الواجهة » الإمام الرضا » محاوراته » رأس السلطة يتعلّم من الإمام الرضا عليه السلام
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


رأس السلطة يتعلّم من الإمام الرضا عليه السلام

روي عن عليّ بن الجهم أنّه قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السّلام فقال له المأمون:
يا ابن رسول الله! أليس من قولك:«إنّ الأنبياء معصومون»؟ (1)
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله عزّوجلّ: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ؟
فقال عليه السّلام: إنّ الله تبارك وتعالى قال لآدم عليه السّلام:
أُسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ (2)، ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشّجرة، ولا ممّا كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشّجرة وإنّما أكلا من غيرها إذ وسوس الشيطان إليهما وقال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشّجَرَةِ (3) وإِنّما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها: إِلأَّ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الخالِدينَ (4) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (5)، ولم يكن آدم وحوّاء شاهَدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً، فَدَلاّهما بِغُرُورٍ (6) فأكلا منها ثقةً بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوّة، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ دخول النّار به، وإنّما كان من الصغائر الموهوبة (7) الّتي تجوزعلى الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلمّا اجتباه الله تعالى وجعله نبيّاً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى * ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (8)، وقال الله عزّوجلّ: إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى العالَمِينَ (9).
ثمّ قال المأمون: فما معنى قول الله عزّوجلّ: فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؟ (10)
فقال الرّضا عليه السّلام: إِنّ حوّاء ولدت لآدم خمسمائة بطن، في كلّ بطن ذكَر وأنثى، وإِنَّ آدم وحوّاء عاهدا الله عزّوجلّ ودعواه وقالا: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (11) فلمّا آتاهما صالحاً من النسل، خلْقاً سويّاً بريئاً من الزمانة والعاهة، كان ما آتاهما صنفين، صنفاً ذكراناً وصنفاً إِناثاً، فجعل الصنفان لله تعالى شركاء فيما آتاهما ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزّوجلّ، قال الله تعالى: فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (12).
فقال المأمون: أشهد أنّك ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حقّاً، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ في إِبراهيم: فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ، (13)
فقال الرّضا عليه السّلام: إِنّ إِبراهيم وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد «الزهرة»، وصنف يعبد «القمر»، وصنف يعبد «الشمس» ذلك حين خرج من السرب الّذي أُخفي فيه.
فلمّا جنَّ عليه اللّيل رأى «الزهرة» قال: هذا رَبّي ؟! على الإِنكار والاستخبار. فَلمّا أَفَلَ ـ الكوكب ـ قالَ: لاأُحِبُّ الآفِلينَ (14)؛ لأنَّ الأُفول من صفات المحدَث وليس من صفات القديم.
فَلمّا رَأى القَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي (15)؟! على الإِنكار والاستخبار فَلمّا أَفَل قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَومِ الضَّالِّينَ (16) يقول: لو لم يهدني ربّي لكنت من القوم الضّالّين.
فَلمّا ـ أصبح ـ رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أكْبَرُ (17) من الزهرة والقمر؟! على الإِنكار والاستخبار، لا علَى الاِخبار والاِقرار.
فَلمّا أَفَلَتْ قالَ ـ للأصناف الثلاثة من: عَبدة الزهرة، والقمر، والشّمس ـ: ياقَوْمِ إِنِّي بَريءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ (18)، وإِنّما أراد إِبراهيم عليه السّلام بما قال أنْ يبيّن لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم، أَنَّ العبادة لا تحقّ لما كان بصفة الزهرة والقمر والشّمس، وإِنَّما تحقّ العبادة لخالقها خالق السّماوات والأرض، وكان ما احتجّ به على قومه ممّا ألهمه الله عزّوجلّ وآتاه، كما قال الله عزّوجلّ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبراهِيمَ عَلَى قَوْمِهُ (19).
فقال المأمون: لله دَرّك يابن رسول الله! فأخبِرْني عن قول إِبراهيم: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى، قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ؟! قالَ: بَلَى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (20).
قال الرّضا عليه السّلام: إِنَّ الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إِبراهيم عليه السّلام: «إِنّي متّخذ من عبادي خليلاً، إِن سألني إِحياءَ الموتى أجبتُه» فوقع في نفس إِبراهيم أنّه ذلك الخليل فقال: ربِّ أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى، ولكن ليطمئنّ قلبي على الخلّة: قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عزيزٌ حكيم (21).
فأخذ إِبراهيم عليه السّلام نسراً وبطّاً وطاووساً وديكاً، فقطَّعهنَّ وخلطهنَّ ثمّ جعل على كلّ جبل من الجبال الّتي حوله ـ وكانت عشرة ـ منهنّ جزءاً، وجعل مناقيرهنَّ بين أصابعه، ثمّ دعاهنَّ بأسمائهنَّ، ووضع عنده حبّاً وماءاً، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتّى استوت الأبدان، وجاء كلّ بدن حتّى انضمّ إلى رقبته ورأسه، فخلّى إِبراهيم عليه السّلام عن مناقيرهنّ، فطرن ثمّ وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحبّ! وقلن: يا نبيّ الله! أحييتنا أحياك الله!
فقال إِبراهيم عليه السّلام: بل الله! يحيي ويميت وهوعلى كلّ شيء قدير.
فقال المأمون: بارك الله فيك يا أباالحسن! فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضى عَلَيْهِ، قالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ (22).
قال الرّضا عليه السّلام: إِنَّ موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها ـ وذلك بين المغرب والعشاء ـ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى (23) موسى على العدوّ بحكم الله تعالى ذكْره، فوكزه فمات. فقال: هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ (24) يعني: الاقتتال الّذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله إِيّاه إِنّهُ ـ يعني: الشيطان ـ عَدُوُّ مُضِلُّ مُبِينٌ (25).
قال المأمون فما معنى قول موسى عليه السّلام: رَبَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي (26)؟
قال: يقول: إِنِّي وضعت نفسي غير موضعها، بدخولي هذه المدينة فَاغْفِرْ لي (27) أي: استرني من أعدائك لئلاّ يظفروا بي فيقتلوني فَغَفَرَ لَهُ (28) أي: ستره من عدوّه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (29) قال موسى عليه السّلام: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ (30) من القوّة حتّى قتلت رجلاً بوكزةٍ، فَلنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ (31) بل أُجاهد في سبيلك بهذه القوّة حتّى ترضى. فَأَصْبَحَ ـ مُوسى ـ فِي المَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأْمس يَسْتَصْرِخُهُ، قالَ لَهُ مُوسى: إِنَّكَ لَغَوِىُّ مُبِينٌ (32) قاتلت رجلاً بالأمس، وتقاتل هذا اليوم! لأؤدّبنّك. وأراد أن يبطش به فَلَمّا أنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوُّ لَهُما وهو من شيعته قالَ: يامُوسى! أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ؟! إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحينَ (33).
قال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيراً يا أباالحسن! فما معنى قول موسى لفرعون: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (34)؟
قال الرّضا عليه السّلام: إِنَّ فرعون قال لموسى لمّا أتاه: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الكافِرِينَ (35) قال موسى: فَعَلْتُها إِذاً وأنَا مِنَ الضّالِّينَ عن الطّريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (36). وقد قال الله عزّوجلّ لنبيّه محمّد صلّى عليه وآله وسلّم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (37) يقول: ألم يجدك وحيداً فآوى إليك النّاس؟! وَوَجَدَكَ ضالاًّ يعني: عند قومك فَهَدَى (38) أي: هداهم إِلى معرفتك، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (39) يقول: أغناك بأنْ جعل دعاءك مستجاباً.
قال المأمون: بارك الله فيك يابن رسول الله! فما معنى قول الله: وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ: لَنْ تَرانِي الآية (40)، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أنَّ الله تعالى ذكْرُه لا يجوزعليه الرؤية حتّى يسأله هذا السؤال؟!
فقال الرّضا عليه السّلام: إِنَّ كليم الله موسى بن عمران علم أنَّ الله عزّوجلّ منزَّه عن أنْ يُرى بالأبصار، ولكنَّه لمّا كلّمه الله تعالى وقرّبه نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنَّ الله عزّوجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت. وكان القوم سبعمائة ألف رجلٍ، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله عزّوجلّ أن يكلّمه ويُسْمِعَهم كلامه، فكلّمه الله تعالى ذكْره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل، ويمين وشمال، ووراء وأمام، لأَنَّ الله عزّوجلّ أحدثه في الشّجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه. فقالوا: لن نؤمن لك بأنَّ هذا الّذي سمعناه كلام الله حتّى نرى الله جهرةً. فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتَوْا، بعث الله عزّوجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا.
فقال موسى: يا ربّ! ما أقول لبني إِسرائيل إِذا رجعت إِليهم وقالوا: إِنّك ذهبت بهم فقتلتهم؛ لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله عزّوجلّ إِيّاك؟
فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إِنّك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته.
فقال موسى عليه السّلام: يا قوم! إِنَّ الله تعالى لا يُرى بالأبصار ولا كيفيّةَ له، وإِنّما يُعرف بآياته ويُعلم باعلامه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله.
فقال موسى عليه السّلام: يا ربّ! إِنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى! سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلِكْنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ـ وهو يهوي ـ فَسَوفَ تَرانِي، فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ـ بآية من آياته ـ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي، وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِين (41) منهم بأنّك لا ترى.
فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن! فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ (42).
فقال الرّضا عليه السّلام: ولقد همّت به، ولولا أن رأى برهان ربّه لهمَّ بها كما همّت به، لكنّه كان معصوماً، والمعصوم لا يهمّ بذنب ولا يأتيه، ولقد حدّثني أبي عن أبيه الصّادق عليهما السّلام أنّه قال: همّت بأن تفعل وهمَّ بأن لا يفعل.
فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن! فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ الآية (43)؟
فقال الرّضا عليه السّلام: ذلك يونس بن متّى ذهب مغاضباً لقومه، فظنّ بمعنى: استيقن أن لن نقدرعليه، أي: لن نضيّق عليه رزقه، ومنه قوله عزّوجلّ: وَأَمّا إذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَعَلَيْهِ رِزْقَهُ (44).
أي: ضيّق عليه وقتر، فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمة اللّيل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، أَنْ لا إلهَ إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ بتركي هذه العبادة الّتي قد قرّت عيني بها في بطن الحوت. فاستجاب الله له، وقال عزّوجلّ: فَلَوْلا أنّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (45).
فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: حَتّى إذَااسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَ هُمْ نَصْرُنا (46).
قال الرّضا عليه السّلام: يقول الله: حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم، وظنّ قومهم أنَّ الرّسل قد كذبوا، جاء الرّسلَ نصرُنا.
فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن! فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: لِيَغْفِرَلَكَ اللهُ ما تَقَدََّمَ مِنْ َذْنِبَك وَما تَأَخّرَ (47).
قال الرضا عليه السّلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله صلّى الله عليه و آله؛ لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستّين صنماً، فلمّا جاءهم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ؟! إِنَّ هذا لَشَيءٌ عُجابٌ * وَانْطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاْصِبُروا عَلَى آلهتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (48)، فلمّا فتح الله عزّوجلّ على نبيّه صلّى الله عليه وآله مكّة قال له وسلّم: يا محمد! إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكّة بدعائك إِيّاهم إلى توحيد الله فيما تقدّم وما تأخّر، لأنَّ مشركي مكّة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكّة، ومن بقي منهم لم يقدر على إِنكار التّوحيد عليه إذا دعا النّاس إليه، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم.
فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن! فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ (49).
فقال الرّضا عليه السّلام: هذا مما نزل بـ إِيّاك أعني واسمعي يا جارة (50)، خاطب الله عزّوجلّ بذلك نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم وأراد به أُمتّه، وكذلك قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ (51) وقوله عزّوجلّ: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (52).
قال المأمون: صدقت يا بن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ واللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (53).
قال الرّضا عليه السّلام: إِنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: «سبحان الذي خلقك!» وإِنّما أراد بذلك تنزيه الله تعالى عن قول من زعم أنَّ الملائكة بنات الله، فقال الله عزّوجلّ: أَفأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (54) فقال النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لمّا رآها تغتسل: «سبحان الذي خلقك!» أن يتّخذ ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته أمرأته بمجيء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقوله لها: سبحان الذي خلقك!، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله! إِنَّ امرأتي في خُلقها سوء، وإِنَّي أُريد طلاقها.
فقال له النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ اللهَ ، وقد كان الله عزّوجلّ عرّفه عدد أزواجه وأنّ تلك المرأة منهنّ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيدٍ، وخشي النّاس أن يقولوا: إِنَّ محمّداً يقول لمولاه: إِنَّ امرأتك ستكون لي زوجة، فيعيبونه بذلك، فأنزل الله عزّوجلّ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ يعني: بالإِسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ يعني: بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ واَللهُ أَحَقُ أَنْ تَخْشاهُ (55) ثمّ أنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّتْ منه فزوّجها الله عزّوجلّ من نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنزل بذلك قرآناً فقال عزّوجلّ: فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤمِنينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (56) ثمّ علم الله عزّوجلّ أنَّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل الله: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ (57).
فقال المأمون: لقد شفيتَ صدري يابن رسول الله، وأوضحت لي ما كان ملتبساً علَيَّ فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإِسلام خيراً.
قال عليّ بن الجهم: فقام المأمون إلى الصّلاة، وأخذ بيد محمّد بن جعفر بن محمّد ـ وكان حاضر المجلس ـ وتبعتُهما فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟
فقال: عالم، ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم!
فقال المأمون: إِنَّ ابن أخيك من أهل بيت النّبوّة الّذين قال فيهم النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ألا إِنَّ أبرارعترتي، وأطايب أُرومتي، أحلم النّاس صغاراً، وأعلم النّاس كباراً، فلا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، لا يُخرجونكم من باب هدىً ولا يُدخلونكم في باب ضلالةٍ».
وانصرف الرّضا عليه السّلام إلى منزله، فلمّا كان من الغد غدوت عليه، وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمّه محمّد بن جعفر له، فضحك الرّضا عليه السّلام ثمّ قال: يابن الجهم! لا يغرّنّك ما سمعتَه منه، فإنّه سيغتالني، واللهُ ينتقم لي منه (58).

1ـ طه (20) 121.
2ـ البقرة (2) 35.
3ـ الأعراف (7) 20.
4ـ الأعراف (7)20.
5ـ الأعراف (7) 21.
6ـ الأعراف (7) 22.
7ـ قال المصنّف رحمه الله: لعلّ الرضا صلوات الله عليه أراد بـ «الصغائر الموهوبة»: ترك المندوب و ارتكاب المكروه من الفعل، دون الفعل القبيح الصغير بالإضافة إلى ما هو أعظم منه، لاقتضاء أدلّة العقول و الأثر المنقول لذلك.
8 ـ طه (20) 121 و 122.
9ـ آل عمران (3) 33.
10ـ الأعراف (7) 190.
11ـ الأعراف (7) 189.
12ـ الأعراف (7) 190.
13ـ الأنعام (6) 76.
14ـ الأنعام (6) 76.
15ـ الأنعام (6) 77.
16ـ الأنعام (6) 77.
17ـ الأنعام (6) 78.
18ـ الأنعام (6) 78 و79.
19ـ الأنعام (6) 83.
20ـ البقرة (2) 260.
21ـ البقرة (2) 260.
22ـ القصص (28) 15.
23ـ القصص (28) 15.
24ـ القصص (28) 15.
25ـ القصص (28) 15.
26ـ القصص (28) 16.
27ـ القصص (28) 16.
28ـ القصص (28) 16.
29ـ القصص (28) 17.
30ـ القصص (28) 17.
31ـ القصص (28) 17.
32ـ القصص (28) 18.
33ـ القصص (28) 19.
34ـ الشُّعراء (26) 20.
35ـ الشُّعراء (26) 19.
36ـ الشُّعراء (26) 21.
37ـ الضحى (93) 6.
38ـ الضحى (93) 7.
39ـ الضحى (93) 8.
40ـ الأعراف (7) 143.
41ـ الأعراف (7) 143.
42ـ يُوسف (12) 24.
43ـ الأنْبياء (21) 87.
44ـ الفجر (89) 16.
45ـ الصّافّات (37) 143و144.
46ـ يُوسف (12) 110.
47ـ الفتح (48) 2.
48ـ ص (38) 5ـ7.
49ـ التوبة (9) 43.
50ـ مثل يضرب لمن يتكلّم بكلام ويريد به شيئاً غيره. وأوّل من قال ذلك سهل بن مالك الفزاريّ لدى قصّة فكاهة. لاحظ: مجمع الأمثال، للميدانيّ 49:1.
51ـ الزُّمر (39) 65.
52ـ الإسراء (17) 74.
53ـ الأحزاب (33) 37.
54ـ الإسراء (17) 40.
55ـ الأحزاب (33) 37.
56ـ الأحزاب (33) 37.
57ـ الأحزاب (33) 38.
 ×  58ـ رواه الصّدوق رحمه الله في عيون أخبار الرّضا عليه السّلام 195:1 ـ الباب 15/الرقم1: عن تميم بن عبداللهّ بن تميم القرشيّ، عن أبيه، عن حمدان بن سليمان النّيسابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم، أنّه قال :...، والتّوحيد ص 13 ـ الباب 9/الرقم14 قطعة منه، و ص 74 ـ الباب 2/الرقم 28 أيضاً. ونقله في بحارالأنوار78:11 و 63:12 و 32:13 و 217.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.