان يُنادم الفَرقَدَين!
إلهام: تقصد الفرقدَين.. الكوكبَين في السماء.
أحمد: أجل!
إلهام: هذا أعجب! وماذا بَعد ؟!
أحمد: فإذا أرادَ أن يشرب قَدَحاً.. صَبَّ لهذا قَدَحاً، ولهذا قدحاً!
إلهام: إذَن يظنّ هذا الجاهل أنّه كوكب من كواكب السماء قد سقط على الأرض!
أحمد: إنّ الغرور يا إلهام ربّما يجعل صاحبَه أشبَهَ بكائنٍ مَعتُوه!
إلهام: ولكن.. لماذا توقّفنا في إبحارنا الزمني عند جذيمة الأبرش ؟! نحن نبحث عن الأوائل وأصحاب البدايات، ولا أظن أنّ جذيمة هو أوّل مَن ركبه الغرور!
أحمد: الحقّ معك! لقد كنّا نفتّش في التاريخ عن تطوّر صناعة السلاح وعن الأوليّات في هذه الأدوات الحربية، وجذيمة كان من الأوائل في هذا السياق!
إلهام: جُذيمة.. من الأوائل وأصحاب المبادرات ؟!
أحمد: في الصناعة الحربية.. كان أول من صنع سلاح « المنجنيق » لمهاجمة المدن والحصون.. ولا ريب أنكِ تعرفين المنجنيق!
إلهام: بالتأكيد، وأظنّه هو السلاح الذي تطوّر عبر الأزمنة وصار سلاح المدفعية العسكرية في حروب القرنين الأخيرين!
أحمد: يبدو هكذا.. فهو سلاح هجوميّ فعّال.
إلهام: حَسَنٌ.. والآن يا أحمد دعنا نرحل عن جذيمة في أطواء الزمان.
أحمد: كما تحبّين.

* * *

إلهام: ومَن.. ومَن هذا ؟ يبدو أنه ملك أيضاً. ما أراك اليوم إلاّ وقد جعلتنا نقضي رحلتَنا هذه في بلاطات الملوك! كنّا عند الأبرش، ثم ها نحن عند آخرَ يَلُوح أنّه نَظيرُه!
أحمد: لن تَطولَ وقفتُنا عند عمرو بن هند!
إلهام: آه.. إنّه عمرو بن هند إذَن! أحد ملوك الجاهلية. إنّ اسمه ذائع في التاريخ! وذَكَره الشاعر الجاهلي عمرو بن كُلثوم في معلّقته الشهيرة!
أحمد: عمرو بن هند هذا كان يُلقَّب بـ « المُحَرِّق »؛ لأنّه حَرَّق مئةً من بني تميم: تسعةً وتسعين من بني دارِم، وواحداً من البَراجِم.. وكلّهم تَميميّون!
إلهام: أكان إذَن أوّل من قام بهذا العمل الشائن.. فحرّقَ الناس بالنار لأنهم أعداؤه أو لأنهم خالفوه في أمرٍ من الأمور ؟
أحمد: كلاّ.. كلاّ. إنّ هند هذا يذكّرنا بأول مَن حرّق ناساً من العرب، ولُقِّب بالمحرِّق أيضاً. إنّه الحارث بن عمرو ملكُ الشام من آل جَفنة. وإنّما لُقِّب بالمحرِّق؛ لأنّه أول مَن حرق العرب في ديارهم، وذريّتُه يُدعَون « آلَ مُحرِّق »!
إلهام: إذَن.. آلُ مُحرِّق هؤلاء.. هم الذين يذكرهم الأسوَدُ بن يَعفُر بقوله:

ماذا أُؤمِّلُ بَعـدَ آلِ مُحَـرِّقٍ تَركوا مَنازلَهُم.. وبَعدَ إيادِ ؟!

أحمد: معلوماتُكِ جيدة! ولكن آل محرّق هؤلاء الذين يذكرهم الأسود بن يَعفُر ليسوا هم ذريّة الحارث بن عمرو ملك الشام..
إلهام: ومَن يكونون إذَن ؟
أحمد: إنّهم من أبناء امرئ القيس بن عَدِيّ اللَّخْميّ.. فهو أيضاً كان يُدعى مُحرِّقاً!
إلهام: ما اكثر المحرِّقين للبشر في حياة البشر!

* * *

أحمد: لا أدري لماذ نتوقّف الآن عند قصر الخَوَرْنَق في الحِيرة ؟!
إلهام: لابدّ أن يكون هذا العصر الذي حَطَطْنا الرِّحالَ عنده من أزمنة ما قبل الإسلام.
أحمد: هو كذلك.. وها هو ذا كسرى بعد هزيمةِ « ذي قار ». غيرَ أنّ هذا الملك لم يطّلع إلى الآن على خبر هزيمة جيشه في المعركة.
إلهام: ولكن.. لِمَ لَم يُخبروه ؟ ألاَ يَجرؤ أحدٌ أن يفعل ذلك ؟
أحمد: إن كسرى لا يأتيه أحدٌ بخبرِ هزيمةٍ لجيشه إلاّ نَزَع كَتِفَيه!
إلهام: يا لَلفظاعة!
أحمد: وكان إياس بن قُبَيصَةَ أوّل داخل عليه بعد الهزيمة!
إلهام: وهل أخبره ابنُ قُبيصة خبرَ انكسار جنده في ذي قار ؟ لابدّ أن يواجه إذَن عقوبة الموت بنزع الأكتاف!
أحمد: دخل عليه ابن قُبيصة ـ وكان ذا دهاء ـ فلم يخبره.. وإنّما حصل منه على جائزة!
إلهام: جائزة ؟! وكيف ؟!
أحمد: قال له إياس: لقد هَزَمنا قبيلةَ بكر بن وائل! فأمر له كسرى بكسوة!
إلهام: عجيب!
أحمد: ثمّ إنّ ابن قُبيصةَ هذا أراد أن يهرب خشيةَ انكشاف الأمر، فادّعى أنّ له أخاً مريضاً في منطقة « عين التمر »، واستأذن لعيادته هناك.. فأذن له كسرى!
إلهام: هَه!.. وماذا بعد ؟!
أحمد: بعد ذلك أتى رجل من أهل الحيرة، وكان كسرى بقصر الخورنق.. وهو هذا القصر الذي نراه الآن!
إلهام: نعم.. نعم، وماذا فعل الرجل ؟
أحمد: لمّا وصل الرجل إلى قصر كسرى سألَ الحاضرين: هل دخل على الملك أحد ؟ فقالوا: دخل إياس بن قُبيصة! فظنّ الرجل أنّ إياساً قد أخبر كسرى بخبر الهزيمة في ذي قار.
إلهام: وهل أخبره المسكين بالخبر ؟
أحمد: دخل على الأمبراطور، وتحدّث معه حول الهزيمة.. فكان أوّلَ مَن أخبر كسرى بذلك، وعندئذ أمرَ به فنُزِعت كتفاه!

* * *

إلهام: مَلَلناهم أولئك الطواغيت، واللهِ مَللناهم. أما تُطَرّي نفوسَنا بشيء آخر.. كالشعر مثلاً ؟ أعني الشعر الذي ينتظم في سلك الأوائل وذكر البدايات.
أحمد: لا أدري إن كان في طريقنا شعر وشعراء.. ولكننا نمضي الآن مخترقين موجات الزمن، لعلّنا نصطاد! انظري.. انظري.. هو ذا بيت شعر اصطدناه! إنّه لِعُبَيد العنبري، يقول فيه حكمة:

وأوّل خُبثِ المـاء: خُبثُ تُـرابهِ وأولُ خُبثُ النَّجْل: خُبثُ الحلائلِ

إلهام: كأنّما هذا البيت مَثَل من الأمثال يُضرب لسوء التربية.
أحمد: وهذا شاعر يُنشد بيتين في « حفظ السرّ » وينصّ على الأوّل!
إلهام: دعنا نستمع:
أحمد: ها هو يُنشد:

ولو قَدَرتُ على نِسيانِ ما اشتَمَلتْ منّي الضلوعُ مِن الأسـرارِ والخَبَرِ
لكنتُ أولَ مَـن يَنسى سَـرائـرَهُ إذ كنت من نشرهاً دوماً على خَطَرِ

إلهام: جميل.. جميل!
أحمد: وهذا الآن عليّ بن الجَهم!
إلهام: الشاعر العباسي!
أحمد: أجَل، هو الآن في صباه، أو هو يافع يتعلّم مع الصبيان واليافعين في الكُتّاب.. وكان أبوه المعلّم. يحكي علي بن الجهم فيقول: حَبَسني أبي في الكُتّاب يوماً، فكتبتُ إلى أمّي:

يا أُمَّتـا.. أفديكِ مِـن أُمِّ أشكو اليكِ فَظاظـةَ الجهمِ
قد سَـرَّحَ الصِّبيـانَ كلّهُمُ وبَقِيتُ محصوراً بلا جُرمِ!

إلهام: شعر جميل، ولكن.. هل..
أحمد: يقول ابن الجهم: وهو أول شعر قُلتُه، وبعثتُ به إلى أمّي.. فأرسلَتْ إلى أبي: لئن لم تُطلِقه لأخرجَنّ حاسرةً حتّى أُطلقَه!
إلهام: ولكن.. كيف يقول صبيّ صغير مثلَ هذا الشعر ؟! إنّه شعرٌ جيد متين!
أحمد: لقد شكّ مِن قَبلكِ إبراهيمُ بنُ المُدْبِر حين حُدِّث بهذا الخبر، فقال: إنّ ابن الجهم قال هذا الشعرَ وهو ابنُ ستّين سنة، وإنّما اصطنَعَ هذه الحكايةَ واخترعها، ليرفَعَ من شأن نفسه، ويُثبِتَ قدرتَه على قول الشعر وهو صبيّ دون العَشر!
إلهام: ربّما كان ذلك صحيحاً. على أيّ حال.. أشكرك يا أخي أطيب الشكر.

  «« الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 الصفحة اللاحقة »»  

1 ـ لاهُمّ: مخفّفة عن: اللهمّ.
Copyright © 1998 - 2018 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.