الواجهة » الإمام الرضا » محاوراته » من آفاق التوحيد
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


من آفاق التوحيد

عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبوقرّة المحدّث صاحب شبرمة أن أُدخله على أبي الحسن الرّضا عليه السّلام، فاستأذنه فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، حتّى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: أخبرني ـ جعلني الله فداك ـ عن كلام الله لموسى.
فقال: الله أعلم ورسوله بأيّ لسان كلّمه، بالسّريانيّة أمْ بالعبرانيّة. فأخذ أبوقرّة بلسانه فقال: إنّما أسألك عن هذا اللّسان!
فقال أبوالحسن: سبحان الله عما تقول! ومعاذ الله أن يشبه خلقه، أو يتكلّم بمثل ما هم به متكلّمون! ولكنّه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء، ولا كمثله قائل ولا فاعل.
قال: كيف ذلك؟
قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشقِّ فمٍ ولسان، ولكن يقول له: «كُن»، فكان بمشيّته ما خاطب به موسى عليه السّلام من الأمر والنهي من غير تردّد في نفس.
فقال أبوقرّة: فما تقول في الكتب؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، وكلّ كتاب أنزل كان كلام الله أنزله للعالمين نوراً وهدىً، وهي كلّها محدَثة، وهي غيرالله حيث يقول: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (1)، وقال: ما يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُم يَلْعَبُونَ (2) والله أحدث الكتب كلّها الّتي أنزلها.
فقال أبوقرّة: فهل تفنى؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: أجمع المسلمون على أنّ ما سوى الله فانٍ، وما سوى الله فعل الله، والتّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع النّاس يقولون: «ربّ القرآن» وأنّ القرآن يقول يوم القيامة: «يا ربّ! هذا فلان ـ وهو أعرف به منه ـ قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله، فشفّعْني فيه»، وكذلك التّوراة والإنجيل والزّبور، وهي كلّها محدَثة مربوبة، أحدثها مَن ليس كمثله شيء هدىً لقوم يعقلون، فمن زعم أنّهنّ لم يزلْن معه فقد أظهر أنّ الله ليس بأوّل قديم، ولا واحد، وأنّ الكلام لم يزل معه وليس له بدءٌ وليس بإلهٍ.
قال أبوقرّة: وإنّا روينا: أنّ الكتب كلّها تجيء يوم القيامة والنّاس في صعيد واحد صفوف قيام لربّ العالمين ينظرون حتّى ترجع فيه، لأنّها منه وهي جزء منه، فإِليه تصير.
قال أبوالحسن عليه السّلام: فهكذا قالت النّصارى في المسيح: إنّه روحه وجزء منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس ـ في النّار والشّمس ـ : إِنّهما جزء منه ويرجع فيه. تعالى ربّنا أن يكون متجزّياً أو مختلفاً! وإِنّما يختلف ويأتلف المتجزّي، لأنّ كلّ متجزٍّ متوهَّمٌ، والكثرة والقلّة مخلوقة دالّة على خالق خلقها.
فقال أبوقرّة: فإنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيَّين، فقسّم لموسى عليه السّلام الكلامَ ولِمُحَمّدٍ صلّى الله عليه وآله الرّؤيةَ.
فقال أبوالحسن عليه السّلام: فَمَنِ المبلّغ عن الله إلى الثّقلينِ: الجنّ والإنس أنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، أليس محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
قال: بلى.
فقال أبوالحسن عليه السّلام: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمرالله، ويقول إنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهوعلى صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قَدَرَتِ الزّنادقة أنْ ترميه بهذا: أن يكون أتى عن الله بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.
فقال أبوقرّة: إنّه يقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (3).
فقال أبوالحسن عليه السّلام: إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (4)، يقول ما كذب فؤاد محمّد صلّى الله عليه وآله ما رأتْ عيناه، ثمّ أخبر بما رأتْ عيناه فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبّهِ الكُبْرى (5)، فآيات الله غير الله، وقال: وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً (6)، فإذا رأتْه الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبوقرّة: فتكذب بالرّواية؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: إذا كانت الرّواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه انّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.
وسأله عن قول الله: سُبْحانَ الَّذي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلَى الْمَسْجِدِ الأقْصى . (7)
فقال أبوالحسن عليه السّلام: قد أخبر الله تعالى أنّه أسرى به، ثمّ أخبر ِلمَ أسرى به، فقال: لِنُرِيَهُ ِمنْ آياتِنا (8)، فآيات الله غير الله، فقد أعذر وبيّن لِمَ فعل به ذلك، وما رآه وقال: فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (9)، فأخبر أنّه غيرالله.
فقال أبوقرّة: فأين الله؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: الأيْن مكان، وهذه مسألة شاهد عن غايب، فالله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكلّ مكان موجود، مدبّر صانع حافظ ممسك السّماوات والأرض.
فقال أبوقرّة: أليس هو فوق السّماء دون ما سواها؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: هو الله في السّماوات وفي الأرض، وهو الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله، وهو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء وهو معكم أينما كنتم، وهو الّذي استوى إلى السّماء وهي دخان، وهو الّذي استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماوات، وهو الّذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين.
فقال أبوقرّة: فما بالكم إذ دعوتم رفعتم أيديكم إلى السّماء؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: إِنّ الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، ولله مفازع يفزعون إِليه، ومستعبد فاستعبد عباده بالقول والعلم والعمل والتوجّه ونحو ذلك. إستعبدهم بتوجّه الصّلاة إلى الكعبة، ووجّه إِليها الحجّ والعمرة، واستبعد خلقه عند الدّعاء والطلب والتّضرّع ببسط الأيدي ورفعها إلى السّماء؛ لحال الاستكانة وعلامة العبوديّة والتّذلّل له.
قال أبوقرّة: فمن أقرب إلى الله: الملائكة، أو أهل الأرض؟
قال أبوالحسن عليه السّلام: إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإنّ الأشياء كلّها باب واحد هي فعله لا يُشغل ببعضها عن بعض، يدبّر أعلى الخلق من حيث يدبّر أسفله، ويدبّر أوّله من حيث يدبّر آخره، من غير عناء ولا كلفة ولا مؤونة ولا مشاورة ولا نصب، وإن كنت تقول مَن أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم له. وأنتم تروُون أنّ أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، ورويتم أنّ أربعة أملاك التقوا: أحدهم من أعلى الخلق، وأحدهم من أسفل الخلق، وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضا فكلّهم قال: «من عند الله» أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أنّ ذلك في المنزلة دون التّشبيه والتّمثيل.
فقال أبوقرّة: أتُقِرّ أنّ الله محمول؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: كلّ محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج، فالمحمول اسم نقص في اللّفظ، والحامل فاعل وهو في اللّفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله تعالى: وَللهِ الأسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها (10) ولم يقل في شيء من كتبه أنّه محمول، بل هوالحامل في البرّ والبحر، والممسك للسّماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحداً آمن بالله وعظّمه قطّ قال في دعائه: «يا محمول!».
قال أبوقرّة: أفتكذب بالرّواية: إنّ الله إذا غضب إنّما يَعرف غضبه الملائكة الّذين يحملون العرش، يجدون ثقله على كواهلهم فيخرّون سُجّداً، فإذا ذهب الغضب خفّ فرجعوا إلى مواقفهم؟
فقال أبوالحسن عليه السّلام: أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا وإلى يوم القيامة، غضبان هوعلى إبليس وأوليائه أو راضٍ عنهم؟
فقال: نعم هو غضبان عليه.
قال: فمتى رضي فخفّ وهو في صفتك لم يزل غضباناً عليه وعلى أتباعه؟
ثمّ قال: ويحك! كيف تجتري أنْ تصف ربّك بالتّغيّر من حال إلى حال، وأنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مع الزّائلين، ولم يتغيّر مع المتغيّرين!
قال صفوان: فتحيّر أبوقرّة ولم يُحِر جواباً حتّى قام وخرج. (11)

1ـ طه: 113.
2ـ الأنبياء: 2.
3ـ النّجم: 13.
4ـ النّجم: 11.
5ـ النّجم: 18.
6ـ طه: 110.
7ـ الإسراء: 1.
8ـ الإسراء: 1.
9ـ الجاثية: 5.
10ـ الأعراف (7)180.
11ـ رواه الكليني رحمه الله في الكافي 130:1 ـ باب في إبطال الرؤية/الرقم2: عن أحمد ابن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى... مع اختصار. والشّيخ الصّدوق رحمه الله في التوّحيد ص 110 ـ الباب 8/الرقم9 مثله. وانظر روضة الواعظين ص 41. وقد نقله في بحار الأنوار 152:4، 343:10، 36:54.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.