الواجهة » الإمام الرضا » هجرته » الرَّكب الرضويّ من المدينة إلى مَرْو
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


الرَّكب الرضويّ من المدينة إلى مَرْو

شمس الإمامة الالهية أئمّة الجور والباطل لا يطيقون أئمّة العدل والحقّ، صورُ تلك الحالة شاخصة على مدى صفحات التاريخ.. منها أن هارون الرشيد يُطيل حبسَ الإمام موسى الكاظم عليه السّلام، وأخيراً يدسّ له السمّ القاتل. عندها انتقلت الإمامة الإلهيّة إلى ولده عليّ الرضا عليه السّلام، فيتحمّل أعباءها وينهض بها؛ ليوقف الناسَ على معالم دين الله الحق، فلابدّ للناس أن يعرفوا آثار الرسالة وأعلام الهدى. فقام بأمر الله « عزّ وجلّ » سنة 186 هـ وعمره الشريف يومذاك ثلاثون سنة، وأظهر الأمر معرّفاً ما هو الحقّ ومَن أهله، فيبقى غيره هو الباطل وأهله، فماذا بعدَ الحقّ إلاّ الضَّلالُ، فأنّى تُصرَفون ؟! (1) وتقف الجماهير على الحقيقة الإلهية الساطعة، والمسؤولية الرسالة الواضحة، فيأتي بعض من توقّفوا في قبول إمامة الإمام عليّ بن موسى الرضا سلامُ الله عليه ليسألوه: أنت إمام ؟ فيقول: نعم، فيقولون: ما تخاف ممّا قد توعّدك به هارون، وما شهر نفسَه أحدٌ من آبائك بما شهرتَها أنت! فيقول لهم وهو يَعرض أحد أدلّة إمامته: إنّ أبا جهل أتى النبيَّ صلّى الله عليه وآله فقال: أنت نبيّ ؟ فقال له: نعم، فقال له: أما تخاف منّي! فقال له: إن نالني منك سوء فلست نبيّاً. وأنا أقول: إن نالني من هارون[ أي ربّما حبس أو قتل ] فلست بإمام (2).. ويأتي يحيى بن جعفر البرمكيّ يسعى بالوشاية والنميمة ليهمس في أُذُن هارون: هذا عليُّ بن موسى قد قعد وادّعى الأمرَ لنفسه [ أي الخلافة وقيادة الأمّة ]! فما يرى هارون نفسه إلاّ في حَيرة، فيقول: ما يكفينا ما صَنَعنا بأبيه! أتريدون أن أقتلهم كلَّهم ؟! (3) * وساوس.. وظنون ويمضي هارون يبوء بآثامه العظمى، ويخلفه ولده المأمون، ومن بعيد.. يرى ـ كما أخبره الإمام الكاظم عليه السّلام ـ أنّ أهل البيت عليهم السّلام أئمّة على القلوب، وأنّ حكّام الغصب أئمّة الجسوم. فذاك الرضا عليه السّلام تهوي له الأرواح والأفئدة، وتشيع إمامته كما تشعّ دلائلها النيّرة. من هنا تبدأ المخاوف والشكوك والرِّيب تدبّ في صدر المأمون، وكانت قد بدأت بأبيه ثمّ ورثها عنه همّاً ثقيلاً، حتّى أحس أن الأمر خطير لا يؤجّل.. فأقدَمَ: أوّلاً ـ على استدعاء الإمام إلى مركز السلطة؛ ليكون تحت عيون الرقابة وبين جدران التضييق وفي وثاق ولاية العهد وسلاسله المكبِّلة. وثانياً ـ على تضعيف روحيّة الإمامة وإخفات نورها في أعين الجماهير ـ إن استطاع هذا المستحيل ـ، فإن لم يكن ذلك حاصلاً ممكناً فـ ثالثاً ـ القتل بالأساليب الماكرة. * الاستدعاء.. ماذا كان وراءه ؟! كلّ من تعرّض لبيان العلل الحقيقيّة وراء ولاية العهد التي فرضها المأمون بالتهديد على الإمام الرضا عليه السّلام وقف على خطّة مدروسة وأهداف أُريد منها حفظ السلطة من أن تُفلِت من يد العبّاسيّين عامّة، ومن يد المأمون خاصّة. فخُشي أن يكون للإمام ثورة ووضع اجتماعيّ دينيّ خاص، فلابدّ من دفع الظنون وإراحة الخواطر عن طريق حجزه في قصر الحكومة، وعزله عن الناس والحياة الاجتماعيّة، وإرضاء العلويّين أنّ إمامهم إصبح في صدر السلطة فيُسحَب البساط من تحت أقدامهم، ويكفّون عن حركاتهم الثورية. وللوصول إلى ذلك استدعى المأمون عليَّ بن موسى الرضا عليه السّلام، ثمّ ما لبث أن كشف عن نواياه مسبوقة بالمخاوف، فقال رغم كتمانه: ـ قد كان هذا الرجل مستتراً عنّا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله وليَّ عهدنا؛ ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالمُلك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به بأنّه ليس ممّا ادّعى في قليل ولا كثير، وأنّ هذا الأمر ( أي الحكم ) لنا دونه. وقد خشينا ـ إن تركناه على تلك الحال ـ أن ينفتق علينا منه ما لا نَسدُّه، ويأتي علينا ما لا نطيقه... فليس يجوز التهاون في أمره. ولكنّنا نحتاج إلى أن نَضَع منه ( أي نهوّن أمره )، قليلاً قليلاً، حتّى نصوّره عند الرعيّة بصورة مَن لا يستحقّ هذا الأمر، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا موادَّ بلائه [ أي بالقتل ] (4). * بَدءُ الرحيل بعد أن قضى المأمون على سلطة أخيه الأمين في بغداد واستوى الأمر له، أخذ يكتب إلى الإمام الرضا عليه السّلام ليستقدمه إلى خراسان، فاعتذر عليه الإمام بأعذار. فلم يَزَل المأمون يكاتبه في ذلك حتّى علم أنّه لا محيص له، وأنّ المأمون لا يكفّ عنه.. فخرج، وكان ذلك سنة 200 هـ، حيث بعث المأمون برجاء بن أبي الضحّاك إلى الإمام الرضا عليه السّلام لإشخاصه، وقد كتب إليه أن لا يسير على طريق الجبل وقمّ، وأن يسير على طريق البصرة والأهواز وفارس (5). أجل.. كان المأمون يخشى أن يمرّ الإمام على المناطق الشيعيّة العلويّة، كالكوفة وقمّ، فتلك مدن حسّاسة، ربّما يخرج أهلها فيستقبلون سيّدهم الرضا عليه السّلام استقبال الفاتحين، معبّرين عن اعتقادهم بأنّه الخليفة الشرعيّ، وعن ولائهم المعرب عن التضحية دونه، وربّما استوقفوا الركب متسائلين: ماذا وراء هذا الاستدعاء ؟! * بعد هذا.. كان ممّا لابدّ كانت إمامة عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام عشرين عاماً، عشرة منها عاصرت عهد هارون، تجرّع خلالها الأحداث الصعبة المريرة، إذ كان هارون يتعرّض له بين الحين والآخر بما يؤذيه ويؤذي أُسرة ذراري رسول الله صلّى الله عليه وآله. كان من ذلك أن بعث هارونُ قائدَ جيشه الجَلوديّ أن يُغير على دُور آل أبي طالب، وأن يسلب نساءهم ولا يَدَعَ على واحدة منهنّ إلاّ ثوباً واحداً. فائتمر الجلوديّ، وصار إلى دار أبي الحسن الرضا عليه السّلام فهجم بخيله على الدار، فلمّا رأى الإمام الرضا عليه السّلام ذلك جعل النساء كلَّهن في بيت ووقف على الباب، فأصرّ الجَلوديّ على أن يدخل ويسلّب كما أمره هارون. فقال له الرضا صلوات الله عليه: أنا أُسلّبهنّ لك، وأحلِف أنّي لا أدَعُ عليهنّ شيئاً إلاّ أخذته. فلم يَزَل يطلب إليه ويحلف له حتّى سكن، فدخل عليه السّلام على بنات الرسالة فلم يَدَع لهنّ شيئاً حتّى أقراطَهُنّ وخَلاخيلهن وأُزُرهنّ إلاّ أخذه منهنّ، حفظاً لحرُماتهنّ، وجمع ما كان في الدار من قليل وكثير، ليكفّ عن هتك حرمة بيت ذرّيّة المصطفى صلّى الله عليه وآله (6). وتمرّ الأيّام صعبةً ثقيلة، إلاّ أنّ الإمام الرضا عليه السّلام كان بين أهله وأحبّته وذويه، يرعاهم ويرأف بهم وهو الإمام الرؤوف والوليّ العطوف، فيسكّن قلوبهم ويطمئنها بلطفه وحنانه. إلاّ أنّ هذا لم يستمرّ طويلاً، فقد توالى عليه الاستدعاء بعد الاستدعاء من قبل المأمون، فكان لابدّ من الرحيل، حفظاً للنفس والأهل، بل حفظاً للدين، واستجابةً لأمر الله تبارك وتعالى، فالتقيّة المثمرة بالمصالح الرسالية لابدّ منها هنا، إذ هي من شرع الله وسنّته في عباده، فليُستعدَّ للسفر الذي لا رجعة بعده، وليقف الجميع للوداع الصعب، بقلوب يعتصرها الحزن، وعيون لا ترقأ دموعها الساخنة. فقد أنفذ المأمون إلى جماعةٍ من الطالبيّة ـ كما نقل بعض المورّخين ـ فحملهم من المدينة وفيهم الرضا عليه السّلام، فأخذهم على طريق البصرة حتّى جاؤوا بهم، وكان المتولّي لإشخاصهم قائده العسكري المعروفُ بالجلوديّ، فقدم بهم إلى المأمون (7). * غُصَص الوداع يرِد البريد بإشخاص الإمام عليّ بن موسى عليهما السّلام إلى خراسان، فيدخل المسجد النبويّ ليودّع جدَّه رسولَ الله صلّى الله عليه وآله. وما أمَرَّ وداع الحبيب، والنسيب! ويكرّر الإمام عليه السّلام الوداعَ ثمّ لا يطيق فراق جدّه صلّى الله عليه وآله، فيعود إلى القبر، ويريد أن يخرج فلا يجد قدماه إلاّ وهما تحملانه مرّة أُخرى إلى ذلك الضريح الأقدس، ثمّ لا يجد نفسه إلاّ وقد علا صوته بالبكاء والنحيب. وينكسر عليه قلب محول السَّجِستانيّ، فيتقدّم إليه ويسلّم عليه، يردّ الإمام السّلامَ عليه، فيأخذ محول بتهنئته، إذ يتوقّع أنّ الرضا عليه السّلام سيكون له شأن في أمور البلاد، فيقول له الإمام سلامُ الله عليه : ذرْني، فإنّي أخرج من جِوار جدّي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأموت في غُربة، وأُدفن في جَنب هارون. بعد ذلك.. قال محول: فخرجتُ متّبعاً لطريقه، حتّى مات بطوس ودُفن إلى جنب هارون (8). ويستعد الركب للرحيل، ويُراد بالإمام الخروج من المدينة الطيّبة مدينة الحبيب، فيدخل الإمام الرضا عليه السّلام على عياله يجمعهم، ويفرّق فيهمُ اثنَي عشر ألفَ دينار، ثمّ ماذا ؟ إنّه لا يشفي البكاء، ولكن ليس لهم سلوى سواه، وإنّه لا يليق غيره، فالحياة كئيبة.. فيأمرهم الإمام الرضا عليه السّلام أن يبكوا عليه حتّى يسمعهم، وحتّى يحتسب ذلك عند الله تبارك وتعالى، ثمّ يقول: أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبدا (9). ومن هنا نسمع الزيارة الجواديّة المباركة تتلو هذه التحيّة: السّلام عليك أيّها العالمُ النبيه، والقدَر الوجيه، النازحُ عن تربة جدّه وأبيه. السّلام على مَن أمَرَ أولاده وعياله بالنياحة عليه،قبل وصول القتل إليه (10). وفي هذا من إعلان الإمام عن عدم رضاه عن هذا السفر الاجباري ما لا خفاء فيه، وفيه إدانة لهذه الخطوة السلطوية التي فرضها المأمون. ويبقى المبدأ الحقّ، فلابدّ أن يخلف كلَّ إمامٍ إمامٌ أوصى به رسول الهدى صلّى الله عليه وآله. ولتثبيت هذا الأصل الأصيل في دين الإسلام.. نصّ الإمام الرضا عليه السّلام على إمامة ولده الإمام أبي جعفر الجواد عليه السّلام وأشار إليه وأوصى به، قال: هذا أبو جعفر قد أجلستُه مجلسي، وصيّرتُه مكاني.. إنّا أهل بيت يتوارث أصاغِرُنا عن أكابرنا القذّةَ بالقذّة (11). وكان الإمام عليه السّلام قد قال لمّا وُلد أبو جعفر عليه السّلام قبل ذلك بسنوات: إنّ الله قد وهب لي مَن يرِثني ويرث آل داود عليه السّلام (12). وسئل يوماً: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر: مَن القائم بعدك ؟ فتقول: يهب الله لي غلاماً. وقد وهبك الله وأقرّ عيوننا به، فإن كان كونٌ ـ ولا أرانا الله لك يوماً ـ فإلى مَن ؟ فأشار الإمام الرضا عليه السّلام بيده إلى أبي جعفر عليه السّلام وهو قائمٌ بين يدَيه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقيل له: وهو ابن ثلاث ؟! قال: وما يضرّ مِن ذلك ؟! فقد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقلَّ من ثلاث سنين (13). وكان قال عليه السّلام أيضاً: مَن ظلم ابني هذا حقَّه، وجَحَده إمامته مِن بعدي، كان كمَن ظلمَ عليَّ بن أبي طالب إمامتَه، وجحده حقَّه بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله (14).. ويومَ يُراد بالرضا عليه السّلام رحيل لا عودة بعده.. يكون الوداع مع الولد الأعزّ ومهجة الفؤاد، الإمام محمّد الجواد، آخِذاً بمجامع القلب. يصوّر لنا أُميّة بن عليّ ذلك المشهدَ الحزين فيقول: ـ كنت مع أبي الحسن ( الرضا ) عليه السّلام بمكّة في السنة التي حَجّ فيها ثمّ صار إلى خراسان ومعه ابنه أبو جعفر الجواد عليه السّلام، وأبو الحسن عليه السّلام يودّع البيت ( الحرام ـ الكعبة المشرَّفة ). فلمّا قضى طوافه عَدَل إلى المقام فصلّى عنده، فصار أبو جعفر على عُنق مُوفَّق ( الخادم ) يطوف به، فلمّا صار إلى الحِجْر جلس فيه فأطال، فقال له موفَّق: قُمْ جُعِلت فداك، فقال أبو جعفر: ما أُريد أن أبرح من مكاني هذا إلاّ أن يشاء الله. واستبان في وجهه الغمّ، فأتى موفّقٌ أبا الحسن الرضا عليه السّلام فقال: جُعلت فداك، قد جلس أبو جعفر في الحِجر وهو يأبى أن يقوم. فقام أبو الحسن فأتى أبا جعفر عليه السّلام فقال له: قم يا حبيبي، فقال: ما أُريد أن أبرح من مكاني هذا، قال: بلى يا حبيبي. ثمّ قال الجواد [ وعمره المبارك في حدود السنة الرابعة ]: كيف أقوم وقد ودّعتَ البيتَ وداعاً لا ترجع إليه ؟! فقال: قم يا حبيبي! فقام معه (15). * مراحل الطريق المأمون رجلٌ داهية، وكان يضع الخطط المدروسة، مقرونةً بنواياه السياسيّة اللئيمة، ومسبوقة بموج من الشكوك، ومتبوعة بالتنفيذ الدقيق، بعد رسم الأهداف القريبة والبعيدة. اختار ـ وليس اعتباطاً ـ أحد قوّاده.. وهو رجاء بن أبي الضحّاك لمهمّة إشخاص الإمام الرضا سلام الله عليه من المدينة إلى مَرْو، ولم يَختَر الجلوديَّ. والجلوديّ كان أحد قوّاد الرشيد استخدمه في الإغارة على دور آل أبي طالب، وسلب نسائهم، وإدخال الرعب في أوساطهم. فلو بعثه المأمون بهذه المهمّة الجديدة لارتاب العلويّون منه، ولربّما حدثت مواجهة معه واتُّهم المأمون أنّه أراد بالإمام الرضا عليه السّلام شرّاً. ولم تكن مأموريّة ابن أبي الضحّاك خاليةً من الوصايا الدقيقة، والحسّاسة.. فقد أمره أن يجعل طريق السفر على: مدينة البصرة ـ فهي عثمانيّة الهوى ـ، ثمّ الأهواز ففارس. وليس ذاك فحسب، إنّما حذّره من أن يمرّ على: الكوفة ـ وهي علويّة الهوى ـ، ثمّ بلاد الجَبَل وقمّ، فهناك يتواجد شيعة أهل البيت عليهم السّلام. هكذا أراد المأمون، وقد قيل: حدث غير هذا فكان المسير لا كما أمر، وكان استقبال الناس للإمام عليه السّلام حتّى في معاقل العبّاسيّين استقبالاً عظيماً حافلاً، يكفي أن نشير إلى ما حدث حينما دخل عليه السّلام إلى نيسابور، وإلى مرو. وكانت الرحلة قد بدأت بزفرات الأشواق، وآهات الأحزان.. من مدينة حبيب الله صلّى الله عليه وآله، وعبر مراحل طويلة (انظر الخريطة) تبدأ بمدينة: مكّة المكرَّمة: يصل إليها عليه السّلام فيزور البيت الحرام ويودّعه، وينظر إلى الكعبة المعظَّمة، ثمّ يلتفت إلى بعض أهل بيته وإلى فِلذة كبده الجواد عليه السّلام فيوصيه بالرضى بقضاء الله تعالى، ثمّ يكون الوداع، فيرجع الإمام محمّد الجواد عليه السّلام إلى المدينة، ويواصل الإمام الرضا سفره نحو ديار الغربة إلى خراسان، وتبقى القلوب تتلفّت إلى أحبّتها تتقطّع بينها الآمال (16). ومن مكّة المكرّمة تبدأ الهجرة من جديد: نحو مدينة البصرة: وقد رسم الطريق إليها عدد من الجغرافيّين، فرأوا أنّ هنالك عدّة منازل ما بين مكّة والبصرة، تبدأ من معدن نقرة إلى عناب، ثمّ لخو العيون، وإلى نِباج، ومن نباج إلى البصرة. قيل: يكون الإمام عليه السّلام قد مرّ على: القادسيّة: وذلك من مكّة في طريق البادية، وهي تبعد عن الكوفة خمسة عشر ميلاً من جانب البَر. دليل مَن قال ذلك هذه الرواية: روى الصفّار القمّيّ عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ قوله: استقبلتُ الرضا عليه السّلام إلى القادسيّة فسلّمت عليه فقال لي: إكْتَرِ لي حجرةً لها بابان: باب إلى الخان، وباب إلى خارج؛ فإنّه أستَر عليك.. إلى آخر الخبر (17). وروى الحِميَريّ عن البزنطيّ هذا نفسه أنّه قال: دخلتُ عليه بالقادسيّة فقلت له: جُعِلت فداك، إنّي أُريد أن أسألك عن شيءٍ وأنا أُجِلُّك والخَطب فيك جليل، وإنّما أُريد فَكاك رقبتي من النار. فرآني وقد دَمِعتُ، فقال: لا تَدَع شيئاً تريد أن تسألني عنه إلاّ سألتني عنه. قلت له: جُعِلت فداك، إنّي سألت أباك ـ وهو نازل في هذا الموضع ـ عن خليفته من بعده، فدلّني عليك، وقد سألتك منذ سنين ـ وليس لك ولد ـ عن الإمامة فيمن تكون من بعدك، فقلتَ: في ولدي. وقد وهب الله لك ابنَين، فأيّهما عندك بمنزلتك التي كانت عند أبيك ؟ فقال لي: هذا الذي سألتَ عنه ليس هذا وقته. فقلت له: جعلت فداك، قد رأيتَ ما ابتُلينا به في أبيك، ولست آمن من الأحداث، فقال: كلاّ إن شاء الله، لو كان الذي تخاف كان مني في ذلك حجّةٌ أحتجّ بها عليك وعلى غيرك.. أما علمت أن الإمام الفرضُ عليه والواجب من الله ـ إذا خاف الفوتَ على نفسه ـ أن يحتجّ في الإمام من بعده بحجّة معروفة مبيَّنة ؟! إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قوماً بعد إذ هَداهُم حتّى يُبيِّنَ لهم ما يَتَّقون (18). فطِبْ نَفساً وطيّب أنفُس أصحابك، فإنّ الأمر يجيء على غير ما يحذرون إن شاء الله تعالى (19). النِّباج: في الأخبار أنّ الإمام الرضا عليه السّلام سار من القادسيّة فيما بعد عن طريق البرّ حتّى وصل « النِّباج »، وهي قرية بالبادية على طريق البصرة، يُقال لها نباج بني عامر بن كُرَيز بموازاة « فَيْد ». وتذكر بعض معاجم البلدان أنّ النباج من البصرة على عشرة مراحل، وقعت بها حادثة من حوادث العرب المشهورة وقد استنبط ماءها عبدُالله بن عامر بن كُريز.. شقّق فيها عيوناً، وغرس نخلاً، ومن وراء النباج رمال أقواز صغار. وأمّا دخول الإمام الرضا عليه السّلام فيحكيه أبو حبيب النِّباجيّ حيث يقول: رأيت في المنام رسول الله صلّ الله عليه وآله وسلّم قد وافى النباج (20)، ونزل في المسجد الذي ينزله الحاجّ في كلّ سنة، وكأنّي مضيتُ إليه وسلّمت عليه، ووقفت بين يديه، ووجدت بين يديه طبقاً من خُوصِ نخلِ المدينة فيه تمر صَيحانيّ، فكأنّه قَبضَ قبضةً من ذلك التمر فناولَني، فعَدَدتُه ثمانيَ عشرة تمرة.. فتأوّلتُ أنّي أعيش بعدد كلّ تمرةٍ سنة. فلمّا كان بعد عشرين يوماً كنت في أرضي، تعمر بين يديِ الزراعة، حتّى جاءني مَن أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السّلام من المدينة ونزوله في ذلك المسجد، ورأيتُ الناس يَسعَون إليه. فمضيتُ نحوه، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتحته حصير مثل ما كان تحته، وبين يديه طبقٌ من خوصٍ فيه تمرٌ صيحانيّ. فسلّمت عليه، فردّ علَيّ السّلام، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته.. فإذا عددُها مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سواء، فقلت له: زِدْني يا ابنَ رسول الله، فقال: لو زادكَ رسولُ الله لَزدناك. وأقام يومه ورحل يُراد به خراسان على طريق البصرة والأهواز وفارس وكرمان (21). ثمّ إلى أين ؟ إذن تحدّد المسير، حتّى استُبعد أن يكون الإمام الرضا سلام الله عليه قد أخذ طريق الكوفة ـ بغداد، ثمّ إلى قمّ. ويؤكّد ذلك مَن يروي عن أبي هاشم الجعفريّ قوله: لمّا بَعثَ المأمون رجاءَ بن أبي الضحّاك لحمل أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا على طريق الأهواز.. لم يَمرّ على طريق الكوفة، فبقي به أهلها، وكنت بالشرقيّ من «آبيدج»(موضع)، فلمّا سمعت به سِرتُ إليه بالأهواز، وانتسبتُ له، وكان أوّل لقائي له (22).. ولكنّ مُضيَّ الإمام عليه السّلام إلى القادسيّة كان يُستوحى منه أنّه يريد الكوفة، لأنّ البصرة طريقها من مكّة لا يمرّ على القادسيّة عبر « معدن النقرة »، لا سيّما وأنّ القادسيّة لا تبعد كثيراً عن الكوفة. ويَردّ على هذا أنّ المأمون كان أكّد مراراً ونبّه مبعوثه، وحذّره من أن يكون مروره على الكوفة. ثمّ إن « النباج » تكون على طريق البصرة، لا الكوفة.. ثمّ إن النظر في المنازل الواقعة بين « النباج » والبصرة ترسم لنا خطّاً لا يمرّ على الكوفة ولا بغداد. مِن هنا.. ربّما لا يكون قدوم الإمام الرضا عليه السّلام إلى القادسيّة في سفره المتوجّه إلى خراسان، بل قد يكون في سفر سابق على ذلك. أو ربّما يكون الذهاب إلى القادسيّة قد اتّفق دون أن يكون الهدفُ التوجّه إلى الكوفة، حتّى روي عن البعض أنّ أحد الرواة قال: لمّا أُوتي بأبي الحسن عليه السّلام أُخذ على القادسيّة ولم يدخل الكوفة، وأُخذ به على البرّ إلى البصرة. يقول: فبعث إليّ مصحفاً وأنا بالقادسيّة (23). ودليلُ مَن لا يرى أنّ الإمام الرضا عليه السّلام ورد إلى القادسيّة في سفره إلى خراسان أنّ رواية البزنطيّ لم تكن صريحةً بذلك، ولم تقل أنّ الإمام عليه السّلام كان عازماً على الذهاب إلى مرو، بينما رواية أبي حبيب النباجيّ صريحة بذلك. فيُشكُّ في أن السفر إلى القادسيّة كان السفر القاصد إلى خراسان، إذ ربّما كان في أوائل إمامة أبي الحسن الرضا سلام الله عليه. وقد رأى آخرون أنّه عليه السّلام اتّجه إلى بغداد، ومنها إلى خراسان، ولكنّ ذلك يلقي الحيرة في ذهن مَن يرى ما يؤكّد وروده عليه السّلام على البصرة ـ جنوب العراق ـ والأهواز ـ جنوب فارس ـ إذ لا يكون طريق بغداد إلى خراسان مارّاً عليهما! وقد نقف على بعض الروايات التي تقول بورود الإمام الرضا عليه السّلام إلى بعض المناطق الوسطى من العراق، ولكنّها غير صريحة بأنّه سلام الله عليه قد مرّ بها في سفره الأخير. إذن، يكون عليه السّلام قد حلّ بعد « النباج » في: البصرة بعد أن مرّ على ستّة منازل: نباج ـ سُمَينة ـ ينسوعة ـ ذات العشر ـ مأويّة ـ حَفير ـ البصرة (24). وبلوغه إلى هناك يؤكّده الكثير، حتّى ذكره عمر الملاّ الموصليّ في ( الوسيلة ) راوياً عن ابن علوان قوله: رأيت في منامي كأنّ قائلاً يقول: قد جاء رسول الله عليه السّلام إلى البصرة ! قلت: وأين نزل ؟ فقيل: في حائط بني فلان [ أي بستانهم ]. قال: فجئتُ الحائط فوجدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومعه أصحابه... ثمّ انتبهتُ فتوضّأت وصلّيت، وجئت إلى الحائط فعرفت المكان الذي فيه رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله، فبعد ذلك سمعت الناس يقولون: قد جاء عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، فقلت: أين نزل ؟ فقيل: في حائط بني فلان. فهُديتُ فوجدته في الموضع الذي رأيت النبيَّ عليه السّلام فيه. ثمّ بعث إليَّ بعد أيّام يطلب منّي رداءً، وذكر طوله وعرضه، فقلت: ليس عندي، فقال: بلى، هو في السفط الفلانيّ، بَعثَتْ به امرأتك معك. قال: فذكرت، فأتيت السفط فوجدت الرداء فيه كما قال (25). * وقفة تحقيقيّة ثبت تاريخيّاً أنّ المأمون وجّه دعوتين، كلتاهما تؤكّد على أن لا يكون طريق الإمام عليّ الرضا عليه السّلام على الكوفة ولا على قم: الأولى ـمباشرة، إذ أمر مبعوثه الخاصّ لاستدعاء الإمام عليه السّلام، وهو رجاء بن أبي الضحّاك، أن يجعل طريقه: البصرة ـ الأهواز ـ فارس.. وحذّره كثيراً من المرور على طريق: الكوفة ـ بلاد الجبل ـ قمّ (26). والثانية ـ غير مباشرة، عن طريق رسالة بعثها المأمون إلى الإمام الرضا عليه السّلام جاء فيها: لا تأخذ على طريق الكوفة وقمّ. قال الراوي، وهو ياسر الخادم: فحُمل [الإمام عليه السّلام] على طريق البصرة والأهواز وفارس.. حتّى وافى «مَرو» (27).. وفي رواية أُخرى: لا تأخُذ على طريق الجبل وقمّ، وخذ على طريق البصرة فالأهواز ففارس (28).. وهذا ما أكّده الجعفريّ أبو هاشم ـ أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام ـ حيث قال: لمّا بعث المأمون رجاءَ بن أبي الضحّاك لحمل أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام على طريق الأهواز، لم يمرَّ على طريق الكوفة، فبقي به أهلها ـ وكنت بالشرقيّ من « آبيدج » ( موضع ) ـ فلمّا سمعتُ به سِرت إليه بالأهواز (29).. أمّا علّة التأكيد على هذا الأمر فنتركها للقطب الراوندي حيث يقول: إنّ المأمون أمرَ رجاء بن أبي الضحّاك أن لا يمرّ بالإمام على طريق الكوفة؛ لئلاّ يُفتتَنَ به أهلها (30).. ذلك أنّ أهل الكوفة كانوا من شيعة أهل البيت عليهم السّلام، وكان المأمون يُعرب عن مخاوفه منهم ويقابل وفدهم بالغلظة والجفاء (31). إذن.. كان المسير من البصرة إلى: الأهواز وهو بلدٌ معروف بـ « خوزستان »، كان يُسمّى في ذلك العصر بـ « سُوق الأهواز ». والجعرافيون في ذلك الوقت كانوا قد بيّنوا أنّ الطريق من ديار العرب إلى خوزستان له خطّان: الأوّل ـ من بغداد، إلى واسط، ومن واسط إلى خوزستان. الثاني ـ من البصرة إلى خوزستان، ويمرّ على سبعة منازل: 1 ـ من البصرة إلى « الأبُلّة » 4 فراسخ. 2 ـ من « الأبُلّة » إلى « البيان » 5 فراسخ. 3 ـ من « البيان » إلى « حصن المهديّ » 6 فراسخ. 4 ـ إلى « سوق الأربعاء » 4 فراسخ. 5 ـ إلى « المحول » 6 فراسخ. 6 ـ إلى « الدولاب » 8 فراسخ. 7 ـ إلى « سوق الأهواز » فرسخان (32). وهناك مَن يرى الطريق إلى خوزستان هكذا: الأبلّة ـ البيان ـ حصن المهديّ ـ باستيان ـ خان مزدَوَيه ـ الدَّورَق ـ قرية الدير ـ الآسك ـ أرجّان (33). وإذا علمنا أن الإمام الرضا عليه السّلام قد كانت هجرته سنة 200 هـ، وأنّ قدامة بن جعفر كتب كتابه ( الخراج ) سنة 266 هـ، نكون استبعدنا أن تكون هذه المنطقة قد طرأت عليها تغييرات جغرافيّة مهمّة من شأنها أن تبدّل خريطة المنازل ومواقعها. هذا، مع أنّنا لم نعثر على أخبارٍ تُوقفنا على جزئيّات المسير الذي سلكه الإمام الرضا عليه السّلام من البصرة إلى خوزستان أو الأهواز، وإنّما الذي وصل إلينا هو بعض الروايات التي تذكر لقاءات بعض الأصحاب به بعد وصوله سلام الله عليه إلى تلك المنطقة، وهي: عن أبي الحسن الصائغ عن عمّه قال: خرجت مع الرضا عليه السّلام إلى خراسان أُؤامره في قتل رجاء بن أبي الضحّاك الذي حمله إلى خراسان، فنهاني عن ذلك وقال: أتريد أن تقتل نَفْساً مؤمنةً بنفس كافرة ؟! قال: فلمّا صار إلى الأهواز قال لأهل الأهواز: اطلُبوا لي قَصبَ سكّر، فقال بعض أهل الأهواز ممّن لا يَعقل: أعرابيّ لا يعلم أنّ القصب لا يوجد في الصيف! فقالوا: يا سيّدنا! إن القصب لا يوجد في هذا الوقت، إنّما يكون في الشتاء. فقال: بلى، اطلبوه فإنّكم ستجدونه. فقال إسحاق بن إبراهيم: واللهِ ما طلب سيّدي إلاّ موجوداً. فأرسلوا إلى جميع النواحي، فجاء أُكَرةُ (34) إسحاق فقالوا: عندنا شيء ادّخرناه للبذرة نزرعه. فكانت هذه إحدى براهينه. فلمّا صار إلى « قريةٍ » سمعته يقول في سجوده: لك الحمدُ أن أطعتُك، ولا حجّة لي إن عصيتُك، ولا صنعَ لي ولا لغيري في إحسانك، ولا عذر لي إن أسأتُ. ما أصابني مِن حسنةٍ فمنك، يا كريم، اغفِر لمَن في مشارق الأرض ومغاربها من المؤمنين والمؤمنات (35). وروى أبو هاشم الجعفريّ قال: كنت بالشرقيّ من آبيدج فلمّا سمعتُ سرت إليه [ أي إلى الرضا عليه السّلام ] بالأهواز، وانتسبت له، وكان أوّلَ لقائي له، وكان مريضاً، وكان زمن القيظ، فقال: إبغِني طبيباً. فأتيته بطبيب، فنعتَ عليه السّلام له بَقلةً، فقال له الطبيب: لا أعرف على وجه الأرض يعرف اسمَها غيرَك، فِمن أين عرفتَها ؟! ألا إنّها ليست في هذا الأوان، ولا هذا الزمان (36). ويمضي الرَّحل.. فيبلغ قنطرة أَربُق، وهي قرية في ( رامْهُرمُز ) من نواحي خوزستان، وقد شخّصت هذه القريةُ البوّابةَ التي خرج منها الإمام الرضا عليه السّلام من الأهواز متّجهاً إلى بلاد فارس. والرواية الوحيدة المنقولة في هذه القنطرة هي التي يرويها جعفر بن محمّد النوفليّ قائلاً: أتيتُ الرضا وهو بـ « قنطرة أربُق » فسلّمت عليه وقلت: جُعلت فداك، إنّ أُناساً يزعمون أنّ أباك حيّ، فقال: كذِبوا لعنهم الله، ولو كان حيّاً ما قُسّم ميراثه، ولا نُكح نساؤه [ أي جواريه ]، ولكنّه ـ واللهِ ـ ذاق الموتَ كما ذاقه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام. قال: فقلت له: ما تأمرني ؟ قال: عليك بابني محمّدٍ من بعدي، وأمّا أنا.. فإنّي ذاهب في وجه الأرض لا أرجع منه، بُورك قبرٌ بطوس، وقبرانِ ببغداد!ّ قال: قلت: جُعلت فداك، قد عرفنا واحداً، فما الثاني ؟ قال: ستعرفونه. ثمّ قال عليه السّلام: قبري وقبر هارون الرشيد هكذا ـ وضمّ بإصبعَيه (37).. ---------- بعد ذلك إلى أين ؟ وإذا كان لابدّ للركب الرضويّ أن يتحرّك من قنطرة أربُق.. فإلى أين سيتّجه يا تُرى ؟ قيل: إنّ المسير قد تعيّن بأمرين: الأوّل: ـ تأكيد المأمون أنّ الطريق لابدّ أن يكون على فارس (شيراز) لا غير؛ لئلاّ يمرّ على « قمّ ». والثاني: ـ قنطرة أربق نفسها قد رسمت المسمار، ومِن هنا يذكر بعض الجغرافيّين والمؤرّخين ضمن آثارٍ كثيرة أنّ الإمام الرضا عليه السّلام اتّجه نحو فارس ثمّ إلى يَزد.. عابراً على تُستَر ( شُوشتَر ) و ( دَزفول ). هكذا هو المظنون، باعتبار أنّ السفر إلى تلك المدن يحكم بالمرور على تلك المناطق. هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى يرى الكثير أنّ آثار الإمام الرضا عليه السّلام على تلك المناطق باقية واضحة؛ فهناك مساجد كثيرة مُسمّاة باسم الإمام الرضا عليه السّلام يُظنّ أنها بُنيت على البقاع التي تشرّفت بصلاته عليها، كما أن هنالك أماكن معروفة بـ ( مواضع الأقدام المباركة للإمام الرضا عليه السّلام ) تسمّى بالفارسيّة بـ «قدَمْگاه»، وأراضيَ عديدة ومقاطعات قد ارتبطت أسماؤها باسمه الشريف.. ظنّاً ونقلاً عن الأسلاف أنّه سلام الله عليه قد مرّ عليها لدى سفره إلى فارس (38). والطريق ـ بعد هذا ـ إلى خراسان يحكم بالمرور على كثة يزد، ويرسمه الاصطخريّ هكذا: شيراز 6 فراسخ ك زرقان 6 فراسخ ك اصطخر 4 فراسخ ك بيرقرية 8 فراسخ ك كهمند 8 فراسخ ك ديه بيد 12 فرسخاً ك أبرقوه 13 فرسخاً ك ديه شير 6 فراسخ ك جوز ( حور ) 6 فراسخ ك قلعة المجوس 5 فراسخ ك مدينة كثّة 7 فراسخ ك آبخيزة 6 فرسخ ك يزد (39). بينما يرسمه ابن حَوقَل هكذا: شيراز 6 فراسخ ك زرقان 6 فراسخ ك اصطخر 4 فراسخ ك قرية تير 8 فراسخ ك كهنك 8 فراسخ ك قرية بيذ 12 فرسخاً ك ابرقويه 13 فرسخاً ك ديه شير 6 فراسخ ك جوز ( حور ) 6 فراسخ ك قلعة المجوس ك 5 فراسخ ك مدينة كثّة 6 فراسخ ك انجيره ( ابخيزه ) (40). ومن هنا يكون الرّحل الرضويّ قد تبيّن مسيره، كما أثبت ذلك الحاكم النيسابوريّ في ( تاريخ نيسابور ) حينما تطرّق إلى بعض أحوال الإمام الرضا عليه السّلام فقال: أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة، ثمّ إلى أهواز، ثمّ فارس ثمّ إلى نيسابور. وهنا تستوقفنا مسألتان: الأولى ـ هل كان الإمام عليه السّلام قد مرّ على ولاية كثّة ( يزد ) حينما يَمّم ركبُه وجهة خراسان ؟ هذا هو المظنون، إذ الخريطة الجغرافيّة حاكمة أن الطريق من فارس إلى خراسان يمرّ على كثّة ( يزد )، حتّى ذكر البعض أنّ هنالك آثارَ ذكريات مباركة ترتبط بالإمام الرضا عليه السّلام في هذه المدينة.. يُستوحى منها أنه سلام الله عليه قد مرّ على هذه الديار، وتشرفت به تلك البقاع، إمّا إقامةً له فيها سويعات بات فيها أو صلّى أو توضّأ أو تناول شيئاً من الطعام هناك. هذا ما تشير إليه المصادر الحديثة وتصرّح به أحياناً، فتُسمّى مناطق بـ « قدمگاه خرانق » أو « مشهدك »، و « قدمگاه ده شير » أو « فراشاه »، و « قدمگاهاى شهر نائين » أي المواضع المباركة لأقدام الإمام الرضا عليه السّلام حين حلّ هناك (41). ثمّ تقتضي المسيرة أن تمرّ على نائين، وبافران، وآهوان.. لأنّ الوجهة المطلوبة هي خراسان، وتلك ديار على هذا الطريق. بعدها لابدّ أن يأخذ الركب الرضويّ الشريف طريق الصحراء، من يزد إلى خراسان.. يرسمه لنا الجيهانيّ هكذا: يزد ك آنجيره ( آبخيزه ) ك خزانق ( خزانة ) ك التلّ الأبيض والتلّ الأسود ك ساغند ك رباط پشت بادام ك رباط محمّد ك ريگ ك مُهلَّب ك رباط حوران ( خوران ) ك چَشمه رادخره ك بشتادران ك بن ك زادَوَيه ك رباط زَنگر ك أشبست ك ترشيز.. وهي في ظهر نيشابور (42). ولعلّ هذه المنطقة الصحراويّة هي التي يُطلَق عليها في الأخبار بـ المفازة الكبيرة، والتي يُقال لها اليوم ( كَوِير لُوط ) أو ( كَوِير نَمَك ).. وقد حدّدها الإصطخريّ في (مسالك الممالك) قائلاً: شرقيّها حدود مَكران وسَجستان، وغربيّها حدود قومس والرَّيّ وقاشان وقمّ، وشماليّها حدود كِرمان وفارس وإصبهان. هذه المفازة من أقلّ مفاوز الإسلام سكّاناً وقرىً ومدناً على قَدرها، وليس يُستدرك من مفازة خراسان وفارس إلاّ علم الطريق، وما يَعرض في أضعاف طرقها من المنازل، إذ ليس فيها عدا طرقها كثير عمارة ولا سكّان. وهذه مفازة من أكثر المفاوز لصوصاً وفساداً، وللّصوص في هذه المفازة مأوىً يعتصمون به ويأوون إليه ويُخفون فيه المال والذخائر، يُعرف بـ « جبل كركس كُره ». والمفازة في اللغة: هي الفلاة أو الصحراء التي لا ماء فيها، ويقال لها بالفارسيّة (كَوِير). أمّا الرواية المنقولة الثابتة، والمثبِتة أنّ الإمام الرضا عليه السّلام مرّ على هذه المنطقة.. فهي رواية محمّد بن حفص الذي قال: حدّثني مولى العبد الصالح أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال: كنت وجماعةٌ مع الرضا عليه السّلام في مفازة فأصابنا عطش شديد ودوابَّنا، حتّى خفنا على أنفسنا، فقال لنا الرضا عليه السّلام: إيتوا موضعاً ـ وصَفَه لنا ـ فإنّكم تصيبون الماء فيه. قال: فأتينا الموضع فأصَبنا الماء، وسَقينا دوابَّنا حتّى رَوِيت ورَوِينا ومَن معنا من القافلة، ثمّ رَحَلنا فأمرَنا عليه السّلام بطلب العين، فطلبناها فما أصبنا إلاّ بقرة الإبل ولم نجد للعين أثراً. فذُكر ذلك لرجل من وُلد قنبر، كان يزعم أنّ له مئة وعشرين سنة، فأخبرني القنبريّ بمِثل هذا الحديث سواء، قال: كنت أنا أيضاً معه في خدمته. وأخبرني القنبريّ أنّه كان في ذلك مُصعِداً إلى خراسان (43). أمّا المسألة الثانية التي تستوقفنا هنا قبل أن نواصل مسايرة الركب الرضويّ المبارك وقد بلغ مشارف خراسان.. فهي: هل كان للإمام الرضا عليه السّلام مرورٌ على مدينة « قمّ » ؟ الجواب يكون واضحاً إذا عدنا ـ أيُّها الإخوة ـ إلى السؤال عن مرور الإمام عليه السّلام على مدينة « الكوفة ». وقد تبيّن بالدليلَين: النقليّ والعقليّ، أنّ المستبعد جدّاً أن يكون سلام الله عليه قد مرّ على هذه المدينة في سفره المتيمّم شطر خراسان. النقليّ ـ توافرت الروايات على أنّ المأمون حذّر مبعوثه ـ بشدّة ـ من أن يكون طريقه على: الكوفة ك فالجبل ك فقمّ. قال الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ: لمّا أراد المأمون.. البيعة لعليّ الرضا عليه السّلام وجّهه من مرو خراسان، وجاء ابن أبي الضحّاك، وكتب إليه أن يَقدِم إلى «مرو»، فاعتلّ عليه بعللٍ كثيرة. فما زال المأمون يكاتبه حتّى علم الرضا أنه لا يكفّ عنه، فخرج من المدينة وسار على طريق البصرة والأهواز وفارس ونيشابور، حتّى دخل مَرو الشاهجان (44). وكتب ابن حجر العسقلانيّ: قال الحاكم في ( تاريخ نيسابور ): أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة، ثمّ إلى الأهواز، ثمّ إلى فارس، ثمّ إلى نيسابور.. إلى أن أخرجه إلى مَرو، وكان ما كان ـ يعني من قصّة استخلافه (45). ويتأكد هذا على لسان المبعوث المأمونيّ نفسه.. رجاء بن أبي الضحّاك، فهو الذي قال: بعثني المأمون في إشخاص عليّ بن موسى من المدينة، وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس، ولا آخذ به على طريق قمّ (46). بل يتأكّد ذلك على يد المأمون نفسه، إذ كتب بقلمه إلى الإمام الرضا عليه السّلام: لا تأخذ على طريق الجبل و « قمّ »، وخذ على طريق البصرة والأهواز وفارس (47). فالأخبار من جهة لم تورد شيئاً يُذكر عن قدوم الإمام الرضا عليه السّلام علي « قم »، فيما أكّدت من جهةٍ أخرى على ألاّ يدخلها، ولعلّه عليه السّلام لم يدخلها؛ تقيّةً، أي بنفس الدليل الذي جعله يهاجر من مدينة جدّه المصطفى صلّى الله عليه وآله إلى طوس. والدليل العقليّ ـ هو أنّ تشيّع أهل قمّ كان مشهوراً، كما كان مشهوراً أنّ المأمون قد عاملهم بقسوة، وتربّص بهم وحذّر منهم (48). من هنا يُستبعَد أن يسمح المأمون للركب الرضويّ أن يدخل « قمّ » فيكون من إثارة العواطف الولائية تجاه الإمام ما يكون! مع ذلك.. ذكرت بعض المؤلّفات أنّ الإمام الرضا عليه السّلام لم يصل إلى الكوفة، ولكنّه توجّه على طريقها إلى بغداد، ثمّ إلى قمّ، ودخلها، وتلقّاه أهلها، وتخاصموا فيمن يكون ضيفه منهم (49). ولكن يبقى ذلك غير مشهور، ودليله غير واضح. إنما الذي اشتهر أنّ الرحل المبارك حمل الإمام الرضا عليه السّلام من فارس إلى المفازة الكبيرة، مُتّجهاً نحو خراسان.. فدخل نيسابور: وكانت تُعرف بـ ( أبْرشهر )، يصفها ابن حوقل في (صورة الأرض) قائلاً: هي مدينة سهلة، أبنيتها من طين.. وليس بخراسان مدينة أصح هواءً، وأفسح فضاءً، وأشدّ عمارةً، وأدوم تجارةً، وأكثر سابلة، وأعظم قافلة، من نيسابور... وقد خرّجت نيسابور من العلماء كثرة، ونشأ بها على مرّ الأيّام من الفقهاء مَن شُهر اسمه، وسما قَدره، وعلا ذِكره. نعم.. فلمّا دخلها الإمام عليّ الرضا عليه السّلام كان لأهل نيسابور لقاءات طيّبة معه، لعلّ أهمّها اللقاء الذي فاض به عليهم بحديث سِلسلة الذَّهَب ( لاحظ هذا العنوان في شبكتنا ). ولقاء آخر ترويه خديجة بنت حمدان بن بَسنده، تقول: لمّا دخل الرضا عليه السّلام بنيسابور نزل محلة الغربيّ [ الفرويّ، الفروينيّ ] ناحية تعرف « بلاشاباذ » [بلاشاباذ] في دار جدّي بسنده، وإنّما سُمّي ( بسنده ) لأن الرضا عليه السّلام ارتضاه من بين الناس ( وبسنده إنما هي كلمة فارسيّة معناها: مَرْضِيّ ). فلمّا نزل عليه السّلام دارنا زرع لَوزةً في جانب من جوانب الدار، فنبتت وصارت شجرة، وأثمرت في سنة. فعلم الناس بذلك، فكانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة، فمَن أصابته علّة تبرّك بالتناول من ذلك اللوز مستشفياً فعُوفيَ به، ومَن أصابه رَمَد جعل ذلك اللوز على عينيه فعُوفي، وكانت الحامل إذا عَسُرت عليها ولادتها تناولت من ذلك اللوز فتخفّ عليها الولادة وتضع من ساعتها، وكان إذا أخذ دابّةً من الدوابّ داءُ القولَنج أُخذ من قضبان تلك الشجرة فأُمِرّ على بطنها فتُعافى ويذهب عنها ريح القولنج ببركة الرضا عليه السّلام. فمضت الأيّام على تلك الشجرة فيبست، فجاء جدّي حمدان وقطع أغصانها، فعَمِيَ. وجاء ابن حمدان، يقال له « أبو عمرو »، فقطع تلك الشجرة من وجه الأرض، فذهب مالُه كلّه بباب فارس، وكان مبلغه سبعين ألف درهم إلى ثمانين ألف درهم، ولم يبقَ له شيء. وكان لأبي عمروٍ هذا ابنان، وكانا يكتبان لأبي الحسن محمّد بن إبراهيم بن سمجور، يقال لأحدهما « أبو القسم »، وللأخر « أبو صادق »، فأراد عمارة تلك الدار وأنفقا عليها عشرين ألف درهم، وقَلَعا الباقي من أصل الشجرة وهما لا يعلمان ما يتولّد عليهما من ذلك.. تولّى أحدهما ضياعاً لأمير خراسان، فرُدّ إلى نيسابور في محملٍ قد اسودّت رِجلُه اليمنى، فشُرِحت رجله فمات من تلك العلّة بعد شهر، أمّا الآخر ـ وهو الأكبر ـ فإنّه كان في ديوان سلطان نيسابور يكتب كتاباً وعلى رأسه قوم من الكتّاب وقوف، فقال واحد منهم: دفعَ الله عينَ السوء بمن كاتب هذا الخطّ. فارتعشت يده من ساعته، وسقط القلم من يده، وخرجت بيده بُثرة [ أي دمّل، خرّاج ]، ورجع إلى منزله فدخل عليه أبو العبّاس الكاتب مع جماعة فقالوا له: هذا الذي أصابك من الحرارة، فيجب أن تفصد اليوم. فافتصد ذلك اليوم، فعادوا إليه من الغد وقالوا له: يجب أن تفصد اليوم أيضاً. ففعل، فاسودّت يده، فتشرّحت ومات من ذلك، وكان موتهما جميعاً في أقلّ من سنة (50). وروى الشيخ الصدوق قائلاً: يُقال: إنّ الرضا عليه السّلام لمّا دخل نيسابور نزل محلّةً يُقال لها ( الفروينيّ ) فيها حمّام، وهو الحمّام المعروف [ اليوم ] بـ ( حمّام الرضا عيه السّلام ) وكانت هناك عين قد قلّ ماؤها، فأقام عليها مَن أخرج ماءها، حتّى توفّر وكثر، واتّخذ من خارج الدرب حوضاً ينزل إليه بالمراقي [ أي الدرجات ] إلى هذه العين. فدخله الرضا عليه السّلام واغتسل فيه، ثمّ خرج منه وصلّى على ظهره، والناس يتناوبون ذلك الحوض ويغتسلون فيه ويشربون منه؛ إلتماساً للبركة، ويصلّون على ظهره ويدعون الله عزّوجلّ في حوائجهم فتُقضى لهم. وهي العين المعروفة بعين كَهْلان، يقصدها الناس إلى يومنا هذا (51). وقال الشبلنجيّ: دخل على عليّ بن موسى بنيسابور قومٌ من المتزهدين المتصوفين فقالوا: إنّ المأمون نظر فيما ولاّه الله تعالى من الأُمور، ثمّ نظر فرآكم ـ أهل البيت ـ أولى مَن قام بأمر الناس، ثمّ نظر في أهل البيت فرآكم أولى الناس بالناس من كلّ واحد منهم، فردّ هذا الأمرَ إليك، والناس تحتاج إلى مَن يأكل الخشن، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض، ويشيّع الجنائز. قال: وكان عليٌّ الرضا متّكئاً فاستوى جالساً، ثمّ قال: كان يوسُف بن يعقوب نبيّاً، فلَبِس أقبية الدِّيباج المُزرَّرة بالذهب، والقُباطيَّ المنسوجة بالذهب، وجلس على متّكآت آل فرعون وحَكَم، وأمر ونهى.. يراد من الإمام القِسطُ والعدل، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، إنّ الله لم يُحرّم ملبوساً ولا مطعوماً. وتلا قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِه والطِيّباتِ مِن الرزْق.. (52). هذا.. إضافة إلى المناسبات واللقاءات التي تشرّف بها أهل نيسابور مع الإمام الرؤوف عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، وكان فيهم جمعٌ وفير من علماء الخاصّة والعامّة، أقبلوا عليه بلهفة وإجلال يُسائلونه عن حديثٍ يحدّثهم به، وتحفةٍ نبويّة يهديها إليهم. موجّهين إليه نداءهم: أيّها السيّد ابن السادة، أيّها الإمام ابن الأئمّة، أيّها السلالة الطاهرة الرضيّة، أيُّها الخلاصة الزاكية النبويّة، بحقّ آبائك الأطهرين، وأسلافك الأكرمين، إلاّ ما أريتَنا وجهَك المبارك الميمون، ورويتَ لنا حديثاً عن آبائك عن جدّك نذكرك به. فاستوقف الإمامُ عليه السّلام بلغتَه، ورفع مظلّته، وأقرّ عيون المسلمين بطلعته المباركة، والناس على طبقاتهم قيامٌ كلّهم، وكانوا بين صارخ وباكٍ، ومقبّل حزامَ بغلته، ومطوّلٍ عنقَه إلى مظلّته، حتّى انتصف النهار، وصاح العلماء والقضاة: معاشرَ الناس، إسمعَوا وَعُوا، ولا تُؤذوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عترته، وأنصِتوا. فأملى عليهم (53). روى السمهوديّ بإسناده عن أبي الصلت عبدالسّلام بن صالح الهرويّ قال: كنت مع عليّ بن موسى الرضا وقد دخل نيشابور، وهو على بغلة له شهباء، فغدا في طلبه العلماءُ من أهل البلد، وهم: أحمد بن حرب، وابن النَّضر، ويحيى بن يحيى.. وعِدّةٌ من أهل العلم، فتعلّقوا بلجام [ بغلته ] في المرَبعَة ( مفترق الطرق ) وقالوا له: بحقّ آبائك الطاهرين، حدِّثنا بحديثٍ سمعتَه من أبيك، فقال: حدّثني أبي العبدُ الصالح موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفرُ الصادق بن محمّد قال: حدّثني أبي باقر علم الأنبياء محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي سيّدُ العابدين عليّ بن الحسين قال: حدّثني أبي سيّدُ شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّ قال: سمعتُ أبي سيّدَ العرب عليَّ بن أبي طالب يقول: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: الإيمان: معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. قال أجمد بن حنبل: لو قرأت هذا الإسنادَ على مجنونٍ لَبرئ مِن حينه (54). ومن نيشابور يبدأ ركب الإمام الرضا عليه السّلام يجدّ سفره، حتّى يبلغ قرية الحمراء!، وهي التي يُقال لها اليوم: « دِهْ سُرْخ ». وفي تلك القرية تكون له سلام الله عليه قضيّة لافتة، يذكرها رفيق سفره عبدالسّلام بن صالح الهرويّ أبو الصلت، يحدّث بها قائلاً: لمّا خرج عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام إلى المأمون، فبلغ [ قرب ] قرية الحمراء قيل له: يا ابن رسول الله! قد زالت الشمس [ أي بلغت وقت الزوال ] أفلا تصلّي ؟ فنزل عليه السّلام فقال: إيتوني بماء، فقيل: ما مَعنا ماء. فبحث عليه السّلام بيده الأرض، فنبع من الماء ما توضّأ به هو ومَن معه. قال الشيخ الصدوق: وأثره باقٍ إلى اليوم (55). ومن ( قرية الحمراء ) إلى رباط سعد .. هل كان فيها حادثة تَستوقف ؟ أجل، يحدّثنا بها: أبو حامد أحمد بن عليّ بن الحسين الثعالبيّ فيقول: حدّثنا أبو أحمد عبدالله بن عبدالرحمن المعروف بـ « الصَّفوانيّ »، قال: قد خرجت قافلة من خراسان إلى كِرمان، فقطع اللصوص عليهم الطريق وأخذوا منهم رجُلاً اتّهموه بكثرة المال، فبقي في أيديهم مدّةً يعذّبونه ليفتدي منهم نفسه، وأقاموه على الثلج وملأوا فاه من ذلك الثلج، فشدّوه، فرحمتْه امرأةٌ من نسائهم، فأطلقَته وهرب، فانفسد فمه ولسانه حتّى لم يقدر على الكلام. ثمّ انصرف إلى خراسان، وسمع بخبر عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام وأنّه بنيسابور، فرأى فيما يرى النائم [ في منامه ] كأنّ قائلاً يقول له: إنّ ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد ورد خراسان، فسَلْه عن علّتك، فربّما يعلّمك دواءً تنتفع به. قال: فرأيت كأنّي قد قصدته عليه السّلام وشكوت إليه ما كنت دُفِعت إليه، وأخبرته بعلّتي فقال لي: خُذ من الكَمّون والسَّعتر (56) والملح، ودُقَّه وخذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثاً، فإنّك تُعافى. فانتبه الرجل من منامه ولم يفكّر فيما كان رأى في منامه، ولا اعتَدَّ به، حتّى ورد باب نيسابور فقيل له: إنّ عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام قد ارتحل من نيسابور، وهو برباط سَعد. فوقع في نفس الرجل أن يقصده ويصف له أمره، ليصف له ما ينتفع به من الدواء، فقصده إلى رباط سعد، فدخل عليه فقال له: يا ابن رسول الله! كان من أمري كيت وكيت، وقد انفسد علَيّ فمي ولساني حتّى لا أقدر على الكلام إلاّ بجهد، فعلّمني دواءً أنتفع به، فقال الرضا عليه السّلام: ألم أُعلِّمك ؟! إذهب فاستعمل ما وصفتُه لك في منامك، فقال له الرجل: يا ابن رسول الله، إن رأيتَ أن تُعيدَه علَيّ، فقال عليه السّلام له: خُذ من الكَمّون والسَّعتر والملح فدُقِّه، وخذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثاً، فإنّك ستُعافى. قال الرجل: فاستعملتُ ما وصف لي، فعُوفيت. قال أبو حامد أحمد بن عليّ بن الحسين الثعالبيّ: سمعت أبا أحمد بن عبدالله بن عبدالرحمن المعروف بـ « الصَّفوانيّ » يقول: رأيت هذا الرجل، وسمعت منه هذه الحكاية (57). ومن ( رباط سعد ) تمضي القافلة تطوي الطريق حتّى تبلغ سناباذ وهنا نستوقف أبا صلت الهرويّ مرّةً أُخرى، نسأله إنْ كان هنالك واقعةٌ حدثت في المنطقة، فيحدّثنا بقوله: لمّا دخل عليه السّلام سناباذ (58) استند إلى الجبل الذي تُنحت منه القُدور [أي فيما بعد]، فقال: اللّهمّ انفَعْ به، وبارِكْ فيما يُجعَل فيه وفيما يُنحَت منه. ثمّ أمر عليه السّلام فنُحت له قدور من الجبل، وقال: لا يُطبخُ ما آكُله إلاّ فيها. وكان عليه السّلام خفيف الأكل، قليل الطعام. فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم، فظهرت بركةُ دعائه فيه (59). يقع هذا الجبل جنوب « مشهد » ويعرف بـ « كُوهْسَنگى » ـ أي الجبل الصخريّ ـ يُستفاد منه في كثيرٍ من الصناعات اليدوية الصخرية. بعد ذلك تتقارب المدن، فيطوي الرحل الرضويّ مسافة قليلة يبلغ بها أرض طوس (60). أمّا الواقعة التي نُقلت في هذه المدينة، فيرويها موسى بن سيّار وقد رآها رأي العين إذ يقول: كنت مع الرضا عليه السّلام وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعتُ واعيةً فاتّبعتها فإذا نحن بجنازة. فلما بَصرتُ بها رأيت سيّدي وقد ثَنى رِجله عن فرسه، ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثمّ أقبل يلوذ بها... ثمّ أقبل علَيّ وقال: يا موسى بن سيّار، مَن شيّع جنازة وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمّه لا ذنب عليه. حتّى إذا وُضع الرجل على شفير قبره.. رأيت سيّدي قد أقبل، فأخرج الناس عن الجنازة حتّى بدا له الميّت، فوضع يده على صدره ثمّ قال: يا فلان ابن فلان، أبشِرْ بالجنّة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة. فقلت: جُعِلت فداك، هل تعرف الرجل ؟ فوالله إنّها بقعةٌ لم تطأها قبل يومك هذا! فقال لي: يا موسى بن سيّار، أما علمتَ أنا ـ معاشرَ الأئمّة ـ تُعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً ؟! فما كان من التقصير في أعمالهم سألْنا اللهَ تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلوّ سألنا الله الشكرَ لصاحبه (61). ويذكر بعض المؤرّخين.. أنّ المأمون حينما بلغه وصول الإمام الرضا عليه السّلام إلى مدينة طوس فرح كثيراً، واطمأنّ إلى أنّ مؤامرته توشك أن تؤتي ثمرها. فأمر القوّاد وأمراء الجيش، والعلماء والفضلاء بالذهاب إلى طوس واستقبال الإمام على مشارف المدينة، فإذا كان اللقاء ترجّل الكثير منهم وأدّوا السّلام عليه، ثمّ أخذوا يقبّلون يديه ورجليه، بعد ذلك خرجوا معه من طوس بكلّ إعزاز وإجلال. وما ترك الإمام عليّ الرضا عليه السّلام هذه المدينة حتّى كانت له فيها كرامات ومعاجز مشهودة، وقد شُوفي وعوفي خلق كثير ببركة المقدم الشريف للإمام الرؤوف عليه السّلام (62). وبعد طوس يقف الرحل عند بستان حميد بن قحطبة وداره، وهنا عندنا خبران: الأوّل ـ عن ياسر الخادم، يقول فيه: لمّا نزل أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام قصرَ حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناوَلَها حميداً، فاحتملها وناولها جاريةً له لتغسلها، فما لبثت أن جاءت ومعها رقعة، فناولتها حميداً وقالت: وجدتُها في جيب أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليهما السّلام. قال حميد: فقلت: جُعِلت فداك، إنّ الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك، فما هي ؟ قال: يا حميد، هذه عوذة لا نفارقها، فقلت: لو شرّفتَني بها! قال عليه السّلام: هذه عوذة.. مَن أمسكها في جيبه كان مدفوعاً عنه، وكانت له حرزاً من الشيطان الرجيم، ومن السلطان. ثمّ أملى على حميد العوذة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله، إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّاً أو غير تقيّ، أخذتُ بالله السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطانَ لك علَيّ ولا على سمعي ولا بصري، ولا على شَعري ولا على بَشري، ولا على لحمي ولا على دمي، ولا على مخّي ولا على عصبي ولا على عظامي، ولا على أهلي ولا على مالي ولا على ما رزقني ربّي. سترتُ بيني وبينك بستر النبوّة الذي استترَ به أنبياء الله من سلطان الفراعنة. جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، وإسرافيل من ورائي، ومحمّد صلّى الله عليه وآله أمامي، والله مطّلع على ما يمنعك ويمنع الشيطان منّي. أللّهمّ لا يَغلِب جهلُه أناتَك أن يَستفزّني ويَستخفّني، أللّهمّ إليك التجأت، اللّهمّ إليك التجأت، اللّهمّ إليك التجأت (63). الثاني ـ عن أبي الصلت عبدالسّلام الهرويّ، يقول بعد أن يتعرّض إلى ذكر دخول الإمام الرضا عليه السّلام إلى « سناباذ »: ثمّ دخل دار حميد بن قحطبة الطائيّ، ودخل القبّة التي فيها قبر هارون الرشيد، ثمّ خطّ بيده إلى جانبه [ أي جانب قبر هارون ] ثمّ قال: هذه تُربتي وفيها أُدفَن، وسيجعل الله هذا المكانَ مختلَفَ شيعتي وأهلِ محبتي. واللهِ ما يزورني منهم زائرٌ، ولا يسلّم علَيّ منهم مسلّم.. إلاّ وجب غفران الله ورحمته، بشفاعتنا أهلَ البيت. ثمّ استقبل القبلة فصلّى ركعات، ودعا بدعوات، فلمّا فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحةٍ، ثم انصرف (64). ومن دار حميد بن قحطبة، التي سيعود إليها الإمام الرضا عليه السّلام بعد ثلاث سنوات ليُسقى السمّ فيها، ويُدفن فيها، يتحرك الركب المقدّس باتجاه سَرْخَس (65). وفيها لعالِم آل محمّد صلوات الله عليه وعليهم إفاضة، وتوجيه إلى أمانٍ لله حصين، نجد ذلك في رواية الشيخ الصدوق إذ يقول: حدّثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبيّ قال: سمعت أبي الحسينَ بن أحمد يقول: سمعت جدّي يقول: سمعت أبي يقول: لمّا قدم عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام نيسابور أيّام المأمون، قمتُ في حوائجه والتصرّف في أمره ما دام بها، فلمّا خرج إلى مرو شيّعته إلى سرخس، فلمّا خرج من سرخس أردت أن أُشيّعه إلى مَرو، فلمّا سار مرحلة أخرج رأسه من العماريّة وقال لي: يا أبا عبدالله، انصرف راشداً، فقد قمتَ بالواجب، وليس للتشييع غاية. قلت: بحقّ المصطفى والمرتضى والزهراء.. لما حدّثتني بحديث تَشفيني به حتّى أرجع، فقال: تسألني الحديثَ وقد أُخرِجتُ من جِوار رسول الله، ولا أدري إلى ما يصير أمري ؟! قلت: بحقّ المصطفى والمرتضى والزهراء.. لما حدّثتني بحديث تشفيني حتّى أرجع، فقال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه أنّه سمع أباه يذكر أنّه سمع أباه يقول: سمعت أبي عليَّ بن أبي طالب عليهم السّلام يذكر أنهّ سمعه النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: قال الله جَلّ جلاله: « لا إله إلاّ الله » اسمي، مَن قاله مخلصاً من قلبه دخل حِصني، ومن دخل حِصني أمنَ مِن عذابي (66). وقبل أن نخرج من سَرْخَس، هناك نظرتان إلى أمرين: الأُولى: ـ ذكرت بعض الأخبار أنّ الإمام الرضا عليه السّلام قد قضّى فترةً في سجن سَرْخَس، أو كان عليه السّلام محبوساً في مكانٍ ما، ولم تذكر ما إذا كان حبسه في سفره هذا إلى « مَرو » أو غيره.. إنّما الذي ذُكر في ذلك رواية عبدالسّلام بن صالح أبي الصلت وأنّه تسلّل إلى الإمام عليه السّلام بعد تلطّفه مع السجّان، ليسأله عن أمرٍ يتداوله الناس يرتبط بولاية العهد. ولعلّ ذاك كان حينما أراد المأمون اغتيال وزيره الفضل بن سهل على يد خاله غالب في حمّام « سَرْخَس »، في شعبان سنة 203 هـ (67). الثانية: ـ هي أنّ المسافة المطويّة من نيسابور إلى سَرْخَس تمرّ على ستّة منازل، هكذا: نيشابور ك فغيس ك قرية الحمراء ك بردع ك طوس ك سرخس. هذا، مروراً بـ ( رباط سعد ) و ( سناباذ ) (68). أما المسافة المطويّة من سرخس إلى مرو فتمرّ أيضاً على ستّة منازل، هي: سرخ ك اشترمغاك ك تلستانة ك دمدانقان ك كنوكرد ك مرو (69). وعلى أيّة حال.. فالمحطّة الأخيرة لمسير القافلة الرضويّة الشريفة هي مرو مركز السلطة العباسية يومذاك، وهناك يكون المأمون بانتظار الإمام الرضا عليه السّلام وقد أحضره بظاهر الإكرام ولكنّه يجيء به إلى خراسان كالأسير المُحتجَز، لينفّذ ما كان يهدف إليه. إذن.. المأمون ينتظر الركب الرضويّ أن يقدم إليه في « مرو »، وقد خرج من سرخس وبانت هذه المدينة العريقة، وهي من أهمّ مدن خراسان (70). ويُنقل أمران عند ورود الإمام الرؤوف عليّ الرضا عليه السّلام مدينة « مرو ».. الأول ـ لقاؤه عليه السّلام برجل كان جمّالاً له عند توجّهه إلى خراسان، فلما أراد الرجل الانصراف قال له: يا ابن رسول الله، شرّفْني بشيء من خطّك أتبرّك به. وكان الرجل من العامّة، فأعطاه المكتوب، وكان فيه هذه الكلمة له سلام الله عليه: كُنْ مُحبّاً لآلِ محمّدٍ عليهم السّلام وإن كنتَ فاسقاً، ومُحبّاً لِمُحبّيهم وإن كانوا فاسقين ». الثاني: الاستقبال المفتعَل الذي هيّأه المأمون لقدوم الإمام الرضا سلام الله عليه.. فلمّا وصل عليه السّلام إلى مدينة « مَرو » بالَغَ المأمون في إكرامه، ليُوهِم الناسَ أنّه استدعاه رغبةً في لقائه، وأنّه كان صادقاً مخلصاً في التنازل له عن الخلافة، ثمّ في إسناد ولاية العهد إليه. وقد كان ورود الإمام عليه السّلام إلى مرو سنة مائتين من الهجرة النبويّة المباركة (71). مسك الختام يطيب لنا أخيراً أن نتعرّف على بعض أحوال الإمام الرضا عليه السّلام في سفره الذي هاجر فيه من مدينة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى خراسان هذا السفر الإجباري. ولكنْ من أين يكون لنا ذلك يا تُرى ؟! دعونا نتعرّف عليه من مأمور المأمون نفسه: رجاء بن أبي الضحّاك، يحدّث به أحمدَ بن عليّ الأنصاريّ يقول له: بعثني المأمون في إشخاص عليّ بن موسى عليه السّلام من المدينة، وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس، ولا آخذ به على طريق قمّ، وأمرني أن أحفظه بنفسي باللّيل والنهار حتّى أقْدم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فوالله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه، ولا أشدّ خوفاً لله عزّوجلّ منه. وكان إذا أصبح صلّى الغداة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله، ويصلّي على النبيّ صلّى الله عليه وآله حتّى تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار، ثمّ أقبل على الناس يحدّثهم ويعطهم إلى قرب الزوال، ثمّ جدّد وضوءه وعاد إلى مصلاّه، فإذا زالت الشمس قام فصلّى ستّ ركعات، يقرأ في الركعة الأُولى الحمد وقل يا أيّها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله، ويقرأ في الأربع في كلّ ركعة الحمد لله وقل هو الله أحد، ويسلّم في كلّ ركعتين ويقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، ثمّ يؤذّن ويصلّي ركعتين، ثمّ يقيم ويصلّي الظهر، فإذا سلّم سبّح الله وحمده وكبّره وهلّله ما شاء الله، ثمّ سجد سجدة الشكر يقول فيها مئة مرّة: شكراً لله، فإذا رفع رأسه قام فصلّى ستّ ركعات، يقرأ في كلّ ركعة الحمد وقل هو الله أحد، ويسلم في كلّ ركعتين ويقنت في ثانية كلّ ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثمّ يؤذّن ثمّ يصلّي ركعتين ويقنت في الثانية، فإذا سلّم قام وصلّى العصر، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله، ثمّ سجد سجدة يقول فيها مئة مرّة: حمداً لله، فإذا غابت الشمس توضّأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة، وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله، ثمّ يسجد سجدة الشكر، ثمّ يرفع رأسه ولم يتكلّم حتّى يقوم ويصلّي أربع ركعات بتسليمتين ويقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وكان يقرأ في الأُولى من هذه الأربع الحمد وقل يا أيّها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ويقرأ في الركعتين الباقيتين الحمد وقل هو الله، ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله، ثمّ يفطر، ثمّ يلبث حتّى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يذكر الله عزّوجلّ ويسبّحه ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثمّ يأوي إلى فراشه، فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار فاستاك، ثمّ توضّى، ثمّ قام إلى صلاة اللّيل فيصلّي ثمان ركعات ويسلّم في كل ركعتين، يقرأ في الأُوليَين منها في كل ركعة الحمد مرّة وقل هو الله أحد ثلاثين مرّة، ثمّ يصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السّلام أربع ركعات، يسلّم في كلّ ركعتين ويقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة الليل، ثمّ يقوم فيصلّي الركعتين الباقيتين، يقرأ في الأُولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية الحمد لله وهل أتى على الإنسان، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع، يقرأ في كلّ ركعة منهما الحمد لله مرّة وقل هو الله أحد ثلاث مرّات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم قام فصلّى ركعة الوتر يتوجّه فيها ويقرأ فيها الحمد مرّة وقل هو الله أحد ثلاث مرّات وقل أعوذ بربّ الفلق مرّة واحدة وقل أعوذ بربّ الناس مرّة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة ويقول في قنوته: « أللّهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، أللّهمّ اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنّه لا يذلّ مَن واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت »، ثمّ يقول: أستغفر الله وأسأله التوبة، سبعين مرّة، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء الله، فإذا قرب من الفجر قام، فصلّى ركعتي الفجر، يقرأ في الأُولى الحمد وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، فإذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتّى تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة الشكر حتّى يتعالى النهار، وكان قراءته في جميع المفروضات في الأُولى الحمد وإنّا أنزلناه وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، إلاّ في صلاة الغداة والظهر والعصر يوم الجمعة، فإنّه كان يقرأ فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الأُولى الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد وسبّحِ آسمَ ربِّك الأعلى، وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس في الأُولى الحمد وهل أتى على الإنسان،وفي الثانية الحمد وهل أتاك حديثُ الغاشية، وكان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء وصلاة الليل والشفع والوتر والغداة، ويخفي القراءة في الظهر والعصر، وكان يسبّح في الأُخراوين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، ثلاث مرّات، وكان قنوته في جميع صلاته: ربِّ اغفرْ وارحمْ، وتجاوز عمّا تعلم، إنّك أنت الأعزّ الأجلّ الأكرم. وكان إذا قام في بلدة عشرة أيّام صائم لا يفطر، فإذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار. وكان في الطريق يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين إلاّ المغرب، فإنّه كان يصلّيها ثلاثاً ولا يدع نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر، وكان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً، وكان يقول بعد كلّ صلاة يقصرها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، ثلاثين مرّة، ويقول: هذا تمام الصلاة. وما رأيته صلّى الضحى في سفر ولا حضر، وكان لا يصوم في السفر شيئاً، وكان عليه السّلام يبدأ في دعائه بالصلاة على محمّدٍ وآله، ويكثر من ذلك في الصلاة وغيرها، وكان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن، فإذا مرّ بآية فيها ذكْر جنّة أو نار بكى وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار. وكان عليه السّلام يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلاته بالليل والنهار، وكان إذا قرأ قل هو الله أحد قال سرّاً: ألله أحد، فإذا فرغ منها قال: كذلك الله ربُّنا، ثلاثاً، وكان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سرّاً: يا أيُّها الكافرون، فإذا فرغ منها قال: ربّي الله وديني الإسلام، ثلاثاً، وكان إذا قرأ والتّينِ والزيتون قال عند الفراغ منها: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وكان إذا قرأ لا أُقسم بيوم القيامة قال عند الفراغ منها: سبحانك اللهمّ، وكان يقرأ في سورة الجمعة: قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ـ للذين اتّقَوا ـ واللهُ خير الرازقين، وكان إذا فرغ من الفاتحة قال: الحمد لله ربّ العالمين، وإذا قرأ: سبّحِ اسم ربّكِ الأعلى، قال سرّاً: سبحان ربّيَ الأعلى، وإذا قرأ: يا أيّها الذين آمنوا قال: لبّيك اللّهمّ لبّيك، سراً. وكان عليه السّلام لا ينزل بلداً إلاّ قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم ويحدّثهم الكثير، عن أبيه عن آبائه، عن عليّ عليه السّلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله. فلمّا وردتُ به على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرتُه بما شاهدته منه في ليله ونهاره، وظعنه وإقامته، فقال لي: يا ابنَ أبي الضحّاك! هذا خيرُ أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم، فلا تُخبر أحداً بما شاهدت منه؛ لئلاّ يظهر فضلُه، إلاّ على لساني، وبالله أستعين على ما أقوى من الرفع منه والإساءة به (72).

 ×  1 ـ سورة يونس / 32. 2 ـ الروضة من الكافي، للكليني 257. إثبات الوصية، للمسعوديّ 174. عيون أخبار الرضا عليه السّلام، للشيخ الصدوق 226:2 حديث 3. 3 ـ إثبات الوصية 175. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 226:2 حديث 4. 4 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 170:2 ـ الباب 41 حديث 1. 5 ـ أصول الكافي 408:1 ـ باب مولد الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام / ح 7. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 149:2 حديث 21. تاريخ الطبريّ 544:8 مروج الذهب، للمسعوديّ 27:4. تهذيب التهذيب، لابن حجر 387:7. تاريخ اليعقوبيّ 176:3. إثبات الوصيّة 205. 6 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 161:2 / 24. 7 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى، للطبرسيّ 72:2. روضة الواعظين، لابن الفتّال النيسابوريّ 268:1. 8 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 217:2 حديث 26. 9 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 217:2 حديث 28. 10 ـ بحار الأنوار، للعلاّمة المجلسيّ 53:102. 11 ـ الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة، لابن الصبّاغ المالكيّ 265. 12 ـ الغيبة، للنعمانيّ 52. بصائر الدرجات، للصفّار القمّيّ 138:3. 13 ـ الفصول المهمّة 265. 14 ـ الغيبة: 27. 15 ـ كشف الغمّة 362:2 ـ باب أحوال أبي جعفر الثاني عليه السّلام. 16 ـ تاريخ اليعقوبيّ 176:2. إثبات الوصيّة 205. الكافي 407:2. تاريخ الفخريّ 200. الإرشاد، للمفيد 290. تهذيب التهذيب 387:7. كشف الغمّة 362:2. 17 ـ بصائر الدرجات، للصفّار القمّي 246. 18 ـ سورة التوبة / 115. 19 ـ قرب الإسناد 376 ـ باب أحاديث متفرّقة حديث 1331. 20 ـ قال الحَمويّ: بين مكّة والبصرة ـ معجم البلدان 255:5. 21 ـ إثبات الوصيّة 204. كشف الغمّة 313:2. مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب 342:4. 22 ـ بحار الأنوار 117:49 حديث 4 عن الخرائج والجرائح، للقطب الراونديّ 236. 23 ـ مسند الإمام الرضا عليه السّلام لعزيز الله العطارديّ 53:1. 24 ـ كتاب الخراج، لقدامة بن جعفر 17. 25 ـ مناقب آل أبي طالب 342:4. وعلى نحو من التفصيل ذكر الرواية: المسعوديّ في إثبات الوصيّة، والشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السّلام. ومن أراد الوقوف على هذا البحث بشيءٍ من التفصيل والتحليل فليراجع كتاب: جغرافياى تاريخى هجرت امام رضا عليه السلام از مدينة تا مرو؛ « الجغرافية التاريخية لهجرة الإمام الرضا عليه السّلام من المدينة إلى مرو » ـ تأليف جليل عرفات منش / طبع مؤسّسة التحقيقات الإسلاميّة التابعة للعتبة الرضويّة المقدّسة في مشهد ـ إيران. 26 ـ تهذيب التهذيب 387:7. تاريخ اليعقوبيّ 176:3. إثبات الوصيّة 205. الكافي 486:1. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 180:2 حديث 5. 27 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 149:2 حديث 21. 28 ـ الكافي 489:1. إثبات الوصيّة 204. 29 ـ الخرائج والجرائح 661:2 حديث 4. 30 ـ الخرائج والجرائح 236 ـ الطبعة الحجريّة. 31 ـ يراجع: مروج الذهب، للمسعوديّ 421:3. البداية والنهاية، لابن كثير 93:10. الحياة السياسيّة للإمام الرضا عليه السّلام، للسيّد جعفر مرتضى العامليّ 367 / الهامش 2. 32 ـ كتاب الخراج 26. الأعلاق النفيسة، لابن رستة 21 ـ 219. 33 ـ صورة الأرض، لابن حوقل 30. أشكال العالم، للجيهانيّ 8 ـ 107. مسالك الممالك، للاصطخريّ 4 ـ 93. 34 ـ الزارعون والحُرّاث. 35 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 205:2 حديث 5. 36 ـ مسند الإمام الرضا عليه السّلام، للعطارديّ 55:1. 37 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 216:2 حديث 23. 38 ـ استوفى هذا الموضوع الأُستاذ جليل عرفان منش في كتابه: « جغرافياى تاريخى هجرت امام رضا عليه السّلام از مدينة تا مرو » ص 54 ـ 95. 39 ـ المسالك والممالك 155. 40 ـ صورة الأرض 2 ـ 53. يراجع جغرافياى تاريخى هجرت امام رضا عليه السّلام از مدينة تا مرو ص 69 ـ 95. 41 ـ تاريخ نائين، للسيّد حجّت البلاغيّ 6:2 ـ 235. ( زندگاني حضرت رضا عليه السلام ) ـ أي حياة الإمام الرضا عليه السّلام، لأبي القاسم سحاب 245. ( يادگارهاى يزد ) ـ أي ذكريات يزد، لإيرج أفشار 173:1 ـ 177، 281. 42ـ أشكال العالم. مسالك الممالك. صورة الأرض. جغرافياى تاريخى سرزمينهاى خلافت شرقى ـ أي الجغرافية التاريخيّة لبلاد الخلافة الشرقيّة، لِلسترنج. 43 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 216:2 حديث 5 ـ الباب 47 دلالات الرضا عليه السّلام. 44 ـ ينابيع المودّة 167:3. 45 ـ تهذيب التهذيب 387:7. 46 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 180:2 حديث 5. 47 ـ أصول الكافي 489:1 / ح 7. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 149:2 / ح 21. شرح ميميّة أبي فراس، لحاج حسيني 165. معادن الحكمة، للكاشانيّ 180. إثبات الوصيّة 204. 48 ـ تاريخ الطبريّ 1093:11. الكامل في التاريخ، لابن الأثير 212:5. تاريخ ابن خلدون 255:3. فتوح البلدان، للبلاذريّ 440. تجارب الأمم، لابن مسكويه 460:6. 49 ـ فرحة الغريّ، للسيّد عبدالكريم بن طاووس 105. الدلائل البرهانيّة في تصحيح الحضرة الغرويّة 858:2. 50 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 132:2 حديث 1. مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب 344:4. 51 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 135:2. مناقب آل أبي طالب 348:4. 52 ـ نور الأبصار، للشبلنجيّ 182. والآية في سورة الأعراف / 32. 53 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 134:2. معاني الأخبار، للصدوق 371. أمالي الطوسيّ 142. التوحيد، للصدوق 24. حِلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم 192:3. الصواعق المحرقة، لابن حجر 122. الفصول المهمّة، لابن الصبّاغ المالكيّ 253. جواهر العقدين، للسمهوديّ 307 ـ العقد الثاني. 54 ـ جواهر العقدين 308 ـ العقد الثاني، الذكْر الثالث عشر. ورواه أبو نعيم في: أخبار إصفهان 138:1. 55 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 136:2 حديث 1 ـ الباب 39. 56 ـ الكمّون: نبات له حَبّ، معروف من النباتات الطبيعيّة. والسعتر: نبات طيّب الرائحة يخلّف بزراً دون بزر الريحان، زهره أبيض مائل إلى الغُبرة. 57 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 211:2 حديث 16 ـ الباب 47 ـ دلالات الرضا عليه السّلام على الإمامة. 58 ـ اسم بلدة بخراسان، وهي الموضع الذي دُفن فيه الإمام الرضا عليه السّلام، وهي من نوقان على دعوة، أي قَدْر سماع صوت الشخص ـ مجمع البحرين، لفخر الدين الطريحيّ 182:3. 59 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 136:2 حديث 1 ـ الباب 39. 60 ـ قال ياقوت الحمويّ: طوس، هي مدينة بخراسان، بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ تشتمل على بلدتين، يقال لأحداهما: الطابران، وللأُخرى: نُوقان، وبها قبر عليّ بن موسى الرضا، وبها أيضاً قبر هارون الرشيد، دار حميد بن قُحطبة. قال دِعبل بن عليّ في قصيدة يمدح بها آلَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ويذكر قبر عليّ بن موسى والرشيد بطوس:
أربِعْ بطوسٍ على قبر الزكيِّ بهِ إن كنتَ تربعُ من دَيرٍ على وَطَرِ
قبرانِ في طوسَ: خير الناس كلِّهمُ وقبر شرِّهمُ.. هذا من العِبَرِ
ما ينفعُ الرجسَ مِن قرب زكيِّ ولا
على الزكيِّ بقرب الرجسِ من ضَررِ
هيهاتَ.. كلُّ امرئٍ رهنٌ بما كسبت يداه حقّاً، فخذْ ما شئتَ أو فذَرِ
ـ معجم البلدان 50:4. فيما يرى الاصطخريّ في وقته أنّ مدينة طوس تشتمل على ثلاث مناطق: رادكان، طابران، بزدغور [ أو بذرعة ] نوقان.. مسالك الممالك 205.
ويبدو أنّ أوّل مَن أطلق كلمة « مشهد » هو حمدالله المستوفي، أطلقها على منطقة (سناباذ)، ويعني به المكانَ الذي استُشهد فيه الإمام الرضا عليه السّلام ودُفن.
ـ نزهة القلوب 186. 61 ـ مناقب آل أبي طالب 341:4. 62 ـ بحر الأنساب، ليحيى الخزاعيّ 104 ـ 107. 63 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 137:2 حديث 3 ـ الباب 39. 64 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 137:2 حديث 1 ـ الباب 39. مناقب آل أبي طالب 344:4. 65 ـ سَرْخَس: مدينة قديمة من نواحي خراسان، كبيرةٌ واسعة، تقع بين نيسابور ومرو، في وسط الطريق، بينها وبين كلّ واحدة منهما ستّ مراحل ـ معجم البلدان 208:3. 66 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 137:2 حديث 2 ـ الباب 39. 67 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 166:2 حديث 28. 68 ـ الأعلاق لنفيسة 201. مسالك الممالك 222. 69 ـ البلدان، لليعقوبيّ 55. 70 ـ تقع « مرو » على مسافة سبعين فرسخاً عن نيسابور، كان بناها الإسكندر المقدونيّ، حتّى أصبحت مركز الخلافة ودار إمارة خراسان، وهي في أوّل الإسلام كانت معسكر الإسلام، ومنها استقامت مملكة فارس للمسلمين. ومدينة مرو قديمة تُعرف بـ « مرو الشاهجان »، وهي أرض مستوية بعيدة عن الجبال. بُني فيها ثلاثة مساجد للجمعات. يراجع: معجم البلدان 113:5. صورة الأرض 314 ـ خراسان. 71 ـ مروج الذهب، للمسعوديّ 28:4. 72 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 180:2 حديث 5 ـ باب في ذكْر أخلاق الرضا عليه السّلام الكريمة ووصف عبادته.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.