ذكريات لا تُنسى

ركضتُ فوراً إلى الضريح
كان عمري (10) سنوات. ذهبت للمرّة الثالثة مع بابا وماما إلى مشهد المقدسة لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام. المرّة الأخيرة كانت في صيف السنة الماضية.
في آخر يوم من الزيارة رُحتُ أنا وبابا باتجاه الحرم ونحن نمسك يداً بيد. قلبي يدقّ بسرعة من شدّة الفرح. كنت أحبّ أن نصل إلى الحرم بأسرع ما يمكن.
دخلت الحرم مع بابا. الازدحام شديد جداً. لم أتصوّر أنّي أستطيع أن اقترب من الضريح لكثرة ازدحام الزوّار. تمسّكتُ بيد أبي جيداً، وكان بابا يقرأ الزيارة بصوت منخفض وأنا أستمع إليه.
بعدها وقف بابا في جانب، وأخذ يصلّي. في هذه الأثناء سمعت خَدَمة الحرم يطلبون من الناس تخلية المكان والخروج. وفهمت أنّهم يريدون تنظيف الحرم. الناس بدأوا يخرجون.. لكن بابا ما زال يصلّي، وكنت قاعداً قدّامه.
فجأة فَطَنتُ أن ما حول الضريح خالٍ من الناس تماماً، فركضت فوراً إلى الضريح. وخطر ببالي في لحظة أنّ الله قد أعطاني هذه الفرصة للزيارة. ومن شدّة فرحي رُحتُ أُقبّل الضريح وأُقبّله وأنا أقول: اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.
كنتُ أظنّ أنّي في حُلم، لكنّي متأكد أنّي في يقظة لا في حُلم، وقد حصلت على الأمل الذي ما قدرت على الحصول عليه في السفرة السابقة. وهو أمل يمكن أن يحصل عليه كلّ آحد.

محمّد عليّ مجيدي ـ (11) سنة ـ كرمان
عن كتاب: خواطر الزيارة، نشر مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين.


* * *

أيّام جميلة في مشهد
أُحب أن أذهب إلى مشهد. في أحد الأيّام جاء أبي وقال: نريد أن نذهب إلى مشهد.
سافرنا بالقطار. تعشّينا في القطار، وذهب أبي وأمي إلى المسجد للصلاة. ثمّ جاء أبي وأمي، وتحرّك القطار. عدّة مرّات توقّف القطار. نمنا في القطار. ووصلنا في الصبح إلى مشهد. ذهبنا أولاً إلى الحرم ثمّ إلى الفندق.
مرّة رُحنا إلى الحرم وأنا تُهتُ هناك. بكيت. تُهتُ خمسة دقائق. دعوتُ أن أجد أبي وأمي. وسمع الله دعائي، وبسرعة وجدتُ أبي وأمي.
بعد يوم أو يومين ذهبنا إلى منزل أحد أصدقاء أبي في مشهد، وبِتنا هناك ليلة واحدة.
ذهبنا إلى الحرم. الحرم مزدحم. رفعتني أمي حتّى أمسكت الضريح بيدي. الحرم مزدحم جداً. الناس يبكون ويدعون. في صحن الإمام الرضا حمام كثير. نثرتُ لها قمحاً، والحمام يأكل القمح.
أيّام جميلة قضيناها في مشهد. وبعد 4 أيّام رجعنا إلى طهران. كم أُحب أن أعود إلي مشهد لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام!

ساره عرفاني، 7 سنوات ـ من طهران
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 61، نشر مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين.


* * *

حادثة في الطريق
أذكر الحادثة بوضوح. في ذلك الوقت كان عمري خمس سنوات لمّا سافرتُ لأوّل مرّة مع أبي وأمي وأختي وأخي إلى مشهد بسيارتنا الصغيرة.
وعندما وصلنا إلى نصف الطريق تقريباً قلّت سرعة السيارة وتوقّفت. أبي حاول أن يشغّلها فما اشتغلت. كنّا مجبورين أن ننزل من السيارة رغم حرارة الشمس الشديدة. نزلت أمي وأختي وأخي وأنا، وبقي في السيارة أبي يحاول أن يشغّلها لوحده. حاول مرّات ومرّات لكن
السيارة لم تشتغل.
بقينا ساعتين في الصحراء بدون ماء ولا طعام. تضجّرت أختي الصغيرة. وكنّا غير مرتاحين.. لكنّا ما قلنا شيئاً.
وبالتدريج ازداد العطش والجوع والتعب. أنا رفعت رأسي أنظر إلى السماء، ورفعت يدَيّ، وقلت: أيّها الإمام الرضا الغريب، نحن رائحون إليك.. إلى زيارتك، فخلِّصْنا من هذا العذاب.
في تلك اللحظة توقّفت قربنا سيارة لمساعدتنا. وكأن سائقها ميكانيكي سيارات! ومدّ يده يعالج السيارة. وفي خلال دقيقة واحدة تحرّكت سيارتنا وصعدنا فيها.
ومن تلك اللحظة فهمت رحمة الإمام الرضا وعظمته.

عبدالرضا محمد قانع، 13 سنة ـ تبريز
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 53، نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

الحمامة البيضاء
أحبّ الحمام كثيراً، خاصة حمام الحرم. في أحد الأيّام قال أبي لأمي: سنذهب في العيد إلى مشهد. فرحنا كثيراً، وبدأنا نستعد للسفر.
جاء العيد، وذهبنا إلى مشهد. وفي الحرم.. راح أبي وأمي للزيارة، وبقيت أنا في صحن الحرم. قال لي أبي:
ـ لا تذهب من هنا.. إبقَ هنا حتّى نرجع.
اشتريت قطعة «كليچة» (1) لآكلَها عندما رأيت بعض الناس في الصحن ينثرون لحمامات الحرم حبّات من القمح. أعجبني ذلك، وتقدّمت لأتفرّج. ألقيتُ للحمام قطعة من الكليجة لتأكل منها. ثمّ التفتُ إلى الحرم وقلت:
ـ أيّها الإمام الرضا.. ماذا يضرّ لو أنّ حمامة بيضاء تكون لي ؟!
كنت أفكّر في هذا لمّا رأيت حمامة بيضاء تطير متوجّهة نحوي.. حتّى حطّت على الأرض بقرب قدمي. تعجّبت.. وأخذت أنظر إليها بمحبة. ثمّ أخذت قطعة من الكليجة ووضعتها في راحة يدي وقرّبتها من الحمامة. الحمامة جاءت وصعدت على راحة يدي. أردت أن أبكي من شدّة الفرح. مسحتُ على ظهرها بيدي وقبّلتُ رأسها. وبعد قليل خفقَتْ بجناحَيها وطارت. استدارت حول رأسي دورة كاملة.. ثمّ التحقَتْ ببقيّة الحمام.
لقد كنت سعيداً لأني عاملت الحمامة البيضاء بمحبة وحنان.
وعندما حكيتُ ذلك لأمي قالت:
ـ ولدي، أنت طلبتَ من الإمام الرضا أن تكون عندك حمامة بيضاء، والإمام حقّق لك ذلك، فأرسلَ لك حمامة بيضاء لتأنس برؤيتها.
ومنذ ذلك الوقت.. صرت كلّما رأيت حمامة بيضاء أتذكّر تلك الحمامة، وأقول في قلبي:
ـ هذه هي حمامتي التي أعطاها في الإمام الرضا.

يعقوب موسى مقدَّم، 13 سنة ـ من أردبيل
عن كتاب: خواطر الزيارة، ص 91 ، نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

الطبيب العجيب
أنا ابنة فلاّح، اُساعد أبي دائماً في أعمال المزرعة صيفاً وشتاءً. وبسبب كثرة مباشرتي للرطوبة في الزراعة أُصيبت رِجلاي ـ قبل حوالي 8 سنوات ـ بالشلل من الركبة إلى القدم.. وصرت فتاة مُقعَدة مطروحة في زاوية من البيت.
حاول أبي وأمّي كل ما يمكن لمعالجتي. لم يَبقَ طبيب إلاّ وذهبنا إليه.. حتّى قطعنا الأمل. حزن أبي وأمي كثيراً وهما يشاهدان زهرتهما تذبل دون أن يقدرا على فعل شيء، وعاشا في أذى وعذاب.
في أحد الأيّام.. رحنا من القرية إلى زيارة الإمام الرضا عليه السّلام في مشهد. كان الوقت تقريباً عصر يوم الجمعة لمّا وصلنا إلى الحرم. وفي الصحن المزدحم بالناس.. حاولت بمشقة أن أصل إلى صنبور الماء. توضأت.. وذهبت إلى داخل الحرم.
وبعد أن عَيَّنت لي أمي مكاناً أجلس فيه.. وقفَتْ تصلّي صلاة الزيارة، ثمّ أخذتْ تدعو وتبكي بقلب منكسر. كانت تبكي من كلّ قلبها، وتطلب من الإمام الرضا الشفاء لجميع المرضى.. حتّى إنّي بكيت لبكائها. كان أبي إلى جانبي، وكانت هي تبكي وتبكي حتّى الساعة الثامنة ليلاً.
أمّا أنا .. فبعد الصلاة دعوتُ لأمي من كلّ قلبي كما علّمتني هي. وأقسمتُ على الإمام بابنه الجواد ألاّ يردّ أمّي خائبة.
بكيتُ عند قبر الإمام الرضا.. حتّى تعبتُ من البكاء، وأخذني النوم وقلبي كلّه حسرة وهمّ. بعد قليل عطشتُ في الحلم وطلبت ماء، لكن لا أحد هناك يأتيني بماء. نظرت هنا وهناك فيما حولي فلم أجد مَن أقول له ليأتي بماء. وبكيت في الحلم. وعندما أخذت أبكي.. فجأة جاء رجل جميل الطول والوجه، وقف عند رأسي وقال:
ـ لماذا تبكين يا ابنتي ؟
ذهلت لرؤية جماله النوراني وعظَمته البهيّة. إنّه الإمام الرضا عليه السّلام. ثمّ قلت:
ـ أريد ماء.. لكن لا أحد يأتيني بماء. ورِجلاي مشلولتان لا أستطيع أن أذهب لأشرب.
أعطاني الإمام ماءً، ثمّ قال:
ـ رِجلاك سالمتان يا ابنتي، تستطيعين أن تتحرّكي.
وفي لحظة.. غاب عن نظري، فتألمت كثيراً لأنّه ذهب. ومن شدّة ألمي استيقظتُ من نومي. كانت أمي عند رأسي تذرف دموع الشوق. قالت لي:
ـ في النوم كنتِ يا ابنتي مُشرقة الوجه إلى حدّ أنّي خِفت.. وكان يفوح منك عطر ماء الورد.
لا أدري بأيّ لسان حكيتُ لأمّي ما رأيت. ونظرتُ إلى رِجليّ.. فإذا هما سالمتان.. لا أثر للشلل. أمي صرخَتْ من الفرح، وأخذت تشكر الإمام الرضا. اجتمعت حولنا النساء يقبّلْنني ويأخذن من ملابسي للتبرّك بها. ولشدّة زحام النساء حولي.. حملتني عدد منهنّ، وأخذنني إلى غرفة من غرف الصحن. ثمّ جئن لي بملابس وقبّلنني أنا وأمّي وقدّمن لنا التهاني.
بكت أمّي من الفرح، وأمسكتْ بيدي وأنا واقفة على قدمين كأنهما لم تعرفا الشلل قبل ذلك. ورحت أقدّم شكري للإمام الرضا الذي فتح باب الأمل والسعادة لنا نحن مُحبّيه البائسين.
ثماني سنوات مرّت على ذلك، وما لي طبيب دائماً غير إمامي الرضا. كلّما تكون عندي مشكلة أحكيها لإمامي الذي ليس لي لحلّ المشكلات أحد غيره.

فاطمة فيروزي، 16 سنة ـ قرية دولت آباد، گلمكان ، مشهد
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 114 ـ 116، نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

بكينا من الفرح
الوقت أول الصيف، والمدارس في العطلة. كنت أنا وأخي محمّد في الزقاق المجاور لبيتنا.. نصنع طيّارة ورقية، وكان بيتنا على ناصية الشارع. أكملنا صنع الطيّارة، فأخذتها إلى السطح، وقلت لأخي محمّد:
ـ إصعَدْ.
قال:
ـ أذهب لألعب كرة القدم مع محسن وأحمد والجماعة.
ذهب محمّد، وأخذت بتطيير الطيارة. كنت أواصل اللعب بالطيارة الورقية حين عثرت رجلي.. وفجأة: سقطتُ من السطح إلى الشارع. صرخت وأنا في الهواء بين السماء والأرض. ومن حُسن الحظّ أن منزلنا ذو طبقة واحدة، ولمّا سقطت على الأرض لم تنكسر غير يدي. لكنّ سيارة عابرة مرّت في تلك اللحظة فداست على يدي. وصرخت من شدّة الوجع، فنزل سائق السيارة مضطرباً، ونقلني إلى المستشفى.
وعلمتْ أمي بالخبر، فاتّصلتْ تلفونياً بأبي، فجاء إلى المستشفى. كنت أبكي من الوجع. قال سائق السيارة لأبي:
ـ واللهِ ليس الخطأ منّي، ولدك هو الذي سقط من السطح فجأة.
نظر أبي إليّ.. ثمّ قال للسائق.
ـ لا تقلق.. أنا أيضاً أدري أنه خطأ ولدي. ليست لنا قضية معك..
تستطيع أن تذهب.
كان السائق إنساناً طيّباً وخيّراً، فاطمأنّ لمّا سمع كلام أبي، لكنه قال:
ـ لا يا سيدي لن أتركك وحدك، على الأقل لازم أظل لأرى ما تكون حالة الولد.
وعندما وصل دَورنا في المستشفى.. دخلنا على الطبيب. الطبيب رأى يدي، ثمّ قال:
ـ خذوا ليده صورة.
أخذوني وصوّروا يدي. ومع أني كنت حزيناً جداً.. قلت لأبي:
ـ بابا.. يدي لا تؤلمني، فلنذهبْ إلى البيت.
تغيّر وجه أبي وقال لي:
ـ يدك لا تؤلمك ؟!
أخذني إلى الدكتور وهو يحاول أن يخفي أذيّته، وقال له:
ـ دكتور.. هذه الصورة.
نظر الدكتور إلى الصور، وقال:
ـ تعال يا ولدي.
تقدّمتُ إليه، فضغط على يدي وقال:
ـ أتؤلمك ؟
قلت:
ـ لا.
ثمّ ضربها بشيء شبيه بقضيب، وقال:
ـ والآن ماذا ؟
قلت:
ـ لا.
قال لي.
ـ إذهبْ خارج الغرفة لأحكي مع أبيك بعض الكلمات.
كنت واقفاً خارج الغرفة أنتظر لمّا خرج أبي وقال:
ـ رأيتَ ماذا صنعتَ بنفسك ؟!
نظرت إلى أبي الذي بدا بائساً منكسراً، وإلى السائق. أخذوني فوراً إلى غرفة العمليات، وهناك أعطوني مخدِّراً.
وحين أفَقتُ.. رأيت يدي ملفوفة بضماد. قلت:
ـ الحمد لله.. لم يحدث شيء مهم.
لكنّي لمّا أردتُ أن أحرّك يدي وجدت أنّي لا أستطيع. قال أبي:
ـ لا تحرّكها! تعال نذهب إلى البيت.
العملية كانت فوريّة. وبسرعة سمحوا لي بمغادرة المستشفى. وفي ذلك الوقت من الليل.. رُحنا إلى البيت بسيارة السائق، ثمّ ودّع أبي السائق فذهب.
أمي وإخواني وأخواتي كانوا ينتظرون. لم تغمض عيونهم. وحين وصلنا إلى البيت قالت أمي لأبي:
ـ مإذا جرى ؟!
التفّ حولي إخواني وأخواتي يسألونني. وفجأةً ارتفع صوت بكاء أبي. قالت أمّي:
ـ بحياةِ حسن عليك.. ماذا جرى ؟!
قال أبي:
ـ الأطباء أرادوا قطع يده، لكنّي لم أوافق.
سمعنا هذا فسيطر علينا الاضطراب: أنا وإخواني وأخواتي. بكيتُ أنا، وبكيتْ أمّي.
وعلى أيّ حال.. راح الليل وجاء الصباح. قالت أمّي:
ـ لماذا لم توافق على قطع يده ؟
قال أبي:
ـ لا أريد أن يبقى ابني بدون يد. سأعمل كلّ ما أستطيع لتتحسّن يده.
وتصدّقَ أبي بمبلغ من المال، ووزّع نقوداً على الفقراء، ونذر نذراً..
لكنّي لم أتحسّن.

* * *

كان منتصف الصيف.. عندما ذهبنا ـ أنا وأصدقائي ـ لكي نتعلّم القرآن في « مكتب الإمام الصادق ». وقرّر المكتب أن يعمل للطلاب سفرة إلى مشهد. لكنّ أبي لم يأذن لي بالسفر، قال:
ـ بهذه اليد تريد أن تذهب ؟! ماذا ستعمل هناك ؟!
ما قلت شيئاً. وفي الليل عندما ذهبت لأنام.. صنعتْ أمّي بخوراً من الحرمل، وأدارت المبخرة على رؤوسنا جميعاً. ثمّ لمّا نمتُ سمعتُ في منتصف الليل صوتاً يقول لي:
ـ أنا أيضاً طبيب.. تعال عندي.
نظرت.. فرأيت قبّة ذهبية، وقلباً يطير حولها. وبغتةً نادَتْني أمّي:
ـ انهض صَلِّ صلاة الصبح، وتناوَل الإفطار.
صلّيتُ الصبح.. وعلى مائدة الإفطار حكيتُ الرؤيا لأبي وأمّي. عندها أذِن لي بالسفر إلى مشهد.
وجاء يوم السفر. كلّ الأولاد كانوا مسرورين. وجلستُ في القطار إلى جانب أكبر ومحسن.. وتحرّك القطار باتجاه مشهد.
ولمّا وصلنا نزلنا من القطار. ومشينا ـ مع الاستاذ زارعي معلّم المكتب ـ باتجاه حرم الإمام الرضا عليه السّلام. قال الأستاذ زارعي:
ـ لنذهب يا أولاد نتغّدى أوّلاً.
وذهب معه الأولاد. أمّا أنا فقد استأذنت الاستاذ لأذهب إلى الحرم. وحينما وصلت إلى الضريح أمسكتُه بيده واحدة وأخذت أُقبّله. قال لي رجل مديد القامة ذو عمامة سوداء وحزام من قماش أخضر:
ـ لماذا تُمسِك الضريح بيد واحدة ؟
قلت له:
ـ يدي هذه مشلولة.
قال:
ـ يمكن أن أراها ؟
قلت: لا مانع.
أمَرَّ الرجلُ يده على يدي التي لا تحسّ بشيء، ثمّ قال:
ـ هذه لا تُقطَع.
قال هذا وذهب دائراً خلف الضريح. حاولت أن أحرّك يدي لأرى إنْ كان الرجل قد سَخِر منّي. حرّكتُ يدي.. فتحركت. صحتُ من شدّة الفرح، فانتبه الناس إليّ وسألوني:
ـ ماذا حدث ؟!
لم أقُل لهم شيئاً، وذهبت أتتبّع الرجل.. فما وجدته. وأدركت في تلك اللحظة أنّه الإمام الرضا.. فأُغمي علَيّ من هذه المفاجأة السارّة. ولمّا رجعت إلى الوعي رأيت الأستاذ زارعي والأولاد يدخلون إلى الحرم، ولم يعرفوا ما حدث لي.
بعدها.. رجعنا من السفر، فأخبرتُ أبي بما جرى. فرح أبي كثيراً، وأحضَر خروفاً ذبحوه عند قدمي. وبكينا كلّنا سروراً وفرحاً. وقلت لأبي:
ـ بابا.. كلّ مَن اسمه «رضا» أعطِه من اللحم مقداراً أكبر.
وإلى مدة بعد هذا.. كان الناس يمسحون أيديهم بيدي طلباً للبركة. ونَذَر أبي أن يأخذ كلّ سنة عدداً من الناس ـ على نفقته الخاصة ـ إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام.

حسن الجمالي ـ من طهران
من كتاب: خواطر الزيارة ص 95 ـ 98، نشر مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

حكيتُ مع الإمام الرضا
أحسن ذكرى لي في مشهد المقدسة: أني لمّا ذهبت إلى مشهد لأول مرّة ودخلت حرم الإمام الرضا عليه السّلام.. تعجّبت عندما رأيت أبوابه الكبيرة، والحرم نفسه كبير جداً. سألتُ أبي:
ـ بابا.. هل هذا قصر ؟
ضحك أبي وقال:
ـ لا يا بابا.. هذا حرم الإمام الرضا عليه السّلام إمامنا الثامن.
ثمّ دخلنا في داخل الحرم.. وأخذ أبي يوضّح لي لماذا جئنا إلى هنا، وحكى لي عن قدسيّة هذا المكان، وعن عظَمة الإمام الرضا عليه السلام.
حكى لي أبي هذا.. فبدأتُ أقترب شيئاً فشيئاً من ضريح الإمام، حتّى صرتُ ملاصقاً له. حكيتُ مع الإمام الرضا بصوت منخفض، وطلبت منه أن أتعلّم الصلاة، لأني تمرّنت على الصلاة عدّة مرّات.. لكنّي لم أتعلّم.
بعد أن طلبتُ من الإمام ذلك.. شعرتُ أني أستطيع أن أتعلّم. ثمّ ذهبتُ بهدوء قرب رفوف كانت في إحدى الزوايا، فيها مصاحف وكتب الزيارة والدعاء. جلست هناك، وتناولتُ كتاباً من الكتب. الكتاب كان حول تعليم الصلاة.. وبدأتُ أقرأ. قرأت مرّة واحدة.. فشعرتُ أني أقدر أن أصلّي.
وطلبتُ من أبي أن يقف قريباً منّي ويستمع إلى صلاتي، هل هي صحيحة ؟ كنت قد توضّأت قبل أن ندخل الحرم. صلّيت بصوت مسموع. وبعد الصلاة قال لي أبي:
ـ تقبّل الله. رائع، صلاتك صحيحة يا ولدي.
وفي تلك اللحظة.. شعرت بسعادة كبيرة في صدري.

علي رضا العارفي ـ 12 سنة، طهران
من كتاب: خواطر الصلاة ص 6. نشر مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

حدثت معجزة
أريد أن أحكي لكم أفضل وأروع ذكرى لي في مشهد المقدسة.
كان عمري 8 سنوات لمّا كنت في أحد الأيّام ألعب في الطريق مع ابنة الجيران. وما أدري كيف حدث أن صدمتني سيارة حمل. أبي وأمي نَقَلاني بسرعة إلى المستشفى. وعندما رجعتُ إلى الوعي وفتحت عيني لم أقدر أن أرى شيئاً! نعم، فقدت بصري بسبب ضربة السيارة. ولمّا ذكر الدكتور هذا لأمي اغتمّت كثيراً، وتوسّلت بالدكتور أن يفعل أي شيء من أجل عينيّ. لكن الدكتور قال:
ـ لا يمكن عمل شيء.. إلاّ إذا حدثت معجزة.
ولهذا بعد خمسة أشهر ـ حينما تحسّنت حالتي العامّة قليلاً ـ ألحَّتْ أمي على أبي أن نذهب إلى مشهد المقدسة لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام؛ لأنّ أبي ما كان يقدر أن يأخذ إجازة طويلة من مكان عمله. وعلى أي حال.. وبعد الترجّي حصل أبي على إجازة لمدة أسبوع، وذهبنا إلى مشهد.
عندما وصلنا إلى مشهد.. استأجر أبي لنا غرفة. وضعنا فيها أغراضنا، ثم توجّهنا أنا وأبي وأمي كلّنا إلى حرم الإمام. كانت أمي قد ضمّتني إلى جانبها وهي تُدخلني إلى الداخل.
أنا ما كنت أرى، لكن أحسستُ أن الحرم كان كثير الازدحام؛ لأنّ أمّي ما أوصلتْني قرب ضريح الإمام الرضا عليه السّلام إلاّ بمشقّة وعناء. وهناك أخذتْ تبكي وتبكي، وبكيتُ أنا أيضاً. أمي كانت تخاطب الإمام بهمس وتقول باكية:
ـ أيّها الإمام الثامن، أريد منك شفاء ابنتي.
طيلة سبعة أيّام كانت أمي تُمسك بي وتدخلني إلى الحرم صباحاً وليلاً، متوسّلة بالإمام عليه السّلام لشفائي. ولمّا تمّ الأسبوع جاء وقت العَودة. لكن أمي ـ حتّى آخر اللحظات الباقية على رجوعنا من مشهد ـ كانت تبكي وتتضرّع.
ورجعنا من الزيارة إلى منزلنا... ورجع كلّ شيء كما كان قبل السفر: تبكي أمي عند الصلاة، وعندما تشتغل في المنزل، وفي كلّ مكان تكون فيه.. طالبةً شفائي، حتّى ضَعُفتْ ومَرِضتْ، فنقَلَها أبي إلى المستشفى. وفي المستشفى قال الدكتور:
ـ لازم تستريح ولا تنشغل بالهم، وإلاّ فإنّها تقضي على نفسها.
انقضت 3 سنوات في عذاب وألم. بعدها عزمنا على السفر إلى مشهد للمرة الثانية لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام. واضطرّ أبي أيضاً إلى أخذ إجازة من عمله.. وبدأنا السفر.
وعندما وصلنا إلى مشهد.. شعرتُ أنّ كلّ مكان هنا ممتلئ بالعطر. في البداية استأجرنا مكاناً للسكن.. وقلت لأمي:
ـ ماما.. أريد أن أروح إلى الحرم الآن، فهل تأخذينني ؟
قالت أمي:
ـ طبعاً آخذك.
ثمّ ذهبتُ أنا وأمي إلى مرقد الإمام الرضا عليه السّلام.. حيث زُرنا. وهناك اتّخذتُ لي مكاناً قرب الضريح الطاهر.. وبدأتُ أبكي وأطلب من الإمام الرضا أن يشفيني. قلت:
ـ أيها الإمام الرضا.. لا ينكسر قلبي مرة ثانية.
بعد لحظات.. شعرتُ أنّ شخصاً يناديني ويقول:
ـ قُومي، أنتِ شُفيتِ.
لا.. لم أقدر أن أُصدِّق. لكن.. نعم، أنا شُفيت. عيوني التي فقدتُها قد عادت إليّ! آه يا ربّي.. ماذا أرى ؟! عيوني تنفتح! لقد تحقّق الأمل. أردت في هذه اللحظة أن أصيح وأقول:
ـ أيها الإمام الرضا، أيها الإمام الثامن.. أشكرك، أنا شاكرة لك. أنا الآن أرى كلّ شيء: أُمّي وأبي والناس والمكان والأطفال.. كلّهم كلّهم أراهم!
ثمّ صِحتُ:
ـ ماما.. ماما.. أنا أرى، أنا شفيت!
وعلى أثر صيحتي.. أسرعَتْ أمي إليّ وقالت:
ـ ما بِك يا ماما ؟! لماذا صِحتِ ؟!
لمّا قلت لها: إني شفيت، لم تصدّق. ثم أخذت تبكي من الفرح بكاء لا أستطيع وصفه. نعم، بعد 3 سنوات أشرق نور الأمل في عينيّ من جديد. وأتمنّى الشفاء لكل مريض.
هذه خلاصة لأفضل ذكرياتي التي لا أنساها أبداً. بالمعجزة بدأت حياتي من جديد والآن قد مرّت على هذه الواقعة العجيبة 3 سنوات.

سُهيلة المَلَكي، 15 سنة ـ من مدينة نور
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 36 ـ 38. نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

عندما قبّلتُ العتبة
ذهبنا إلى مشهد: أنا وأختي وزوجها وابنتهما ليلى.
تحرّكنا في حدود الساعة 30/6 عصراً. وكنت قد سمعت أنّ في طريق مشهد مناظر جميلة، وكنت أنتظر أن أراها. لكن من سوء حظي أنّا قد قطعنا الطريق في الليل.
وصلنا إلى مشهد حوالَي الساعة 6 صباحاً. نزلنا من السيارة الكبيرة وركبنا سيارة تاكسي لتوصلنا إلى فندق (حسين آقا) الذي كان معنا عنوانه. ولمّا وصلنا إليه وجدنا أن كل غرفهِ ممتلئة بالزوّار.. لكنهم في الفندق عرضوا علينا غرفة غير جيدة، نوافذها بدون زجاج.. فلم نوافق . ومشينا في السوق لا ندري أين نذهب، حتى دلّنا شخص على فندق آخر، فنزلنا فيه.
في الساعة 2 بعد ظهر نفس اليوم مشينا باتجاه الحرم للزيارة. كان قلبي يطير من الفرح. وشعرتُ حينما دخلنا الحرم كأنّ روحي تحرّرت من القفص، لأني ما كنت أصدّق أني أقدر أن أجيء لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام. وعندما وصلنا إلى الحرم بقيتُ أنا مع أختي، وسيد محسن زوج أختي أخذ ليلى إلى داخل الحرم للزيارة.. ثم رجع.
وذهبت أنا. رأيت الحرم كثير الازدحام بالناس. إذا أدخل فقد أُداس في هذا الازدحام لكنّي لم أهتمّ بهذا، وتقدّمت. مددتُ ذراعَيّ إلى الإمام أحاول أن أجد طريقاً لي في وسط الازدحام. وفي تلك اللحظة وجدت طريقاً مفتوحاً، فتقدمت إلى الإمام. زرت ثم رجعت.. حتّى أنّ سيّد محسن قد تعجّب! عدّة أيّام كنت أذهب للزيارة والصلاة بهذه الصورة.
كانت الأيّام الأخيرة من وجودنا في مشهد. في آخر مرة ذهبت إلى الحرم للزيارة.. رأيت الناس يقبّلون العتبة أولاً. فكرّتُ أن أفعل مثلهم.. لكن اعتدادي بنفسي لم يسمح لي بذلك، فدخلت مباشرةً لأزور.. لكنّي مهما حاولت أن أزور ما قدرت، فوقفتُ على جانب وأخذتُ أنظر إلى الناس. في تلك الحال وقع نظري على رجل كبير السن يحاول أن يجد له طريقاً للزيارة بين جموع الناس، غير أنّه ما قدر.. وأخذ يبكي. وبرجاء طلب من الناس أن يفسحوا له طريقاً ليزور الإمام زيارة الوداع. احترق قلبي له، فتقدّمت وأردت أن أُقيمه من مكانه فما استطعت. وفي المرة الثانية قلت: «أيها الإمام الرضا» وقدرت أن أُقيمه.. فزار ومسح يده على الضريح. أنا نفسي تعجّبت: كيف أني ما قدرت في المرة الأولى أن أقيم الرجل المسنّ من مكانه! ونسيت أن أزور فرجعت. ثمّ تذكّرت أني ما زُرتُ، فعُدتُ إلى داخل الحرم. وعند الباب.. رأيت هذا الرجل نفسه يقبّل الأرض ثم نهض وذهب.
امتلأت عيني بالدموع، ونسيت كل شيء. وقعتُ أُقبّل العبتة وأنا أخاطب الإمام. طلبتُ منه أن لا يجعلني في حاجة إلى أحد، وأن يعطيني قدرة اُساعد بها الآخرين. ولمّا انتهبتُ على نفسي رأيت سيد محسن قد جاء قريباً مني وهو يقول: لماذا لا تأتي ؟! ومرةً أخرى نسيتُ الزيارة.
لكننا لم نحصل على بطاقة سفر للعودة بالسيارة، فرجعت مجدّداً إلى الزيارة. وهناك.. حَلَلتُ قطعة قماش صغيرة خضراء كانت أمي قد ربطتها حول يدي، وربطتُها بالضريح.. ورجعت.
بعد ظهر ذلك اليوم رجعنا إلى قم. لا أدري ماذا أقول.. لكنّي كنت مشتاقاً جداً للزيارة. أرجو الله أن يرزقني زيارة الإمام الرضا عليه السّلام من جديد، لأُعيد تلك القطعة من القماش الأخضر إلى يدي.

رستم النجفي، 14 سنة ـ من قمّ
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 22 ـ 23. نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

البالون الأحمر
دقيقاً كان عمري 7 سنوات عندما ذهبنا لزيارة الإمام الرضا.
بعد الزيارة ذهبت أنا وأمي إلى السوق للاطلاع والشراء. اشترت أمي لي بالوناً أحمر. السوق مزدحم جداً، وكما يقولون: لا يوجد فيه حتى موضع إبرة. أمسكت البالون بيد، وباليد الأخرى ـ على ما أظن ـ أمسكتُ عباءة أمي.
كنت أنظر إلى الناس والسوق، فرأيت لعبة جميلة. أردت أن أقول لأمي شيئاً، فوجدت أنّ يدي ممسكة بثياب رجل لا أعرفه! بكيت، فقال لي الرجل:
ـ ماذا بك ؟
قلت:
ـ أمي.. أمي ضاعت!
قال:
ـ تعالي آخذك إلى الشرطة.
والواقع أني كنت أخاف من الشرطة، ولذلك لم أذهب معه. وخلال الازدحام انفصلت عن الرجل. والآن كيف أذهب إلى الفندق الذي ننزل فيه ؟!
عدّة ساعات كنت ضائعة، وفجأة رأيت شرطياً. خِفت.. وانزويت في زاوية البالون الأحمر، لَفت نظر الشرطي إليّ. جاء الشرطي، فقلت له بخوف:
ـ سَـ.. سَـ.. سلام. واللهِ ما عملتُ شيئاً!
قال الشرطي:
ـ ابنتي.. ما اسمك ؟
قلت:
ـ زهراء.
قال: ما دام بالونك أحمر فالعلامة صحيحة، تعالي آخذك إلى أمّك.
ولمّا وصلنا إلى الفندق ورأيت أمي.. بكيت. بعدها عرفت أن أهلي كانوا قد ذكروا أوصافي للشرطة. ومنذ ذلك الوقت كتب أبي العنوان على ورقة وأعطاه لي وقال:
ـ ما دُمنا في مشهد فاجعلي هذا العنوان معك حتّى لا تَضيعي.

زهراء بيكي، 14 سنة ـ نجف آباد (إصفهان)
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 77. نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


* * *

لا أدري لماذا بكيت
فجأةً.. حدث بين الركّاب هَيَجان عجيب. القطار يخترق الصحراء، ويمضي مُسرِعاً إلى الإمام، ولم يَقِرّ للركّاب قرار. لقد بَدَت القبّة الذهبية ومنارات حَرَم الإمام الرضا عليه السّلام ـ مأوى غُرَباء العالم ـ تتلألأ تحت أشعة الشمس، وانشدّت إليها عيون المسافرين الدامعة. القلوب المشتاقة التي كانت تنتظر الوصول أخذت تَخفِق، والأرواح الهائجة تكاد تطير. كانت الصلوات على محمّد وآل محمّد تنطلق من أفواه المسافرين المتعَبين بين الوقت والآخَر، وأنظارهم جميعاً متّجهة إلى اتجاه واحد.
بعد 16 ساعة من الانتظار وتَطلُّع العيون طيلة الطريق.. بدأ القطار يقلّل من سرعته بالتدريج. وبانطلاق صوت بوق ممتدّ أعلن القطار عن الوصول إلى محطة سكّة حديد خراسان.
كان عمري 8 سنوات. كنت واقفاً إلى جنب زجاجة إحدى نوافذ القطار لا أتحرّك، وأنا أنظر إلى المسافرين المشتاقين وهم يستعدّون للنزول. قبل هذه السفرة كنت قد رأيت عدّة مرات وصول القطار إلى المحطة الأخيرة في سفراتي مع أهلي إلى الأهواز في الجنوب.. لكنّ هذا الشوق والإيمان الذي أراه الآن عند وصولنا إلى مشهد هو شيء جديد علَيّ.
هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها إلى مشهد مستثمراً أيّام العطلة الربيعية، وها أنا أرى لأول مرة هذه المدينة التي كنت أتمنّى زيارتها من قبل.
ما زلتُ أُفكّر في المنظر الجذّاب الذي شاهدتُه قبل ساعات: كان الجوّ مظلماً، ولا تُسمَع أصوات من داخل القطار، كلٌّ من المسافرين كان مستلقياً في مكانه، وما هناك إلاّ الصوت الرتيب لاحتكاك عربات القطار ببعضها عند نقطة اتصالها. ولم يكن هذا الصوت مُزعجاً للمسافرين المتعَبين، فانّهم أشدّ تَعَباً من أن يمنع هذا الصوت نومَهم.
في مسافات معيّنة.. كان القطار يتوقف فترة قصيرة في المحطات الصغيرة، ثمّ يُجدِّد مسيره بعد عدّة دقائق. في إحدى المحطات لمّا توقف القطار ـ خلال الظلام ـ ارتفعت أصوات متفرقة في الممرّ إلى جانب غُرف المسافرين: صلاة. هذا وقت الصلاة. أسرعوا. ليس لدينا وقت. صلاة صلاة.
المسافرون المتعَبون المستغرقون في نوم عميق.. نهضوا بسرعة بدون اعتراض على مَن قَطَعَ عليهم النوم اللذيذ. شَمَّر كلّ منهم عن ذراعيه، ومضى سريعاً ينزل من القطار. وما هي إلاّ دقيقة واحدة.. حتّى كان عدد كبير من المسافرين قد تجمّعوا حول حوض ماء كبير في المحطة. توضّأوا كلّهم كباراً وصغاراً، ثمّ صلّوا صلاةَ الصبح على رمل المحطة البارد.
هذا كلّه كان بالنسبة لي ـ أنا الذي لم أكن قد رأيت منظراً مثل هذا ـ مدهشاً جداً ومثيراً ومحبوباً لي. في تلك اللحظة رأيتُني أخرج من الممرّ بين الغرف، وأقف في ناحية أتطلّع إلى المصلّين، وقد ذُهِلتُ عن نفسي.. وهم واقفون بين يدَي الله يدعون ويتضرّعون.

* * *

توقَّفَ القطار على مهل أمام باب القاعة الكبيرة في محطة سكّة حديد خرسان، وأخذ المسافرون ينزلون من القطار وهم يتسابقون في النزول.. واتّجهوا كالسَّيل إلى البوّابات.
أمّا أنا ـ وقد كنتُ ذاهلاً أمامَ هذا المنظر المدهش ـ فقد صَحبني أبي وأنزلني من القطار أيضاً. وما أن وضعتُ قدمي على أرض المحطة المفروشة بالحجر حتّى قلت لأبي:
ـ بابا.. هل نذهب الآن إلى الحرم ؟
نظر إليّ بمحبة، وهو يحمل الحقيبة الكبيرة، وقال:
ـ نذهب، أسرِع يا ولدي. نذهب أولاً إلى الفندق ونأخذ غرفة، ثمّ نتشرّف بالذهاب إلى الحرم.
لم أكن أريد أن أنتظر لحظة واحدة، لكني اضطُررت لسماع كلام أبي.

* * *

في الليل.. ارتفع فجأةً صوتُ الأذان. كان صوتاً يُناغي الروح لذيذاً، ملأ ما حول الحرم. صوت دافئ كلّه حبّ وحنان.. وكأنما هو صوت ملائكة في السماء يُنشدون نشيد التوحيد، وهم يَدْعون المُحبِّين المُصلِّين للتحدّث مع الله مرة أخرى.
داعَبَت يدٌ حنون وجهي:
ـ حسين.. انهضْ، نريد أن نذهب إلى الحرم.
وعلى خلاف عادتي كلّ يوم حين أقوم من الفراش بإلحاحٍ شديد من أبي.. نهضتُ بسرعة، وقلت وأنا أفرك عيني بيدي:
ـ بابا.. أليس الوقت الآن مُبكِّراً ؟! هل باب الحرم مفتوح الآن ؟! هل نستطيع الذهاب إلى الحرم في هذا الوقت من الليل ؟!
ابتسم أبي، وقد تهيّأ للذهاب.. وقال:
ـ نعم يا عزيزي، إنّ حرم الإمام الرضا عليه السّلام ـ وهو إمام المسلمين ومنتهى آمال البائسين والطالبين ـ لا يُغلَق في أيّ وقت. إنّ هذا الحرم لا يستطيع أحد أن يمنع الناس من الذهاب إليه. إنّ كلّ إنسان من أيّ بلد كان يقدر ليلاً ونهاراً أن يدخل إليه. دون أن يحتاج إلى إذن من أحد، وبإمكانه أن يظلّ فيه إلى أيّ وقت يشاء.
كنتُ منذ أمس في حالة روحية عجيبة. من هنا كنت أعدّ الدقائق لزيارة حرم الإمام عليه السّلام. وبدون أن أنطق بحرف.. بدأت أرتدي ثيابي، وذهبت مع أبي إلى الحرم.

* * *

الجو الروحاني في عتبة الإمام الرضا عليه السّلام.. مُضاءٌ بأنوار بيضاء حَوّلت الليلَ إلى نهار. كأنّ شمساً تتلألأ في وسط الصحن.
حَمامات الحرم تَخفِق بأجنحتها وهي تتنقّل من مكان إلى مكان، وتظلّ تحلّق بين الناس، وكأنّ علاقة صداقة ومعرفة تجمعها بهم منذ سنوات. الناس يُعاملون هذه الحمامات بمحبّة ومَودّة ويقدّمون لها حبوبَ القمح. ويظلّ الحرم في بحر من النور والضياء، وكأنّه شمعة كبيرة متوقّدة تجتذب إليها الفراشات الوالهة، فتدور بشوقٍ طافح حول وجود الإمام عليه السّلام دون أن تهتمّ للزمن الذي يمرّ. كأنّ الناس يقبّلون يد الإمام وجبينه حين يتبرّكون بلمس وتقبيل الضريح. الجو كلّه عظَمة وجلال ووقار.
وكان هذا كلّه ـ وأنا أُجرّبه لأول مرة ـ مصدرَ محبة وإعجاب. وجوه الزائرين الذين تركوا النوم في هذا الليل وقَصَدوا العتبة الطاهرة بقلوب مِلؤها الأمل والمسرّة.. كانت مغمورة بالنور والصفاء، وكانت مناجاتهم في هذه الساعة أحلى مناجاة. رائحة العطر وماء الورد تملأ الصحن وأنحاء الحرم، وتنبعث الأصوات الخاشعة التي كانت تتوجّه إلى الإمام الرضا عليه السّلام بالقراءة في كتاب الزيارة بصوتٍ مسموع.
أنا أيضاً كنت وسط الزائرين حول الضريح الطاهر. كنت أحاول أن أكون مثلهم.. لكنّي ـ مع ذلك ـ كنت بينهم كالغريب. لم أقدر أن أُحسّ بالتوجّه القلبي في روحانية الحرم. حاولت أن أجعل إحساسي يَخِفّ.. حتّى أصير كفراشة تطير بشوق حول شمعة وجود الإمام عليه السّلام. وذهبت إلى زاوية هناك.. حيث يقوم محراب صغير نُقِشَت عليه أبيات شعرية جميلة بخطّ رائع. وهناك وقفتُ مُستقبِلَ الضريح، ورُحتُ أتطلّع إلى وجوه الزائرين. كانوا يَموجون بمشاعر روحانية ومعنوية عالية، وكانت هذه المشاعر تزداد لحظةً بعد لحظة.
مرة أخرى.. شعرت بشعور الغريب.. ووجدتُ نفسي وحيداً بين هذا الجمع. أردتُ أن أكون بين الزوّار بقلبٍ صافٍ خالٍ من الرياء والشك.. فأطلب من الإمام عليه السّلام أن يساعدني، لكني لم أقدر. وبدون إرادتي سقطت قطراتُ دمع عيني على خدّي. بكيت.. لكني لا أدري لماذا بكيت. أحسستُ أن وجودي كلّه بدأ يتحرّك، وأخذ قلبي يدقّ بقوّة فجأةً شعرتُ أن أحداً يهزّ كتفي. التَفتُّ فرأيتُ أبي ينظر إليّ بمحبة وهو يضع يده على كتفي بلطف:
ـ ولدي حسين، تعالَ نزور الإمام عليه السّلام.

* * *

وعلى أيّ حال.. حان موعد رجوعنا. في ذلك اليوم ذهبت إلى الحرم لوداع الإمام في آخر زيارة. كانت حالتي لا تُوصَف، وأحاسيسي متدفّقة هائجة.
لم يكن لديّ وقت كثير، يجب أن أرجع بعد قليل. لكني ما كنت أقدر على ترك هذا المكان المقدس. كأنّ قوةً جاذبة قوية تَشدُّني إلى الحرم مثل المغناطيس، وتجعلني لا أُفارق هذا المكان. لا أدري كم مَرّ من الوقت. ربّما جرَّبَ كلُّ الناس حالة وداع شخص عزيز حبيب كم هي صعبة. أخيراً.. عزمتُ على الرجوع. ومرةً أخرى سلّمتُ من عُمق وجودي على الإمام العظيم.
بعد ساعة.. كنت في القطار. وما هي إلاّ لحظات حتّى تحرّك من مشهد في طريقه إلى طهران. محطة مشهد مزدحمة بالناس، وما تزال عبارات التوديع والتوصيات تنبعث من راكبي القطار. وبعد أن أصدر القطار صوت بوقه المديد.. بدأ بالحركة. المسافرون الواقفون عند النوافذ يُلوِّحون بأيديهم.. وهم يُودِّعون معارفهم وأصدقاءهم الذين جاءوا لوداعهم.
أمّا أنا وأبي.. فما جاء أحد لوداعنا؛ لأنّه ليس لنا في مشهد أهل وأصدقاء، وكانت هذه فرصة طيّبة لي لأُجدِّدَ عهداً بتلك الحالات الروحية الغامرة، وأُودّع الإمام.
القطار يبتعد بالتدريج عن محطة مشهد. قبّة الإمام الرضا عليه السّلام الذهبية والمنارات تلتمع في هذا الليل كالشمس. وها هي ماثلة بكلّ هذه العظمة الباقية وهذا الجلال الخالد.. وهي تنثر الأنوار على مدينة مشهد.
كنتُ ألتهب بنار داخلية مجهولة، وأحاول ما استطعتُ أن أتزوّد من النظر إلى القبّة ومنارات الحرم، وكنت أبعث إليها بقُبلة في الهواء. حتّى إذا بدأت القبة والمنارات تختفي خلال انعطافات الطريق.. جلستُ على الكرسي، وكان فرح كبير يملأ روحي وقلبي. وكنت ـ في صمتي ـ في مهرجانٍ روحي جميل تغمره معنوية الإمام الرضا عليه السّلام.

حسين تسليمي ـ 12 سنة، طهران
من كتاب: خواطر الزيارة ص 1 ـ 47، نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين.


1 ـ الكليجة: نوع من الحلويات المعجَّنة، نوع من البتيفور.