الواجهة » الإمام الرضا » محاوراته » هزيمة المبطلين
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


هزيمة المبطلين

لمّا قدم الرّضا عليه السّلام على المأمون، أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات، مثل: الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصائبين، والهربذ الأكبر وأصحاب زردشت، وقسطاس الروميّ، والمتكلّمين وعمران الصابي و...فجمعهم الفضل فرحّب بهم المأمون ثمّ قال لهم: إنّما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمّي هذا المدنيّ القادم عليّ، فإذا كان بكرة غدٍ فاغدواٍ عليّ ولا يتخلّف منكم أحد... فقال المأمون: يا جاثليق! هذا ابن عمّي عليّ بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وابن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فأُحبّ أن تكلّمه وتحاجّه وتنصفه.
فقال الجاثليق: يا أميرالمؤمنين! كيف أُحاجّ رجلاً يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره، ونبيٍّ لا أؤْمن به؟!
فقال الرّضا عليه السّلام: يا نصرانيّ! فإن احتججت عليك بإنجيلك، أتُقِرّ به؟
قال الجاثليق: وهل أقدرعلى دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أُقِرّ به على رغم أنفي.
فقال له الرّضا عليه السّلام: سل عمّا بدا لك واسمع الجواب.
قال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه، هل تنكر منهما شيئا؟
قال الرّضا عليه السّلام: أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه، وما بشّر به أمّته، وأقرّت به الحواريّون، وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وكتابه، ولم يبشّر به أمّته!
قال الجاثليق: أليس إنّما تُقطع الأحكام بشاهدَي عدل؟ قال: بلى.
قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوّة محمّد ممّن لا تنكره النّصرانيّة، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا.
قال الرّضا عليه السّلام: الآن جئت بالنّصفة يا نصرانيّ! ألا تقبل منّي العدل المقدّم عند المسيح عيسى بن مريم عليهما السّلام؟ قال الجاثليق: ومن هذا العدل؟ سمِّه لي.
قال: ما تقول في «يوحنّا» الديلميّ؟ قال بخٍ بخ ! ذكرت أحب الناس إلى المسيح.
قال: فأقسمت عليك، هل نطق الإنجيل أنّ يوحنّا قال: إنّ المسيح أخبرني بدين محمّد العربيّ وبشّرني به أنّه يكون من بعدي، فبشّرت به الحواريّين فآمِنوا به؟
قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنّا عن المسيح، وبشّر بنبوّة رجل وبأهل بيته ووصيّه وأهل بيته، ولم يلخّص متى يكون ذلك، ولم يسمّ لنا القوم فنعرفهم.
قال الرّضا عليه السّلام: فان جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمّد صلّى الله عليه وآله وأهل بيته واُمّته، أتؤمن به؟
قال: سديداً.
قال الرّضا عليه السّلام لقسطاس الرُّومي: كيف حفظك للسّفْر الثّالث من الإنجيل؟
قال: ما أحفظني له! ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال عليه السّلام: ألست تقرأ الإنجيل؟ قال: بلى لعمري.
قال: فخُذ عليَّ السِّفر الثالث، فان كان فيه ذكرمحمّد وأهل بيته واُمّته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي!
ثمّ قرأ عليه السّلام السّفْر الثّالث حتّى بلغ ذكر النّبيّ صلّى الله عليه وآله، وقف ثمّ قال: يا نصرانيّ! إنّي أسألك بحقّ المسيح واُمّه، أتعلم أنّي عالم بالإنجيل؟
قال: نعم. ثمّ تلا علينا ذكر محمّد وأهل بيته واُمّته، ثمّ قال: ما تقول يا نصرانيّ؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذّبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذّبت موسى وعيسى عليهما السّلام، ومتى أنكرت هذا الذكْر وجب عليك القتل؛ لأنّك تكون قد كفرت بربّك ونبيّك وبكتابك.
قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل، وإِنّي لمُقِرّ به.
قال الرّضا عليه السّلام: اشهدوا على إقراره.
ثمّ قال: يا جاثليق! سلْ عمّا بدا لك، قال الجاثليق: أخبرني عن حواريّي عيسى بن مريم عليهما السّلام، كم كان عدّتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟
قال الرّضا عليه السّلام: على الخبير سقطت، أمّا الحواريّون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم وأعلمهم «لوقا»، وأمّا علماء النّصارى فكانوا ثلاثة رجال: «يوحنّا» الأكبرـ باحى ـ، و«يوحنّا» بقرقيسيا، و«يوحنّا» الدّيلميّ بزجار وعنده كان ذكر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وذكر أهل بيته، وهو الّذي بشّر اُمّة عيسى وبني إسرائيل به.
ثمّ قال: يا نصرانيُّ! والله إنّا لنؤمن بعيسى الّذي آمن بمحمّد صلّى الله عليه وآله، وما ننقم على عيساكم شيئاً إلاّ ضعفه وقلّة صيامه وصلاته.
قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعّفتَ أمرك، وما كنتُ ظننتُ إلاّ أنّك أعلم أهل الإسلام.
قال الرضا عليه السّلام: وكيف ذلك؟‍‍
قال الجاثليق: من قولك أنّ عيسى كان ضعيفاً قليل الصيام والصلاة، وما أفطرعيسى يوماً قطّ، ولا نام بليلٍ قطّ، وما زال صائم الدهر قائم اللّيل.
قال الرّضا عليه السّلام: فلمن كان يصوم ويصلّي؟ فخرس الجاثليق وانقطع.
قال الرضا عليه السّلام: يا نصرانيّ! إنّي أسألك عن مسألة.
قال: سلْ! فإن كان عندي علمها أجبتك.
قال الرضا عليه السّلام: ما أنكرت أنّ عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عزّوجلّ.
قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل، إنّ مَنْ أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، فهو «ربّ» مستحقّ لأنْ يُعبد.
قال الرّضا عليه السّلام: فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى عليه السّلام: مشى على الماء وأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، فلَمْ تتّخذْه اُمّته ربّاً ولم يعبده أحد من دون الله عزّوجلّ، ولقد صنع حزقيل النّبيّ مثل ما صنع عيسى بن مريم، فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستّين سنة. ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت! أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة، اختارهم «بخت نصر» من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس، ثمّ انصرف بهم إلى بابل، فأرسله الله عزّوجلّ إليهم فأحياهم؟ هذا في التوراة لا يدفعه إلاّ كافر منكم.
قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه. قال: صدقت.
ثمّ قال: يا يهوديّ! خذ علَيّ هذا السِّفْر من التوراة. فتلا عليه من التوراة آيات، فأقبل اليهوديّ يترجّح لقراءته، ويتعجّب، ثمّ أقبل على النصرانيّ فقال: يا نصرانيّ! أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟
قال: بل كانوا قبله.
قال الرضا عليه السّلام: لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجّه معهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال له: «إذهب إلى الجبّانة، فنادِ بأسماء هؤلاء الرهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله: قوموا بإذن الله عزّوجلّ».
فناداهم فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلتْ قريش تسألهم عن أمورهم، ثمّ أخبروهم أنّ محمّداً قد بعث نبيّاً، فقالوا: وددنا أن أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين. ولقد كلّمتْه البهائم والطّير والجنّ والشياطين، ولم نتّخذْه ربّاً من دون الله، ولم ننكرلأحدٍ منْ هؤلاء فضلَهم، فإن اتّخذتمْ عيسى ربّاً جاز لكم أن تتّخذوا اليسع وحزقيل رَبّيْنِ، لأنّهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم من إِحياء الموتى وغيره.
ثمّ أنّ قوماً من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطّاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظّروا عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتّى نخرتْ عظامهم وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل فتعجّب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عزّوجلّ إليه: أتحبّ أن اُحييهم لك فتنذرهم ؟
قال: نعم يا ربّ.
فاوحى الله إليه أن نادِهم، فقال: أيّتها العظام البالية! قومي بإذن الله عزّوجلّ. فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثمّ إبراهيم خليل الرّحمان عليه السّلام حين اتّخذ الطير فقطّعهنّ قطعاً، ثمّ وضع على كلّ جبلٍ منهنّ جزءً، ثمّ ناداهنّ فأقبلن سعياً، ثمّ موسى بن عمران وأصحابه السّبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنّك قد رأيت الله فأرِناه كما رأيته.
فقال لهم: إنّي لم أره.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرةً. فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فاحترقواعن آخرهم، وبقي موسى وحيداً.
فقال: يا ربّ! اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم، فأرجع وحدي! فكيف يصدّقني قومي بما أخبرهم به؟! فلو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أفتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا؟! فأحياهم الله عزّوجلّ من بعد موتهم.
وكلّ شيء ذكرته لك من هذا لا تقدرعلى دفعه، لأنّ التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كلّ من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يتّخذ ربّاً من دون الله تعالى فاتّخذ هؤلاء كلّهم أرباباً! ما تقول يا نصراني؟
فقال الجاثليق: القول قولك، ولا اله إلاّ الله.
ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا يهوديّ! أقبل علَيّ أسألك بالعشر الآيات الّتي أُنزلت على موسى بن عمران عليه السّلام (1)، هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ محمّد صلّى الله عليه وآله واُمّته إذا جاءت الأُمّة الاخيرة أتباع راكب البعير، يسبّحون الرّبّ جدّاً جدّاً، تسبيحاً جديداً في الكنايس الجدد، فليفزع بنوإسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئنّ قلوبهم، فإنّ بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأُمم الكافرة في أقطارالأرض، هكذا هو في التوراة مكتوب؟
قال رأس الجالوت: نعم، إنّا لنجد ذلك كذلك.
ثمّ قال للجاثليق: يا نصرانيّ! كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً.
قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه؟ يا قوم إنّي رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النّور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر؟ فقالا: قد قال ذلك شيعا.
قال الرضا عليه السّلام: يا نصرانيّ! أهل تعرف في الإنجيل قول عيسى: إِنّي ذاهب إِلى ربّكم وربّي، و«البارقليطا» جائي هو الّذي يشهد لي بالحقّ كما شهدت له، وهو الّذي يفسّر لكم كلّ شيء، وهو الّذي يبدي فضايح الأمم، وهو الّذي يكسر عمود الكفر؟
فقال الجاثليق: ما ذكرتَ شيئاً من الإنجيل إلاّ ونحن مقرّون به.
فقال عليه السّلام: أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً؟ قال: نعم.
قال الرضا عليه السّلام: يا جاثليق! ألا تخبرني عن الإنجيل الأوّل حين افتقدتموه، عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟
قال له: ما افتقدنا الإنجيل إِلاّ يوماً واحداً حتّى وجدناه غضّاً طريّاً، فأخرجه إِلينا يوحنّا ومتّى.
فقال الرضا عليه السّلام: ما أقلّ معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه! فإن كان كما تزعم فلِمَ اخْتلفتم في الإنجيل؟ وإِنّما وقع الاختلاف في هذا الإِنجيل الّذي في أيديكم اليوم، فلو كان على العهد الأوّل لم تختلفوا فيه، ولكنّي مفيدك علم ذلك، إعلم أنّه لمّا افتُقد الإنجيل الأوّل اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قُتل عيسى بن مريم وافتقدنا الإنجيل، وأنتم العلماء فما عندكم؟
فقال لهم الوقا ومرقانوس ويوحنّا ومتّى: إنّ الإنجيل في صدورنا ونحن العلماء نخرجه إِليكم سفراً سفراً، في كلّ أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنايس، فإنّا سنتلوه عليكم في كلّ أحدٍ سفْراً سفْراً حتّى نجمعه كله.
فقال الرضا عليه السّلام: إنّ الوقا ومرقانوس ويوحنّا ومتّى وضعوا لكم هذا الإِنجيل بعد ما افتقدتم الإِنجيل الأوّل، وإِنّما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ تلاميذ الأوّلين، أعَلِمْتَ ذلك؟
قال الجاثليق: أمّا قبل هذا فلم أعلمه، وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإِنجيل وسمعت أشياء ممّا علمته شهد قلبي أنّها حقّ، واستزدت كثيراً من الفهم.
فقال الرضا عليه السّلام: فكيف شهادة هؤلاء عندك؟
قال: جائزة، هؤلاء علماء الإِنجيل، وكلّ ما شهدوا به فهو حقّ.
فقال الرضا عليه السّلام ـ للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيرهم ـ: إشهدوا عليه!
قالوا: قد شهدنا.
ثمّ قال للجاثليق: بحقّ الابن وأُمّه، هل تعلم أنَّ «متّى» قال في نسبة عيسى: إِنَّ المسيح بن داود بن إِبراهيم بن إِسحاق بن يعقوب بن يهود بن خضرون؟ وقال «مرقانوس» في نسبة عيسى بن مريم عليهما السّلام: إنّه كلمة الله أحلّها في جسد الآدميّ فصارت إنساناً؟ وقال «الوقا»: إنّ عيسى بن مريم وأمّه كانا إِنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس؟ ثمّ إِنّك تقول من شهادة عيسى على نفسه: حقّاً أقول لكم، إِنّه لا يصعد إلى السّماء إِلاَّ من نزل منها إلاّ راكب البعير خاتم الأنبياء، فإنّه يصعد إلى السّماء وينزل؟ فما تقول في هذا القول؟
قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره.
قال الرضا عليه السّلام: فما تقول في شهادة الوقا ومرقانوس ومتّى على عيسى وما نسبوه إليه؟
قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.
قال الرضا عليه السّلام: يا قوم! أليس قد زكّاهم وشهد أنّهم علماء الإِنجيل وقولهم حقّ؟
فقال الجاثليق: ياعالِم المسلمين! أحبّ أن تعفيني من أمر هؤلاء.
قال الرضا عليه السّلام: فإنّا قد فعلنا. سل يا نصرانيّ عمّا بدا لك ؟
فقال الجاثليق: ليسألك غيري، فوالله ما ظننت أنَّ في علماء المسلمين مثلك.
فالتفت الرّضا عليه السّلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟
فقال: بل أسألك ولست أقبل منك حجّة إِلاَّ من التوراة، أو من الإِنجيل، أو من زبور داود، أو ما في صحف إِبراهيم وموسى.
فقال الرضا عليه السّلام: لا تقبل منّي حجّة إِلاَّ بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران عليه السّلام، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم عليهما السّلام، والزّبورعلى لسان داود عليه السّلام.
فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوّة محمّد [صلّى الله عليه وآله]؟
قال الرّضا عليه السّلام: شهد بنبوّته موسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود خليفة الله في الأرض عليهم السّلام.
فقال له: أثبت قول موسى بن عمران!
قال الرضا عليه السّلام: تعلم يا يهوديّ أنّ موسى أوصى بني إِسرائيل فقال له: إِنّه سيأتيكم نبيّ من إِخوانكم فيه فصدّقوا، ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني إِسرائيل إِخوة غير ولد إِسماعيل إِن كنت تعرف قرابة إِسرائيل من إسماعيل والنسب الّذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السّلام؟
فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.
فقال له الرّضا عليه السّلام: هل جاءكم من إِخوة بني إِسرائيل نبيّ غير محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ قال: لا.
فقال الرّضا عليه السّلام: أفليس قد صحّ هذا عندكم؟
قال: نعم، ولكنّي اُحبّ أن تصحّحه لي من التوراة.
فقال له الرّضا عليه السّلام: هل تنكر أنّ التوراة تقول لكم: جاء النّور من قبل طور سيناء، وأضاء للنّاس من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟
قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها.
قال الرضا عليه السّلام: أنا أُخبرك به، أمّا قوله: «جاء النور من قبل طور سيناء»: فذلك وحي الله تبارك وتعالى الّذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأمّا قوله: «وأضاء للنّاس في جبل ساعير» فهو: الجبل الّذي أوحى الله عزّوجلّ إلى عيسى بن مريم عليهما السّلام وهو عليه، وأمّا قوله: « واستعلن علينا من جبل فاران»: فذاك جبل من جبال مكّة، وبينه وبينهما يومان أو يوم.
قال شعيا النّبيّ ـ فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة ـ : رأيت راكبينِ أضاء لهما الأرض، أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل؟
قال رأس الجالوت: لا أعرفهما، فخبّرني بهما؟
قال عليه السّلام: أمّا راكب الحمار فعيسى، وأمّا راكب الجمل فمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، أتنكر هذا من التوراة؟
قال: لا، ما أنكره.
ثمّ قال الرضا عليه السّلام: هل تعرف حيقوق النبيّ عليه السّلام؟ قال: نعم، إِنّي به لعارف!
قال: فإنّه قال ـ وكتابكم ينطق به ـ: جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السّماوات من تسبيح أحمد وأُمّته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البرّ، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، ـ يعني بالكتاب: القرآن ـ، أتعرف هذا وتؤمن به؟
قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النّبيّ عليه السّلام، ولا ننكر قوله.
قال الرّضا عليه السّلام: فقد قال داود عليه السّلام في زبوره ـ وأنت تقرأه ـ: اللّهمّ ابعث مقيم السّنّة بعد الفترة، فهل تعرف نبيّاً أقام السنّة بعد الفترة غير محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك: عيسى عليه السّلام، وأيّامه هي الفترة.
قال الرضا عليه السّلام: جهلت! إِنَّ عيسى لم يخالف السّنّة، وكان موافقاً لسنّة التوراة حتّى رفعه الله إليه، وفي الإِنجيل مكتوب: إِنَّ ابن البرّة ذاهب و«الفارقليطا» جائي من بعده، وهو يخفّف الآصار، ويفسّر لكم كلّ شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإِنجيل؟ قال: نعم، لا أنكره.
فقال الرّضا عليه السّلام: أسألك عن نبيّك موسى بن عمران عليه السّلام.
فقال: سل.
قال: ما الحجّة على أنَّ موسى ثبتت نبوّته؟ قال اليهودي: إِنّه جاء بما لم يجئ أحد من الأنبياء قبله.
قال له عليه السّلام: مثل ماذا؟
قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حيّة تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإِخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدرالخلق على مثلها.
قال له الرّضا عليه السّلام: صدقت في أنّها كانت حجّته على نبوّته، إِنّه جاء بما لا يقدرالخلق على مثله، أفليس كلّ من ادّعى أنّه نبيّ ثمّ جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟
قال: لا، لأنّ موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربّه وقربه منه، ولا يجب علينا الإِقرار بنبوّة من ادّعاها، حتّى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء.
قال الرّضا عليه السّلام: فكيف أقررتم بالأنبياء الّذين كانوا قبل موسى عليه السّلام، ولم يفلقوا البحر ولم يفجّروا من الحجر اثنتي عشرة عيناً، ولم يُخرجوا أيديَهم مثل إِخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حيّة تسعى؟!
قال له اليهودي: قد خبّرتك أنّه متى جاؤوا على نبوّتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله، ولو جاؤوا بمثل ما لم يجئ به موسى، أو كانوا على ما جاءَ به موسى وجب تصديقهم.
قال الرضا عليه السّلام: يا رأس الجالوت! فما يمنعك من الإِقرار بعيسى بن مريم وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطّين كهيئة الطّير ثمّ ينفخ فيه فيكون طيراً بإِذن الله تعالى؟!
قال رأس الجالوت: يُقال: إنّه فعل ذلك، ولم نشهده.
قال الرّضا عليه السّلام: أرأيت ما جاء به موسى عليه السّلام من الآيات وشاهدته، أليس إِنّما جاءت الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنّه فعل ذلك؟
قال: بلى.
قال: فكذلك أيضاً أتتْكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدّقتم بموسى ولم تصدّقوا بعيسى؟! فلم يحر جوابا.
فقال الرضا عليه السّلام: وكذلك أمر محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وما جاء به، وأمر كلّ نبيّ بعثه الله، ومن آياته أنّه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً لم يتعلّم كتاباً ولم يختلف إلى معلّم، ثمّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء عليهم السّلام وأخبارهم حرفاً حرفاً، وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثمّ كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة لا تحصى.
قال رأس الجالوت: لم يصحّ عندنا خبر عيسى ولا خبر محمّد، ولا يجوز لنا أن نقرّ لهما بما لا يصحّ عندنا.
قال الرضا عليه السّلام: فالشّاهد الّذي يشهد لعيسى عليه السّلام ومحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم شاهد زور؟! فلم يحر جوابا.
ثمّ دعا بالهربذ الأكبر، فقال له الرّضا عليه السّلام: أخبرني عن زردشت الّذي تزعم أنّه نبيّ، ما حجّتك على نبوّته؟
قال: إِنّه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله، ولم نشهده، ولكنَّ الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنّه أحلّ لنا ما لم يحلّه غيره فاتبعناه.
قال: أفليس إِنّما أتتكم الأخبار فاتّبعتموه؟
قال: بلى.
قال: فكذلك سائر الأُمم السالفة، أتتْهم الأخبار بما أتى به النّبيّون، وأتى به موسى وعيسى ومحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فما عذركم في ترك الإِقرار بهم، إِذ كنتم إِنّما أقررتم بزردشت من قبل الأخبار المتواترة بأنّه جاء بما لم يجئ به غيره؟ فانقطع الهربذ مكانه.
فقال الرضا عليه السّلام: يا قوم! إِن كان فيكم أحد يخالف الإِسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم!
فقام إِليه عمران الصابي ـ وكان واحداً من المتكلّمين ـ فقال: يا عالم النّاس! لولا أنّك دعوت إِلى مسألتك لم أُقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة والبصرة والشّام والجزيرة، ولقيت المتكلّمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيّته، أفتأذن لي أن أسألك؟
قال الرّضا عليه السّلام: إِن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو!
قال: أنا هو.
قال: سلْ يا عمران وعليك بالنصفة، وإيّاك والخطل والجور‍
فقال: والله يا سيّدي ما أريد إِلاَّ أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به، فلا أجوزه!
قال: سل عمّا بدا لك! فازدحم النّاس وانضمّ بعضهم إِلى بعض.
فقال: أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق.
قال: سألت فافهم الجواب!
أمّا الواحد: فلم يزل كائناً واحداً، لا شيء معه، بلا حدود ولا أعراض، ولا يزال كذلك، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً، بأعراض وحدود مختلفة، لا في شيء أقامه، ولا في شيء حدّه، ولا على شيء حذاه ومثله، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة وغير صفوة، واختلافاً وايتلافاً، وألواناً وذوقاً وطعماً، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضلِ منزلة لم يبلغها إِلاَّ به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادةً ولا نقصاناً، تعقل هذا يا عمران؟
قال: نعم والله يا سيّدي.
قال: واعلم يا عمران! أنّه لو كان خلق ما خلق لحاجةٍ، لم يخلق إِلاَّ من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأنَّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى.
ـ ثمّ طال السؤال والجواب بين الرّضا عليه السّلام وبين عمران الصابي، وألزمه عليه السّلام في أكثر مسائله حتّى انتهت الحال إلى أن قال ـ: يا سيدي! أشهد أنّه كما وصفت، ولكن بقيت مسألة!
قال: سل عمّا أردت!
قال: أسألك عن «الحكيم»، في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحوّل من شيء إلى شيء؟ أو به حاجة إلى شيء؟
قال الرّضا عليه السّلام: اخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فإنّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله، العازب حلمه، ولا يعجز عن فهمه أُولو العقل المنصفون.
أمّا أوّل ذلك: فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه، لجاز لقائل أن يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنّه عزّوجلّ لم يخلق شيئاً لحاجة، ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء، إِلاَّ أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعضٍ ويخرج منه. والله «جلّ وتقدّس بقدرته» يمسك ذلك كلّه، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤوده حفظه، ولا يعجزعن إِمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إِلاَّ الله عزّوجلّ ومن أطْلعه من رسله وأهل سرّه والمستحفظين لأمره وخزّانه القائمين بشريعته، وإِنّما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئاً فانّما يقول له: كن، فيكون بمشيئته وإِرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد منه من شيء، أفهمت يا عمران؟
قال: نعم يا سيّدي قد فهمت، وأشهد أنّ الله على ما وصفت ووحّدت، وأنَّ محمّداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ. ثمّ خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم.
قال الحسن بن محمّد النوفلي: فلمّا نظر المتكلّمون إلى كلام عمران الصابي ـ وكان جدِلاً لم يقطعه عن حجّته أحد قطّ ـ لم يدنُ من الرّضا عليه السّلام أحد منهم ولم يسألوه عن شيء، وأمسينا فنهض المأمون والرّضا عليه السّلام فدخلا وانصرف الناس.
ثمّ قال الرّضا عليه السّلام ـ بعد أن عاد إلى منزله ـ: يا غلام! ِصْر إلى عمران الصابي فأتني به.
فقلت: جعلت فداك! أنا أعرف موضعه وهو عند بعض إِخواننا من الشّيعة.
قال: فلا بأس، قرّبوا إليه دابّة. فصرت إلى عمران فأتيته به فرحّب به ودعا بكسوة فخلعها عليه، ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها.
فقلت: جعلت فداك! حكيت فعل جدّك أميرالمؤمنين عليه السّلام.
قال: هكذا يجب. ثمّ دعا عليه السّلام بالعشاء فأجلَسَني عن يمينه، وأجلس عمران عن يساره، حتّى إذا فرغنا قال لعمران: إِنصرف مصاحباً وبكّر علينا نطعمك من طعام المدينة.
فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلّمون من أصحاب المقالات فيبطل عليهم أمرهم حتّى اجتنبوه، ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالاً جزيلاً، وولاّه الرّضا عليه السّلام صدقات «بلخ» فأصاب الرغائب (2).

1ـ وهي: يد موسى، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدّم، وتحريم الصيد.
 ×  2ـ رواه الصّدوق رحمه الله في التّوحيد ص 417 ـ الباب 65/الرقم1، وفي العيون 154:1 ـ الباب1/الرقم1: عن أبي محمّد جعفر بن عليّ بن أحمد الفقيه القمّي، عن أبي محمّد الحسن بن محمّد بن عليّ بن صدقة القمّيّ، عن أبي عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجّيّ، قال: حدّثني من سمع الحسن بن محمّد النوفليّ ثمّ الهاشميّ، يقول: لمّا قدم ... ونقله العلاّمة المجلسيّ رحمه الله في بحارالأنوار 299:10 ـ 328 مع شرح وتوضيح، 386:13 و401 و347، 279:14 و162 و331 و42،279:63.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.