أبداً.. لن ننساه

هو ذا النّهار قد انتصف، وبدأت شمسُه تَميل.
الشمس فوقَ الرؤوس حارّة لاهبة، وما لَدَيهم في هذه الأرض قَطرةُ ماء. ثلاثة أيّام بلياليها، وهم جميعاً في جُوعٍ وعطش، وجيشُ العدوّ ـ بأعدادِهِ الكبيرة ـ قد حاصَرَ النهرَ القريب؛ لكيلا يَصِلوا إليه.. وسَدَّ عليهم طريقَ العَودة والرُّجوع.
نارُ الشمس، ونارُ العطش، ونارُ العَدوّ.. ولابدّ من الثَّبات والدفاع حتّى النّفَسِ الأخير.
كانوا قِلّة مِن الرجالِ الأوفياء يُحيطون بسيّدِهم العظيم في هذه البَرِّيّة، وإلى خَلفِهم في الخيامِ عددٌ من نساءِ أهل البيت، وعددٌ من الصَّبايا والصِّبيان.. في مَلحمة المقاومة الشريفة والظمأ الشديد:
ـ الماء.. الماء!
ـ العطش. قَتَلني العطش يا أبَتَاه!
ـ جُرعَة ماء! أمَا مِن مُسلمٍ يَسقينا جُرعةَ ماء ؟!
ويُغمى على صَبيّةٍ صغيرة، وتَستَغيثُ أُخرى، ويَلُوبُ طفلٌ رضيع.. ثمّ يَسكُنُ على صدرِ أُمِّه في إغماء. لقد جَفَّ في صدرِها اللّبَنُ مُنذُ يَومَين، وجَفّ منها الرِّيق.

* * *

بعد بُزوغِ شمسِ هذا اليومِ في الصباح.. بدأ هجومُ العَدوّ، وبدأتْ مَلحمةُ عاشوراء.
الرِّجالُ الإلهيّونَ المُنَوَّرونَ العاطِشون.. خَرَجوا إلى المَذبح، واحداً بَعدَ واحد. ما فيهم أحدٌ قد خافَ ـ ولو لحظةً ـ من الموت. أولياءُ الله، مِن الموتِ لا يَخافون. هُم ذاهبونَ على جَناحِ الشَّوق إلى اللِّقاءِ العظيم. يَعُدُّونَ الدقائقَ لموعدِ لقاءِ القاشقِ والمعشوقِ. الحبيبُ في غَيبِ الغُيوب بانتظارِ وُصولِ الأحباب. وأحبابُهُ قد جاهدوا مِن أجْلِه، في يومِ عاشوراء، حتّى قُطِعَتْ مِنهم الرُّؤوس، وهكذا سيَحضَرونَ بين يدَيه.
الآن.. كلُّهم قد عَبَروا ـ في سِباقٍ إلى الموعدِ في حدائقِ الحبّ النُّوريّة.
ما بَقِي إلاّ سَيِّدُهم العاشقُ الكبير.
رأى كيفَ قُتِل أبناؤهُ وإخوَتُهُ وكلُّ الأصحاب. عَبَروا شُهَداء، كأقدَسِ ما يكونُ الشهداء.
لم يَبْقَ في صحراء كربلاءَ غيرُهُ، وغيرُ هذهِ النِّسْوةِ المفجوعات، والصَّبايا المذعورات، وغيرُ آهاتِ:
ـ العَطَش.. واللهِ أنا عطشان!
ـ ماء.. قطرة ماء!
ـ أكادُ أموت.. لم أعُد أرى! أين أنتَ يا عَمّاه ؟!
كان هو أكثرَ عَطَشاً منهم. حتّى لو كان قد وَجدَ شيئاً من الماء لَقدّمَهُ إليهم في عطشِهِ الصابرِ العجيب. يُحِبُّهم من الأعماق، وهم يُحبّونه من الأعماق.. ولكنْ ماذا يَفعلُ في هذا الحَصار ؟!
يَعرِفُ أنّه لن يَتنازلَ لأعدائهِ عن الحقّ، وهؤلاءِ الأطفالُ أيضاً يَعرفون. إذَن عليهِ أن يُواصِلَ الثَّباتَ والمقاومةَ مَهما تحمّلَ مِن تضحيات.

* * *

صَهيلُ الخُيول يَعْلو، ويَعلو الغُبار. وأجسادُ الشهداءِ الداميةُ مَطروحةٌ أمامَهُ على التراب.. هنا وهناك نُجومٌ سَقَطَت في ساعةٍ على الأرض.
سوف يَمضي الآن بنفسِه إلى القِتال. المَوعدُ مَوعدُهُ الآن. سيمضي مُسرِعاً إلى لقاءِ الله. هي لحظةُ وصالٍ عظيمة، طالَما تَمنّاها أبو عبدالله.
ذَهبَ الآن إلى أُسرتهِ في الخَيمة، للوَداعِ الأخير.
ـ آه.. آه! العطش.. يا عَمّاه!
ـ ماء.. يا أبي.. قطرة.. ماء!
اختَلَجَتِ العَينانِ المُقدّستان، ولم تَخرج منهما قَطرةُ دَمع. مِن أين يأتيهما الدّمع ؟! كانَ يَغشاهما مِثلُ الدُّخان.. مِن شدّةِ العطش الطّويل.

* * *

جاءتهُ زوجتُهُ زائغةَ العَينين، مُتعَبة، حائرة.. تَحمِلُ بين يدَيها « شيئاً ». قدّمَته إليه، قالت:
ـ يا أبا عبدالله.. إسْقِهِ ماءً، سيَموت.
حَملَ ولدَهُ الرَّضيعَ بكلتا يدَيه. ليس له مِن العُمر غيرُ شُهورٍ ستّة. أخَذَ يَنظُر إلى وجهِ ولدِه الجميلِ النَّحيلِ. لقد ذَبَل كما تَذبُل وَردةٌ بيضاءُ عاطِرَةٌ في رياحِ ظَهيرةٍ صَحراويّة. وتَذكّرَ وجهَ أُمِّه.. فاطمةَ. القصّةُ طويلة.. بدَأتْ من هناك.
لاحظَ أنّ صغيرَهُ عبدَالله يَلُوك لِسانَهُ في فَمهِ، ويُديرُ رأسَهُ يَمْنةً ويَسْرةً مِن آلامِ الظمأ والجَفاف.
لو كان بَقِي في عينهِ دَمعٌ لَسقاهُ مِن دَمعِ العَين. قال:
ـ حَسْبيَ الله ونِعْم الوكيل.
حَملَ ولدَه إلى خارج الخَيمة.. ومضى.
مضى.. حتّى وَصلَ أمامَ صُفوفِ جيشِ العَدوّ. جيشٌ قد ملأ الأُفُق، لا يُرى له أوّلٌ ولا آخِر.
رَفَعَهُ أمامَهُم على يدَيه، لِيَرَوا ما فَعلَ الظمأُ بهذا الطفلِ الصغير.. فلعلَّ فيهم مَن يَرِقُّ قَلبُه له.
قالَ لهم: أُسْقُوا هذا الرّضيعَ ماءً. خُذوهُ أنتم واسقُوهُ إذا كنتم تَخافونَ أن أشربَ أنا من الماء. جُرعَة واحدةٌ تَكْفيه.. وخلفَكُم النّهُر يَجري، وتَشربُ منه حتّى الكِلاب!
وَقَفَ أبو عبدِالله مادّاً يدَيهِ بالطفلِ إليهم، وظلَّ يَنتَظِرُ الجواب.
وجاءهُ الجوابُ على الفَور. لم يَتأخَّرْ لحظةً واحدة!
أحسَّ أبو عبدالله أنّ « شيئاً » حارّاً بدأ يَسيلُ فَجأةً على كفَّيه. ونَظَر إلى هذا الشّيء، فإذا هو أحمرُ اللّون.. يَتَدفّقُ من رقَبَةِ صغيرهِ العَطشان! ورأى سَهماً أُمويّاً كريهاً قد انغَرَزَ في رقَبةِ الرَّضيع. كانَ السّهمُ قد انطَلَقَ مِن قَوسِ أحدِهم فذَبَحَ ولدَهُ العزيز. ونظرَ إليهِم الإمامُ الصابرُ نظرةً ذاتَ مَغزىً عميق.. ثمّ رَفعَ طَرْفَهُ إلى السماء.
ظلَّ الوَلَدُ يَرفسُ برِجلَيهِ دَقائق، ويَبسُطُ كفَّيهِ ويَقْبِضُهما مِن شدّةِ الألم، وهو يَتَلوّى ـ على يدَي أبيه ـ كالطَّيرِ المذبوح.. حتّى صَعَدَت روحُهُ القُدسيّةُ إلى الأعالي، واستقبلَتْها هنالكَ أفواجُ الملائكة الباكين.

* * *

ذَهبَ عبدُالله رَضيعاً شهيداً ظامئاً كأشدِّ ما يكونُ الظمأ.
ذَهبَ عبدُالله ذَبيحاً مَظلوماً كأقسى ما تكون الظُّلاماتُ في العالَم.
لكنّ صورتَهُ القُدسيّةَ المحفوفةَ بِهالَةٍ من النورِ السّماويّ ظَلَّتْ حاضرةً في ذاكرةِ التاريخ.
وظَلَّتْ صورةُ عُنُقهِ الفِضِيِّ الأبيضِ الذي تَفجّرَ منهُ الدمُ المحمّديُّ الشريف.. تَحمِلُها إلى الأبد كلُّ نَسمَةٍ من هواءِ العالَم.
وما يزَالُ الدمُ الطاهرُ يَقطُرُ على كفِّ أبيهِ الحسينِ صلوات الله عليه.. إلى آخِر أيّامِ الدنيا على هذهِ الأرض.
وما يَزالُ الصِّبيانُ والصَّبايا في العالَم كلِّه يَذكُرونَ حكايةَ الشهيدِ الرَّضيعِ المظلوم.
يَذكرونها كلّما رأوا طفلاً رَضيعاً على صدرِ أُمِّه.
ويَذكرونها كلّما شاهَدوا وَلَداً يَطلُبُ الماءَ مِن العطش.
ويَذكرونها كلّما سَمِعوا عن صَبيٍّ مظلوم يَتَعذّب.
ويَذكرونها كلّما شرِبوا هُم قَدَحَ ماءٍ باردٍ لذيذ.